رجل لكل الأزمنة ـــ فائزة الداؤود

رواية ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2006

Updated: Sunday, July 01, 2007 02:50 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

ـــ1ـــ

أتت إلى المدينة، وتحديداً إلى مبنى المحافظة، قالوا لها: المحافظ وحده من يعيد الحق إلى أصحابه، أكدوا لها بأنه قادر، وما زالت كلمات دحام تطرق أذنها:‏

إن لم تذهبي فالأرض سيسطو عليها مقاولون لا يخافون الله، لكنهم يخضعون لأوامر المحافظ.‏

وعدته بأنها ستذهب: غداً صباحاً أكون في مكتبه، وإن حاول صرفي فلن أنصاع لمحاولته، حتى لو طردني مدير مكتبه، فلن تعوزني الوسيلة.‏

قولي لـه: أنا فقيرة لا أملك شيئاً، بل أخبريه أنك خادمة أو متسولة، معظم الأغنياء كانوا خدماً ومتسولين، ثم أنت بالأصل فلاحة، ابنة ريف، وهذا ليس عيباً، قولي لـه: رغم أصلي المتواضع فأنا لا أريد صدقة يا سيدي. حاولي أن تتذكري كلمة أخرى، ما رأيكِ بِ( يا سيادة، يا فخامة، يا شيخ المدينة ماذا أفعل؟ دائماً تهرب مني الكلمات المناسبة، لا عليكِ، قفي أمامه، أحني رأسكِ قليلاً، لا كثيراً، ثم اقفزي نحوه، أقصد، كوني رشيقة في حركاتكِ، الرجل يحب المرأة الرشيقة، ثم أمسكي بيمينه، أو يساره لا فرق، وبصوت خاشع قولي لـه: يا سيادة المحافظ أو يا شيخ المدينة أنا أمتُك الضعيفة أعيش حياتي خادمة لك مقابل أن تبعد المقاولين عن أرضي، أقصد عن أرض دحام زوجي، يا شيخ المدينة دحام زوجي قضى شبابه وبعضاً من كهولته بين قطيع الأغنام والماعز، دحام زوجي في حياته كلها لم يشمَّ إلا رائحة الفضلات والجلود والحليب، دحام زوجي اشترى الأرض ذراعاً بذراع، دحام زوجي من أجل أن يصبح لـه أرض في هذا الوطن حرم نفسه وحرمنا الطيبات وأنكر على نفسه وعلينا الملذات، فهل تريدنا أن نعود بلا وطن؟ وإذا قال، وعلى الأغلب سيقول: إن الأرض هي ضمن المخطط التنظيمي للمدينة، عاجليه وقولي لـه: إذن نريدك أن تنصفنا، وإذا سألكِ كيف؟ أخبريه أن السعر الذي دفعه المقاولون زهيد جداً، هل فهمتِ؟ لا تنسي، افعلي أي شيء، استغلي هذه المقابلة، حوليها إلى صفقة.‏

عادت تؤكد لـه أنها ستذهب، ولأجله، لأجل أن يظلا معاً ستفعل المستحيل.‏

رفع يديه إلى رأسه مسح شعر فوديه وقال: كلا أنا لا أريد شيئاً، انظري، هو البياض التهم رأسي وما بقي من العمر وإن طال لا يستحق أن تتذللي لأحد من أجله. مرّر أصابعه على شاربيه، أصلح جلسته وعاد يوجه إليها نصائحه:‏

وأنتِ تتأهبين لمقابلته فكري بولديكِ، ضعي أمامكِ هدفاً واحداً هو بيع الأرض بسعر مرتفع، مسكينان، يكفيهما ما عانياه من الفقر والحرمان.‏

وعَدَتهُ بأنها ستنفذ تعليماته على شرط أن يقضي هذه الليلة عندها. وعدها بليالٍ كثيرةٍ سيقضيها عندها، يطرد الصقيع من قلبها، يعوضها عن الحرمان الذي استنزفها صحتها وعافيتها.‏

إيه يا زهوة لو تعرفين كم ستتغير حياتنا، سأشتري لكِ منزلاً جميلاً، وقريباً منه منزلاً لعائشة، وسأعدل بما أمر الله في شرعه، ليلة بجانبكِ وليلة بجانبها، مصطفى وحسين معكِ، وأولادها معها، وفي البناية ذاتها، وعلى الشارع الرئيسي، سأبتاع بكل ما تبقى مخازن، وأعمل فيهما مع ولديكِ حسين ومصطفى، أعدكِ يا زهوة بأنني سأريحهما وأرتاح من الماعز والغنم، لقد تعبت، يوم أربح ويومان أخسر، في الشتاء يجمدني البرد، وفي الصيف تحرقني الشمس، عند الفجر أكون في السوق أصيح ليأتي التجار ويشتروا أغنامي، وعند الضحى أعود بمعظمها، وقبل المساء أكون أنا وعائشة مشغولين بإطعامها، وأنتِ ! أنتِ تستحقين الكثير، هلا نظرتِ إلى نفسكِ في المرآة ورأيتِ آثار الزمن والحرمان، مد يده يبحث عن وسادته ولما لم يجدها، ناولته وسادتها أشار بيدهِ لتقترب منه، فتح ذراعيه ليحتضنها، تمنعت، شدها، فجرَّت جسدها نحوه، استلقت إلى جانبه، استرخت، سحب ذراعه من تحت رأسها واستبدلها بالوسادة، أصلح جلسته، قال بصوتٍ يتدفق أملاً:‏

إذا كانت الصفقة مربحة فستكونين لي لليلتين متتاليتين، مقابل ليلة لعائشة، لكن ليس على هذه اللبادة القذرة ولا في هذه الغرفة العفنة ولا في هذا الحي الفقير.‏

عاد يوجه إليها نصائحه هامساً: قولي لـه أن لا فراش عندكِ تنامين عليه، ولا غطاء يمنع البرد عنكِ، صارحيه، لكن ليس بكل الحقيقة، لا تخبريه بأنكِ قتلتِ رجلاً حاول اغتصابكِ، كوني سلسة ناعمة، لطيفة.‏

أمسك بطرف عباءتها البرشاء وقال: ارفعي عباءتكِ قليلاً، إلى هنا.. لا لفوق الركبة بشبر أو بشبرين لا عيب، حتى لو كان لفوق الركبة بثلاثة أشبار، هو الرجل حين يرى ساق المرأة الغريبة يدوخ، وإذا أراد أن يلمسها لا تعترضي، الله سبحانه وتعالى يغفر، هو أحياناً يغفر للفاسقات اللاتي يعرضن سيقانهن من أجل نزوات عابرة ورغبات محرمة، لعنهن الله إنهن الفاسقات والنار بانتظارهن. أما أنتِ ! أنتِ ستكونين في الجنة لأنكِ حرة وشريفة، تبين ساقها فقط لشيخ المدينة ومن أجل أرضها وزوجها وأولادها.‏

ارتفعت يد دحام إلى وجه زهوة، لامسته ثم انزلقت إلى عنقها وتبعثرت أصابعه على هرمي جسدها:‏

زهوة افعلي أي شيء تجدينه يرفع سعر شراء الأرض، أنتِ لا ينقصكِ شيء، وجهكِ ما زال طرياً ناعماً، عنقكِ يذكرني بيوم رأيتكِ لأول مرة، أما صدركِ فبرغم السجن والزمن ما زال على قساوته، لو أني شيخ المدينة لفرضت على المقاولين شراء الأرض بالملايين، أي أمتع نفسي وأفرض عليهم السعر الذي تريدينه ولا أخسر شيئاً.‏

لم تنم زهوة. ولا دحام زار الرقاد أجفانه، زهوة تحلم وهو يحلم، زهوة ترسم وهو يرسم، أمسكت عرفها الطويل، همست: من هنا، حتى الكتف، لا حتى الأذن تماماً، من سيكون الحلاق؟ غداً حين أعود أسأل عن أفضل حلاق في المدينة. امتدت يدها إلى عباءتها المجعدة، استعرضت أسماء دكاكين القماش التي تراها في ذهابها وإيابها، تذكرت ألوان القماش المعروضة على الواجهات، استحضرت أسماء الخياطين الذين تطرق أبوابهم لتحضر منها ثياب سيداتها، خياط السيدة فوزية، لا، لا حين أحضرت لها البذلة الرمادية سمعتها تقول: جورج خرف، الزر الأخير لا يوازي العروة، إذاً ميشو، ميشو صاحب المقص الذهبي، السيدة زكية كلما ارتدت بذلة خاطها ميشو أسمعها تقول: يقصف عمره، صحيح مقصه ذهبي. بقيت علب الغندرة، سأقتني جميع أنواعها ومعظم أشكالها، وسأستعين بخبرة السيدة زكية فهي لابد تعرف الكثير عنها، وكذلك العطور، العطور بكل أنواعها، سأرتبها وراء بعضها كرتل المساجين، أبدأ من الأقصر إلى الأطول أو بالعكس.‏

عادت زهوة تتذكر غرفة السيدة فوزية، تذكرت الروائح الزكية التي تفوح في أرجائها، في كل مرة تدخلها تخال نفسها في عالم لا علاقة لـه بالعالم الذي عايشته، عالم السيدة فوزية عالم تسكنه الملائكة، تنتشر في جنباته الزهور، ترفرف في أرجائه طيور حملت من الجنة روائح زهور سماوية، وحين تخرج زهوة تشعر بأنها سقطت من الجنة إلى مكان تفوح منه روائح خاصة بأهل الأرض، رائحة الطعام، رائحة الفضلات، رائحة الدم.‏

استرسلت زهوة في أحلامها، اقتربت من دحام، التصقت به، أغمضت عينيها، حلمت بأصابعه الخشنة تقتحم جسدها، تغوص في أعماقه، تزرع زهوراً قرمزية تنعش نبضات الرغبة، تلتصق به، تتمنى لو ينزع عن جسده كل شيء، لو يتعرى ويضمهما دثار واحد، يلتفان به ولا يخرجان منه إلا بعد أن تطرد الزهور القرمزية آخر دودة ثلجية، هتفت: الحب قادم، وكذلك الدفء والأمان، دحام لن يتخلى عني بعد اليوم، مصطفى وحسين دائماً معي، كل يوم أوقظهما، أقبلهما، أحتضنهما، أعد لهما الطعام وأودعهما؟....‏

صرخت: دحام سأفعل كل شيء من أجلنا، من أجل أن نكون معاً، دحام، دحام هل تسمعني؟‏

لا يدها التي هزته، ولا صوتها الذي ارتفع عن المعتاد استطاعا أن ينتشلا دحام من أحلامه:‏

سأشتري تراكتور، تراكتور؟ لا، أشتري سيارة شحن كبيرة، شاحنة تتسع لعشرات الخراف والماعز والنعاج، أشتري شاحنة كشاحنة عسَّاف السمسار، إي، أشتري شاحنتين، إحداهما يقودها حسين، والثانية يقودها مصطفى، زفر زفرة عميقة وقال: إيه يا زهوة، الله لا يعيد أيام التعب والشقاء، شيخ المدينة هو أملنا الوحيد، وإذا ساعدنا.....!.‏

وعاد يرسم ويحلم، وكذلك زهوة ترسم وتحلم.‏

حين ترسل السيدة فوزية في طلبي أروح بثياب جديدة وعقود الذهب تهتز في عنقي وتتراقص على صدري، أطرق باب بيتها، أسألها عن لفاية تنظف لي البيت.‏

صوت دحام أعادها إلى الغرفة الباردة:‏

سمعت رجلاً يقول: بابه مفتوح دائماً، وقالوا....‏

شرد دحام، ولم تسأله زهوة أن يكمل، فليحلم كما تحلم:‏

أطلِّق عائشة، وكذلك زهوة، كبرتا، لا، لا حرام، عائشة بنت الثيريب، وزهوة مقطوعة من شجرة وستذهب إلى شيخ المدينة، أنا من النشامى والنشامى لا يخونون الخبز والملح. أتزوج إي أتزوج أحلى بنت بالثيريب، صفية أو خدوج، يا الله، أشوف، حين ترجع زهوة يتحدد إن كنت سأتزوج زيجة ثالثة.‏

وكأن شيئاً آخر شغل رأس زهوة، كلمة منعتها من الاسترسال في أحلامها، كلمة سمعتها من دحام، ولأنها في شكٍ مما سمعت عادت تحثه على تذكر الرجل الذي أخبره أن المحافظ من الساحل، أجابها بنبرة من يريد التخلص من محدثه.‏

هم أولاد الشيوخ يصيرون مسؤولين، والكل يعرف أنه ابن شيخ.‏

سؤال آخر منعه من الاسترسال في أحلامه، وليجيب عليه دون أن يقطع أحد سلسلة أفكاره، طلب من زهوة النوم، ثم رمى الغطاء فوقها، فتناثر منه وبر جعلها تستسلم لنوبة سعال طويلة.‏

ثم بدأ يحسب مساحة أرضه، ويضع أسعاراً مفترضةً للدونم الواحد، تارة يرفع سعر الشراء، وتارة يخفضه، ثم يقول: في أسوأ الأحوال يكون سعر الأرض مليون ليرة، مليون...!، يرسل صفيراً عالياً، ويجلس ثم يستلقي.‏

سألته زهوة بعد غفوة قصيرة إذا كان الفجر ما يزال بعيداً، ضبط نفسه وطمأنها بأن الغرفة ما زالت مظلمة، والنافذة الوحيدة لم ترسل ثقوبها أية إشارة تنبىء أن المدينة بدأت تنهض، استغل سؤالها ليحثها على العمل لترك هذه الغرفة السوداء، وذلك بعد أن يعدها المحافظ، وعاد يحذرها من وعود المسؤولين وينصحها بالعمل والصبر حتى تصبح النقود بين يديها، وحتى ذلك الوقت عليها الاستعانة بالأصوات لمعرفة الوقت الذي يحكم المدينة، فالأصوات النشيطة تعني أن النهار في أوله، والأصوات المتعبة تعني أن النهار في آخره، والأصوات الحالمة تعني أن الليل في عزه، وعاد يحثها على النوم لأنه، أي النوم، يفيد الوجه ويريح العقل ويطلق اللسان‏

سكنت الأحلام في الغرفة القبو، لكن الأحلام لم تسكن في رأس زهوة، دارت معها حول المبنى الكبير، رافقتها حتى الباب، انتظرت معها في مكتب المحافظ، والأحلام لم تفارق دحام بالرغم من محاولته شغل نفسه بإحصاء الأثاث الموجود في الغرفة الصغيرة لبادة، لحاف، موقد كاز، ثياب قدر أنها ربما حصلت عليها من بيوت الخدمة، حصير ممزقة، مسند فقد بعضاً من محتوياته، وسادة محشوة بثياب ممزقة، لوح خشبي رطب وزع عليه ثلاثة قطرميزات صغيرة في أحدها سكر وفي الثاني ملح، وفي اسفل الثالث حفنة شاي، فتح النافذة الوحيدة، فاقتحمت رائحة كريهة الفضاء الحبيس أغلق الفتحة الضيقة تأفف شعر بالأحلام تتحول إلى جناحين يدفعانه إلى الشارع تسلق السلم الإسمنتي فوجد نفسه أمام باعة البسطات وعربات تسربل بغالاً أمام البيوت الرمادية؟ طارت به أحلامه إلى شارع آخر، توقف يسأل عن أسعار المخازن، سأل عن أسعار البيوت ثم عاد إلى الغرفة. يا للخيبة لم تعد بعد، أين ذهبت؟ كيف قالوا مكتبه مفتوح؟ كيف؟ ألهذا تأخرت؟ لم يأت دورها بعد. لا، لا ربما هي معه الآن؟ إلى جانبه تفاوضه. أحس بالندم لأنه لم يشتر لها عباءة شفافة، ندمه هذا يحدث دائماًً، دائماً نظن أنفسنا أننا فعلنا ما يجب فعله ثم نكتشف ثغرات كثيرة وهذا يسبب لنا ألماً كبيراً وخسارةً لا تعوض، مع دحام الأمر مختلف، الندم تلاشى وبرز الأمل قامة كبيرة، تأخرها فسره على أن السعر سيكون خيالياً وإلا لماذا تأخرت؟ لو أن خبرتها تخطت معرفته لكان الأمل اكبر بكثير، امرأة ريفية تخلقت بأخلاق البداوة ثم عاشرت نساء سجينات ثم...... لا خبرة لها في طباع الرجال خاصة أولئك الذين يقبعون على كرسي المسؤولية من يدري قد يحب فيها بساطتها، عينيها، شعرها، قامتها الهيفاء، لو لم تعجبه لكانت الآن هنا، أما وأنها تأخرت! فالأمل كشجرة كاد الظمأ يقتلها وإذا بفيض ينداح عليها، فتورق وتنمو وتكبر، تكبر.... ثم! أتراها ستزهر؟ الساعات القادمة ستجيب على تساؤلات دحام.‏

أحلامه دفعته مرة أخرى إلى قلب المدينة فخرج يسأل عن أسعار البنايات والشاحنات، أعجبته شاحنة حمراء، أحصى نقوده، ناولها إلى صاحب مكتب لبيع وتأجير السيارات، دار الشارع مرة أخرى فرأى شاحنة أكبر، عاد إلى المكتب، طالب بالنقود، أخذها ولم يعترض على أنها نقصت، الخوف من هروب الشاحنة منعه من الاعتراض، وقف على الرصيف أكثر من ساعة، عاد إلى المكتب، سأل صاحبه عن شاحنة رمادية كانت تجوب الشارع الرئيسي، التبس الأمر على صاحب المكتب، وأشار إلى أن المدينة تعج بالسيارات الرمادية، ومن حسن حظ دحام أنه ميزها عن غيرها بحوتٍ يكاد يبتلعها. هز صاحب المكتب رأسه، وسمَّى الشاحنة التي أعجبت دحام (شاحنة الحوت الأزرق): تريد أن تشتريها؟.‏

عادت النقود إلى جيب صاحب المكتب ووعد الأخير دحام بأن الشاحنة ستكون هنا بعد ساعتين. قبل انقضاء الساعتين كان دحام في المكتب يطالب بآلافه الباقية ليشتري بها أرضاً أعجبه موقعها فلقد وجد أن شراء الأرض أفضل من شراء المخازن، أرض في قلب المدينة تساوي هكتاراته الثلاثة، قناعاته هذه تغيرت بعد أقل من نصف ساعة فعاد يستعيد المبلغ الذي دفعه عربوناً لثمن الأرض إذ قال:‏

عندي عشرات الدونمات وأكاد لا أستفيد منها بشيء، أما المخازن!.‏

هو يسمع دائماً أن المخزن يشتري منزلاً وأرضاً ولذا قرر أن يشتري مخزناً أعجبته واجهته، وحين دخل إليه أعجبه اتساعه، أعجبته التحف والأثريات الموزعة في أرجاء المخزن بشكل أنيق منظم، سأل عن ثمنه فأجابه شاب كان يجلس وراء طاولته: بأن هذا المخزن ليس للبيع فأبدى دحام استغرابه وقال في سره: إن لم يكن هذا المخزن للبيع فلماذا يعرض على الشارع؟، حقاً إن سلوك سكان المدن مضحك.‏

دسّ نقوده في جيبه وثمة شعور بالخيبة انتابه بعد خسارته لثلاثة آلاف، ثلاثة آلاف مبلغ كبير، إنه حصاد أشهر، الآن يراه مبلغاً تافهاً إذا ما قارنه بما سيقبضه اليوم، وعلى أكثر تقدير غداً، وأسرّ في نفسه بأنه سيجعلهم يندمون اليوم أو غداً، سيحمل كيس النقود ويفتحه أمامهم يسألهم عن الموقع الأفضل في المدينة والشاحنة الأكبر والمخزن الأجمل والأرض الأوسع، سيطلب منهم أن يصنعوا لـه شاحنة تحمل كل أغنام الثيريب وحلب.‏

نعم سأجعلهم يتحلقون حولي كالقطيع حول كومة شعير، لكن، والله سأمنعهم من تذوقه، تذوقه؟ الجشعون، سرقوا نقودي، المراوغون بنصائحهم البخلاء حتى برد السلام.‏

ولأجل أن تتحقق أحلامه عاد مستعجلاً إلى الغرفة الصماء ليجدها كما تركها صامتة، توقف عند الباب، داخلت الشكوك السوداء نفسه، عاد يتأكد من مقبض الباب، هز رأسه وعاد أدراجه إلى الشارع، لم يعد ينظر إلى واجهة المخازن، ولا استوقفته بقعة أرض نظيفة، ولا لوَّح بيده لشاحنة أعجبته ضخامتها. هو الآن يتساءل إن كانت تفعلها، وحين تدفعه شكوكه إلى اليقين، يقبض بأصابعه على راحة كفه ويصرخ: كلا، روحها بيدي، أذبحها أو أرسلهما وراءها، يقتلانها ويعيدان النقود إليّ، الخائنة ! هل نسيتهما؟ سأجعلهما يذبحانها ويشربان من دمها!.‏

شكوكه تتلاشى حين يتذكر أنها مقطوعة من شجرة، لا أم، لا أب، لا أخ، فقط زوج أو نصف زوج، ولو أراد أن ينصف لقال ربع زوج. حين يتذكر أنه طلقها بعد شهرين من دخولها السجن يخجل من نفسه، ويزداد خجله حين يتذكر كيف طردها يوم خرجت تسأله عن يوسف، وترجوه أن يدعها تعيش قريبة منه في غرفة مع ولديها حسين ومصطفى، خجله هذا كان فيه شيء من القسوة على نفسه، فهو وبعد أن أشيع في الثيريب أنه طردها عاد يبحث عنها، وحين وجدها أعلنها زوجة أمام عائشة والأولاد، ثم صار يزورها مع ولديها، يحمل إليها السكر والشاي والحليب، وأحياناً يزورها وحيداً ويقضي ليلته معها في غرفتها المظلمة، وحين يعود إلى الثيريب يتأفف من كساد السوق الذي اضطره للمبيت في حلب ليتسنى لـه بيع ما بقي من قطيعه، تأففه هذا كانت تفهمه عائشة وتتجاهله، فهي تعرف أن الكساد حالة تضطر تجار الثيريب إلى المبيت أياماً في حلب، ثمة فرق أو أكثر بين دحام والآخرين، هو بدأ كساد سوقه بعد خروج زهوة من السجن، وهم كسادهم قديم، هم يعودون وقد خسروا أضعاف ربحهم، وهو يعود بربحه وبهدايا يحملها إلى عائشة.‏

هذا الكساد لم يزعج عائشة، فهذه المرأة التي قبلت بدحام زوجاً ولم يمر على سجن زهوة سوى شهر وبضعة أيام، عانت الكثير، فعدا أنها وجدت نفسها أماً لولدين لم تلدهما، فإن شبح زهوة ظل يلاحقها، حتى بعد أن أصبحت أماً لولدين أنجبتهما.‏

يستيقظ دحام على صوت بكائها، تشير بيدها إلى الباب (إنها هي، رأيتها تدخل الغرفة، دحام، إنها تختبئ في مكان ما، في نملية المؤونة أو بين الأولاد، إن لم تعدها إلى السجن فستقتلني).‏

يرجوها دحام أن تكف عن هلوساتها، ترفع صوتها مهددة بأنها ستتركه وترحل،‏

يترك فراشه، يفتش الغرفة، يخرج إلى الزريبة، يقف على الباب ثم يدخل كوخ صبيحة، فتسأله: مرة أخرى زهوة؟ عائشة ستحولك إلى رجل مجنون، ثم تأسف لأنه استبدل الحمائم بالغربان، وقبل أن تكمل صبيحة تعليقاتها يذهب ويدخل إلى عائشة ليؤكد لها بأن زهوة لم تخرج من زنزانتها. هذه المعاناة التي استمرت أعواماً انتهت يوم زف دحام لعائشة خبراً مفاده أن زهوة خرجت من السجن، وأهل صفوان كانوا لها بالمرصاد، فقتلوها في شارع النور، الشارع الذي كان يسكنه ضحيتها صفوان ، استرخت عائشة على المقعد، أطلقت زفرة طويلة، همست: الحمد لله، أخيراً أنام بلا كوابيس، أسير بلا خوف من يد تمتد إليَّ وتقتلني.‏

بعد ستة أعوام من حادثة القتل المزعوم يُطرَقُ باب غرفتها، يفتحه حسين ليجد أمامه امرأة يغطي السواد كامل جسدها، تضحك عائشة من نفسها حين تتذكر ذلك اليوم: لم يكن الأمر مخيفاً بالقدر الذي تصورته، امرأة متشحة بالسواد تقول: أنا زهوة، ثم ترجوني أن أدعوها للدخول، وحين تدخل أراها أمامي امرأة منكسرة حزينة، شاحبة ،قليلاً لكنها جميلة، جميلة جداً وكأنها لم تدخل السجن يوماً، قلت في سري: لو أنها خرجت منذ زمن لأراحتني واستراحت.‏

وحين أتى دحام أخبرته أن زهوة في الداخل تنتظره، وتضيف عائشة: مسكينة زهوة، زرعتْ وحصدتُ، جمعتِ الرحيق وقطفتُ الشهد، ملأتُ العنابر والجرار وهي لم تلحق شراء العنابر والجرار، هي ما زالتْ تطرقُ الأبواب، تغسلُ، تمسحُ تكنسُ، تطبخُ، وأنا أخدمُ نفسي وأحياناً أجدُ من يخدمني، مسكينة، لولا كساد السوق لا أظنه يطرق بابها، يحمل إليَّ قطع القماش والأحذية والعطور لأغفر لـه خيانته، يذهب إليها وبيده أوقية شاي أو كيلو سكر.‏

الهدايا كانت ثمن مبيت دحام عند زهوة يدفعها لعائشة ثمناً لسكوتها ولحماية زهوة، بل هو يقول: إن حماية زهوة هي الهدف.‏

وحين أعادها إلى عصمته اشترط السرية التامة، وكانت عائشة تردد: هذا الأمر سيتم، رفضته أم قبلت به، أما الأولاد، خاصة مصطفى وحسين، فقد وجدا بإعادة أمهما إلى عصمة دحام حماية لها وراحة لهما.‏

ثمة سؤالان يفرضان نفسيهما وهما: لماذا طرد دحام زهوة؟ ولماذا قرر بعد ذلك إعادتها إلى عصمته؟.‏

يوم دخل إلى المنزل ورآها جالسة، إلى يسارها حسين وإلى يمينها مصطفى ألقى عليها سلاماً جافاً، وأدركت أن عليها الخروج، لكن ليس قبل أن تسأله عن يوسف، وحين سألته أجابها بنبرة من يريد التخلص من محدثه: لا أعرف، خرج ولم أره بعد ذلك. ثم أمسك بيدي حسين ومصطفى ودفعهما بعيداً عنها، فوجئت زهوة بسلوكه هذا، وقفت، ولم يطلب منها الجلوس فخرجت وتلكأت قليلاً في الخارج، عله يراجع نفسه ويعتذر لها عن قلة لباقته، لكنه لم يفعل، فحثت خطاها وهي تتعثر بدموعها، وحين وصلت إلى غرفتها قررت ألا تستسلم، دحام طردها لكي لا تطالب بولديها ولا بحقهما بالأرض التي اشترياها ذراعاً بذراع، وكان يردد أمام الجميع (اشتريتها ذراعاً بذراع)، قررت زهوة الاستعانة بعائشة لأخذ ولديها، وبعد ذلك تطالب بحقهما مع يوسف من الأرض. يوسف! تساءلت: أين هو؟ أهو ميت أم حي؟ لماذا لم يزرها في السجن ويحدثها عن هاجر ومجدلون ونضال؟ ماذا حدث لهم؟ هل اعترض طريقه أحد؟ قحطان مثلاً؟ حزمت زهوة أمرها وقررت البحث عنه واستعادته، لكن ليس قبل الفوز بقطعة أرض، نعم الأرض ضرورية لتحقيق الحلم الكبير، حلم العودة إلى مجدلون، خير لها أن تعود قوية غنية من أن تعود ضعيفة فقيرة، اكتشفت زهوة أثناء وجودها في السجن وطلاق دحام لها أن بذرة الحنين إلى مجدلون لم تمت، راحت تسقيها بكل ما تعلمته في مجدلون والثيريب، فأوعزت إلى جسدها أن يقاوم العفن الرابض لها على الجدران الوسخة، كانت زهوة خلطة عجيبة من ثلاث نساء، زهوة العباس، هاجر، صبيحة. حدثتها هاجر عن أحلام زهوة العباس، وظلت طوال فترة وجودها تلقنها أقوالها وتحدثها عن أفعالها حتى باتت تعتقد أنها زهوة العباس بروحها وعقلها وذاكرتها، واكتسبت من هاجر ما تكتسبه الابنة من الأم، أما صبيحة فعلمتها أنه في النار وفي عز الطوفان ثمة طريقة للنجاة وعليها البحث عنها.‏

تمسكت زهوة بهذه الخلطة العجيبة وكانت كل صباح تخرج مرآتها وتنظر إليها، تقول لعينيها: انظري هاهي مجدلون أمامك بسفحها وواديها وتلتها، وتمرر أصابعها على خديها وتخاطبهما: لا تنخسفا، أمنعكما، أنسيتما أطباق هاجر وسلالها ومزهرياتها، ويزداد ألق الخدين، وتمسك بشعرها تعقصه إلى الوراء وتحدثه قائلة: وأنت تذكّر أن نضال كان يحبك كثيراً، ثم ترميه على ظهرها فينسدل طائعاً، ولأجل أن يظل لعينيها بريقها كانت دائمة الابتسام، أما خدَّاها وشعرها فكانت تستعمل لأجلهما كريمات وزيوتاً تشتريها من سجانة كانت تبيعها لمن ترغب من السجينات مقابل أشغال الإبرة والتطريز وقبعات وكفوف وكنزات صوفية، وهي أعمال أتقنتها وأضافتها إلى فن صناعة الأطباق والمزهريات. باختصار استطاعت زهوة أن تحافظ على رأسها وجسدها دون أن تسمح لأحد بتدنيس نفسها. بعد ثلاثة أشهر من دخولها السجن تقدمت بطلب إلى الإدارة تعلن فيه عن رغبتها في تعليم القراءة والكتابة للسجينات، وهو أمر لم يكن مألوفاً، فإدارة السجن اعتادت إدخال أعمال يدوية إلى زنزاناتها، وكانت تقدم التسهيلات اللازمة لتعليم السجينات.‏

أما تعليم القراءة والكتابة فهو أمر لا تمنعه السجون، وأمام إصرار زهوة وتأكيدها أنها تحمل شهادة ابتدائية استجابت إدارة السجن ليضاف وقت لتعليم القراءة والكتابة للسجينات وهذا ما شجع زهوة لتقديم اقتراح آخر يتضمن رغبتها في تعليم السجينات فن صناعة الأطباق والمزهريات والسلال، وهذا الفن جديد عرقله صعوبة الحصول على المواد الأولية، إلا أن الإدارة استجابت مرة أخرى لنشاط زهوة وكرمتها بأن خفضت فترة سجنها خمس سنوات، حتى إذا خرجت وجدت نفسها زهوة أخرى، صانعة أطباق تتقن كافة أشغال الإبرة، حائكة صوف ماهرة. قبل أن تخرج كانت قد وضعت في رأسها تخيلاً يكاد يكون مطابقاً لحجم أولادها، فحاكت لهم الكنزات والقبعات ولم تنسَ طاولاتها وكراسيها وفراشها، فاشتغلت لها الأغطية والستائر، وحين خرجت أعطت ولديها الكنزات والقبعات وباعت الأغطية والستائر لتستأجر بثمنها غرفة في حي حقير بعيد عن المدينة، في تلك الأثناء كان دحام حائراً وقلقاً لأن السعر الذي دفعه المقاولون لم يرضه رغم أنه يساوي عشرة أضعاف ثمن الشراء، وهو سعر يراه دحام قليلاً لأنه يسمع بأن المقاولين هم عصبة جشعة هدفها الربح ويفعلون أي شيء لمضاعفته، يستخدمون الرشوة، أعوذ بالله، أيعقل هذا؟ الرشوة؟ و... ويقولون إن المسؤولين يتواطأون مع هذه العصبة ويتخلون عن بعض مكاسبهم أمام المرأة، بالطبع، المرأة التي يتخلون لأجلها عن بعض المكاسب لا تشبه عائشة بشيء. هذه الفكرة أبعدها فوراً من رأسه لأمرين أولهما: عائشة لا ترضي أي رجل وثانيهما يتعلق بأخلاق البداوة التي تستهجن هذا السلوك، قناعته هذه كانت ستستمر لولا أنه أطلق العنان لخياله وصار يضع تصوراً لأشكال النساء اللواتي يدفعن المسؤولين للتخلي عن بعض مكاسبهم، ولأجلهن يفرضون ما يناسبهن، قاده خياله إلى زهوة، زهوة الجميلة تنساق مع الحلم وتجاهد لتحقيقه، ولديها ما يؤهلها للقبض عليه، زهوة بعينيها الواسعتين وشعرها الذي يتراقص على كتفيها، وجسدها الممتلئ الرشيق، نعم إنها هي، المرأة التي لأجلها يفعل أي مسؤول المستحيل لإرضائها، لكن، هل ستقبل زهوة القيام بهذا الدور، حين وجّه إلى نفسه هذا السؤال أدرك حجم غلطته يوم طردها، لكنه لم يعتذر، بل تجمَّل بالصبر، فهي لابد آتية لرؤية ولديها، لن تستطيع الابتعاد لفترة طويلة، وكان حدسه في مكانه فرحب بها وعرض عليها أخذهما معها إن شاءت. لم تصدق ما سمعت، وسيخبرها فيما بعد بأن سلوكه معها في المرة السابقة كان ناتجاً عن قلق على مصير الأرض التي اشترياها ذراعاً بذراع ورافق مصطفى وحسين أمهما ومعهما نقود وطعام لأسبوع كامل.‏

بعد ثلاثة أيام طرق دحام باب غرفة زهوة واستقبلته وطلب من الولدين أن يتركاهما لوحدهما. جلس دحام على حصير ممزقة وراح يحدثها عن الأرض وعن يوسف الذي سافر للبحث عن قبيلة والده ولم يعد. شردت زهوة وتساءلت: هل وجد يوسف جدته هاجر؟ ماذا قالت لـه؟ هل دلته على والده؟ هل وجدها؟ ألهذا لم يعد؟ انتشلها من شرودها عرض دحام برغبته بأن تعود لـه زوجة ثم حدثها عن منزل كبير سيضمها مع أولادها، أشرق وجه زهوة وسألته: ويوسف؟. وعدها بالبحث عنه وإعادته إليها بعد شراء منزل لها ولأولادها، شعرت زهوة بأن الأحلام التي قاومت السجن لأجلها بدأت تظهر بشائرها الأولى، وشعرت بغصة تقبض على قلبها حين تذكرت نضال، وتذكرت عبارة صبيحة: نضال عاصفة إن التقيتِ بها ستوقعكِ أرضاً وتدميكِ ثم تختفي ولن تري لها أي أثر.‏

سألها دحام: ماذا قلتِ يا زهوة؟ أجابته: كما تريد، وعادت زهوة زوجة لدحام، وفي كل مرة كان يبيت عندها يحدثها عن الأرض والمقاولين والمحافظ، وبأنه مقطوع من شجرة لا دعم لـه ولا سند، وأمثاله هم لقمة سهلة بأفواه هؤلاء الجشعين، ثم يضيف: وعائشة لن تساعدني في شيء، أنانيتها تعميها عما يتربص بنا، وأنتِ تغيَّرتِ، ما عدتِ الزوجة التي تساعد زوجها على غدر الزمان وكأنكِ تنتقمين مني.‏

كلا أنا لا أنتقم.‏

انتهز الفرصة وحدثها عن الرشاوى التي تدفع للمحافظ والمسؤولين، سألته: وما علاقتي بالرشاوى، وأجري الذي أقبضه من بيوت الخدمة لا يكفي قوت يومي وأجرة غرفتي.‏

أعرف، ولكنكِ تستطيعين أن تديري رأسه.‏

كانت زهوة قد استغربت إطراءات دحام على جمالها وصباها وعزت ذلك إلى تغيّر طرأ على شخصيته، وحين قال صراحة بأنها تستطيع أن تدير رأسه، لم تصدق ما سمعت ووجدت جواباً لسؤاليها: لماذا طردني يوم خرجت من السجن ولماذا أعادني بعد ذلك؟‏

رفضت زهوة طلب دحام وكانت ستستمر في رفضها لولا خوفها من فقدان أحلامها فتخسر منزلاً سيضمها مع أولادها الثلاثة. الخوف من خسارة الحلم دفعها للتواطؤ معه مقابل منزل ومخزن وسيارة قبلت زهوة القيام بدور الغانية، لكن ماذا لو كان المسؤول حبيب الأمس؟ وماذا لو كانت من ارتضت لنفسها أن تقوم بدور الغانية حبيبة الأمس؟.‏

كان دحام ما يزال في شارع السبيل، حين صرخ قائلاً: طلاقها والحكم عليها بالسجن كانا نصف ثأر، والنصف الآخر.....‏

تلفَّت حولـه فرأى المارة ينظرون إليه باستغراب، أضاف بثقة: هذا النصف الآخر ما زال حياً في رؤوس أهل صفوان، هذا النصف ثأر سيكون الرسن الذي سأشنقها به حين تهرب بالنقود، حث دحام خطاه وهو يردد (من لم يكن من لحمك ودمك فلا تسلمه سرك، من لم يكن من لحمك ودمك فلا تثق به)، ثم وقف على الرصيف واستدار عائداً إلى الغرفة ليتأكد من خيانة زهوة لـه.‏

لم يكن لخوف دحام ما يبرره، فثمة تسميات كانت تختصر حياة زهوة، حين أتت إلى الثيريب مع صبيحة سميت زهوة الغريبة وحين قتلت صفوان سميت زهوة القاتلة، وحين خرجت من السجن سميت زهوة السجينة، ولو أن أحداً أتى إلى الثيريب يسأل عن زهوة صالح، لعاد السائل بخفي حنين ( لا يوجد امرأة تحمل هذا الاسم، ثم يستعرض المجيب الألقاب التي ألصقت باسم امرأة تدعى زهوة، ويضيفون: هذا كان منذ زمن، الآن لا نعرف أين هي، ربما قتلت أو أنها ما زالت تبحث عن أهلها).‏

وحين أصبحت زهوة بين جدران السجن تذكرت حياتها السابقة، استعرضت أسماء رجال صنعوا زهوة القاتلة، بدأت بأحمد صالح، نضال، قحطان، ديب المخنث، دحام، صفوان، أطلقت تنهيدة عميقة وتساءلت: هل تحتاج المرأة إلى كل هؤلاء الرجال لتدخل السجن؟ ترى كم من النساء يحتاج الرجل ليدخل السجن؟.‏

حين وجهت هذا السؤال لهدلة، أطلقت الأخيرة ضحكة صاخبة وقالت:‏

أنت يا زهوة تظلمين الرجال حين تحملينهم نتائج المصير الذي وصلتِ إليه، ثم هل تظنينهم تقصدوا إيذاءكِ؟ لا يا زهوة، هم فعلوا ما يريحهم وما يسعدهم، وأنتِ هل كنتِ ستفعلين ما يشقيكِ ويسعدهم لو كنتِ مكانهم؟ فأما أحمد فقد فعل ما يجب أن يفعله أي أب تجاه ابنته، فما ذنبه إن كانت الخيانة أتته من رجل يثق به ويحبه؟ وأما نضال فأظنه أحبك وبالمقابل فإن من واجبه تصديق قحطان وإطاعته، وقحطان ربما كانت لـه أسبابه، ابن وحيد وأملاك تكاد تضم كل أراضي مجدلون بالإضافة إلى سلالة عريقة، فهل يعطي كل هذا لابنة صانعة سلال وبائع دواب؟ وأما القواد، مسكين إنه تاجر، وهل يفكر التاجر بغير الربح؟ بقي دحام، دحام يشبه معظم الرجال، يريد امرأة جميلة تملأ بيته بالأولاد، تعمل معه ليلاً ونهاراً، تصبر، ولا تشتكي، تساعده حتى يتفوق على كل الرجال بالمال والعيال والنساء، وحده صفوان يؤسف على شبابه، ربي ارحمه على عدد ما خلقت، أما أنتِ.....‏

مسحت نظراتها زهوة من أعلى رأسها حتى أخمص قدميها، ثم أغلقت الزنزانة على نفسها وتركتها وحيدة.‏

ارتمت زهوة على الأرض، شردت تفكر في كل كلمة قالتها هدلة، تساءلت: لماذا امتنعت عن قول شيء يخصها؟ لماذا لم تصفها بالشريفة، بالبطلة أو العفيفة؟ هل ثمة أوصاف أخرى تليق بزهوة التي قتلت فتى حاول اغتصابها؟‏

في جلسة أخرى بين المرأتين، قالت زهوة لهدلة: أنا مثلكِ وحيدة، لا أحد يزورني ولا أحد يسأل عني، أتراني أخطأت؟. نظرت هدلة إلى زهوة وطلبت منها أن تتركها وشأنها، ردت زهوة: أرجوكِ، أنا مثلكِ متعبة وأرغب في التحدث إليكِ.‏

خطف شرود هدلة خيال مر على النافذة الصغيرة، وقفت وركضت باتجاه النافذة، أرسلت صفيراً ناعماً، أخرجت رأسها من النافذة، أطالت النظر إلى الخارج، وعادت إلى زهوة تحدثها عن حارس ارتسم خياله على الجدار المقابل للنافذة، شاب طويل أسمر كتفاه واسعان، لـه مشية حذرة وكأنه يبحث عن شيء ،أتراه يبحث عن امرأة؟ لو أنني سارعت بالوقوف أمام النافذة. استدارت هدلة فرأت زهوة شاردة، قفزت باتجاهها فهزتها من كتفها وقالت: ألا تعرفين معنى الحارس؟ إنه رجل، منذ متى لم تري رجلاً؟ مذ قتلتِ فتاكِ?.‏

يا للنساء! أغويته وقتلته، لو كنتُ مكان القاضي لحكمت عليكِ بالإعدام، أنتِ غبية تقتلين بدافع العفة وكأن العفة لا تكون إذا لامس جسدكِ رجل، وقفت هدلة أمام زهوة وبنبرة تنقط اشتهاء ورغبة قالت: أدفع عمري مقابل أن ألتقي بفتى كصفوان، لو أنه ما زال على قيد الحياة، لو أنه قتلكِ ودخل السجن. ابتعدت هدلة عن زهوة، وضعت يديها على خصرها وقالت: لو تذوقتِ طعم السعادة التي كان سيمنحها لكِ صفوان، هل حقاً كنتِ تريدين قتله؟ أظنكِ أخطأت الهدف، أظنكِ عانيت صراعاً مريراً، صراعاً وضعكِ أمام خيارين: إما قتل الرغبة التي تمور داخلك أو قتلهِ، ولأنك عجزت عن قتل الرغبة كان عليكِ قتله، أريد أن أسألكِ: هل ماتت رغبتكِ؟ أقصد، هل قتل السجن رغبتكِ؟ لا عليكِ، يوماً ما، حين تخرجين من هنا ستجدين صوركِ تغطي جدران البيوت والشوارع، وفوق الصور سترين أوسمة وتحتها ستقرئين عبارة: البطلة زهوة صالح، أو العفيفة زهوة صالح، أو الشريفة زهوة صالح...‏

أو اسمعي، ما رأيكِ من الآن وصاعداً سأسميكِ العفيفة زهوة صالح مقابل أن تصطادي لي رجلاً يلمسني، يضمني، يضاجعني، أريده رجلاً حقيقياً، أريده صورة عن ضحيتكِ صفوان أو نضال، إن فعلتِ !. اقتربت هدلة من زهوة، أمسكتها من كتفها، ثم تركتها واتكأت على النافذة تمسح بنظراتها الجدران الرمادية تبحث فيها عن خيال رجل يُرسَمُ على الجدران، متهم، شرطي، سجان، جلاد. همست: رجل وكفى. ثم تركت النافذة، توقفت، مسحت نظراتها جسد زهوة، هزت رأسها دون أن تتيح لها فرصة توضيح أمور، من ضمنها تبرير قتلها لصفوان. فمثلاً كانت تريد أن تقول لها: إن الانصياع للرغبة كان خيانة كبيرة للمرأة التي خطفتها من يد القواد، وهي، أي زهوة، بقتلها لصفوان حمت نفسها من سكين دحام، ولأن السجن علم هدلة ما يفكر به نزلاؤه فقد قطعت على زهوة الطريق، طريق الأجوبة المقروءة.‏

 

يتبـــــع

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244