غرباء منتصف الطريق ـــ عوض سعود عوض

رواية ـ منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق – 2006

Updated: Sunday, July 01, 2007 02:18 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

-7-

أمضي أربع ساعات في الذهاب إلى المدرسة والعودة إلى البيت، أفقد جزءاً من وقتي بانتظار الحافلة وسط ازدحام شديد لحظة وقوفها، إذ يندفع الجميع اتجاه الباب، الواقفون في الممر أضعاف الجالسين، هرج وصراخ ومشاجرات، ثم في بعض الأحيان التوقف المفاجئ وتعطل الحافلة، أشبه بسير القطار العثماني الذي يتعطل ما بين محطتين، عليَّ بالصبر وعدم الشكوى، فالشكوى لغير الله مذلة، وحتى لا أذل نقلت، لم يكن في حسابي أن ما أتعرض لـه كل يوم هو رواية ذل.‏

لم يكن مجيء الحافلة أو وقوفها في المواقف الرسمية هو الإشكال، أحياناً أنتظر ثم لا أجد موطئ قدم لأصعد، وإذا حالفني الحظ وتمسكت بالباب، علي أن أثبت قدميّ وأتمسك جيداً حتى لا أقع، أمزجة مختلفة تعلن عن ذاتها، من الركاب المستعجل واللامبالي والمدعوم، الذي يقرر أن يفعل شيئاً مميزاً ليفهم الناس أنه قادر على ما لا يقدرون عليه، آخرون لا يهمهم سوى الشغب يصدرون همهمات ونكات لاذعة، بعضهم يستغل الازدحام فيقتربون من الجنس اللطيف في عملية غير لطيفة.‏

هذا اليوم نحس من بدايته، تأخرت السيارة وتعطلت قبل وصولها إلى محطة التوت، اضطررت أن أتابع المسافة إلى ساحة العباسيين مشياً، يصل باص الدوار الجنوبي، أركض خلفه، يقف بعيداً عن الموقف للحظات ويتابع سيره، كأن هذا الصباح قد تآمر عليّ، أخرجت لفافة ثانية وأشعلتها من الأولى، وبدأت أنفث دخانها غير مهتم للتأخير عن الدوام. التلاميذ الآن يصعدون فوق المقاعد أو ينتظرون في الباحة أو عند الباب، أما المدير فيشتم ويسب على هواه، يلعن الساعة التي رآني فيها، وأنا لعنت الساعة التي رأيت فيها وجهه.‏

نزلت من الباص عابساً مقطب الجبين، استقبلني عارف أيوب بالصياح، قلت في نفسي «لاقِ الصياح بالصياح تسلم» لكنني لم أسلم هذه المرة، وجدت الموجه التربوي بانتظاري سألني:‏

- لماذا تأخرت يا أستاذ نصف ساعة، أجب دون أن تتذرع بالمواصلات؟‏

سكت ولم أجب وعندما طالبني بالرد. قلت:‏

- أنت سألت وأجبت في الوقت نفسه!‏

- هنيئاً يا أستاذ أيوب بالسيد حامد الذي يرد الإجابة بأسئلة، حضر حالك يا أستاذ لأحضر عندك الحصة الثانية.‏

- إنه اليوم الأول لتغيير البرنامج الأسبوعي.‏

وقف القدر بيني وبينه، جاء ثانية بعد عشرة أيام للسبب ذاته، ولسوء حظ المفتش كان صوتي مبحوحاً، بعد أيام عاد مرة ثالثة ليحضر، طوال خمس وأربعين دقيقة وأنا أشرح وهو يسجل ملاحظاته، الصف منضبط ومتجاوب، توقعت أنه سيشكرني، وأن علامتي لن تقل عن خمسة على سبعة، لكن رأي الموجه كان عكس ما توقعت، إنه درس خائب، هناك ست نقاط سلبية مقابل نقطتين لصالحي، كانت النتيجة تأخير الترفيع والزيادة السنوية.‏

بعد انتهاء الدوام خرجت مشتت الفكر، تملأ رأسي غيوم متفرقة، ما إن تستقر حتى تصيبني بالدوار، تتمدد كالأخطبوط، تبرز تعبيراتها على محياي، ويزحف الحزن إلى قطرات الدم الواردة إلى القلب، أحسُّ بالتعب، أنتظر قريباً من مكان موعدي مع فرات، وأتنقل ضمن الوقت الباقي لقدومها، أمر بالبرامكة حيث تحول «كراج» السيارات المنطلقة إلى المنطقة الجنوبية المحيطة بدمشق إلى سوق للتهريب، البضائع معروضة على الأرصفة، ملابس جنز، كنزات صوفية، أدوات كهربائية، دخان من مختلف الأصناف، يصيحون: «مارلبورو، فايسروي، كنت، ال إم... العلبة بعشر ليرات والكروز بمئة».‏

غيوم رمادية وسوداء تندفع من الغرب، تملأ السماء، الهبوب يزداد، تدور الزوابع محملة بالأوراق والغبار، تتكاثف الغيوم أكثر، يقصف الرعد، ريح رخوة ممزوجة برذاذ تهب، رفع الناس مظلاتهم، المهربون متمسكون بأماكنهم، وأنا متمسك بمكاني بانتظار فرات، جاءتني باشة، وضعت يدها بيدي، وباليد الأخرى رفعت مظلتها، حشرت جزءاً من جسدها والتصقت بي لنكون تحت مظلتها، دعوتها إلى إحدى «الكافتريات» المنتشرة هناك قرب الجامعة، بحجة المطر وأننا لن نجد طلبها في سوق التهريب في هذا اليوم، اقترحتُ أن نجلس نصف ساعة ثم ننطلق إلى شارع الحمراء لشراء ما تريده من ملابس، رفضت اقتراحي وقالت:‏

- على أرصفة شوارع دمشق تجد كل شيء، حتى في أسوأ الظروف.‏

- ما دام هذا رأيك سنقوم برحلة في زوايا التهريب، فإذا لم نجد طلبك هنا، فثمة أسواق تتفوق على هذا السوق، في القابون، السومرية، السيدة زينب، القصاع، مخيم اليرموك... سنذهب إليها جميعاً حتى تجدي ما تريدين.‏

في سوق البرامكة لم تجد طلبها، في الطريق إلى محطة الحجاز أطفال يتقافزون، ينادون على الدخان الأجنبي وكاسات الشاي وفناجين القهوة والعطور الفرنسية والصحون الصينية، خلاطات الفواكه الإيطالية وساعات اليد التايوانية... ساعة من اللف والدوران، مقابل المؤسسة الاجتماعية العسكرية، قريباً من سبيل الماء وجدت طلبها، خراطة أمريكية وصفتها بأنها ممتازة، بعد أخذ ورد حول السعر دفعتُ مئتين وخمسين ليرة ثمنها، اعتبرتها هدية عيد ميلادها، عرضت عليها استئجار تكسي إلى بيتها، أشفقت عليّ، صعدنا في باص حكومي، همستُ بجملة لا أقصد منها أكثر من المزاح، اثنان طلبا إليّ أن أنزل عند ساحة التحرير، دفعاني باتجاه الباب، إلا أن تدخل فرات أنقذني من ورطتي، نزلا وهما يهدداني بأنني لن أفلت من أيديهما إذا أعدتها، ابتسمتْ وأقسمت نيابة عني، بأنني لن أتفوه بأشياء لا أدرك مدى خطورة البوح بها.‏

مساء صعدت إلى سطح بيتي، نسيت آداب الغوطة، نسيت أن أصيح وأنبه الجيران إلى صعودي، رأيت مصادفة وجه جارتي المحرم عليّ رؤيته، خرج زوجها يصيح وينعتني بأوصاف لا تليق بابن الشارع، لم يكتف بذلك بل قرع بابي ولقنني درساً في الأخلاق والحفاظ على الجار دون أن ألفظ حرفاً.‏

صباحاً قررت حمل الندى على راحتيّ، احتضنت النور في اللحظات الأولى وشهدت تراجع العتمة وهربها، سأخرج كل يوم في هذا الوقت، وتجنباً لأي طارئ سأمر ظهر اليوم على سوق التهريب، وأشتري ساعة تعمل على البطارية، ترن حسب نظام خاص، تظل ترن حتى استيقظ، لن أتأخر ولو اضطررت إلى مغادرة البيت دون إفطار، أصلاً ماذا سأتناول كأساً من الشاي ولقمة تبل الريق، في المدرسة أستطيع إرسال تلميذ في الفرصة، يشتري سندويشة بثلاث ليرات، سأصطدم بتعليمات المدير الذي لن يتساهل معي، سأطلب هذه الخدمة من الآذن الذي سينفر ويتقاعس في أداء عمله، في اليوم التالي يؤخر متعمداً إحضار الشاي في الفرصة الأولى، وفي اليوم الثالث يتأخر أكثر، وفي اليوم الرابع لم يحضر الشاي، احتد المدير، استدعاني وطالبني بالتوقيع على كتاب ينص على عدم إرسال الآذن خارج المدرسة أثناء الدوام الرسمي.‏

يتضاحك المعلمون من تعليقات المدير على الفلافل والمسبّحة، وكيف أنهما لا يمنحان الجسم قوة، تهدان الصحة وترخيان البدن، رائحة زيت القلي كرائحة السمك، ينهي تعليقاته لتبدأ تعليقات زملائي الذين يهدفون إلى دفعه إلى حافة الجنون والصراخ وفقدان الأعصاب، كانوا على الأغلب يحققون ذلك، يستدرجونه للانفعال، فيبدو عصبياً، مما يستدعي حاجته إلى بيت الخلاء، يعود والموضوع في ذهنه، كما لو أنه يريد إحراق العالم بعود ثقاب، يقرع الجرس والسندويشة في يدي، تمتد يده، لكن قبل أن يصادر السندويشة أرميها إلى السلة بعصبية، أتناول حبة مهدئة قبل توقيعي على دفتر الزيارات الصفية، إحدى ملاحظاته عدم استخدامي للألوان، ولحسن حظي لم يمسح التلاميذ السبورة، ناديته وسألته عن هذه الملاحظة، تطلّع إلى السبورة وشاهد استخدامي لأربعة ألوان، استغرب ورود مثل هذه الملاحظة، لا يريد أن يعترف بأن التقرير معد سلفاً، تذرع بقوله:‏

- لا تؤاخذني يا حامد العتب على النظر!‏

- لن أناقشك بما هو وارد في التقرير، لأنك تذكر أشياء لم تحصل، ما يهمك توقيعي، تكرم وهذا هو.‏

عدل من وضع نظارته، اختلف لون وجهه، بدا الجفاف في فمه، استفزته هذه الكلمات، ترك الدفتر وأسرع ثانية، مفعول حبة «اللازكس» يزيد، يشعر بالراحة التامة بعد طرح سموم الجسم، يخرج نشيطاً، يغسل يديه ثم يبدأ بالوضوء، بعد أن ينتهي يضع قطعة الصابون في جيبه ليعيدها إلى الإدارة.‏

-8-‏

النسائم تحرك الأغصان المثقلة بحملها، تتسلل الروائح الذكية، يعبق بها الجو، تصب شمس نهايات فصل الربيع نورها، بؤر ضوء متفاوتة بحسب كمية النور المتسلل من بين الأوراق والأفنان، تتراقص كمياه بركة صافية ألقي فيها حجر، الفراشات تطير وتحط على الورود والنباتات المزهرة، ترتاح من حرارة الجو، تبتعد عن سواقي المجارير، تدخل عمق الغابة، تدخل إلى منطقة هادئة حيث لا تسمع إلا طنين الحشرات وزقزقة العصافير.‏

حاول الناس نسيان ما حصل، الصمت والظلام يخيمان على الصدور، يعيشون حالة ذهول، سُمع عويل نساء الغوطة، فناحت نسوة أخريات في مدن وأرياف عديدة في سورية وخارجها، ارتفعت رايات سود فوق أشجار الجوز، فالنقود التي تدفئ الجيوب والقلوب، والتي تجعل الثغور مفترة تبخرت في ليلة سوداء.‏

ذهب المودعون أول الشهر انتظروا من الصباح حتى المساء، ولم يقبضوا أرباحهم ولم يحصلوا على أموالهم، ازداد اللغط وكثرت الدعايات والمواعيد، جاؤوا في اليوم الثاني وفي الأيام التالية، والنتيجة أن أيديهم فارغة، نظروا إلى غوطتهم فإذا الآليات تعاقر أشجارها، بثوان تهوي أضخم الأشجار، فتحيلها من سيدة متفردة في جمالها إلى أكوام من الإسمنت والخراب، بيعت الكنوز، ولم يبق من الخضرة إلا القليل، كثرت الأموال في يد فلاحيها، بعضهم وزع نقوده على أولاده وأحفاده، آخرون وظفوها في مشاريع خاصة، أكبر هذه المشاريع الإغراءات التي قدمها «راني» أربعون بالمئة تصل نسبة الأرباح، هذه النسبة كانت نعمة ونقمة في الوقت ذاته.‏

لا أحد يعرف لماذا اختار السيد «راني» أن يكون مكتبه في الغوطة، انتشرت دعايته كما تنتشر النيران في البترول، تدفق الناس يسألون عن صحة ما سمعوه، رأوا بأعينهم كيف يأخذ المودعون أرباحهم في بداية كل شهر، أو تضاف إلى مبلغهم ليتضاعف، تساءلت النسوة عن فوائد الذهب الذي فقد بريقه في صناديق الأعراس، الصاغة فتحوا محلاتهم، استقبلوا اللواتي يبعن مصاغهن، والمصاغات الموروثة من الأجداد، تزاحمن أمام المكتب، دفعن ما معهن من أموال، والمرح يسري في أجسادهن، الذهب المخبأ لا يدر ذهباً ولا فائدة منه، الأموال إذا شغلت تدر ذهباً، يكفي أن أرباحها مضمونة، بارك الله في الأوراق النقدية، في التجارة، الفلاحون تباروا في بيع أراضيهم بالقصبات والدونمات، كل ما قبضوه أودعوه مقابل ورقة مكتوب فيها بعض المعلومات الشخصية، وقيمة المبلغ المودع، وتوقيع مسؤول المكتب، مرت سنون وسمعته كالمسك، توافد الموظفون وسكان الأرياف والمدن إلى مكتبه، وفي جيب كل منهم غلة العمر.‏

وصل الخبر إلى الدول المجاورة، فجاءت رؤوس أموال ضخمة من الأردن ولبنان، أما موظفو البنوك في دمشق وفي غيرها من المدن السورية، فقد باتوا بلا عمل سوى سحب المودعين لأرصدتهم، وإيداعها عند السيد راني، التي احتلت دعايات منتجاته في التلفاز مساحات جيدة، إذ فاقت الدعايات الأخرى كلها.‏

حزم الموظفون النقود، وضعوها في أكياس قنب، لا أحد يعرف إلى أين ذهبت. ما بين الواقع والحلم خطوط منحنية تفضي إلى كوابيس، بات المودعون يرونها في مناماتهم، يحسون بالنيران تلتهم أشجارهم وأفئدتهم ونقودهم، تحولت الغوطة إلى جحيم، تمطر الدروب أحزانها، الوجوه مغبرة ومكفهرة، تتكوم أفواج تتلوها أفواج أمام مكتبه، ماذا يفعلون بعد أن أعتقل؟ ماذا يفعلون وقد غادرتهم أحلامهم؟ الألوان الرائعة تحولت إلى لون واحد رمادي وباهت.‏

لم تعد الجيوب عامرة بالنقود، شاخت الأجساد والأحلام، ناحت الغوطة على أهلها، وناح أهلها على غوطتهم، لطموا وجوههم، ولطمت الأشجار والنباتات حظها العاثر، بينما قهقهة السواقي ذات المياه الملوثة، المودعون يصرحون للمسؤولين في الدولة عن مبالغهم المودعة، والدموع تنهال على خدودهم، اكتظت الدروب بالنائحين، تحولت الغوطة إلى أنثى تندب حظها العاثر ومغتصبها، ازدادت كمية الزفير، تلوث الجو، تلوثت الأرض، ماتت الأشجار واختنقت العصافير.‏

نادت أم سمير ابنتها فرات، وسألتها عن آخر أخبار راني، استغربت سؤال أمها التي أخبرتها بأنها أودعت عنده خمساً وعشرين ألف ليرة، هو كل ما اقتصدته من المصروف من أيام زوجها. نظرت فرات إلى أمها التي ادّعت طوال العام الماضي، بأنها لا تملك قرشاً واحداً، قالت والحزن يقطع نياط قلبها:‏

- هذا المبلغ يا ماما مع أجرة بعض الدروس الخصوصية يكفيني دراسة ويكفينا مصروفاً حتى أتخرج من الجامعة، لماذا ضننت عليّ؟‏

- أرجوك فرات لا تقلبي المواجع، سألتك سؤالاً محدداً!‏

- وأنا لا أملك إجابة!‏

-9-‏

قال بعض الناس: «إن الله يحب دمشق، فقد خلصها من الوحدة».‏

قال آخرون: «إن الله يحب دمشق، لأنه خلصها من عهد الانفصال الذي قضى على وحدة قطرين عربيين هما مصر وسورية».‏

مما لا شك فيه أن الله يحب دمشق، فقد وهبها طبيعة جميلة وماء من روحه، ماء يدعو للمحبة، إذ يقال في مياه الشام العاصمة:‏

في زمن سحيق لا أحد يعرف قدمه، يوم كانت مياه نبع بردى ترتفع مترين أو ثلاثة في الفضاء، من أعلى الجبل برز خيال اثنين، شاب وفتاة، اقتربا من النبع، طلب الفتى إلى عروسه أن تنتظر في مكانها، ليجلب لها الماء بحفنتيه، اندفع بسرعة فلم يسيطر على نفسه، لامس المياه المندفعة وهوى، فتشت عنه حبيبته عبثاً، سبع سنين وهي تبكي، تصادفت آخر سنة بهطول مطر غزير، جرفها وجرف دموعها، وهناك في أسفل النبع التقت مع روحه، فوهبت لهذه المياه أنوثتها، من يومها قيل فيها:‏

مباركة أيتها المياه‏

يا من اتحدت أنثاك بذكورتك‏

فوهبت الشارب ذاك الظمأ الجنسي‏

أيتها المياه المتزاوجة‏

يا من وهبت عذريتك وشفافيتك ونقاءك لبعض العذارى‏

ووهبت أنوثتك لشوارع المدينة وصباياها‏

ليلة مخاض أم سمير التمّ الجيران على صراخها، أبو سمير فاجأه تعسر الولادة، غيّر ملابسه ونزل إلى الشارع ليوقف أية سيارة، لينقل زوجته إلى المشفى، سمع زغرودة وأصواتاً تناديه وتردد: «الحمد لله على سلامتك»، شكر السائق وأعطاه ما فيه النصيب، لقد منَّ الله عليه بأنثى، صار لديه اثنتان وذكر، هدى وسمير وهذه المولودة التي قرر أن يسميها اسماً مرادفاً للماء.‏

تذكر أبو سمير ترقب زوجته لليلة الجمعة بفارغ الصبر، تتزين وتتعطر وتحضر نفسها لسهرة قد تطول حتى الصباح، تعتقد أنها ليلة مباركة، ترفرف فيها روح الإله على المدينة، قاسيون الفتى الشامخ حفيد كنعان وأيل، يحرس عاصمته ويحتضن بيوتها برفق، كما يحتضن الأب أولاده، يرد عنها كل شر، ويظل ساهراً تلك الليلة لا يغمض لـه جفن، النسوة يعتقدن بأمور أخرى لها علاقة بالحب بين الزوجين، يمنحن جمالهن وبركتهن وأجسادهن في هذه المباركة بملء إرادتهن، ويعتبرن الامتناع عن ذلك يفتت الأسرة ويغضب قاسيون وأجداده، يتفنن في المسامرة والمداعبة والاغتسال، يغتسلن مرات، ويظل الحمام ساخناً طوال الليلة، المياه المباركة تدغدغ تكوينات الجسد، تعيد فتوته وتأججه، من لا تستحم تلك الليلة، لا تستطيع أداء الصلاة أو التفكير بشكل متزن، تشعر بحمل ثقيل، تخمد ويذوي جمالها ولا تسلم من فتك الأمراض، وإذا حملت ولم تباركها المياه، فإن حملها سيكون وبالاً.‏

للماء لغته وطبيعته اللتان لا يتخلى عنهما، إنه روح الحياة يزرع الخصب والفرح أنى حلّ، لولاه كانت دمشق أثراً حضارياً، بينه وبين المرأة غزل، لا أحد مثلهما متفاهمان، صفات مشتركة تجمعهما، يسبح فوق جسدها، يدغدغ أنوثتها، يبارك خصبها ويزيدها جمالاً ورقة، حتى تصير بشرتها أكثر نعومة، فرات أدركت أهمية الماء وعرفت الكثير عنه، عقدت معه صداقة أبدية فباركها، إذ جمعت إلى جانب رقة الجسد ورهافته الفطنة والنبوغ والأنامل المبدعة وذاك الصوت الرخيم.‏

كل شيء مع الماء رائع، الأشجار تحني هامتها وتنثر فواكهها، الطبيعة ذاتها تزداد جمالاً، الغوطة تزدهي بثوبها الملون ورقصتها الرائعة، العصافير تبارك عطاء السماء والأرض، تراقب انهمار المطر وهي فرحة، وعندما يصحو الجو تطير مزقزقة محتفلة، وهي أكثر حبوراً من أي وقت.‏

ذات مساء خريفي وبعد أن تجاوزت الصف العاشر بتفوق، فكرت في مستقبلها. نظرت إلى وجه والدها بشفافية، ابتسمت وهي تتمعن في تقاطيعه، تناولت قلم الرصاص وبدأت رسم وجهه المتطاول قليلاً وأنفه الذي يميل إلى الكبر وشفتيه الرقيقتين، ارتفعت يدها قليلاً لترسم شعره الأسود الناعم الموشى بالشعيرات البيضاء، مع بداية صلع في أعلى الرأس ومقدمته، ظلت تتأمله وترسمه وهو طائع. نظر إلى صورته وقال: "أحسنت يا فرات، أشهد أنك فنانة! لا أمانع في أن تسجلي الفرع الذي تختارينه."‏

ركضت إلى والدها وضمته بأناملها المرتعشة، قبلته وقالت: "أنت رائع يا أبي! أنت تدفعني إلى التفوق."‏

أخذ صورته، قرر أن يشتري لها إطاراً ويعلقها على الجدار، أما فرات فقد بدا عليها السرور وكأنها امتلكت العالم، لم تفارق البسمة شفتيها وهي تتابع الرسم، إنها ترسم منظراً عزيزاً عليها يمثل دمشق، اتضح فيما بعد أنها ترسم المرجة، غاصت تلك الليلة بالألوان والرسم، ولم تبرأ منهما طوال سهرتها، كانت الأثيرة لدى أسرتها، تمتلك صفات والدها الجسدية والفكرية، حتى الفن ورثته عنه، يدللها، تبتسم لمداعباته وكأنها امتلكت الكون، نجحت في الشهادة الثانوية، وذهبت لتقديم فحص مسابقة كلية الفنون الجميلة، رسمت لوحة شاهدها أحد المراقبين، نادى للدكتور الذي راح يتأمل لوحتها بسرور، وقبل أن ينتقل إلى غيرها طمأنها بقوله: "أتمنى أن أراك في بداية العام الدراسي في كليتنا!"‏

لم تكن أمها مرتاحة لاختيارها، أما أبوها فطار من الفرح، وصار يدعوها بالفنانة، يحاول إقناع زوجته بأهمية الفن التشكيلي ومستقبله الجيد، ذهبت محاولاته أدراج الرياح، هي تنظر إلى الفن على أنه شيء زائد لا حاجة لأحد به، صارحت ابنتها برأيها، وطلبت إليها تغيير فرعها لآخر، علاماتها تسمح بذلك. فرات لم تهتم بما سمعته، فقد أخذت قوتها من موافقة والدها، استمرت في الكلية، حريصة على إقناع أمها، تحاول استمالتها وملاطفتها، تشرح لها أهمية الفرع الذي دخلته وأهمية الفن في حياة الناس والشعوب، تذكرها بكبار الفنانين ولوحاتهم الخالدة، حاولت أن ترسمها، رفضت، لكن أمها خففت تدريجياً من هجومها على الفن، ورضخت للأمر الواقع، لكنها من داخلها لم تكن مقتنعة، وتتحين الفرص للانتقام من الفن.‏

الحياة تضحك لفرات التي لا تعرف إلا المرح، هائمة مسرورة، الدنيا لا تسعها، عيناها تبرقان فيهما فرح طفولي، أنفاسها وأريجها ينشران المحبة، تتمايل دلالاً بينما شعرها يغازل كتفيها وتتسلل شعرات منه إلى صدرها وظهرها، لجسدها اهتزاز قارب فوق الأمواج، كل ما فيها ينطق بالصفاء والعذوبة، والدها نافذتها على الحياة، مرض، لم يمهله المرض ليفرح بنجاحها إلى السنة الثانية، توفى في نهايات فصل الربيع، مات كل جميل بموته، غادرتها ابتسامتها، فارقها عنفوانها، باتت صديقة الأرق والظلام، صمتت الشوارع والأزقة، تسلل الفراغ إلى صدرها، تسلل الخوف وبدأ يقضم فؤادها، انتهت الذكريات الجميلة.‏

لدمشق بوابات غير أبوابها السبعة، اعتقدت فرات أنها قادرة على فتح بوابة الغوطة، الكثير مما كانت تعتقده خيب ظنها، بعد نجاحها إلى السنة الثانية، بدأت المصاعب، فاجأتها والدتها بأمور كثيرة لم تحسب حسابها، طالبتها بالعمل، فما كان منها إلا الرضوخ، عملت سبع سنوات ولم تثبت في عملها، زملاؤها تخرجوا منذ ثلاث سنوات أو أكثر، حضرت معارض تخرج بعضهم، وكم تحسرت لأنها لم تتابع دراستها، في المدينة ضاقت بهم الحياة، أكثر من واحد طالب بحصته من الميراث، باعوا بيتهم واشتروا بيتين في الغوطة، واحداً لأمها وآخر لأختها المتزوجة، أعطيت غرفة في بيت أمها.‏

إحساس أم فرات بالخوف جعلها ضعيفة، تتصرف على سجيتها دون أخذ رأي ابنتها، وفي ظنها أنها تفعل ما تفعله لصالحها، فمنذ سكنت الغوطة تشربت آراء نسائها، آمنت أن الفتاة تتعلم لتفك الحرف، ابنتها فكت الحروف والقيود، تمردت، تخرج سافرة، تخاف على جمالها ورشاقتها وخفة دمها، تخاف أن يعتدي عليها ابن حرام، ماذا تفعل؟ تعجل بزواجها، ذهبت إلى أخيها ومن هناك إلى عم فرات، همسا في أذنه بأن ستر البنت زواجها، وأن ابنتها المدللة متمردة على الحياة وأعرافها، لا تراعي لباس البيئة ولا آدابها، الحل هو البحث عن عريس مناسب، أوكلا الأمر إلى أمها، التي أخذت التفويض وبدأت تلف من شيخ إلى آخر تعرض صورة ابنتها، ادعت أنها منذورة لمتدين، وما عليها إلا إيفاء النذر وعمل استخارة.‏

بعد أيام حضر الشيخ جاد الله ومعه شاب في العشرينات وسيم الوجه. فرحت أم سمير لقدوم الخطيب بالسرعة القياسية، قدمت فرات القهوة، رأت شاباً حنطي اللون دقيق الملامح حلو الطلعة، يقطر الإيمان من وجهه، جلست قبالته ترمقه، وهو يرمقها باهتمام، فتاة طالعة من الجنة، جن جنونه، تمتم وقال: «ما شاء الله»، لم تعترض، ربما لأن لا أحد استشارها، أو لأنها تواطأت مع ذاتها وفضلت السكوت، لتأخذ فرصتها في التفكير.‏

ماذا بوسعها أن تقول في شاب جاء يخطبها؟ والدها الذي يفيض بهجة على حياتها، باتت تحادثه من خلال صورته، تذكرت يوم قالوا لها إنه مات، لم تصدق، نظرت إليه وصاحت، استغربت كيف لا يرد ولا يتحرك ولا يبتسم، متأكدة أنه يسمعها ويعي ما تقوله، أبعدوها عنه وهي بين اليقظة والإغماء، نتفت شعرها ومزقت وجهها، لماذا تتذكر ذلك وهي أمام شاب وسيم؟ لو كان والدها على قيد الحياة، هل يقبل خطوبة كهذه؟ لم تفكر بالاقتران بشاب قبل الآن؛ مع أنها ارتاحت لعدد من زملائها في الجامعة، تخلصت من وجع رأسها وقررت أن تواجه الواقع، توافق على خطيبها شريطة أن لا تزف إليه قبل عام، وعلى نية التيسير والحلال قرئت الفاتحة، زغردت أم سمير ووزعت الحلوى على الجيران.‏

فرات في بداية امتحان، علمت أن خطيبها بلا بيت، وبلا عمل سوى ترديد بعض الأناشيد الدينية في الموالد والمناسبات، يمضي يومه في المسجد، ينام في أحدى الغرف الملحقة بالجامع أو عند أحد الشيوخ، بعد الخطوبة بات يتردد على بيت خطيبته، وجد الترحيب، ووجبات الطعام اللذيذة، والمكان الدافئ، مما أغراه بالمجيء، بعد شهر من الخطوبة استولى على سرير فرات، التي تقاسمت مع أمها السرير، ويوماً بعد يوم صار من أهل البيت، يذهب إلى الجامع منذ الصباح، يعود ظهراً ولا يفارقهم، وجوده الدائم وكسله جعلها تمله، تخلصت من عواطفها الشحيحة اتجاهه، باتت تتشاغل عنه، بدأت تسأل أسئلة على غاية من الخطورة، كيف يتجرأ ويخطبها وهو لا يملك بيتاً ولا عملاً ولا شهادة؟ ندمت على موافقتها وتخليها عن أحلامها، هل هي متخلفة لتردد ما تقوله أمها حول القسمة والنصيب؟ أمها تطمئنها، تحاول إدخال السرور إلى قلبها، حفظت ما تقولـه، سيجد عملاً ذات يوم. مرت خمسة شهور وهو يأكل وينام في غرفتها، هل يمكن قبول هذا؟‏

ردت أمها في محاولة للتخفيف من آلام ابنتها:‏

- احمدي ربك، خطيبك لا يعرف من الدنيا سوى الجامع وأنت، ماذا تريدين أكثر من ذلك؟‏

- أنا لا أريد لا أكثر ولا أقل، بل لا أريد شيئاً، آمل أن أحيا كالأخريات، أريد إنساناً يحبني وأحبه، يبيع العالم من أجلي، إن فرض الخطوبة بهذا الشكل إهانة لروح بابا، الذي أعطاني الحرية وعلمني حسن الاختيار، ألم يبق في العالم شباب لأتزوج رامي الشيخ؟!‏

- الأمر انتهى.‏

- لا يا ماما مئة قلبة ولا غلبة.‏

اكتشفت بالمصادفة أنه يدخن، وجدت علبة تبغ أجنبية تحت المخدة، سألته وعرفت أنه يدخن أحياناً، تراجعت عن انتقادها، قالت في نفسها، إن هذا لا يضيره، آلاف الشبان يدخنون، حب التجريب والإطلاع دفعاها أن تشعل لفافة وتأخذ نفساً عميقاً، شعرت بمرارة ودوخة وألم في بطنها، خرجت إلى المغسلة وتقيأت ما في معدتها.‏

لم يكن التبغ ما شغل فكرها، بل شروده وشعوره بالانقباض وأحياناً بالعظمة، وإحساسه بوجود ضوضاء خارج البيت، ووجود موجات صوتية تعطي اهتزازات داخل الغرفة، بدأت تخافه خاصة بعد أن مدّ يديه وغسلهما من نقاط ماء مدلوقة على الأرض، إذ تصورها بحيرة، ضحكت وخرجت من الغرفة، وهي غير قادرة أن تنسى هذا الموقف. بدأت تسأل نفسها إن كان خطيبها إنساناً صحيح العقل. لامت نفسها على الموافقة قبل أن تعرف كل شيء عنه. في حالات صحوه يستغرب ما ينقل لـه عن حالته، ينكر أنه أقدم على ذلك، يرفض الذهاب إلى الطبيب ويعزو ذلك إلى السهر والإرهاق، إذ ادعى أنه لا ينام قبل أن يصلي الصبح، لم تكن تبريراته مقنعة. أتتزوج من شخص مريض؟ ندمت على سكوتها، اكتشفت عقم ثقافته وعدم قدرته على نقاشها وإقناعها في أي موضوع، إذا عجز يقول: «الله أعلم»، اتهمت أمها بأنها تدمر حياتها، تحول ندمها إلى كره للبيت، لخطيبها، للحياة. بدا قلقها واضحاً في المدرسة وأمام المعلمات. تغيرت تصرفاتها مع زميلاتها وتلميذاتها، آثرت الصمت، هجر المرح حياتها، تخرج صباحاً ولا تعود إلا ليلاً، ترفض الجلوس معه، ترفض الحديث مع أمها، تذهب إلى أختها، تبكي بين يديها على نصيبها وحظها العاثر، وأحياناً تنام عندها، هددت أمها بأنها ستسمم نفسها إن أرغمتها على الزواج منه، لن تتزوجه ولو لم يبق غيره في دمشق، تجيب على أسئلة أمها بكلمتين أو بهزة من رأسها، تردد كلما حل ذكره: "كرهته يا ماما، لا حياة مع الكره، كما أدخلته إلى حياتنا عليك أن تتصرفي."‏

لمن تصف حالتها؟ هزلت. لا تأكل ولا تشعر بطعم الحياة، ضائعة. بدت عليها علائم الشرود، سألتها أحب المعلمات إلى قلبها زميلتها هلا بقولها: "ما بك يا فرات؟"‏

لِمَ لا تفتح قلبها لصديقتها؟ إنها مدرسة معها، قد تخفف عنها وعلاقتهما جيدة، تدخن وبالتأكيد تعرف إن كان التبغ يخدر الجسم ويمنح شاربه شعوراً بالعظمة وحب الانزواء، وفي مرات كثيرة يفقد ملكة السيطرة على الأشياء وتقدير حجمها.‏

تشجعت ووصفت حالتها وهمومها وهي ترتجف، وكأنها تفضي بأمر ستعاقب عليه، هلا إضافة إلى تدريسها تداوم في الجامعة في قسم اللغة العربية، متحررة وهي الوحيدة القادرة على نصحها وتخليصها من ورطة الخطوبة والزواج، حزنت لما سمعته من صديقتها، صار همها أن تخلصها من كابوس خطيبها، الذي استولى على غرفتها وعلى حياتها، وبات مستقبلها رهناً بين يديه.‏

لم يفترقا بعد المصارحة، كل يوم يأتيان إلى البيت، أحياناً تضطر هلا للنوم عندها، يسهران، يقلبان الأمر مع أم سمير ومع هدى أثناء غياب رامي الشيخ وذهابه إلى الجامع، ما الحل؟ ثمة شكوك حول خطيبها بحاجة إلى دليل، ثلاثة أسابيع وملابسه والغرفة رهن التفتيش، حتى وجدن كمية من مادة تشبه معجون الأطفال لونها أخضر ضارب إلى البني، هتفت هلا بفرح:‏

- إنها الحشيش!‏

- لا تظلميه يا هلا!‏

كان هذا رد أم سمير.‏

- عندما يأتي سنواجهه.‏

لم تكن هلا مخطئة في تقديرها، ولتبرهن على ذلك لفت قليلاً منها مع التبغ، ثم طلبت إليهما أن يأخذا نفساً عميقاً، وكل واحدة تشرح حالتها، الأعراض متشابهة، رأس يلف ويدور مع شعور بالزهو. كل شيء قدرته إلا ذلك، واجهته وصرخت في وجهه وشتمته، كانت المفاجأة حين أجاب بصوت عال، وكأنه لم يفعل شيئاً:‏

- لا يوجد نص يحرم عليّ تعاطيه!‏

- أنت تلوي عنق الدين يا... اخرج من هنا ولا ترنا وجهك ثانية.‏

بصقت في وجهه. امتدت يده وصفعتها. اجتمعن حوله. حضر الجيران على أصواتهن وصياحهن وعويلهن، جروه خارج البيت، رمت فرات نفسها على السرير، هل يعقل ما حصل؟ نظرت إلى وجه أمها، أرادت أن تصرخ، أن تقول أهذا هو الحظ والنصيب؟!‏

أخطأت عندما سكتت، فضلت أن لا تفكر، أن تنسى، لم تتوقعه على هذه الحال، وأنه بلا ضمير، يمد يده ويأخذ كل أسبوع مئة ليرة منها أو من أمها، هل عليها أن تنحرف لتجابه انحرافه، أخبرت أمها قرارها النهائي، أن الذي أدخل الجمل قادر أن يخرجه.‏

حمدت ربها لأنها لم تمكنه من نفسها، ستدخل إلى الحمام وتمحو كل أثر ليديه، للمساته على جسدها. ستفرك شفتيها اللتين لعقهما في اليوم الرابع للخطوبة، كاد يهم بها، لولا قرع أمها على الباب. خافت وقررت أن تبقي الباب مفتوحاً، ولا تسمح لـه بالاقتراب منها.‏

صفعت وجهها، كيف للحياة أن تدب بروحها الميتة؟ الذكرى تميت الروح، ما يخفف عنها مصابها، طيف والدها الذي يزورها، ويظل معها يحادثها وقبل أن يغادر يعانقها ويعدها بدوام زياراته، لو كان على قيد الحياة لرفض مجرد فكرة البحث عن زوج، كان على خلاف مع أمها في العديد من الأمور الدينية والدنيوية، يهزأ من أفكارها المستسلمة للقدر، وكأن الإنسان لا يستطيع فعل شيء، ستزور قبره، وستنتقي أحلى باقة ورد، وتطلب منه أن يسامحها لأنها لم تقل رأيها، ولم تحتج على كلام أمها وأفكارها، حين أبلغتها بأنها منذورة للزواج من شيخ، لم تفعل شيئاً، إنها الإرادة الإلهية، الله سبحانه وتعالى يلهمها إلى الصواب ويحدد مسيرتها.‏

أعلنت فرات أنها غير منذورة لأحد، هي وحدها التي ستحدد حياتها ومستقبلها، ارتاحت نفسها بعد زيارة قبر والدها، قبلت ما حصل على أنه امتحان. بفرح قال حامد: "تهانينا!"‏

نظرت إلى عينيه المشرقتين بالأمل، سكتت، لم يعد بجعبتها ما تقوله هذه الليلة، حدثته عن ماضيها الذي لم يعد ملكها، يقاسمها إياه أفراحاً وأتراحاً، النادل يقدم فنجان القهوة للمرة الثانية، تناول فنجانه، وضعت يدها بيده، أحست بدفئها، سارت إلى جانبه، إلى يساره، لا تستطيع أن تكون في غير هذه الجهة، تسمع دقات قلبه، وتحس بكل حركة يقدم عليها، أما هو فقد استعد ليحدثها عن ماضيه، ليكون صفحة بيضاء أمامها، لا خربشات عليها، أية خربشة لن تكون إلا لها أو بإرادتها.‏

-10-‏

العصافير تنقر في الأرض باحثة عن طعام، هدها التعب، كوتها حرارة الصيف. تفرّ صوب الأكمات والصير المتهدمة باحثة عن قطعان الأغنام والماعز، عن الشجيرات والنباتات البرية الملتصقة بالأرض، طيور ملونة تزين السهل، الدراج مبقع بالسواد والبياض أشبه بثوب الجنة والنار الشعبي، والحجل الذي يكرج على الأرض بخفة يقفز بشكل متوال، والترغل الحنون صاحب الصوت الوديع يهدل وهو يفر لمسافات بعيدة بألوانه السوداء والبيضاء والبنية والشقراء، والهدهد صاحب التاج والطلة يختال بحزمه اللونية رافعاً رأسه إلى الأعلى وكأنه الوحيد في البرية، وطائر الدوري وغيره. يحني الصيادون الصغار رؤوسهم، يخطون خطوات بطيئة على رؤوس أصابعهم، وقبل أن يهجموا على السرب بمسافة قصيرة، يطير لمسافة أبعد قليلاً، تنشط روح الدعابة، يلاحقونها في حركة مد وجزر تتعبهم و تسعدهم، الطيور تشعر بالريبة لدى قذفها بحجر؛ تعرف أن لحظات المزاح انتهت، تسبح في الجو إلى مسافة بعيدة، تجعلهم يكفون عن ملاحقتها، وكل منهم يلقي اللوم على الآخر.‏

يصيدون بالفخاخ، يجهزونها ويغطونها بطبقة تراب ناعم، هي في الغالب من بقايا أكوام الخلد المنتشرة، تاركين الدودة ظاهرة. يقتفون أثر الطيور، يتوزعون إلى جماعات لكل منها وظيفة. منهم من يكمن، ومنهم من يداور الطيور محاولاً دفعها صوب الفخاخ، بحركات هي مزيج من رقصات بدائية، تتمثل بالتصفير والتصفيق باليدين والمشي البطيء، هذه الحركات تدفع السرب إلى الأمام نحو الهدف. بعد جهود مضنية تقترب الطيور، أحدها ينقر الدودة، ترتفع كتلة التراب في الجو، يتسابقون. كل يتوقع أن فخه هو الذي صاد، تعاد الكرَّة ثانية وثالثة، يعودون بصيد أو دونه وهم سعداء. يصرون على متابعة ذلك في يوم آخر. هذا في أيام العطل والصيف، أما في أيام الدراسة، فإنهم يحضرون أطباق الورق والخيطان، ليصنعوا طائراتهم الورقية، بعد أن ينهوا ربط الذيل بجسم الطائرة، يدفعونها إلى الجو، ترتفع وتتلاعب بها الريح، تحلق عالياً، يركضون والخيطان في أيديهم، يتسابقون ويراهنون على أيها ترتفع أكثر محاولين منع تشابكهن، وكما يساعد الهواء بالدفع إلى الأعلى، فإنه يسبب تخريبهن، الخوف يترافق مع فرح طفولي، لا ينهيه إلا تمزق الطائرة أو انقطاع الخيط، ينتهي مشهد الفرح، يعودون إلى بيوتهم وكل منهم يحاول الحصول على طبق ورق وخيط بديل، وهذا ليس سهلاً، يكلف بكاء ساعات، وقد لا تجدي الدموع في إعطائه ما يريد، يحسب حساب هذا في المرات القادمة، ليوفر دموعه وصراخه.‏

نظر حامد إلى عيني فرات المتشوقتين لبقية الحديث، تشكلت على شفتيها ابتسامة بريئة، حدقت بعينيه وبشيء من الارتباك، سألته:‏

- أما زلت قادراً على صنع طائرة ورقية؟‏

- أتريدين اللعب؟‏

- أريد أن أهرب بها.‏

حلق في الجو كطائرته الورقية، التي أعادت إليه ذكرى السهول الممتدة حول كفرخبية، البلدة المنسية التي اختارها أبو صالح والد حامد محطة لسكناه. لا أحد يعرف ما الذي دفعه لاختيار هذه القرية المتواضعة، التي يعتقد أنها كانت في يوم من الأيام ديراً يؤمه المصلون من وادي العجم، لا تضاهيها في القدم إلا الكسوة وقطنا والوعرة. أبو صالح أحبها على الرغم من عدم وجود أقارب لـه فيها، وبعدها عن المخيمات والعاصمة. كثيرون ظنوا أنه الزهد أو الابتعاد عن الذين دفعوه بشكل أو بآخر إلى ترك أرضه. قالوا له: "من يبقى تحت حكم العصابات اليهودية خائن!"‏

من يلج إلى نفسيته يتأكد أن هذه ليست الأسباب الحقيقية، أبو صالح يهوى الجمال ويعشق الطبيعة، ولا شيء في تلك المنطقة أجمل من البلدة التي اختارها، أرض مجبولة بالزمرد تشع نوراً وعطراً، نساؤها عقيق، أجسادهن فتية ورشيقة داخل ثياب طويلة وفضفاضة، أعناقهن تصافح الأفق، خدودهن تلوح إلى الحمرة الجميلة، وشعورهن طويلة ناعمة. كم أعجب بفتياتها! وريثات عرش بيزنطة وتدمر. فكر أن يجدد شبابه، أن يصاهر أهلها ثمة فتيات بعمر الورد يقبلن به. يتذكر حمله الثقيل زوجته وابنه صالح، فتعاف نفسه الزواج، ويعود للتفكير بحاله.‏

لم تكن البلدة التي اختارها نائية، نصف ساعة في السيارة أو أكثر بقليل ويكون القاصد لدمشق في المرجة، تربطها طريقان بالعاصمة، طريق الكسوة مروراً بمرانة والمقيليبة، وطريق المزة المؤدي إلى دروشة ومنها إلى البويضية، كفر خبية واحة مسيجة بالزيزفون والورود والبساتين، من الشرق بستان الشلاح المنظم والمزروع بشكل هندسي بالتفاح، الواحدة قد يصل وزنها إلى ما يقرب النصف كيلو مزّة المذاق، من الجنوب الزيتون الذي يمتد بشكل متقطع حتى الوعرة، وربما أشهرها ما كان يخص عمر آغا، من الشمال بساتين منوعة الثمار، تسقى بمياه آبار ارتوازية، أما الأراضي الواقعة في أقصى الشرق فتزرع بالشوندر السكري أو القطن، إضافة إلى غابة من الصفصاف قرب نهر كفر خباني الذي هو أحد فروع نهر الأعوج.‏

حل أبو صالح على كفر خبية يحمل صرراً على ظهر حمار. بجانبه أم صالح وخلفه طفله، رحب به أهل البلد، أشفقوا عليه، بدؤوا يتهامسون فيما يجب فعله. يشتمون اليهود الذين طردوه من أرضه، شعر أنه بين إخوته وربعه وسط ترحيبهم، ضمه الفلاحون إلى صدورهم، قدموا ما يستطيعون تقديمه، أعطوه بيتاً من اللبن، رفضوا أخذ الأجرة. صاحب البيت قال له: "اسكن يا أبا صالح حتى تعود إلى بلدك."‏

لم يكن كلامه مستهجناً، لا أحد توقع أن يظل الفلسطينيون خارج أرضهم أكثر من شهر، لكن عندما طال سكنه في الدار لسنوات، قرر أن يشتري داراً أو يبني واحدة مثل باقي الفلاحين. أعطوه قطعة أرض وقالوا له: "ابن بيتاً لك ولأولادك تظل فيه حتى تعود إلى بلدك."‏

عيناه تدمعان لهذا الموقف النبيل. طيف فلسطين يتراءى في الحلم، في اليقظة، في الدروب الخضراء. ساعدوه في صنع اللبنات التي هي مزيج من تراب وتبن أضيف إليه الماء. فتيات البلدة ساهمن بجلب الماء، كل واحدة تأخذ منديلاً إضافياً وتلفه حتى يصير على شكل إكليل. تضعه على رأسها ليرد ثقل تنكة الماء. شمر أبو صالح عن ساقيه حتى أعلى الفخذ، وشمر جيرانه وأصحاب النخوة، يخوضون بالطين، يعجنونه بالمجرفة، وعندما يصير كتلة عجين. يترك أحياناً لليوم الثاني ليختمر، في صباح اليوم التالي يتسابق الفلاحون للعمل. يصنعون القوالب الطينية التي تتحول إلى جدران لا تهزها الريح، بينما آخرون يحفرون الأساس ويرصفونه بالحجارة، البنّاء يبني اللبنات، يضع بين اللبنة والأخرى الطين الطري، وهكذا يرتفع البناء، الذي يتأكد من جودته كلما أنجز بناء عدة لبنات بميزانه الشاقولي. وهو في العادة يمد خيطه ويرفع المداميك واحداً بعد الآخر، الحماسة تدب بالعاملين، ينسون تعبهم لحظة تمد السفرة. يتناولون كمية من البرغل والبصل، وبعد انتهاء الأكل يحضر الشاي مع علبة تبغ من نوع «تطلي سرت رفيعة» أو علبة «مرجان»، يصل عدد المساعدين إلى عشرة، عشرين، ثلاثين، بل البلدة كلها تنتظر البناء وتساهم به. تزغرد النسوة لدى عقد الأبواب والنوافذ، بعد اكتمال البناء يصلون إلى مرحلة سقف البيت، يمدون جسراً خشبياً بالطول وأخشاباً أقل ثخانة بالعرض. يحضرون القصب وخيطان المصيص، يصعد الصغار ويبدؤون بشد القصب على قصبات سميكة، أشبه بمن ينسج على نول، ثم تمد طبقة من الأكياس والخيش، تليها «الوبلة» تراب مبلل بالماء غير مجبول، ثم طينة السقف والبيت وطرشه بحوارة بيضاء.‏

أحس أبو صالح بالفراغ يمزقه، بالجبال تطبق على صدره، وبالحنين إلى الدار يقتله، هل يجتاز الحدود ويغامر؟ لا يسأل عن لغم قد ينفجر به أو جندي يطلق النار عليه بحجة تجاوز الحدود، وقد يتهم بالخيانة ويودع في السجن، وإذا استطاع اجتياز الحدود قد يقبض عليه الأعداء ويتهمونه بأنه مخرب! الأفكار السود تراوده، يظل أسير الماضي، روحه متعلقة بأرضه وبيته، هل يذرف الدموع أم يجوب البلاد يندب حظه؟ يوزع حزنه على الطبيعة، يحب السهول والهضاب والمشي في البراري، يظل دائم التجوال في كفر خبية والوعرة، لـه أصدقاء في البلدتين، يسهر عندهم ويعود إلى أولاده وزوجته آخر الليل، ونظراً لقرب البلدتين فقد جابهما وعرفهما شبراً شبراً.‏

كفر خبية مفتوحة على الحياة، أهلها يمارسون الزراعة، أما الوعرة فتقع في أرض صعبة المسالك حجارتها بركانية مغلقة تماماً، أهلها أشداء ذوو مراس صعب، يعيشون في عزلة، مواردهم الاقتصادية شحيحة، يعتمدون على الرعي والزراعات التي لا تحتاج إلى سقاية، لهجتهم ذات علاقة بطبيعتهم الصلبة، طبيعة خشنة محافظة على تفردها ببعض الألفاظ والنطق. لكن وبعد نكبة فلسطين واستيطان المنطقة الواقعة في مسافة وسط ما بينها وبين قطنا. انفتحوا قليلاً على القادمين الجدد في محاولة للتخلص من عزلتهم ووحدتهم وبناء جسور الثقة والحب مع من حولهم، بدؤوا يبادلون منتجاتهم بطحين الوكالة الأبيض الذي وزع على اللاجئين.‏

ماذا يفعل أبو صالح، أيظل يحلم أم يتعامل مع الواقع؟ الحدود أقوى من الجميع، بكى وأذعن واندمج في عالم الفلاحين، يشتغل مع بداية فصل الربيع وحتى نهاية الخريف، يرتاح في الشتاء، ينتقل من مضافة إلى أخرى، وأحياناً يستقبل في بيته الساهرين، لم يشعروه أنه غريب، وعندما يتخاصم أطفاله مع أبناء الفلاحين، يقفون إلى جانب أبنائه، يقولون لأطفالهم: «هؤلاء ضيوف والله أوصى بالضيف، الخنازير طردوهم من أرضهم».‏

عندما بلغ حامد سبع سنوات، قاده والده مع عدد من أطفال كفر خبية للتسجيل في مدرسة وكالة الغوث البعيدة عن البلدة. احتج المدير وقال لأبي صالح:‏

- ممنوع تسجيل هذا العدد الكبير من التلاميذ السوريين.‏

- لا ليس ممنوعاً، هم قبل ابني، أتعرف ما فعله أهلهم؟‏

- هذه يا أبا صالح مسؤولية، على وزارة المعارف السورية أن تفتح لهم مدرسة في بلدتهم؛ نحن وكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين.‏

- الله يساعد الوزارة يا أستاذ. سجل هذا بعض من كرمهم.‏

- سأسجل الجميع وأتجاوز القوانين. تكرم يا عم.‏

صار على حامد والصغار الذين سجلوا أن يقصدوا مدرسة وكالة الغوث في خان الشيح، لم يكونوا الوحيدين الذين يأتون للتعليم من خارج المخيم، هناك تلاميذ من الوعرة ودروشة، كان سعيداً برفقة زملائه، ساعة وربع ذهاباً ومثلها إياباً، صار لـه أصدقاء يزورونه، يلفون في البساتين ويحصلون على بعض الفواكه، وأحياناً يصلون شرقاً حتى جبل المانع، يصعدونه ليطلوا على الطريق الذي يربط ما بين دمشق ودرعا، يذكرهم بطلائع الجيش العربي يوم جاؤوا محررين لدمشق من العثمانيين.‏

مات أبو صالح حزناً وكمداً على بيته بعد عشرين سنة من خروجه من وطنه، شعرت أم صالح بالغربة بعد وفاته، قررت أن تشتري قطعة أرض إلى جانب أخيها في الغوطة، أحسَّ حامد بالغربة، لو كان يعلم البون الشاسع ما بين كفر خبية والغوطة لما جاءها، لكنه النصيب أن يعيش فيها، ويشرب من مياهها الملوثة، وأن يلتقي بفتاة مخلوقة من البدر، امتدت يده إلى يد فرات علامة انتهائه من حكايته، إذ بعد ثلاث ساعات من الحديث، اعتذر على إطالته وذكره لتفاصيل قد لا تهمها كثيراً. بفرح قالت:‏

- لا تأسف يا صديقي. قلبي الذي كان يدق في صحراء قاحلة وأرض مقفرة لم يعد كذلك، ألم تلاحظ مرحي وابتسامتي المطبوعة على شفتي وفؤادي؟ أشعر أنك غزوتني، وأنني أتغيّر. هل تعرف ما الذي غيرني بهذه السرعة؟‏

نظر إلى عينيها المبتهجتين وقال:‏

- الحب!‏

- لم أفهم!‏

- بل تفهمين. الحب يا صديقتي يغزونا دون مقدمات، وعندما يقرع جدار أفئدتنا نبدأ بالتغيير.‏

- لم يمض على تعارفنا سوى زمن قصير. أتسمي ما بيننا حباً؟‏

- أنت تستنزفينني بشكل رائع!‏

ابتسمت وبدا جسدها أكثر رشاقة وأنوثة، أنوثة تستدرجه إلى حد الرضوخ، تعرف أنه يحبها قبل أن يصرح، فكيف وقد صرح لها في هذه الجلسة؟ لها حذق الحاسة السابعة، عرفت ذلك منذ النظرة الأولى، الغزل يمنحها حبوراً وجمالاً فوق جمالها. تبتسم وتطالبه أن يقول كل ما عنده قبل أن يتركا المكان. الكلمات تهبط إلى جوفها، تترك فيها رعشة وحيرة، فتبدو بتناقضها وشكلها مزيجاً من الربيع والموسيقا، الشمس تنير داخلها فيبدو كل ما فيها مضيئاً.‏

تغيرت ملامح فرات، بدا الحزن على محياها، نظرت حولها، وجودها مع حامد نبش شيئاً من حياتها، من ماضيها الذي يؤلمها كلما تذكرته، ضغط على كفها، ونظر إلى وجهها، السماء تتبرج بما تملكه من غمامات، أطياف قزحية تظهر في الأفق، لماذا لا تمنحنا الذاكرة إلا الحزن؟ وجهها عكس حالة الجو، دعاها أن تشعل النور في صدرها. بحزن وألم عميقين علقت:‏

- ماما لا تدرك ما أريد، وهي لا تريدني سعيدة!‏

- الحب ينتصر يا فرات مع الإرادة.‏

- لا أريد أن أصل إلى حافة الجنون، فأنا ابنة التجارب. الحياة لا تعطي بقدر ما تأخذ، وها هي ذي تأخذ كل شيء!‏

البحر المتوسط أرسل غماماته وأبجديته إلى الغوطة. دفع بالسحب الكثيفة، لتعود الحياة أجمل مما كانت، لتنمو الأعشاب وتزهر الأشجار وتغسل عفن الشوارع. صوت فيروز ينطلق من مذياع قريب. تذكرا صوتها الملائكي، واحتجاجها حداداً وحزناً على زهور ماتت واقفة وهي تقاوم الأعاصير. فيروز مع سكوتها صمتت كل الأصوات الجميلة، بانتظار الفرح، في هذه اللحظة تكاثفت الغيوم أكثر وبدأت تمطر. فقال: هذه دموعنا ردت لنا. هيا قبل أن نبتل!"‏

-11-‏

الغوطة ترتدي أثواباً عدة في وقت واحد، كل ثوب دال على عصر من العصور، قريبة من المدينة لدرجة أن جزءاً منها ألحق بأمانة العاصمة، تمثل تعانق الريف والمدينة ولقاءهما، إلا أنه ظل هامشياً، لقاء يبقي الناس في حدود تفكيرهم وعاداتهم. رجالها يعرفون بعضهم بعضاً، كتلة سكانية متجانسة إلى حد ما، أما على جانبي الطريق العام والطرق الهامة الأخرى، فقد ارتفعت بنايات بطوابقها الأربعة، ضمت الشرفات إلى الغرف، لتحجب ما عداها، ولتصير جزءاً من النوافذ الممنوع على النسوة الاقتراب منها.‏

أشجار الحور لم تعد تتباهى بطولها أمام علو الأبنية التي تناطح السماء، حتى إن بعضها انهزمت أمام الكتل الأسمنتية والطرق المعبدة، السحب تتدافع، تمر دون سلام، ترقص رقصتها المجنونة على أنغام الموت البطيء، تستقبل الشجيرات تلك الدموع بفرح، غير مدركة أن تلك القطرات هي آخر نواح للطبيعة.‏

سكنت فرات الفيحاء في طفولتها وصباها، عاشت حياتها بلا تعقيد في مدينة مفتوحة، هي واحة وسط بادية، محطة تجارية، أهلها تعلموا الكثير من مفردات الحضارة، ظنت أن الفيحاء تهب ما حولها كل فنون الحضارة، اكتشفت البون ما بين المدينة وغوطتها، لغتان تمازجتا وانفصلتا، في الأولى صوت العلم والعقل والروح وفي الثانية دوي العصور الوسطى، اعتقدت أن خصوبة الأرض وعلو الأشجار وجمال الطبيعة تدفع سكانها للأمام، تتمسك بعروة الأحلام الخلبية، تحلم بالتاريخ والجغرافية والتراث، بصوت أبيها الذي يدوي في سمعها، تحلم بلقاء يوازي عظمة مدينتها، التي صمدت في وجه الرياح والأعاصير والزلازل، وظلت تفور بالخصب والماء، في هذه المدينة المعطاء تلتقي الشعوب على المحبة، يسافر الزمن ويحمل في جعبته التاريخ، ينسى الناس أنهم أبناء أمم شتى، ينسون كل شيء إلا الحب الذي يوحدهم، فتجمع الفيحاء حضارات العالم في صدرها وتهبه لقاطنيها.‏

سكنت عائلة فرات في حي العمارة الشعبي، في بيت مؤلف من طابقين بمساحة تزيد قليلاً على مئة وأربعين متراً مربعاً للطابق الأرضي، منها ستون متراً باحة مكشوفة، في الوسط بحيرة تتوسطها نافورة، الحيطان من الخارج مبنية من حجارة، أما طينتها فمن التراب المخلوط بالتبن، يتألف البيت من غرفة استقبال على يمين المدخل وغرفتي نوم في صدر البناء وإلى يسار المدخل المطبخ والحمام، أما الطابق الأول فهو أكثر انشراحاً، يطل على الأبنية المجاورة والمتقاربة، الدرج الصاعد من الحجر الأسود فوقه «فرنكة» منخفضة الارتفاع، الدرج الواصل إليها خشبي تداعت بعض درجاته مع الزمن، وصار صعوده مغامرة. للساكنين رحلتان، رحلة الصيف في البناء الأرضي، ورحلة الشتاء في الطابق. الباب الخارجي على شكل قنطرة، مصنوع من خشب سميك ومصفح، تفتح خوخته التي تطل على شارع عرضه ثلاثة أمتار، وعلى أسواق قريبة، ما تزال تذكر أصص الورد ونباتات الزينة التي تنتشر حول البحرة وأمام الغرف والتي تحيل البيت إلى جنة.‏

العمارة وسوق الهال وكل المنطقة الممتدة من برج الروس إلى شارع الثورة، هي مرتع أهل الغوطة طوال النهار، ذكريات البيت منقوشة على جدار ذاكرتها، كيف ستتركه؟ تفيض عيناها بالدموع، تداعب أناملها حيطانه، تلقي نظرة على أخشاب السقف والنوافذ، على المساحات الواسعة للغرف والباحة، أجهشت بالبكاء وهي تلملم أغراضها في صرر، لقد باعت عائلة الوردان البيت، واشترت أمها بحصة زوجها بيتين، اعتقدت أن الغوطة ستفيض عليهم حباً وحبوراً، حياة شبيهة بحياتهم في العاصمة، إن لم تكن أفضل، لكن مسحة الجمال التي غلفت أدمغتهم بدأت تتوضح، الانتقادات تنصب على لباس فرات، أمها تعلم أن من الصعب أن تغيّر ابنتها لباسها وتصرفاتها والحرية التي ورثتها في دمشق، كانت طالبة في كلية الفنون الجميلة، قادرة على التنقل، تخرج من البيت صباحاً وتعود إليه أنى شاءت، لقاؤها مع زملائها وعقد صداقات أمر تعودته وتمارسه، النسوة تنظر بريب واستهجان إلى تحديها للباس الغوطة وتقاليدها، تسمع حديثهن، تشعر أنها متجاوزة تفكيرهن بقرن من الزمن، أحلامهن لا تتجاوز غرف النوم والمطبخ، في لقاءاتها القليلة تمنت أن تؤثر فيهن، فكان حوار الطرشان، بعضه محرم وآخر إذا صرحت به تتهم بأشياء لا تليق بشخصيتها، أمها تجاوبت مع محيطها الجديد وغيرت طباعها، آمنت بمثل ومفاهيم أهل الغوطة، وأرادت أن تطبق ذلك على ابنتها، التي أعطاها أبوها من القوة ما يكفيها لعشرات السنين، بعد وفاته أحست أن الناس تآمروا عليها، أمها أقرب الناس إليها بينهما فجوة وبون.‏

تفقد الغوطة جزءاً من غطائها وخضرتها، تغرق في سبات عاجزة عن بث شكواها، فقدت دندنة الترام الذي ربطها بدمشق، لا شيء سوى ثرثرة السواقي التي تتغذى من فروع بردى ومن المجاري، قاسيون الشامخ شعر أن السّل هجم على رئتيه، بات يسعل وينتحب غير قادر على إعادة ما اقتلع من أشجار.‏

فيض من الألم يتجدد، تحترق لحظة الحب، الحزن غطى حامداً وفرات، يبحثان عن سبل تجاوزه، حاولا أن يدفناه كل بطريقته الخاصة، لكن لحظات كهذه بدل أن تمحوه تجعله حاضراً، يعودان إلى البداية وإلى التساؤل، وإلى النتائج التي توصلا إليها، الألم جزء من النفس الإنسانية، يسكنها، يعشش في خلايا الصدر ويصير جزءاً من نبضات الفؤاد في كل منهما، القدر ساقهما ليتبادلا بدل كلمات الحب والعشق خيبتهما، إنهما لا يشبهان أي حبيبين، لا يتغزلان إلا لماماً، المديح والكلام الخجول يبدو وكأنه من قبيل الواجب، الذي يفرض عليهما أن يتحدثا بإطراء، حتى لا تتحول لقاءاتهما إلى روتين لا يقال فيه إلا السلام وكيف الحال، هذا الشعور تواطأا على إبقائه الخيط الواصل بينهما، يشعران بخجل حقيقي لدى سماع بعض كلمات الغزل، كل منهما يقرر بينه وبين نفسه أنه سيتجاوز الحالة ويعبر عن آرائه، عما يكنه اتجاه الآخر، في النهاية يفترقان دون أن يقولا شيئاً مما خططا له، كل واحد يراجع ذاته ويُحضر أحلى الكلمات التي ستقال، لكن طبيعة اللقاء والهموم التي تحملها تبقي الكلمات في الحلق، ذات ليلة فارقه النوم، فكانت الرسالة التي خطها دون تخطيط مسبق، قال فيها ما عجز لسانه عن نطقه:‏

حبيبتي فرات:‏

"ربما نرتبك وتتحول جلستنا لمناقشة تفاصيل صغيرة عن متاعب التدريس والحياة وأي شيء آخر، ولا نناقش ما جئنا أصلاً من أجله، قبل أن تخرج الكلمات من فمي يعيدها العقل ثانية إلى جوفي لتختبئ فلا ترى النور، لا ننتبه لأنفسنا، أتساءل لم لا تبادرين منعي الحديث خارج موضوع الحب في حضرتك؟! يبدو أنك معلمة متساهلة مع تلاميذك، وأنا طالب كسول لا يجيد قول ما عليه أن يقوله لمعلمته.‏

إن ما هو مشترك بيننا يشير إلى أننا نحب بعضنا بعضاً لدرجة الوله، يكفيني أن أنظر إلى وجهك الجميل وعينيك اللتين تجمعان خصب العالم، وإلى شعرك وكيف تردينه لتريني بشكل أفضل، إن أحلى ما بيننا لحظة الصمت، أشعر أن روحي تهيم، تبحث عن روحك، عندما تجدها تتعانقان، تقولان ما لا نجرؤ على قولـه، وبعد يا عزيزتي هل تقلقين مثلي وتتقلبين في الفراش، أم تنامين لمجرد وضع رأسك على الوسادة؟"‏

لم يكمل الرسالة، أمسكها بكفه، قرر أن يمزقها، لكنه عاد وسواها من التجاعيد التي لحقت بها، طواها ووضعها في مكان آمن لا يد تمتد إليها، تساءل عن جبنه، كيف يكتب لها رسالة وهو يراها في معظم الأيام، عليه أن يسمعها ما يريد مباشرة، فلا شيء أجمل من لغة العيون والشفاه لحظة تبادل الغرام، لكن الحزن المتأصل في قرارة ذاتيهما منعهما، هل هما قادران على تجاوزه؟‏

بعد صمت رأى أن ما فعله لا يليق به، عليه أن يحترم صمتها وحزنها وآلامها، الآلام ميزة إنسانية دونها يفقد الفرح طعمه ومبرر وجوده، يتحول إلى شيء عادي، ومع الزمن يصير مرضاً وألماً، كما الضحك في غير مكانه والبكاء في موقف مفرح!‏

بدأت فرات تتعود حياتها الجديدة، في التدريس تنسى ذاتها، تنسى ماضيها وطفولتها، تصالحت مع مأساتها، باتت كلماتها أكبر من سنها، وكأن الله وهبها قول الحكمة، آلمتها كلمات حامد عن اللاجئين، سكبت دموعها التي بللت مخدتها وصدرها، أحست على أمها تفتح الباب وتتجه نحوها، حاولت مسح دموعها والتخلص من آثار الحزن، لم تهبها الفرصة الكافية، لتعود إلى طبيعتها، اقتربت منها وضمتها إلى صدرها تهدهدها وتسألها:‏

- ماذا يا بنتي؟‏

- لا شيء يا ماما إنه الحزن الذي يدهمني بعد فقد بابا، أبكي ذاتي وأيامي القادمة، أحياناً تنتابني نوبة حزن وأنا في الصف، أحاول أن أسيطر على ذاتي، فلا أستطيع، أفتعل أي شيء ألهي به الطالبات، بينما أكفكف دموعي وأجففها على مهلي.‏

حاولتْ أن تخفف عنها، أن تدخل إلى قلب ابنتها وتكتشف أسرارها، والحزن المسيطر على حياتها، تشاغلت عن أمها، تفحصت مكونات غرفتها، خرجت إلى الصالون، الجدران تحاصرها، تمنع الشمس والهواء، البيت يطبق على صدرها، تشعر بثقله، البيت الذي تجاوزت مساحته مئة متر مربع، تراه زنزانة منفردة! لا أخ ولا أخت ولا صديقة ولا مؤنس، شقيقتها هدى يكفيها بيتها وأولادها، وهلا يكفيها المصائب التي تتوالى عليها، وحامد يكفيه تشرده وبعده عن وطنه، تتناول قلمي الرصاص والفحم، تخربش، ترسم طيوراً سوداً وسط سماء رمادية، ترسم خيمة سوداء وأطفالاً أنصاف عراة يمدون أيديهم تجاه الجنوب، ونساء متوحدات مع الطبيعة ينقلن من أعشابها وخيراتها ما يسد الجوع، وأسلاكاً شائكة... تجلس على الكرسي، تسهر وهي ترسم حتى ساعة متأخرة، فرغت شحنة عذابها، اندست في فراشها، تأتيها الأحلام، صباحاً تفيق مشرقة ريانة، وقد أخذت من الشمس شيئاً من ضيائها، استمرت في الرسم، أربع لوحات جاهزة بعد شهر، صبت فيها فنها، لتكتشف أنها لا تعبر فقط عن حياة حامد بل عن داخلها.‏

عندما تقرر الرسم، لا تزعج أحداً، ولا تستقبل أحداً، ولا ترتبط بأي مواعيد، حتى شقيقتها هدى التي تزورها وتتطفل عليها، في محاولة لإخراجها من أحزانها ومن أجواء الرسم، لا تفلح، تحاول فتح موضوع أو أكثر، تفشل في استدراجها للنقاش، تقوم لترى ما أنجزته من باب الفضول، مدركة أن شقيقتها تقتل الوقت، تفرغ شحنة الأحزان على الكرتون، أنكرت فرات أحزانها، أخبرت أختها بأن لوحاتها تحمل الأمل، في الأولى إشعاع، وفي الثانية أطفال، وفي الثالثة نساء وفي الرابعة التصميم، فأين التشاؤم؟‏

- الحق أنك ترسمين ذاتك وانفعالاتك وإن جاهدت لإخفائها، إلا أنها ظاهرة بالنسبة لي.‏

كادت تبوح بموضوعات اللوحات، التي استمدتها من مأساة فلسطين، نظرت إلى أختها وبلغة تنم عن المرح قالت:‏

- هل تودين أن أرسم شيئاً منفصلاً عن ذاتي؟‏

- ارسمي الفرح، المناظر الطبيعية، أي منظر من الغوطة، من دمشق، من بردى، من المرجة وسوق الحميدية والحريقة والعمارة، والأحياء الراقية في أبي رمانة والمالكي وفيلات المزة والقصاع...‏

- أنا أرسم شيئاً آخر غير دمشق، ولكن دمشق موجودة في كل لوحة!‏

- إنها أحجية!‏

- اللوحة لغة لا تصرح عن كل ما فيها، تحتاج إلى جهد وقراءة حتى لا تظل عصية على الفهم.‏

يختصر حامد لوحات فرات بقوله: «إذا كان الله قد أبدع من الذرات المادة، فإن لأناملك روح الخلق القادرة على تشكيل الذرات».‏

طالبها أن تتابع طريق الفن، وعدها أن يقف إلى جانبها، ها هو ذا يدفعها إلى إقامة معرض بعد أن صار عندها عدد من اللوحات.‏

 

يتبـــــع

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244