رجل لكل الأزمنة ـــ فائزة الداؤود

رواية ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2006

Updated: Sunday, July 01, 2007 02:50 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

ــــ 2 ــــ

إنه اليوم الثاني، اليوم الأول قضت فجره وضحاه أمام المبنى، في اليوم الثاني تأخرت في الوصول إلى مبنى المحافظة فجنبت قدميها جليد الأرض وحمت جسدها من برودة الفضاء، وحين كانت في مكتب الانتظار تراقب المراجعين تذكرت كلمة دحام: بابه مفتوح. فعلاً بابه مفتوح ، ليس فقط لأولئك الذين ينتظرون دورهم بل لأولئك الذين يدخلون دون أن يكلفوا أنفسهم عناء النظر إلى نجيب، نجيب الذي كان يتحفز حين يرى أحدهم يدخل، فينحني قليلاً وأحياناً يظل منحنياً حتى يغلق الباب على المحافظ وضيفه، ظلت زهوة تراقب الوجوه الشاردة القلقة المتعبة الباحثة، اللاهثة. تعبت عيناها من التجول بين البابين، باب مكتب الانتظار وباب مكتب المحافظ دون أن تنسى مراقبة نجيب عله يرسل إيماءة من عينيه أو إشارة من يديه، وبينما هي مشغولة بمراقبة ما حولها أرجفها صوت اصطفاق باب، وجاءها صوت نجيب يعلن أن الدوام الرسمي انتهى.‏

وقفت زهوة، حركت يديها وعادت تجلس على مقعد الانتظار. عادتها هذه لم يعرها نجيب أدنى اهتمام وقدر أن الانتظار الطويل جعلها تشعر بدوار، حين يزول سترخي النقاب على وجهها وتخرج.‏

على الرغم من أنه قارئ وجوه جيد فهو لم يقدر أن زهوة كانت على استعداد أن تتوسل إليه لأجل أن يسمح لها بمقابلة سيده بل كانت على استعداد أن تخبره بأن دحام سيضربها وقد يطلقها إن عادت بخفي حنين، وتساءلت في سرها إن كان البكاء يفتح لها باب المحافظ وتذكرت نصيحة دحام: قولي إنكِ قريبته.‏

أنا قريبته...‏

واستقرت عيناها على الوجه البيضاوي، انتظرت أن ينحني لها أو يركض ليفتح الباب ويدعوها للدخول. انتظارها كان بلا جدوى فخمنت أن الكلمة ظلت رهينة خوفها وانفعالاتها فاعتقدت أنها تحتاج لقوة أكثر لإخراجها:‏

أنا قريبته...‏

دخل إلى مكتب سيده، تنهدت بعمق، ارتجفت وبدأت تبحث عن صلة قربى تربطها بسيادته، لو أنها اصطادت في نهر مجدلون لرددت حكمة الصيادين ( حين تغرز الصنارة في فم السمكة لا يسأل عن الطعم الذي أغراها )، لكن الصنارة لم تغرز أو هذا ما قدرته زهوة، فالباب الذي يصل مكتب الانتظار بمكتب المحافظ فتح ليخرج منه نجيب، يتوقف قليلاً، ينظر إليها، يهز رأسه ويعود إلى كرسيه يشغل نفسه بجمع الأوراق المكدسة أمامه ثم يشعل لفافة تبغ أخرجها لتوه من علبة حمراء، سألته: إن كان سيادته علم بقريبة تريد مقابلته؟، وبدل أن يذكِّرها بأن الدوام الرسمي انتهى، رمى اللفافة، داسها بحذائه، ضرب طاولته، صرخ: سمعت، كل من يدخل يدعي قرابة سيادته ولو كانت هذه الادعاءات صحيحة لكان لـه مئات الأعمام والأخوال، وعشرات الإخوة والأخوات.‏

ولولا تعب هدَّه لقال بهدوء: سيادته أوصاني بألا أدع أحداً من أقاربه يدخل إليه.‏

فتح نجيب حقيبته الجلدية، أخرج منها مشطاً رمادياً ونظارة سوداء ورمى في داخلها علبة سجائر وثلاثة أقلام ومصنفاً أخضر في داخله أوراقٌ مرتبةٌ، وبدلاً من أن تضحك من المشط الذي لم يجد شعراً يمشطه، أرخت النقاب على وجهها وانحدرت دمعتان كبيرتان على خديها، لكن الخوف من دحام عاد يسربلها على مقعد الانتظار. مسحت الدمعتين، رفعت النقاب وتوسلته أن يدعها تراه لدقيقتين، فالأمر لم يعد يحتمل التأجيل، القضية قضية حياة أو موت، دقيقتان ستمنعان جريمة كبيرة، دقيقتان ستؤمنان لها حياة هادئة هانئة، دقيقتان. .. وانفجرت باكية.‏

حكّ نجيب رأسه وعاد يجلس مكانه، أرسل الهاتف رنيناً جعل قلبها يضج بين أضلعها، انتفضت، رفع السماعة، هز رأسه، تمتم: حاضر، حاضر، فتح باب المكتب، دخل، غاب للحظات، وخرج يدعوها للدخول، ويرفع إصبعين في وجهها ويقول: دقيقتين فقط.‏

رنين الهاتف لمرتين متتاليتين أربك نجيب مما اضطره إلى نقل كل كلمة قالتها المرأة في دخولـه الأول إلى سيده، وبعد أن انتهى من كلامه أمره سيده أن يتخلص منها، وحين وصفها لـه وصفاً دقيقاً عرض عليه صرفها، ثم قام عن كرسيه ليكرر مقولته: بأنه يعرف هذه النماذج، تدَّعي الضرورة واستحالة التأجيل ثم كغيرهم يطلبون عملاً أو موافقة على مخالفة أو احتجاجاً على ظلم، وعند التدقيق يتبين أنهم الظالمون.‏

في الدخول الثاني أقنع نجيب سيده بأن لهذه المرأة مشكلة حقيقية، ولو لم تكن كذلك لما تحملت عناء الانتظار ليومين متتاليين.‏

حين صمت نضال معروف، خرج نجيب ينتظر إشارة سيده للسماح للمرأة بالدخول‏

هذه المرة ليست الأولى التي ينتصر فيها نجيب على سيده، فالأخير يمنحه هذه الفرصة أحياناً، والأخير يقرأ رغبات سيده المتخفية، ويدرك أبعادها، فهو يمتثل لأوامره حين يرى في عينيه الرفض ويناور حين تلتقط أذناه نبرة الممكن، ويفرض ما يريد حين يراه حائراً متردداً.‏

حين دخلت، سألها عن حاجتها، ثم نظر إليها فرآها كما وصفها نجيب، امرأة أعطتها العقود الثلاثة تأججاً لكنها لم تمنحها خبرة في الإغواء، فهي تندفع إلى أريكة تقع على يسار طاولة المحافظ أو شيخ المدينة، كما أسماه دحام، دحام، تذكرت نصائحه بعد أن جلست على الأريكة، أو لأقل: هل ارتمت خوفاً أم تعباً؟ أم تراه الوجه الذي أمامها، الوجه الذي تذكرته، الوجه الذي عرفته كما عرفت وجه هاجر وأحمد، وجوه رغم الضباب تتذكرها، وجوه عجزت وحشة السجن أن تمحوها من ذاكرتها، وجوه لم تستطع وجوه دحام وصبيحة أن تحل مكانها، إنه هو، رغم الامتلاء الذي يبدو واضحاً على كامل جسده، إنه هو رغم البياض الذي غزا فوديه ورغم التجاعيد الخفيفة التي تزيد من جمال عينيه فتبدوان كلؤلؤتين والتجاعيد الخفيفة شعاعاتٍ، إنه هو، نضال، كيف هذا، كيف؟.‏

كانت علاقة نضال بالمرأة غامضة، حذرة، علاقته الأولى تركت في نفسه حزناً وفي قلبه جرحاً، حبه الأول يضيع، عهوده الأولى لا تصان، زهوة فتاته تتزوج بآخر، ثم يملي عليه قحطان نصائحه: لا تشغل نفسك بالبحث عن امرأة اختارت سواك، على الرجل الطموح أن يبتعد عن المرأة، وأطاع نضال والده، ما جدوى البحث عنها؟ ثمة آمال وطموحات تقع على عاتقه، قحطان علمه أن الطموحات عجلة توصل من يقودها جيداً إلى الهدف وتودي بحياة أولئك الأغبياء والمتهورين الذين يلهون ويعبثون.‏

صدّق نضال والده وأطاعه إلى درجة فقد فيها القدرة على الخطيئة.‏

الخطيئة...! لو سئل نضال عما تعنيه الخطيئة؟ لأجاب على الفور: كل ما يتعلق بالأنثى، بدءاً من النظر إليها حتى اشتهائها، قناعته هذه كانت ستستمر لولا صوت صديق يأتيه عبر الأسلاك ليخبره بأمر هدية أرسلها إليه، لم يثره الخبر، فهو اعتاد على عبارات التملق التي كانت تهطل عليه من كل حدب وصوب، وقحطان شجعه على تقبل الهدايا، فإرسال الهدايا طقس واجب على العوام تجاه الشيوخ وأولادهم، فكيف إذا كان أولاد الشيوخ في موقع المسؤولية؟.‏

أغلق نضال السماعة ونسي أمر الهدية، وحين دخل إليه نجيب يخبره عن امرأة تريد مقابلته أمره بأن يتخلص منها فوراً، وبعد أقل من ساعة عاد الرنين، وكان صوت الصديق يعاتب صديقه على رفضه استقبال الهدية.‏

نفى نضال أن تكون الهدية دخلت مكتبه، وتغيرت نبرة صوت الصديق لتهمس لـه قائلة: الحياة ليست كلها عمل، إنها بسط وكيف، يعني شرب ونساء.....‏

حين دخلت الهدية مكتب الاستقبال لم تتوقف ولم تنتظر أوامر نجيب، بل اقتحمت مكتب المحافظ، لتجده غارقاً في عمله، قفزت إلى ذاكرته نصائح قحطان: وحدها المرأة تزلزل الكرسي، تذكر نجيب والمستخدم، تذكر موظفيه، تذكر بهية زوجه، امتدت يده إلى المنبه ثم ارتفعت، سألها: من أنتِ؟ من سمح لكِ بالدخول؟ سارت باتجاه الطاولة، هزت جسدها وأخبرته أنها الهدية، أزالت عن جسدها الدثار الخارجي، فظهرت محتويات الهدية.‏

أسالت المحتويات لعاب المحافظ، ولكي يبيح لنفسه ما كان محرماً، طرح مفهوماً جديداً للخطيئة فصارت: لا تلمس. بهذا المفهوم أباح لنفسه حق النظر إلى الهدية التي بدأت يداها تفصح عن مكنوناتها، صارت نظراته تتحرك مع الهدية التي راحت تتفتل أمامه، فيتراقص الهرمان ويهتز الردفان، وتبرز الساقان.‏

داعب نضال أنفه، تهيج، تعرق، وبلهجة جافة أنهى المقابلة.‏

احتجت المرأة الهدية، واستغربت كيف ينهي المقابلة قبل أن تقول شيئاً، أسند رأسه على مسند الكرسي وأكد لها أنه سمع ورأى ما أرادت إيصاله، ثم ذكرها بأن المكتب هو مكان عمل، وبلغ غضبه الذروة حين قالت بدلال: أنا قمت بعملي وأنت...?‏

وقبل أن يضغط على المنبه أشارت بيدها أنها ستخرج، ولا حاجة للاستعانة بأحد من أجل إخراجها.‏

توسدت الخيبة وجه المرأة الهدية، وكأنها لتوها شعرت بعريها، كما شعرت بالحقد عليه، حقداً كان كافياً لتفكر بطعنه وقتله، حقداً أشبعها رغبة بالانتقام لعريها الذي أذِلَّ وامتُهِنَ، زأرت في سرها: المخنث، العاجز، الجلف، القروي، ثم بدأت تجمع ثيابها، وبدلاً من أن ترتديها قطعة، قطعة، رمتها في حقيبتها وارتدت فقط فوق الدثار الشفيف معطفها الحالك السواد، زرَّرته ووضعت المنديل على رأسها، وأرخت النقاب على وجهها وخرجت مسرعة.‏

كل ذلك وهو يراقبها ويكتم الدهشة التي كانت تمور في داخله، يراقبها ويقول في سره: هذه المرة هي الأولى التي أرى فيها هدية تمشي على قدمين، هدية تزيل الغلاف عن نفسها وتعيده دون أن تمزقه، هدية لا تضاف إلى أثاث البيت ولا إلى حسابه المصرفي.‏

خرجت الهدية مكسورة الخاطر، نظراته شيعت حتى طرف معطفها الطويل. ثم شرد يستعيد ما حدث، يستعيد اندفاعها، جرأتها، طريقتها في تعرية نفسها، يتخيل الجسد الممتلئ، يتوقف عند تضاريسه، يتهيج، يتعرق، يشعر بالندم لأنه لم يستطع أن يتجاوز (لا تلمس)، وتبدأ (لو) تدور في مخيلته: لو أنني لامستها، لو أنني قبلتها، لو. ...، كلا... كانت أشهى وهي تتهادى أمامي شبه عارية، يا الله!. من قال كل النساء متشابهات، هذه المرأة مختلفة، أتراها تعود؟.‏

أضمر في نفسه بأنه سيسأل عنها مرسلها، ثم انتظر الصوت الصديق يعاتبه على سوء معاملته لها، لكن الصوت لم يعاتب، وهو لم يسأله عنها، بل ظل يسترجع ما حدث بكل تفاصيله.‏

كل يوم أثناء تناولـه قهوته الصباحية، وقبل أن يدخل إليه أي مراجع، يتخيلها بجسدها الرشيق وعينيها الواسعتين، وشفتيها اللتين لم يستطع النقاب إخفاء حمرتهما الفاقعة، ثم حلها أزرار المعطف ورميه على الأريكة، واستبدالـه برداء شفيف....‏

بعدها أتت نساء كثيرات إلى مكتبه، وانتظر أن تفعل إحداهن ما فعلته‏

تلك المرأة.‏

أكثر من مرة فكر أن يعلم إحداهن ما فعلت تلك المرأة، لكن دون جدوى، فلم تستطع واحدة منهن تقديم العرض نفسه، وظلت فكرته رهينة الرأس دون أن يبوح بها اللسان، الأشياء الجميلة لا تغدو جميلة إذا تكررت، بل هو أيقن أن المرأة ذاتها عاجزة عن تكرار ما فعلت بدقته، بسذاجته، ببدائيته، بعفويته، وكان على ثقة بأنه لو طلب منها القيام بالفعل ذاته فستبدو خرقاء مملة مضحكة، ورغم قناعته هذه، فهو لم يكف عن استقبال النساء، وكان يفضلهن كبيرات قليلاً، يمتلكن هيكلاً شبيهاً بهيكل المرأة الهدية.‏

تدخل المرأة، يشير إليها أن تجلس على الأريكة، ثم ينتظر أن تقوم بالفعل ذاته الذي قامت به المرأة الهدية، لكن، لا هرمان يتحرران، ولا خلخالان يهتزان في ساقين، ولا ردفان نافران، بل امرأة تزيل النقاب وتضع ساقاً على ساق، فيظهر الفخذ، ينتظر الخطوة التالية، وحين لا يجدي الانتظار يصرفها، ويظل ينتظر أخرى.‏

حين وقفت أمام الباب هتف في سره: إنها هي، المرأة الهدية، المرأة التي دخلت قبل ثلاثة أعوام، وقف، تهيأ ليعتذر منها، ليسألها عن سبب غيابها، لكنه قمع شهوة الأسئلة فثمة شهوة ينتظرها وسيراها الآن.‏

انتظرها أن ترفع النقاب وتزيل المنديل ثم تحل أزرار المعطف وتنزع عن جسدها حتى ورقة التوت ثم تلف جسدها بدثار شفيف أو تفعل ما فعلته غيرها من النساء تضع ساقاً على ساق تطلب سيجاراً تشعله وتنفخ دخانه في فضاء المكتب ثم تغنج تلثغ، تضحك، لكن شيئاً من هذا لم يحدث، هي جلست وهو وقف.‏

لماذا لا يجلس على كرسيه، يؤرجحه ذات اليمين مرة، وذات الشمال مرة، يستمع إليها، يسألها عن حاجتها مرة أخرى، وقته مليء، موعد على الغداء، ثم إلى القيلولة، ثم يعود إلى عمله، ثم دعوة إلى حفلة عشاء وشراب وسهر... ثم...‏

الدقائق المخصصة للمقابلة انتهت، ونجيب ينتظر خروج المرأة، هو يعرف سيده لا يستطيع احتمال المرأة أكثر من نصف ساعة، وهو وقت كافٍ لتقديم عرضها، كل شيء هادئ، المبنى أفرغ من موظفيه، نجيب ينتظر انتهاء الزيارة وخروج سيده، ومن ثم خروجه بعد إقفال مكتب المحافظ ومكتب الانتظار، حين اختفى الخيط الفضي الذي يفصل مصراعي باب المحافظ عرف نجيب أن انتظاره على غير العادة سيطول، فثمة أمر يدور في الداخل، أمر يصعب التنبؤ به، رنين الهاتف الذي يصله بمكتب المحافظ يزيد من غموض ما يحدث، فتتلاشى رغبته بالخروج رغم أن طلب المحافظ كان واضحاً: لم أعد أحتاجك اليوم تستطيع الذهاب إلى البيت.‏

ـــ 3ـــ‏

توقف، تابع سيره ثم توقف ينتظر الشبح الذي يخترق بسرعة غلالة الغروب الرمادية، بعد أمتار، خلف منعطف يوجد وادٍ، خير لـه أن ينتظره رفيقاً من أن يتخيله عدواً يقبض عليه حين يصبح بين فكي الوادي، الشبح يحث السير وعبد الله ينتظر، ثم يسيران معاً صامتين، يقتحم عبدالله الصمت ويسأل رفيقه: إن كانت هذه المرة هي الأولى التي يأتي فيها إلى مجدلون، يهز الشبح رأسه، ويأسف لتأخره في المجيء إلى مجدلون.‏

لا أدري إن كنت أخطأت الهدف.‏

ثم سألـه عن قبيلة (غطفان الهواش)، أكد عبد الله بأنه لم يسمع بهذا الاسم توقف الشبح وسأل إن كان هناك مجدلون أخرى؟ أدرك عبد الله أن الشبح أخطأ الهدف، فحثه على السير، فإن كان هناك مجدلون غير هذه، فالوقت لم يعد يسمح بالبحث، ثم رفع يده وأشار إلى الظلام الذي احتل الوديان والمنحدرات، وبعد قليل يتسلق السفوح حتى يصل إلى التلة الباكية.‏

تلة باكية؟ كيف؟ تساءل الشبح، وهو يرى لوحات إعلانية كتب عليها: مجدلون السعيدة، أو ابتسم أنت في مجدلون.‏

هز عبدالله اللوحة الأخيرة فتراقصت أحرفها الفوسفورية أمامهما، وتابعا السير.‏

صعب على الشبح معرفة الحقيقة، فالتساؤلات التي دارت في رأسه ظل رهينها،‏

كان يتمنى أن يصل ظهراً فيرى كل شيء على حقيقته، أما وأن الظلمة ترخي بدثارها الرمادي على الأشياء والهدوء يسربل حتى أوراق الشجر، فكيف؟ كيف.‏

يصبح الوادي؟ كيف يجرؤ على دخول الغابة؟ لو عرف عبد الله بما يدور في رأس الشبح لضحك، بل إن صوت ضحكته كان سيزيد من وحشة المكان، عبد الله يسأل دون أن يتخلى عن حذره، الحذر صفة عامة لسكان مجدلون، لا شيء يؤمن جانبه،‏

التلة تبكي، النهر يزمجر، الغابة التي استؤصلت أشجارها وبقي مكانها قواعد وجذور تئن وتتوجع وتأسف على شموخها الذي كان، هذا كله لا شيء إذا ما قيس بما يعتقده سكان مجدلون، الأمهات تمنع من الخروج، والنساء تحذر الأزواج والأولاد من تماثيل يونس:‏

(عند المساء تدب الحياة في تماثيل يونس، فتخرج من المغارة تدور، تصول، تجول تخطف، تغتصب، تقتل ،إنها لا ترحم أحداً، ألم تقطع ساق رجل مجدلون؟).‏

سأل عبدالله رفيقه عن اسمه فأجاب: يوسف، ولم يكمل ولو طلب منه أن يكمل لقال: يوسف دحام مصطفى.‏

على مشارف مجدلون كانت خيام تنصب وأغنام تنتشر على التلة والسفح وضفتي النهر، وفي الخريف تصل إلى البيوت، يأخذ قحطان ديتها خرافاً وفحولاً، ثم تختفي أشهر الشتاء وتعود أوائل الربيع.‏

يذكر عبدالله تلك الأيام، يذكرها جيداً، تصل القطعان حتى مداخل البيوت ويهمس أصحابها أنهم جماعة قحطان: انظروا، الخراف السمينة خرافه والفحول ذات القرون المعقوفة فحوله، الأغنام الممتلئة الضروع أغنامه.‏

ترى لو تجرأت دجاجاتنا وتسللت إلى مصطبة قصره هل كان سيمنعها؟ لو أطلقنا سراح حمائمنا وطارت إلى سطح قصره تنقر الحب هل كان سيضع لها السم؟‏

لا وألف لا. ثم تراهم ينظرون إلى الفحول القوية والخراف السمينة فيسيل لعابهم ويتساءلون: أين ستذهب دية هذا العام؟.‏

قال في سره: هذا الشاب لا يهذي، في كلامه شيء من الحقيقة، وعاد يردد هامساً:‏

يوسف غطفان الهواش !، ثم رفع صوته وقال:‏

هنا اعتادت الآذان على سماع أسماء الأولياء: حسين، يوسف، عبدالله، أحمد، صالح أما غطفان وهواش ! أظنهما إسمي وليين في مكان ما.‏

كان على يوسف أن يتحدث بأي شيء يقنع عبدالله بأن قبيلة والده موجودة هنا في هذه القرية المبعثرة بيوتها، الباكية تلتها، العميق واديها، المزمجر نهرها، قبيلة والده موجودة في وادٍ أو على قمة جبل أو.....‏

كان على يوسف أن يتحدث عن أم سافرت، أمٍّ اضطرت للسفر، أمٍٍّّ قد لا تعود قبل عشرة أعوام، عندها أرسل عبد الله صفيراً خفيفاً، ثم نصحه بأن‏

يلحق بها:‏

حين تفشل المرأة لن ينجح غرٌّ مثلك.‏

مرة أخرى يصاب يوسف بالإحباط فيصمت ويجد نفسه مضطراً للاستماع إلى عبد الله وهو يتحدث عن تنكر الرجل لثمرة رغباته العابرة ويصبح صوته أجش حين يصف المرأة التي تنصاع لهذه الرغبات بالرخيصة.‏

توقف يوسف، صرخ: أمي ليست منهن، أمي قتلت رجلاً حاول اغتصابها.‏

وضع عبد الله يده على فم يوسف، فصراخه تردد صداه في أرجاء الوادي الذي بدأا لتوهما يخوضان انحداره العميق.‏

سار الاثنان صامتين، في هذه الأثناء كل منهما يحتاج للآخر، في لحظات الخوف تلك سارا متلاصقين، يرتجفان، يتهامسان، يتعاتبان، الأول لثرثرته والثاني لصراخه ماذا لو خرج وحش من مخبئه؟ ماذا لو اعترضنا قاطع طريق؟ ما الذي سيحدث أيها الصديق؟ هل كان صراخك ضرورياً؟.‏

وبصوت أقرب للهمس حدث يوسف رفيقه عن عرشه المغتصب والأم السجينة. اعتذر عبد الله عن تسرعه وبصوت خافت حدثه عن الحياة بشكلها العام، وأمه حالة خاصة، ثم لفت نظره إلى أن إيجاد قبيلة والده يخضع للإطار العام، وهذا الإطار قد لا يخدمه بل على العكس سيعرضه لخطر كبير، قتل مثلاً، فالشيخ الذي سطا على عرش والده لن يسمح لـه بالعودة إلى القبيلة تحت أية ذريعة، حتى لو كانت لأجل حمايته من ثأر يلاحقه.‏

ـ اسمح لي أن أقول لكَ إن من أرسلك للبحث عن قبيلة والدكَ إنما يريد التخلص منك، من أرسلكَ؟ زوج أمك؟ لا حول ولا قوة إلا بالله! ماذا فعلت لـه حتى يرسلكَ إلى حتفكَ؟ هكذا هم الرجال، يكرهون أولاد نسائهم حد القتل، وأقسم أنه أشد كرهاً من النساء لأبناء أزواجهن. لكن.... (توقف عبد الله وكأنه عثر على شيء مدهش فقال: الخطيئة، الجريمة، المصيبة، النار، كلها صفات مؤنثة، ولذا فهي تنسب للنساء، أما الكذب والخداع فهما صفتان مذكرتان تنسبان للرجال، أمكَ ارتكبت جريمة وزوجها لفّق كذبة ليبعدكَ عنه، فلا تطالبه بالميراث وقد كان في سجن أمك فرصة للتخلص منكَ).‏

لاحظ يوسف أن عبدالله يتكلم وكأنه يهذي، شفتاه ترتجفان، لسانه يتعثر وبعد فترة صمت قصيرة سأله إن كان لديه تفسير لتشابه أهل مجدلون ! جميعهم بيض طوال بعيون ملونة، عرج، بعضهم تخلص من ساقه أسوة بقحطان، ثم بدأ عبد الله يعرج ويقول:‏

(أنا عبد الله، وذاك صلاح، وآخر ناصر ، لماذا لم يخترع أهلنا أسماء جديدة؟ الآن مهما جهدت فلن تجد بيتاً لا يوجد فيه اسم قحطان أو نضال، بعضهم ممن تزوج مع نضال أو بعده ينتظرون الاسم الذي سيطلقه نضال على ابنه الذي لم يأتِ بعد، لذا أنصحك بألا تفاجأ بأطفال لم يمنحهم أهلهم بعد اسماً، أما غطفان وهواش؟ لا، لا أحد يحمل هذا الاسم).‏

عبد الله يهذي ويوسف يسخر من القدر الذي رماه بين فكي وادٍ قال عنه عبد الله:‏

نهاره زواحف وليله وحوش وقطاع طرق، ثم ماذا؟.‏

لا أمل، فالأمان المفترض بدأ يتحول إلى سراب، ولولا سر تعرفه امرأة لعاد ووفر على نفسه عناء الخوض في وادٍ بدأت أقدامهم تلامس قاعه، فيحتضن كل منهما الآخر، يد عبد الله تسور يوسف، ويد يوسف تسور عبد الله، كل منهما يتخيل وحشاً يلاحقه، أو قاطع طريق يتهيأ للقبض عليه.‏

حين صارت الطريق صعوداً، بدأت الأنوار الخمولة ترسل بريقها الخجول، فتحثهما على الصعود، بل تخيلاها أماً تفتح ذراعيها لتحمي طفلها من خطر يقتفي أثره.‏

وصلنا. وأفلت عبد الله كتف يوسف، وحذا الأخير حذوه ثم سلما جسديهما للبحر الأسود، هنا السباحة أمان، أمامهما بيوت مجدلون وخلفهما الوادي يبتعد وعلى يسارهما منحدر يلثم الطريق والنهر وعلى يمينهما جبل مجدلون.‏

عاد عبد الله يهذي: احمد الله أيها الفتى، ترى ما الذي كان سيحدث لولم نلتقِ، تضيع في مجدلون، تضيع فلا تميز شمالها من جنوبها، تقتلك الزواحف، تلتهمك الوحوش، تخطفكَ التماثيل، أنت محظوظ لأنك وجدتَ رجلاً يحميك ويرافقك ويدلك على طريق مجدلون القديمة، وأنا محظوظ أكثر منكَ لأنكّ آنستني وسمعتُ منك قصة جديدة ومختلفة، أم تقتل رجلاً حاول اغتصابها، أهل المقتول يطلبون الثأر، زوج أم يستغل الظروف ويختلق قصة عرش مغتصب وقبيلة حامية، أما في مجدلون فالقصص متشابهة، خطف الملثمون رجلاً اغتصب الملثمون فتاة، قتل الملثمون زوج امرأة جميلة، هرّب الملثمون أشجار الغابة، نقل الملثمون الجبل من مكان إلى مكان آخر، سرق الملثمون دراجات نارية، ساهم الملثمون في خلق نزاع بين مجدلون الشمالية ومجدلون الجنوبية، نبش الملثمون القبور وسرقوا الأغنام والدجاج، أما قصتكَ فمشوقة، اغتصاب وقاتلة ومحكمة وثأر، هنا لا يوجد لا ثأر ولا احتجاج، ولا أحد يجرؤ على الأحاديث بقصص الملثمين، أما قصتك.... قصتك ستعمّر ليالي مجدلون لأشهر عديدة وسيحفظها الجميع عن ظهر قلب، وسيضاف إليها الكثير لأننا نعاني من جوع شديد للكلام.‏

ندم يوسف على سرد قصته على عبد الله ولولا وعد يوسف لزهوة بالبحث عن والده لاستسلم لنصائح عبد الله، لكن كلمات زهوة لم تفارقه، ودموعها التي رآها تنداح على وجهها الحزين ما زالت حاضرة في ذاكرته: أنا داخل جدران سجن قد اخرج منه ميتة، أخبره أنني أجبرت على كل شيء.‏

حين سألها عن اسمه أجابته: حين تصل إلى مجدلون اسأل عن صانعة سلال، صانعة السلال تعرف كل شيء، لكن دحام أخبره أن والده شيخ يدعى غطفان الهواش وعليه أن يبحث عن قبيلته ويحتمي بها من ثأر محتمل.‏

وتأخر يوسف، حمته المصادفة في منزل أسماه قبراً، ومع رجل حدثه عن مجدلون وهاجر وزهوة وكل شيء، لكنه الآخر لم يسمع بغطفان الهواش. من يصدق؟ دحام؟ أم يونس؟ أم زهوة؟ الرجل الذي غذَّى الخوف في يوسف من ثأرٍ محتمل؟ أم النحات الذي طرد إلى بيتِ يرفض الخروج منه إلى أي مكان في العالم؟ أم الأم التي أرسلته إلى امرأة قالت عنها إنها من تقبض على السر؟.‏

لو كان النحات أكثر جرأة لدله على والده، لكنه قال: هاجر هي ذاكرة مجدلون وهي من سيدلك على والدك.‏

ظل يوسف يصغي إلى هذيان عبد الله، وينتظر منه أن يذكر هاجر، ويتساءل: أتراها ماتت؟ لماذا لم يذكرها؟ لماذا لم يحدثني عنها؟.‏

يتوقف عبدالله عن هذيانه المحموم فقط ليحذر يوسف من الحفر والمنعطفات، يحذره ويمسك بيده، أو يحتضنه ليجنبه السقوط، ثم يطلب منه بأن يهيئ نفسه لكل الاحتمالات وفي حالة الفشل في مهمته ينصحه بأن يلحق بأمه ويخبرها بأن الحياة قصيرة ولا يرى من داعٍ لأن يضيع أجملها في البحث عن ماض لا يعرف حقيقته ولا تفاصيله وحين وصلا إلى جانب بيت عبد الله أمسك كتفه وشده باتجاه المدخل، اعتذر يوسف ورمى ورقته الأخيرة وقال: كلا سأقضي هذه الليلة عند هاجر.‏

توقف عبدالله، لامس كتف يوسف، سأله عمن يكون ثم عاتبه على غدره، إذ كيف يسأله عن غطفان الهواش وهو يقصد بيت هاجر صانعة السلال.‏

أمي أرسلتني إليها، هي من سيدلني على أبي أو على قبيلة أبي.‏

هكذا إذن، إنك على حق، فالنساء تبوح بالأسرار للنساء، كنت أظنك تخدعني.‏

وقبل أن يعاودا السير أشار عبدالله إلى ضوء خافت قال أنه في منزل هاجر، ثم انعطف الرجلان إلى اليسار، دخلا زقاقاً يحدده جداران حجريان، يحجزان بينهما ظلمة حالكة، ظلمة تكاد تكون ستارة تحجب الأنوار الخافتة التي حثتهما على بلوغ الأمان، فإذا الأمان عتمة وحزن وسكون، وجدار صبار ينفخ عليهما برائحة ثماره المتعفنة، وتنعشهما رائحة زهوره الوليدة.‏

كل شيء تغير في مجدلون، كان الصبار يزهر ويثمر، ينضج على أمه ليقطف ويوزع على البيوت، الآن يزهر ويثمر ثم يقطف لينضج في عبوات خشبية توزع على الطرقات، أو يدور في شوارع المدن وأزقتها على عربات يجرها باعة متجولون، وبعضه بعد رحلة قد تستغرق أياماً، يرمى على أطراف الطرقات وفي أكوام القمامة.‏

في مجدلون تتغير المهن بتغير الأشهر، في شهر تموز أكثر من خمسين امرأة في مجدلون تقطف ثمار الصبار، ومثلهن من الرجال يعرضونها على الطرقات، أو ينقلونها إلى المدينة لبيعها، إن أتيحت لأحد فرصة الاستيقاظ باكراً والاستماع إلى ثرثرات النساء وهن يقطفن ثمار الصبار فستصل إلى مسامعه أصوات وضحكات ناعمة، وعبدالله يتحدث عن عذوبة تلك الصباحات:‏

أنا كل يوم أكون عند الخامسة مختبئاً على مقربة من جدار صبار أراقب الرتل الطويل من النساء، أياديهن مرفوعة إلى أكف الصبار تقطف الثمار، وجوههن متعرقة، شعورهن تتطاير مع أنسام الصبا المنعشة، يثرثرن، يضحكن، ثم يقرفصن، يدغدغن الثمار بحزم الآس والطيون، فتعبق في المكان رائحة ذكية، ويعاودن الوقوف ورفع الأيادي، يتكرر الطقس مرات كثيرة، فيخال لمن يراقبهن أنهن كاهنات يمارسن طقساً روحياً ينتهي حين تبدأ الشمس بإرسال شعاعاتها الأولى، عندها يأتي الرجال لحمل الحصاد إلى السيارات، وتبدأ منافسة تتطور إلى نزاعات، ثم إلى عداوات، فأقول: أين الزقزقة التي كنت أسمعها من الجلبة التي تحدث الآن؟ وأجزم بأن أشخاصاً لا أعرفهم يقفون وراء ما يحدث، وإلا بماذا يفسر ما يحدث من سرقة الثمار أو تخريبها إذا لم يترك لهؤلاء فرصة التدخل وقبض الثمن؟.‏

ضاق يوسف ذرعاً برائحة العفونة المنبعثة من جدار الصبار، كما ضاق ذرعاً من ثرثرة عبد الله وهذيانه، فسأل عبد الله إن كان بيت هاجر ما زال بعيداً، وتساءل إن كان جدار الصبار سيمتد كثيراً فهو كما ادعى يشعر بوخز أشواكه وأتعبته الظلمة حتى بات عاجزاً عن تمييز الأشياء، ولولا أن عبد الله من مجدلون لأضاع طريقه وبات عاجزاً عن تحديد هدفه، فأين الطريق التي سلكاها من الطريق التي وصفتها لـه زهوة: الطريق تبدأ من الغابة، أين الغابة؟ هو لم يرَ غابة، فقط جدران حجرية، وجداران من الصبار وتوت العليق.‏

لو أتيح لزهوة فرصة رؤية مجدلون مرة أخرى لضاعت بين أزقتها وساحاتها وزواريبها، ولسألت لماذا تغيرت مجدلون؟ كيف انتقلت الطريق من شمال مجدلون إلى جنوبها؟ لماذا أصبح منزل هاجر مهملاً؟ تحجبه تلال من التربة والأحجار زواره يبحثون عنه، أين المنزل؟ أين شجرة السنديان؟ أين نبع الماء؟.‏

(حين تهب عليك نسائم منعشة يكون بيت هاجر؟ منزل صغير ونبع ماء عذب تظللهما شجرة سنديان كبيرة).‏

وستعرف زهوة أن المنزل الذي كان قبلة مجدلون، غدا منسياً، ومن يحتاج صانعة سلال عجوز؟ هل كان يوسف سيطرق بابها لولا حاجته إليها؟.‏

باب هاجر لا يطرق إلا لكشف أحجية تخص مجدلون، أو لمعرفة نسب مجهول، ومجدلون، خاصة شمالها البعيد، يقصده أولئك الذين يحتاجون إلى توقيع الانتماء، ليكون جواز خروجهم إلى العالم، ثم يهجرونها ويتنكرون لها، ليعادوا إليها أمواتاً وهكذا أصبحت مجدلون الشمالية مقبرة لأحيائها ولأموات المهاجرين منها بمن فيهم أموات مجدلون.‏

منزل هاجر لم ينتقل إلى الطرف الآخر، ليس لرغبة بالبقاء بين القبور، بل لشعور لم يفارق هاجر، وهو يتعلق بعودة وحيدتها، فإن كان الانتقال إلى الطرف الجنوبي ممكناً فليكن مع زهوة، زهوة التي ستمل الطيران يوماً وستعود إلى هاجر.‏

وهكذا وجد يوسف نفسه مع عبدالله يخوضان بين القبور إلى حيث منزل هاجر، يمطر عبد الله الضيف برذاذ نصائحه: (حين تسألها عن والدك اجعل صوتك أقرب للهمس)، نصيحة عبدالله كانت في مكانها، فهاجر حين تبدأ العمل تكون أصابعها مع أحاسيسها في حالة توحد، وأي صوت يخرجها من هذه الحالة يوقعها في اضطراب وكآبة، أحمد ترك البيت، والسبب صوته، قبل أن يتركه قالت لـه:‏

لأترك البيت، لكن عليك مساعدتي في نقل السلال والمزهريات والأطباق إلى مكان آخر من مجدلون الشمالية.‏

وحين انتهى من نقل ما أبدعته يداها، اكتشفت أنها ستصبح في مجدلون الجنوبية، سألته: كيف؟ وزهوة؟.‏

واختارت أن تظل في مجدلون الشمالية، وينقل نفسه إلى حيث سلال هاجر وأطباقها ومزهرياتها، وهكذا هو أطلق العنان لصوته، وهي تركت أصابعها مع حواسها تبدع أجمل المزهريات والأطباق والسلال.‏

مجدلون الشمالية والجنوبية متفقتان على أن غضب قحطان هو السبب في تفرق هذه العائلة، إذ كيف ترفض هاجر تسليمه زوجه؟ رفضها هذا كان السبب في منع زهوة من العودة إلى مجدلون، وكانت وراء انتقال أحمد صالح إلى مجدلون الجنوبية وظلت هاجر في مجدلون الشمالية، يطرق باب بيتها أبو سلال، كل شهر يأتي إليها قريته بعيدة، يخرج منها عند الفجر ليكون مساءً في بيتها يجلس معها، يحدثها عن القرى التي مر بها، عن الأنهار التي عبرها، عن الينابيع التي فرش زاده بجانبها وشرب من مائها، يحدثها عن ينابيع طعمها كالعسل وعن أخرى باردة في الصيف ودافئة في الشتاء، ثم يحلف بتربة شيخ مجدلون الأكبر أنه لم يتذوق ماء كماء تلة مجدلون، وحين يصف لها نساء القرى اللواتي رآهن وهو في طريقه إليها، يؤكد أنها أجملهن، أما أصابعها فلا تشبه أصابع إحداهن ثم يفرش أمامها أذرع القماش لتختار منها ما يعجبها، وحين تختار لا تنسى زهوة.‏

تكدست الأذرع الملونة على حبل يصل الجدار الجنوبي بالجدار الشمالي، والأذرع التي يخصها بها تلفها على جسدها لأجله، لأجل زيارته القادمة. كان يأتي وأذرع القماش مستلقية على كتفيه، وفي اليوم التالي يخرج وقد حلت مكانها أزواج المزهريات والسلال والأطباق، لم يحب رجل هاجر كما أحبها أبو سلال، الجميع تركها وظل هو يطرق بابها يحمل سلالها ومزهرياتها، يدور بها القرى، يدخل بها البيوت (هلا زينتم بيوتكم بمزهريات هاجر؟ هلا أكلتم في أطباقها، هلا ملأتم سلالها بثمار غاباتكم وفواكهها؟).‏

ويعود إليها سالماً غانماً، وتزهر أصابع هاجر أطباقاً ومزهريات وسلالاً، وترمي أزهارها حولها، وتشمخ أزهارها حتى لا يظهر منها إلا رأسها، وقبل أن يغمرها ما صنعته يداها يأتي أبو سلال إليها، فيراها ملكة يكاد العرش يغمرها ببريقه.‏

امتلأت مجدلون والقرى المجاورة بما صنعته أصابع هاجر، وأبو سلال كان الجسر الذي يوصلها بالعالم الصغير، عالم من التلال والوديان، تتناثر عليها قرى صغيرة أو بيوت متفرقة.‏

في البداية كانت تزين أطباقها بنهر يفيض على ما حوله بالأسماك الذهبية، وبوادٍ مليء بالوحوش والزواحف، أو تزين طبقاً آخر بالأزهار والأشجار، أما التلةُ فتُخرج من ينابيعها حوريات وأطفال يطيرون، أو فتياتٍ متشابهات يحملن جراراً ذهبية.‏

لم تكن هذه الرسوم تشجع سكان مجدلون على اقتناء أطباق هاجر إلا لحاجة ماسة وحين أتى أبو سلال حذرها من تكرار هذه الرسوم وحدثها عن قصص الأنبياء والأئمة فحولت قصصه إلى رسوم تزين بها أطباقها، رسمت شاباً جميلاً أمامه نساءٌ يقطعن أصابعهن، وعلى طبق آخر رسمت امرأة تمثل زليخة واقفة أمام العزيز ويداها مرفوعتان أمام وجهها.‏

تعددت الرسوم بتعدد الأطباق، طبق ناقة صالح، طبق البقرة الصفراء، طبق يتقاطع فيه سيفان، وطبق يزينه هدهد يحمل عرشاً، وطبق يتوسطه رسم لحجر أسود ومن حوله رجال بعمائم بيضاء.‏

حمل أبو سلال الأطباق، دخل بها البيوت، حدث أصحابها عن قصص الصور، فسر معنى الإشارات المرسومة على الأطباق، فبكت النساء، وأثنى الرجال على الأصابع التي سطرت القصص رسوماً، وقسمت الطبق سيوفاً، وتهافتت النساء على اقتناء الأطباق، تضع فيها الطعام فيطيب، تزين بها الجدران الطينية والحجرية على السواء، الطبق ذو السيفين المتقاطعين، طبق أبو ناقة، طبق البقرة المباركة، طبق الهدهد الوفي، طبق الصخرة السوداء ، وقيل إن الجدران التي زينتها أطباق هاجر ما زالت صامدة حتى اليوم، أما طبق التلة الباكية وطبق النهر الذهبي وطبق الوادي فقد ولت أيامها.‏

واقترح أبو سلال على هاجر التوسع أكثر في صناعة الأطباق، ليضاف إليها اثنا عشر رسماً، على عدد أشهر السنة، على عدد الأئمة، على عدد الأعياد، ما يجوز استخدامه في عيد لا يجوز استخدامه في آخر، طبق عيد الفراش لا يشبه طبق عيد الغدير، لكل عيد مدلولاته وإيحاءاته، وتجدد الأطباق من إيرادات الزكاة، البائع واحد، أبو سلال، ذو القامة المتوسطة الممتلئة والوجه الحنطي، يحيط به شعر أسود وتزينه عينان وادعتان، وثغر لا تفارقه الابتسامة، ( إنه شخص يبعث في النفس الراحة والأمان )، هذه الجملة كان يرددها كل من يراه، وحين يصل إلى مشارف مجدلون يتهافتون عليه ويبهجهم منظره الكرنفالي على رأسه طبق تزينه مزهرية زهوة وعلى جذعه تتراقص الأطباق والسلال والمزهريات، وعندما اختفى، أشيع أنه جاسوس ألقي القبض عليه أخيراً.‏

 

يتبـــــع

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244