|
||||||
| Updated: Sunday, July 01, 2007 02:46 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
ـ 4 ـ رغبتُ في السَّير على الأقدام. قلتُ: جميل مساء دمشق في هذا الفصل من عام 1990. سأنطلق من بيتي الكائن في آخر شارع هاشم الأتاسي. وعندما أصل الدَّوار. سأتجه نحو اليمين، ثم أنحرف شرقاً، وسأصل إلى حيّ العمارة بعد نصف ساعة. دارت هواجسي دورة واحدة، ونحن نترك "الكافتيريا" خلفنا ليلة البارحة، ونقطع "ساحة التحرير"، وننحرف بعدها إلى اليمين، وتكون على يسارنا "محطة الجدّ" للمحروقات. دفعتني أمل، وهي تتأبّط ذراعي، فدخلنا زقاقاً طويلاً مستقيماً، سيلفُّ بنا إلى دمشق القديمة. توقفنا قليلاً عند بائع عرانيس الذُّرة، واشترينا عرنوسين... قالت أمل: لا تنسَ الموعد غداً، نحن بانتظارك! قلت: كلّ شيء في كفَّة، وموعدنا في كفَّة... سيحتل مكانة خاصة، فكوني مستعدة لأي طارئ، وأية تبدلات في موقف أبيك. تركت أمل تلج مدخل بيتها في الساعة التاسعة مساء، عدت إلى منزلي مُحمَّلاً بتباشير الغد، وأحلامه. أطفأت الأنوار. فتحت النافذة المطلة على الحديقة كعادتي، التي أصبحت مأوى للسكارى والمشردين. أشعلتُ سيجارة. بدأ الفأر يلعب في عُبّي. مزقتُ من ذاكرتي المخطط الأول لبرنامج الزيارة. صححتُ خطّ السير، ونقطة الانطلاق والوصول. وكان همّي الأكبر هو كيف سأواجه العم عبد الله، ومن أين سأبدأ الكلام؟ عادت طقوس البارحة. حضرت طازجة، بكل اختلاطاتها ورونقها وفحيحها وصمتها سمعتُ كلاماً كثيراً عن أبيها، عن طباعه، حياته اليومية، نفسيته، وعن الاحتمالات التي يمكن أن تقف في طريق مستقبلنا... قالت: إنَّ والدها أسرَّ لها ما في أعماقه من أحاسيس... وحاولت بإلحاح ليَقْبل طلبي لأَنّني كما قلت لـه: أحبّه!. قال والدي: أنتِ تفصّلي وأنا ألبس يا بنتي، لماذا تبكين؟ ومسح دموعي. ثمَّ بدأ يتأمّلني، ويخز روحي بعواطفه. يتساءل: ستتركينني... سأكون وحيداً يا أمل لم يبق لي في الدنيا سواك... لم يبق حولي أحد... أختك تزوجت وهاجرت.. أخوك تزوج وسافر إلى الخليج. لم أره منذ عشر سنوات، وأنت! وأُمُّك رحمها الله تركتني وبكّرت في رحيلها! تراخت تداعياتي. انتفض شرودي، وبصعوبة لملمتُ أشلاء أفكاري، وتساءلت: أين المشكلة؟ رضي أم لم يرضَ! وافق أم لم يوافق! هي إرادتنا وَحدها... سيوافق حتماً، لأنّه عندما يعرف أنّها تخرج معي، يطمئن عليها، ويُسرّ، فهو إذاً يتابع تفاصيل حياتها اليومية. وأمل أيضاً لا تخبّئ عنه شيئاً، فهي تحترمه وتقدّره وتجلّه، وهكذا تَربّتْ على الصدق، وهي الآن في نهاية العقد الثاني من عمرها، ومدرّسة محترمة، نشيطة، محبوبة من طالباتها ومديرتها، تعي ما تقول. تقرأ الصحف، تتابع بعض الدوريات والروايات العربية والعالمية. أنا أعرف بعض التفاصيل عن يومياتها وسلوكها، ومناقشاتها، وتباين مواقفها في عديد من المسائل مع أبيها وزملائها وزميلاتها. كثيراً ما كانت تلخّص لي مضامين الكتب التي تنتهي من قراءتها، فتسرّني، وتوفّر عليَّ الجهد... علماً أننا نصل بعد المناقشات الطويلة إلى سكَّتين متباعدتين. وتتّهمني بتصلّب موقفي وعنادي، وبأنّني رجل خشن، رغم اعترافها بنضارة شبابي وأناقتي. وفي كلّ مرّة تحاورني، تسمع كلاماً جديداً، وتعترف بأنّها امرأة غيورة، لكنّي لم ألحظ غَيْرتها. وعدتُ إلى ذاكرتي. ألهمتني الفطنة أنَّ ما قالته صحيحاً. تذكرت، ونحن نقطع الشارع في نهايات امتحانات العام الدراسي أنّها تراجعت إلى الوراء خطوتين، عندما سلَّمت عليَّ مدرّسة أقل جمالاً منها. التقينا مصادفة، ونحن ننتظر الإشارة الضوئية لنقطع الشارع وبعد اعترافها بمبدأ الغيرة وعدم التخلي عنه أصبحت أتجنب مثل هذه المواقف المُحْرجة. وعندما انتصف الليل توالدت أفكار جديدة، ظهرت بأشكال وألوان متغايرة عن المألوف. خربشت بطباشيرها على سبورة ذاكرتي وأحلامي، فأنتجت معرضاً تشكيلياً، لم أحسب لـه حساباً بأنَّ لوحاته ستُعرض، بهذه السرعة... اختلاطات هاجسية قَدِمت زاحفة، فضّيعتُ كل حساباتي التي ظلّت تمشي معي وترافقني طوال هذه السنين، ثمَّ تعبر في أضيق ممرٍّ، وفي هذه الليلة، بينما كنت بأمسِّ الحاجة إلى الهدوء، وصفاء الذهن. أقنعتُ نفسي بأنَّ في الإعادة إفادة. أذهلني انفجار، يبدو أنّه بعيد عنّي، فتسلَّقتُ السُّلّم إلى سطح البناية. كانت ألسنة اللَّهب تتصاعد، تتخلّلها الأدخنة من الجهة الشرقية... تدفعها الرياح القادمة من محطة للمحروقات في منطقة الأزبكية. بقيتْ أفكاري حبيسة بين جدران الصمت والهدوء المسكون بأنفاس النوم. وكاد النُّعاس يلفظ آخر آهاته، يحثّني على العودة إلى الشاشة الصغيرة. فتَّشتُ في عديد الأقنية والأقمار. فأنا أوَّلَ مَنْ امتلك "الديجتل" بين جيراني ومعارفي. ومن قناة إلى قناة، وجدتُ فيلماً فرنسياً، سحبني معه من بدايته إلى نهايته. تسمَّرتُ أمام الشاشة كتمثال، وكلّما كانت الأحداث تقترب أو تتقاطع معي ازداد شوقي لمعرفة النهاية. كانت عشيقة البطل، كأنّها تحكي قصة أمل، قصة تلك الطالبة في جامعة السوربون، القادمة من الريف الفرنسي... الفتاة الحالمة بعالم آخر يخلَّصها من عنف الأب، المتوهج حماقة، والأم الحنون. قلت بصوت مسموع أخاطب روحي الحائرة: هذه أحوال الدنيا... لكلّ فتاة قصة، ولكلّ حالة خصوصيتها، لكنَّ أمل تختلف بأمور كثيرة عن الفتاة الفرنسية... أنا أعرف أكثر من أبيها حالتها، لقد رافقتها تلك الرحلة التي لم تنتهِ بعد. وأقنعني سفر الحُبّ الطويل، بأنَّ ما يجري في فرنسا، يختلف بمواضع ومواقع عديدة، عمّا يجري عندنا! الصباح الوردي في هذا اليوم يختلف عن صباحات الأيام السابقة اللَّقيطة، فلا رياح تهزّ نوافذ البيت، وتلقي بأوراق الأشجار في الشرفة، ولا غبار يتسلّل عبر "الأباجورات" إنّه طقس معتدل. تغطي الغيوم جزءاً من السماء، ومن الحي والحديقة... وتختفي تحتها بعض أحلامي، وبعض مفرداتي المكرورة التي لا حاجة إليها الآن. وبين غيمة وغيمة كانت خيوط الشمس ترسل دفأها وحُبّها، ويشرق وجهها أحياناً، يضيء عتمة روحي. كعادتي حملتُ قهوتي الصباحية. ركّزتُ قعدتي في الشرفة، أنتظر بفارغ الصبر، زوار الأقنعة والقَناعات المتحجّرة. ربّما غشّني المظهر الخارجي لوالد أمل، ربّما هكذا خلقه الله، قشرة متكلّسة، جامدة، جافة، لعلَّه يكون شفافاً.... سأحاول معرفته. أتمنى أن يكون قلبه كقلب طفل، كما قالت أمل عنه، لكنه يقسو عليها يُشْبعها كلاماً قاسياً في ساعة غضبه. وعندما تكررت هذه الأغلاط، وساءت النوايا، ازدحمت الأسئلة في وجهه، كأنه لم يصدق أنه سيصبح وحيداً! كيف تنقطع هذه النُسغ، ويمرح اليأس والصمت في بيت ظلَّ فترة طويلة يعتزُّ بأُنسه؟ كيف وكيف، ولماذا؟ دفعتْ أمل إلى تجرّع السُّم، ففقد الأب صوابه، غامت أحلامه في أغوار الندم، فاعتذر منها، وهو يصلّي فوق رأسها في المستشفى. حَمَدَ ربّه لأنَّ السّم الذي تجرّعته كان غير كافٍ للموت! مسح دموعه ودموعها. قبّل جبينها. حاولت أمل ألاَّ تلتقي عيناها بعينيه. أتذكر الآن كيف تركها تسترسل بملذّات الخوف، وخرج وهو يفتّش عن المسوّغات لمواقفه السابقة واللاّحقة، فأرخى ستائر بصره فوق بلاط الممر الطويل، النظيف. حاولتُ ألاَّ أصطدم معه، فلذتُ عنه في زاوية، ودخلت غرفة أمل، أنثر فوقها ورد الكلام. أفتح قلبي لها، علماً أنَّ علاقتنا كانت حديثة العهد، فأسرَّت إليَّ، وفتحت كل النوافذ، وفضحت كل الأسرار، في جعبتها الملأى حتى الطوفان. لا داعي الآن لنبش الكلام الذي لا يروق لي في هذا اليوم، لكنّي لم أقدر إلاَّ أن أعيد الماضي بلحمه ودمه وعظامه، لأعيد ما عرفته، وما سمعته عن عبد الله، وهي طقوس تتكرر لاهثة، تصطف قبل أن أخطو خطوة واحدة في هذا المساء اللَّعين!... ـ 5 ـ قبل أن ينعطف الشارع إلى بيت أمل بمئتي متر، كان مقهى النوفرة يتأجج، كأنّه لوحة مزخرفة من القشّ صنعته فلاحة ماهرة. سيَّاح يتحلَّقون على شكل نصف دائرة. تتشارق أنفاس "المؤركلين"، ثمَّ يسود الصَّمت، بينما كان الحكواتي يتلو بصوته الجَهْوَري قصصاً، سمعتُ بعضاً منها من والدي. حاولت الإمساك ببقية الأجزاء، لكنّها تناثرت كالهبوب. الذكريات غير مجدية في هذا الوقت. ألقيتُ آخر نظرة. تابعتُ مشواري في زقاق ضيّق. قرأت على الأبواب العتيقة عنوانات المطاعم (ألف ليلة وليلة) ومطعماً آخر أكثر جمالاً، لـه باب واسع، تصعد إليه بوساطة سُلَّم إلى الطابق الثاني. كانت أصوات تخرج منه، وموسيقا وغناء، على الرغم من المادة العازلة التي تغطّي جدرانه من الداخل. نادلان يقفان يرتديان ثياباً بيضاء، عند زاويتي الباب كأنَّهما تمثالان من الجصين. دعاني أحدهما أن أتفضّل، وهذه عادة متطبّعة في المدينة، ولغة تجارية دارجة، ليس في المطاعم، بل أثناء مرور الناس والسيّاح والغرباء أمام المحال التجارية في سوق "الحميدية". ويسمع هؤلاء كلاماً جميلاً، وترحيباً فائقاً، حتى إنَّ البعض يخجل من كثرة الدعوات المجانية التي تغتصب كلّ الرغبات، لكن الجاهل بأمور المدينة، وحركتها وصخبها، وبالعلاقات التجارية، يغمره الفرح، ويشعر بخلاف ما يسمع، أنَّ أهل المدن كرماء، مثل أهل الأرياف. وتتغير صورة المدينة في ذهن القروي، ولكن بعد زمن قد يقصر أو يطول، وهو الذي يعرف مُسْبقاً أيضاً أنَّ (ابن المدينة يملك من الشطارة والدهاء، ما يجعل القادم إليها يحسد أهلها، وتبهره الواجهات البلّورية اللّماعة والأنوار الملوّنة والموديلات...). القادم من أطراف المدن لم يَعْتد على تداخل الأصوات والألحان وروائح العطور. لذلك عندما يعود مساءً إلى قريته يكون مثقلاً بالمشاهد والحكايات والحاجيات، وتكون معدته ملأى بالأطعمة الشّهية والحلوى والشراب وسواها. تتقاذفه الأسئلة، وتعبث بصرره وأكياسه أيدي الأولاد، الذين يفتّشون عن الحلوى والصنادل والثياب المدرسية. وعندما يفشي سرّه إلى زوجته، عن حياة النعيم والعيش الرغيد في المدينة، يشعر أنّه يعيش خلف العالم، بعيداً عن مناطق البهجة والفرح والرفاهية. فالأرض سرقت عمره، وفيها غرس آماله، لكنّها لم تُنتج سوى المتاعب، وانتظار ما بعد سنوات القحط، ونقص الماء، وانحباس المطر. وهذا لا ينطبق على كلّ القرويين، فقد كان بعضهم أكثر معرفة، يزهو مفتخراً بأنه ما يزال يغرس فأسه في أرضه، ويرفض بشكل صارم أن يبيع منها متراً واحداً للتجار وأصحاب العقارات. وآخرون عَلَتْ قاماتهم، ومساكنهم بعد أن كانت واطئة المنحدرات. وأنا في هذا الوضع، وأثناء مروري في سوق الحميدية الطويل، أتمتّع بجماله وآثاره الصامدة منذ قرون، وأحجاره المتماسكة الرائعة الأخّاذة، بخاصة بعد أن رُمّم السّوق، فكشف عن وجهه الحضاري ـ التجاري الجميل. وفي شماله انفرجت ساحة واسعة، فظهرت القلعة كصرح لـه تاريخ طويل من الصمود، والقدرة على تَحمُّل عاديات الزمن، بسُمْك جدرانها، وارتفاع سورها، وأبوابها وقاعاتها ودهاليزها. انساقت الذكريات... عادت كأنّها تحدث اليوم، همهمت خيول الدرك الفرنسي في رأسي، وهي تُداهم القلعة وتحاصرها قطعان الفرنسيين، كأنَّ آثار نعالهم، وحذوات خيولهم، ما تزال تختبئ تحت قمصان الأسفلت. تناسيت كلّ الأشياء الغرائبية في هذا الوقت، ولا أعرف كيف تقادمت ساخنة بهذه السرعة. إنّه المكان الذي يُفجرّ المُخبَّأ، ويدفع المنسي إلى السطح. يفوح بدفء حبيس، مُريح، مهما كان الفضاء ملوَّعاً بأشكال الاغتصاب والاحتراق والتشظّي. تذكّرتُ حكاية تلك المرأة السّاذجة، الفلاحة القادمة من الجنوب في ستينيات القرن العشرين، عندما خبَّأت صُرَّة الدراهم في عُبّها، ولفتها بقطعة قماش، وخاطتها جيّداً، خوفاً من اللّصوص والنشَّالين، وهي الأرملة التي جمعت قروشها وليراتها، لتوفرها إلى حين الحاجة، والطلب. ومن كثرة ما تلقّت الوصايا والإرشادات من جاراتها اللّواتي أمضينَ عندها سهرة ممتعة، وهُنَّ يتساررنَ. حثثنها على الحرص، وأوصينها بشراء بعض الحاجيات لهنَّ. دخلت المرأة بشوق إلى السُّوق. شعرت بالراحة. وهي تتفيّأ تحت السقف الطويل المقوَّس، وببرودة منعشة في نهاية صيف قائظ. تبدّلت أساريرها. تيقّظت هواجسها، نابضة، حارة... تمنَّت أن تملك المال بما يكفي لابتياع الأقمشة والثياب، بعد أن لاقت ترحيباً بها من عمال المحال، الواقفين على الرصيف ينتظرون الزُّبُن بفارغ الصبر. كانت المرأة "الغشيمة" تسلّم عليهم، ولكنَّ بعضهم لا يرد على سلامها. تعجَّبت المرأة من عبث أهل المدن، وسطحيتهم... تندم على تسرّع الحُكم عليهم، تعود إلى بساطتها، وتقول: إنَّهم لطفاء وطيّبون، تتلامح فوق وجوههم علائم الصِدق، وإن كان بعضهم يلوي رأسه عنّي، بحالة قرف واستهتار وتشاؤم. انتصف النّهار، ولا تزال المرأة تتنقَّل في السّوق من رصيف إلى آخر، ومن واجهة إلى واجهة أخرى، ثمَّ عبرتْ الدخلات المتفرّغة على يمين السوق ويسارها. لم تبالِ بآلام قدميها ورُكبتيها ووجع ظهرها، لكنَّ موعد انطلاق الحافلة إلى القرية قد حان، وإذا تأخرت ستضطر إلى المبيت في المدينة، وهذا أمر صعب جداً. حَبَكت المرأة بدهاء، ومراوغة، قصّة رحلتها إلى المدينة. وأصغت الجارات إليها بأذهان صافية، وتشوّق للاستماع إلى أخبار المدينة. وكلّ واحدة تتحرَّق، بل وتشتهي زيارتها، التففنَ حولها، حاولنَ الاستمتاع بكلّ التفاصيل. ضحكنَ طويلاً، وتهاطلت دموعهنَّ، عندما أسرَّت إليهنَّ، بأنّها كانت تُلقي التحية والسلام على مَنْ تراه في طريقها ماشياً، أو في الواجهات البلّورية النظيفة، وأنَّ أحداً من هؤلاء لم يستجب، ويكلّف خاطره، ويردُّ التحية بمثلها. ومازحتهنَّ قائلة: خرج رجل من محلّه، وشدَّني من يدي، ثمَّ من ثوبي، فَمَانعتُ، وصرختُ في وجهه، وتفلتُ عليه، وهَوَت يدي. كدتُ أصفعه، لكنّه تراجع إلى الخلف... وتجمع جيرانه. التفّوا حولي يتساءلون، وكي يُنقذ نفسه من هذه الورطة، اتّهمني بالسرقة وقالت أيضاً: التجار شُطَّار، يعرفون من أين تؤكل الكتف، فينهالون على الضحيّة بعسل الكلام. يعرضون بضائعهم، فاشتريتُ دون أن أدري. أعلم جيّداً أنّني أُعيد قراءة أشياء من الذاكرة القديمة، لا تخطر على البال. وأكاد أنسى المهمة الشائكة المزمع تنفيذها، والموعد التاريخي الذي سيتقرّر فيه مصيري سأكون مغتبطاً، وفي أوج سعادتي، عندما أصل في الموعد المحدّد، ولا تزال المسافة تحتاج إلى حثّ خطواتي أكثر. ولا أعلم ماذا يُخبّئ لي عمّي من مفاجآت، رُبّما ستكون سارة! المهمُّ الآن أنَّ ثقتي لا تتزعزع بأمل، وهي كذلك، تملك احتياطاً كبيراً ووافراً من المشاعر الصادقة، والرؤية الواضحة. سأحصر تفكيري في فضاء ضيّق، سأبعد عنّي الهواجس الضَّارة، فيما تبقّى من أمتار، فالزّقاق يلتوي نحو اليمين واليسار، وأنا أتجنَّب بائعي الخضار الذين يدفعون عرباتهم ويسوّقون بضائعهم، ويلحّنون بأصوات رنّانة، وهم يتقاطرون وراء بعضهم. ملأتْ أنفي روائح الفول النابت، وجحظتْ عيناي، وأنا أدسُّ بصري تحت ملاءات النسوة اللّواتي يمشينَ خلف أزواجهنَّ. عاهدتُ نفسي ألاَّ أكرر الزيارة في هذا الوقت، وفي هذه "الزواريب". لا أعلم كيف ستسير الأمور في هذا المساء، لكنّي سأكون متفائلاً مهما كانت دواعي القلق التي تحزُّ سكّينها في روحي، وفي جسدي. آخر الخطوات يبدو أنها مشوبة بالخوف، وأنا أدلف في نهاية زقاق مغلق. وبينما كانت أمل تشرق، شممتُ رائحة عطرها، وتلقفتُ ابتسامتها بمحبة. كانت تنتظرني على باب المنزل في تمام الساعة السادسة مساء. * * * دفعتني أمل أمامها... ودفعتني رغبة بهمّة عالية أن أخطو وراءها. أن أترك لعينيَّ حرية البحث والتجوال فوق جسدها، أن أطلق الحرية لخيوط البصر، تتسلّق كل الأشياء المرئية، ولحرية السمع أن تتلقّف كلّ الهمسات. خرجت دقات قلبي المرتعبة تتساقط أمامي، مغسولة بحبّات العرق. كانت تحاول أن تخفف من وقع خطواتها فوق البلاط المزخرف ذي الأشكال الهندسية الرائعة. ينتهي "الإيوان" إلى فسحة الدار الواسعة، ككل البيوت الدمشقية القديمة المحملة بروح التاريخ، ورائحة الياسمين. تتوسط بحيرة أرض الدار, تطلّ السماء عليها ضاحكة نهاراً بشمسها، تسقط النجوم ليلاً متهامسة فوقها، راقصة، وعندما تعطش، تمدّ ألسنتها البلّورية، وتشرب حتى ترتوي. الوقت الآن لا يسمح بأي حديث مخالف للأعراف السائدة، والتقاليد التي نخرها تسابق الزمن والتقدم الذي يطحن الأفكار والرؤوس كحجر الرَّحى. لمحته يداعب سُبْحته الأرجوانية. وجهه شاحب، ولا ينمُّ عن خطر أو نيّة للحصار، يحمل شيئاً من البؤس والصرامة والعبوس، المكسو بآثار قديمة متآلفة... ورُغم كل العلامات المميزة، المرئية، لمعت ابتسامة "زرقاء"، خرجت ملتوية من أعماق مكبوتة. لا يداري في حديثه غير المشوّق أحداً. كان يحاول استنطاقي. يُحدّد الأسئلة بدقة كأنّي في امتحان آخر العام الدراسي. أحضرتْ أمل صينية القهوة. قلت مدارياً صمته، بعد تواتر أسئلته الملحاحة، وكاد أن يُصدر حُكْماً غير عادل. تناولت فنجان القهوة. لفت نظري أصيصٌ في زاوية الصالون الجنوبية. تطلّ منه زهرة فوَّاحة بالعطر، قطعتها أمل قبل وصولي بقليل، كما أسرَّت لي، بينما والدها كان يهاتف صديقه، فشكرتها على حُسن صنيعها، وذوقها في الراهن والمؤجل، وتصوّرها لكلّ الاحتمالات الماورائية. لابُدَّ إذاً أن يتخلّل الحديث كلام أنيس، مثير، خالٍ من الدَّسِّ والوخز، كي أقترب من مُرادي، لأصل إلى غايتي الجليلة. تشجعتُ، واستغللتُ انفراج ضحكة أنيسة، كانت معتقلة بين أسنانه الجوَّانية. خفت أن يهرسها، فتموت، وأحزن، وتتَّسع الفجوة بيننا، بدلاً من تقليصها، حينذاك يتعاظم ألمي، فأطفئ حرائقي بماء الأمل! قلت: تفضّل يا عمّ، هذه سيجارة فرنسية. أجاب: لا أُدخّن. تركته منذ سبع سنوات، ولا يمكن العودة إليه، لأنّه لا يناسب قلبي المرهون بالدواء، وأخاف أن يرتفع "السُّكري" فأبتلي بالزعل والدّوخة، وربّما الانهيار السريع. وهذا يا أستاذ يقلق راحتي، ويرفع ضغطي. لذلك أنصحك بأن تترك هذه العادة غير الحميدة, وأنت شاب في مُقتبل العمر فالدخان لا يخفّف عنك الآلام ولا تمزّق هذا الزمن المكحّل بالسواد. أيّامكم أفضل من أيامنا. هذا واقع لا يمكن تجاهله أو القفز فوقه! طال حديثه المكرور عن الماضي الشحيح بعطائه، فَفقد أنيسته التي وقفت إلى جانبه، طوال سني الجفاف والعطاء، وألحق أخوه ضرراً كبيراً به. وبعد نكوص الفرح، أسند الرجل ظهره إلى الكنبة. تطايرت أنفاسه الواخزة، المتقطّعة. اكتشف سؤالي وأنا أنظر إلى صورة معلّقة على الجدار لرجل يشبهه. صورة كبيرة في صدر الصالون، على زاويتها اليسرى شريطة سوداء. حسبت أن يكون قريباً أو شهيداً يعتزُّ به. قال: هذا أخي الذي يصغرني بسنتين فقط، وهو الأخ الوحيد، ولم تُنْجب أُمّي سوانا، وحرمتنا من الأخوات، ثمّ أردف: تمنيتُ، وأقولها بصدق، يا ليته لم يأتِ. كأنه من رحم امرأة أخرى. تمنيتُ أن أظلَّ وحيداً، حُرّاً، طليقاً، لا أحد يُعكّر صفاء حياتي، وعيشي، ولا يزاحمني على قطعة الأرض في أجمل منطقة في المدينة. كان داهية "لَهَط" كلّ ما ورّثه الوالد، فباع الأرض، وتركني أقتات براتب زهيد... لولا هذا البيت الذي سترني وابنتي أمل ماذا يكون قد حلَّ بنا؟ انطلق لسانه، تحرّر من الخوف المزمن. تأسفتُ لمقاطعته. طلبت منه أن يرتاح ويجيب عن أسئلتي: كيف؟ ولماذا؟ وأين نهاية الطريق؟ لم يأبه لاعتذاري، لأنه يعُدُّ أخاه في عداد الأموات. وأخرج ألبوماً من الصّور وقُصاصات جرائد عتيقة، ومجلات مهترئة الأغلفة الخارجية، كان يحشرها في صندوق مكتبه. وطلب منّي أن أقرأ. قرأتُ عديد العنوانات المؤرخة من أيام دراسته الجامعية إلى أن ترك البلد، وهاجر إلى "إقليم الكاب" في إفريقية. أشار بإصبعه إلى صورة ملوّنة لشركته، يجلس وراء مكتب أنيق، وعنوان آخر بخط عريض (طلبَتْ حكومة الكاب المحلية قرضاً يُقدّر بملايين الدولارات من أكبر تاجر سوري مغترب). ثمَّ فتح صفحة من مجلّة اقتصادية باللغة العربية أيضاً، تهتمُّ بشؤون المال والصناعة، للمغتربين اللّبنانيين والسوريين، الذين يشكلون جالية كبيرة تسيطر على نسبة عالية من الاقتصاد. وكان أخوه "عطا" يترأس مجلس إدارة الشركة، وهي مختصّة في تصنيع الحبيبات البلاستيكية. وصورة أخرى وهو يُلقي كلمة في المجلس المحلّي. كُتب تحتها: (نائب الرئيس الأستاذ عطا حرمون). قال أبو أمل (عبد الله حرمون): اقرأ هنا. وفتح صفحة جديدة. سأل: هل تعرف هذه الصورة؟ كان الرجل الذي أشار إليه من مشاهير إفريقيا والعالم "نلسن مانديلا"، ومَنْ لا يعرف أو لم يسمع باسمه. كان مانديلا في استقبال أحد الوفود الصناعية التي جاءت للتهنئة بالرئاسة لجمهورية جنوب إفريقيا، ويترأس الوفد (عطا حرمون). طلبتُ منه أن يتوقف عن تفجير أكبر لغمٍ أرضي، كان عثرة في مشواره الحياتي الطويل. قلتُ: لا تُرهق نفسك، فاترك الماضي مقبوراً، فأنت ونحن أولاد الحاضر. أنت رجل صبور، أعطيت وقدمت الكثير للناس والوطن، طوال عملك في شركة الكبلات، وبقيت مخلصاً وصادقاً مع نفسك. وراتبك التقاعدي بعد هذه السنين لا يكفي لسدّ الحاجيات الضرورية من دواء وكساء. ـ إنني رجل كما قلت يطارد الألم... أشار إلى عينيه الذابلتين. كانت يداه ترتجفان.. سمعتُ أنيناً يخرج من جرح عميق في نفسه. وكي أخرجه من هذه الدّوامة حاولتُ مواساته، وتغيير سياق الكلام، واختلاق القصص المُغايرة، التي سمعت بعضاً منها في الحافلة أو من الجيران والأصدقاء. عطا صورة مُسْتنسخة من عبد الله، مارس كلّ أشكال الإكراه، والاستغلال، مُذْ كان شاباً. أردف عبد الله: أخطأ والدي "رحمه الله" عندما أعطاه وكالة عامة بأملاكنا، عدا الصفقات التجارية، وأعمال السمسرة مع المكاتب العقارية، وكبار المتنفذين والمسؤولين، فجمع أموالاً لا تأكلها النيران، وهاجر في ليلة مظلمة. اقتصر دوري على الإصغاء، والحياء، وأحتاج إلى وقت للتفكير مليّاً بهذه المسائل الشائكة ويمكن أن تكون مُخْتلقة من الخيال، أو مبنية على أساس من الحقد والغيرة، والإكراه! لا أعلم إذا كان أخفى أموراً، تركها في الظلّ... سأتأكد من أمل غداً، وأعرف الكذب من الصّح. فهل تعترف بالحقيقة، أم أنّها تكون شاهد زور على كلام أبيها؟ أكثر من ساعة، ونحن نتجاذب الأحاديث. لم يعطِ فرصة للآخرين، كي يُدلي بدلوه، ويبيّن رأيه... كانت أمل تصغي بمَللٍ للمرّة العاشرة وتسمع قصة عمها وأبيها. لم تتجرأ على التدخل، لإيقاف سَيْل الكلام، وكسر حاجز الاتهامات، لمتحدّث بارع كأبيها، القادر على صناعة حبكة روائية متماسكة. تنفَّس بعمق... يبدو أنَّه رجل كريم. قال: سنكمل السهرة معاً، ونتعشَّى. أدامك الله يا عمّ عبد الله، لكن...! لكن ماذا؟ جئت أطلب يد أمل منك. أعلم. أريد نسبكم وحسبكم، والتقرّب منكم. أنت شاب لطيف يا أستاذ شادي! شكراً على الاستقبال، وحُسن الضيافة، لكن متى أحصل على الجواب! أترك هذا الموضوع الآن... سأعطيك الجواب بعد أسبوع.. سأبحثه مع ابنتي! أعرف أمل منذ أكثر من عام، ونحن زملاء، في مدرسة واحدة... وإذا كان الأمر لأمل، فهي موافقة حتماً! أعلم.. أعلم، وأنا متيقّن من العلاقة والتفاهم بينكما.. حَكت أمل لي كلّ شيء. ما المانع إذاً من الحصول على الجواب الآن (اطرق الحديد وهو حام). هذا تقليد قديم يا بُني، ولا يمكنني تجاوزه بهذه السرعة، والقفز فوق العادات. ونحن لنا عادات وتقاليد أيضاً، لكنَّ الحُبّ هو الفيصل. كانت أمل تُجهّز العشاء في المطبخ. سمعت حوارنا كلّه. وعندما هممتُ بالرحيل، أدارت وجهها نحونا، فسقط الصَّحنُ من يدها، وتناثر قطعاً صغيرة... تمتمت متفائلة: "انكسر الشر، فأل خير.." تركت المطبخ. عادت إلينا، وألحّت عليَّ بالبقاء للعشاء. هذا واجب الضيافة يا شادي أصبحتُ في موقف لا أحسد عليه، وفي موقع بين أمل وأبيها... أُصبتُ بارتباك، واعتراني الخجل، لكنّه من النوع الخفيف... رافقاني إلى الباب المُطلّ على الزقاق... لم أُصدّق أَنّني خرجتُ، ومشيت الخطوة الأولى في الشارع، فسحبتُ سيجارة من عُلْبة الدخان، وأشعلتها، وبدأت أمتصها بشغف لأشفي غليلي، وأعوّض متحسِّراً، الوقت المهدور الذي ضاع هباءً... انفتح الفضاء أمامي... تنشقتُ الأوكسجين، مما ساعدني على ممارسة فنّ الاغتصاب الكريه لسيجارةٍ فمزقتُ فلترها، عَصَرتها شفتاي بقوة. لفحني نسيم بارد، جفّف عرقي.. فانتعشتْ روحي، وأنا أجتاز ساحة مثلثة، تطلُّ عليها عشرات النوافذ، وعشرات البيوت، وعادت حكايات عبد الله تدور في رأسي، أزعجني خرير الساقية. بلّل المطر الرعدي جسدي، وتسرَّبت المياه عبر مسامات جلدي إلى روحي، وبقي قلبي يخفق، تعباً، وامتدت سحابة سوداء، خيمّت فوقي، أفرغت جعبتها المطرية دفعة واحدة، فصمدتُ، وأسرعت، أتنقّل تحت الشرفات حائراً، خائفاً... أعترف أنني أُصبتُ بفشل ذريع، وعاهدت نفسي أن أحجز يوماً كاملاً للبحث بهدوء، في لقاء شفيف، مخملي مع أمل، دون عصبية أو تعصّب لرأيي. سأترك باب الحوار على مصراعيه، وأنتظرُ أسبوعاً كاملاً لتلقّي الخبر من عبد الله. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |