|
||||||
| Updated: Sunday, July 01, 2007 02:19 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
-12- في صباح الأحد الخامس عشر من آذار عام سبعة وثمانين، التقى بفرات صباحاً، وهما ذاهبان كل إلى مدرسته، قال: - البارحة عيد المعلم العربي كل عام وأنتِ بخير. - التهاني مشتركة. - تهاني بزيادة الرواتب التي صدرت بمرسوم. - يا حسرة أنا وكيلة وقد لا تشملني، حتى لو شملتني سيصير دخلي تسعمئة ليرة، ماذا تساوي في هذا الزمن الأغبر، الأسعار زادت وقفزت منذ بداية العام، ماذا يفعل الراتب؟ لولا الدروس الخصوصية لبعض تلميذات الصف السادس في مادة الرياضيات، لكان وضعي مأساوياً. نظر إلى وجهها الرائع، إلى حبات الندى التي تلمع على جبينها، إلى ابتسامتها التي تشف عن كبرياء، سألها عن نوع شهادتها الثانوية، أجابت بكل فخر: - الثانوية العلمية، مجموع علاماتي أهلني الدخول إلى معظم الكليات العلمية، فضلت الفنون الجميلة، يا حسرتي عمر السعادة قصير، والبقية تعرفها! تمشي برقة ودلال، كأنها تعبر أرضاً تطؤها للمرة الأولى، كل خطوة مدروسة، وكل حركة توحي بما فيها من أنوثة وجاذبية، تتوسد الشمس شفتيها، تمنح ثغرها نداوة الصباح وأنواره، وترتاح العصافير على أفنان أناملها، في حين يمنح الياسمين صدرها نهاراً كله ربيع وثمر، قبل أن يودعها اتفقا على اللقاء مساء، الشتاء يصارع أيامه الأخيرة، وآذار نسي أنه ملك لفصلين، تمرد على غير عادته، هبت العواصف الباردة، فغدا الكون كبسمة طفل، المطر انهمر خلال الأيام الماضية بكميات كبيرة، شدّ البرد شهر آذار، نسي نفسه، نسي أن يوقظ الأشجار والنيام، أن يغمر الكون في ثلثه الأخير بالربيع والورود، صحا متأخراً، قرر أن يثبت وجوده، فرق الغمامات، عادت السماء إلى لونها الأسطوري. منح آذار حبه وشمسه في الأيام الأربعة الأخيرة، بينما فرات عاجزة عن منحه الحب، كيف لـه أن يكتشف تقلبات الطقس على محياها؟ أن يغوص في ماضيها، إذا كان غير قادر على معرفة لون بشرة وجهها الحقيقية، أو لون شعرها، أو معرفة عمرها، أو نمرة قدمها؟ تُفضل أن تطلب نمرة أقل ولو ظل كعبها خارج الحذاء، أما العمر فإنه يتوقف في العشرين. تحرقه نيرانها، يهرب في محاولة لدخول فردوس الروح، فردوس جسدها الماثل في مخيلته، تنتشي نظراته بأطيافها التي يستعيدها لحظة بعد أخرى، سأل نفسه عن مصدر الأفكار التي جاءت في غير مكانها، إنه ينتظرها، ستحضر بعد دقائق، عليه أن يهيئ ذاته لاستقبالها، أن يبتسم، لقد جاءت في موعدها، ترتدي ربيع الغوطة والساحل، دخلا أقرب كافتيريا، شعرا بالدفء، خلعت معطفها ووضعته إلى جانبها على كرسي فارغ، انتشر عطرها، شعر بنشوة، أول مرة يتغلغل عطرها إلى روحه، إلى أنفاسه، أنفاسه تهفو إليها، بدا عليه المرح، تمتم: عندما تكونين مضرّجة بالياسمين وفي أحلى أزيائك أتذكر قدرة الله أؤمن أنه كان في أبهى حالاته لحظة ولادتك أحس بالنعومة لدى وضعه يده بيدها، بتضاريس جسدها المتناهية في الأنوثة، أطال بقاء كفه في كفها، حدق بها، وعندما لم يجد الكلمات المناسبة للتغزل، سألها عن عطرها، أجابت باعتزاز: - إنه الياسمين، هل أعجبك؟ - الله، إنه رائع! لقد سحرني. - ألا تعرف أن السيدة تعرف من عطرها! - أهو العطر أم الصدر وصهيل النهدين، أم الشعر المصفف بطريقة فنية مغرية؟! الأفضل أن أرفع يديّ وأسلم! ابتسمت فبدت أكثر جاذبية، وبدا الكون ملعباً للعشاق. قالت: - كلامك يستبيحني ويهبني قمة النشوة، أحس بكياني وأنوثتي على وقع الغزل، دعني أنسى نفسي، ودع الآلام تسافر إلى مجرة أخرى، لا شيء أمامنا سوى الحياة، التي علينا أن نُبدعها لتظل جميلة. - أنت إبداع الخالق، دعيني أتفحص مسامات وجهك، أرسم الابتسامة على ثغرك، فما بينك وبين النار والماء لغات مشتركة، فليت كل طين العالم وماءه فرات. مالت برأسها وتمايل جسدها رهافة وغنجاً، أرسلت حزم ضوء من عينيها، أدرك أن روحها وجسدها يعيشان نشوة اللقاء، في روحها يكمن المرح، يأخذ مداه، عليه أن يواصل استنفارها وتحريض جسدها، تحريضها على الكلام والتعبير عن حالتها، والانفلات من الواقع، من العقل إلى الحلم والخيال: شعر أن السماء ارتفعت أكثر، وأن الأرض اتسعت، وأن الشمس صارت أكثر نوراً، وأن التي تجلس قبالته تملكت خياله، أفقدته اتزانه. حدق إليها، عيناه لا تفارقان جسدها، يراها في مكونات الطبيعة، في كل جميل، تأملها، رآها هائمة في عالم آخر، مد يده إلى جيبه وأخرج هدية، عبارة عن سلسال فضي يحمل الحرف الأول من اسمها، ترددت في قبولها، قال: "اعتبريني تلميذاً يتودد إلى آنسته لتعطيه علامة زائدة، اعتبريني طفلاً يحلم بعطف معلمته الجميلة، يحلم بابتسامة، بمناسبة عيد المعلم أقدم هديتي البسيطة." تناولتها، فتحت محفظتها ودستها داخلها، نظرت نظرة حنان فيها الكثير من الأنس والمسرة، الكثير من الطفولة التي افتقدتها، فيها عواطف وثورة وتمرد، قررت المغادرة، من غير اللائق أن يتركها تعود وحيدة، عليه أن يوصلها إلى باب البناية ثم يعود إلى بيته وأهله، من باب الفضول دعاها لزيارته، ليعرفها على أمه وإخوته، أجابت بالرفض، قالت: - أنسيت أين تسكن؟ بأي صفة أدخل بيتك؟ وماذا ستقول لأمك وجيرانك؟ كيف تدافع عني أمام مجتمع لا يرحم؟ صحيح نحن أصدقاء، الغوطة لا تعترف بالصداقة بين الجنسين، ترفض أن يختلي ذكر بأنثى تحت أي حجة أو ذريعة، غداً نلتقي، ستكون هلا معي! - هل ستعطيك رأيها؟ - لست بحاجة إلى رأي أحد فيك، إنما هي تمر بأزمة وعلينا أن نقف إلى جانبها. ستحدثك عن ذلك. وداعاً! -13- الزمن انعكس على حياتك، صرت لا تشعرين بمروره إلا وقت غروب الشمس أو شروقها، تدركين أنه الليل، لا أحد يستطيع أن يهبك نعمة الاهتمام بالزمن، الذي صار كالمكان شاهداً على استلابك، هل يمكن أن يصيرا قاسيين إلى هذه الدرجة؟ تحرك شعور الغربة والألم، الماء في جوفك مرّ، فمك جاف ولسانك قطعة حجر، لعنت الساعة التي احتلت فيها بلدتك، لتغدي نازحة إلى مدينة غريبة عنك، أنت هلا بنت أبي حسن جودة المعروف في الجولان بشجاعته وطول قامته، يحصل معك ما حصل ولم تقم القيامة بعد! جئت إلى دمشق وكلك أمل ألا تخذلك، جئت متحررة، أورثك والدك الاعتماد على النفس، بعد سنة من عملك في التدريس، قررت أن تدرسي ثانية، أن تتقدمي مع الطلاب الأحرار لنيل شهادة الدراسة الثانوية، لتسجلي في كلية الآداب، منذ ثلاث سنوات وأنت تنجحين كل عام، أمضيت السنتين الأولى والثانية في المدينة الجامعية، لم تتخلي عن المبيت فيها إلا بعد طلب أخيك وإلحاحه أن تعيشي معه في بيت واحد في دمشق، ومع ذلك ظلت غرفة باسمك في السكن الجامعي. شعرت أنك كبرت بعد عملك، وأن جسدك انتفض وثار، كل ما فيك بركان، برزت تقاطيع أنوثتك وتفاصيلها، وبات قوامك مغر، قوام ضامر أهيف وجيد مرمر، عينان عسليتان براقتان، ووجه دائري، أما الشعر الخرنوبي فغزير، ينحدر على منكبيك ويصل إلى أواسط ظهرك، جسد حنطي نحيل، وذهن متقد، لم تعدي طفلة تبحثين عن لعب أو فتيات صغيرات تلعبين معهن، بل شابة تنوء بحمل أعباء الزمن الذي خصك بمزيد من المآسي، يقبض على كل جميل في حياتك، حتى أحلامك البسيطة تتكسر وتتحول إلى كوابيس. الأنين المكتوم في صدرك يحولك إلى عصبية، يقتلك، حدثت فرات بقصتك، أنت أمام حامد خجولة، كيف تحدثينه ومن أين تبدئين؟ هناك أشياء لا يستطيع اللسان نطقها، يفهمها السامع، تقترح فرات الذهاب إلى الربوة وتناول العشاء، تختار طاولة بعيدة، لم تكوني عادية الجمال كما وصفتك لحامد، الحق أن جمالك صارخ ومثير، كل ما فيك دقيق باستثناء عينيك اللتين تفيضان حزناً، تصطنعين الابتسامة، تخلدين إلى ذاتك، تشردين، تقرصك فرات يحمر وجهك، تعودين ثانية إلى جو المائدة، تبدين مذعورة، خائفة، صدرك يرتعش، تدخنين وقلبك ينبض فزعاً، تدخلت فرات وخلصتك من حرج البداية، قالت: "صديقتي هلا مرت بتجربة فظيعة!" نظرت إليكِ ودعتك للحديث، تراخيت على الطاولة، تحدقين بهما، تبحثين عن كلمات مناسبة لقصتك الفريدة، لا تريدين أن تخدشي أسماعهم، أن تذكري التفاصيل التي مرت بك، تشيرين من بعيد، وبما أن فرات على علم بكل شيء، فإنها تعلم كل إشارة وكل كلمة، وكل غصة أو شهقة، وكل عبرة من عبراتك التي تمسحينها قبل أن تنزل إلى خديك، تفضلين أن تظلي متماسكة، أن تعطي رؤوس أقلام والباقي يكونه الذهن، لا تستطيعين شرح أو الحديث عما مر بك، ربما يغمى عليك، كانت لحظات الصمت أو النحيب كافية، سيطرت عليك غلالة من الغضب أفقدتك رشدك وتوقفت عن السرد، الحزن يحتضن وجهك، تهاطلت دموعك، حاولت التغلب على فيضان بردى، على أحزانكِ، شهقت وأخرجت منديلاً ونشفت دموعك، قلت: - أنا آسفة يبدو أنني انتهيت! - الحياة يا عزيزتي لا تتوقف، علينا أن نفكر فيما يجب علينا عمله، الماضي المؤلم يتطلب شحذ هممنا لتجاوزه وبناء المستقبل. «بدأت حكايتي مع قاسم الصلصال يوم أبدى اهتماماً زائداً بيّ، أوصلني قريباً من بيتي، يوم دعتنا المديرة إنعام لحضور حفلة عيد ميلادها، تأخرنا، طلبت إليه أن يوصل بعض المدعوات، أبقاني آخرهن، افترستني نظراته، غازلني وبدأ يمتدح جمالي، كان لطيفاً ليلتها، دعاني إلى المطعم في اليوم الثاني وحاول أن يستدرجني إلى غرفته، رفضت، حاولت فهم شخصيته المضطربة، يدعي أنه يحب الآخرين، ويشتم كل الذين في طريقه، الأيام ظلمته، دعوته إلى النظر إلى الحياة بالتفاؤل، إلى الثقة بالآخرين، أن يسامح الذين أساؤوا إليه ويبدأ من جديد، أن لا يقابل الشر بالشر، أن يفعل ما هو جميل، سمع كل همسة وأثنى على كلامي ووعدني أن يبدأ حياته من جديد، اعتقدت أنني انتصرت على الشر داخله، كنت كيمامة تهدل خارج السرب، حاولت التسلل إلى داخله لمعرفة كل صغيرة وكبيرة، سألته عن قريته أجاب: - أنا من الشمال من قرية لا وجود لها على الخارطة تسمى «مزرعة الصفصاف». وأنتِ؟ - أنا من الجولان. نظر إلى عينيّ وابتسم، ابتسمت وسألته عن عمله، أخبرني أنه يوصل السيدة إنعام زوجة معلمه إلى المدرسة صباحاً ويعود بها ظهراً، يشرف على تجارته، علمت أنه يهرب الدخان والأدوات الكهربائية... طالبته أن يبحث عن عمل شريف، قال: - إذا كان هذا هو شرط القبول بي سأفعل! - يا سيد قاسم ما زلنا في بداية علاقة، أشعر أن من واجبي أن أخلصك من كل ما هو سلبي في حياتك. - وهل لديّ ما هو سلبي؟ - ما معنى أن تمد يدك إلى فخذي وتحاول أن تقبلني في السيارة! وتسمعني كلمات لا تليق بمربية! تبرر ذلك بأنك تتغزل! إن من يتغزل يرفع مستوى التخاطب، الغزل يفرض أن تتحدث بكلمات رقيقة وناعمة». توقعتِ أنك قادرة على تغييره، مع أنك قررت عدم الاقتران به، لم تنهي علاقتك الهشة، تصورت أنه مظلوم، وأن الدنيا تقف ضده، والده لم يعطه حصته من الأرض، ولم يبق لـه بيتاً، جاء إلى دمشق مشرداً، كون ذاته، مظهره يشي بالوقار، لم تعلمي أن الحياة وضعتك في هذا الموقف، وأن هناك أشياء كثيرة عن حياته وعن سبب مغادرته للقرية، لو صدقك الحديث لبصقت عليه، تعرفين أنه كاذب، ومع ذلك قررت إصلاحه، لا تريدين أن تقطعي الخيط الذي يربطك به رغم الإهانات التي اقترفها بحقك، بررت ما فعله بحسن نية، تبتسمين عندما يمتدحك، اعتبرته عابر سبيل في حياتك، لم تحسبي أنه قادر أن يخدرك برشة من عبوة سماها ملطف جو، دفعك إلى غرفته وأرتج الباب، ها أنت ذي تندمين على أفكارك، يضعك في موقف خاسر، صارحك بما يريده، لن تسلمي نفسك، ولن تمكنيه من جسدك، أمام عنادك فح ما بداخله، قال: "نهاية كل حب الزواج." تناولتِ محفظتك وهممت بالخروج، الباب مقفل، ضربته بيدك ولم ينفتح، هددته بالصراخ، اقترب منك، أبعدت يده وعضضتها، شعرت أن هذه ساعتك، لن تدعيه يفترسك، فهذا أبعد من نجوم السماء، رماك على السرير، كورت جسدك وضممت فخذيك، وضعت يدك اليمنى فوقهما، بينما اليسرى ممسكة بالمحفظة، أنشبت أظافرك في رقبته، وعضضت كتفه الأيمن، لم تتركيه إلا بعد أن صرخ وهرب، شدك ثانية ومزق ثيابك، تدحرجت على الأرض وتمسكت بطرف رجل السرير، عاد يجرجرك فجر السرير بكامله، تجرح جسدك وسال العرق غزيراً. تجاهدين أن تظلي صامدة، خارت قواك، تتوسلين إليه، لماذا لم تتوسل امرأة أبيه وتدعه يشفي كبته الجنسي؟ أمه فزعت من مرضه المفاجئ، بسملت وتعوذت من الشيطان، بخرت البيت ونذرت أن تكف عن الحرام، بعد أن تعافى نسيت النذر، تخلص من كل ما يذكره بطفولته وصباه، إنه بحضرة فتاة ما زالت تمانع، نفد صبره، بانت أنيابه وانتشرت رائحة عرقه وهو يعاركها، تشنجت وبح صوتها، صدرها يعلو ويهبط مترافقاً مع حالة هذيان، في صباح اليوم التالي جاء بكأسين من الشاي، عاد إلى المطبخ، غيرت وضعيتهما وتظاهرت بالنوم، بعد قليل دعاها لتناول كأسها، شربته وهي تراقبه كيف ينوس ويتحول إلى جسد خاو مخدر، بصقت عليه وهي تعيد في ذهنها ما حصل لحظة بلحظة. -14- غبار وهدير وأصوات غريبة لم تألفها أذنك، رائحة البارود تنتشر، تحفر بيديك في التراب، هل أنت قادر على حفر قبر بقياسك؟ تلهث التلال، تدوسها الدبابات وناقلات الجند، يتحطم كبرياؤها، تطوي جسدها وتلملم عورتها، تلملم نباتاتها وتستعد لسبات لا تعرف مداه، تغلق أجفانها على آخر صورة، تحتفظ بماضيها، بذاتها، تحلم بيوم لا أحد يعرف اسمه وسنته، يوم تفيق من النوم والمرض. عقدتَ صداقة مع الطبيعة قررت أن تظل في بيتك، في أرضك، الذين حولك وصفوك بالأهبل، ماذا بقي من عقلك إذا احتلت أرضك؟ طوت طائراتهم ودباباتهم آخر ذرة من كرامتك، مقتنع أن ما تفعله الجنون، لكنه يحقق ذاتك ويرضيك، يشعرك أنك تستحق الحياة، أشعلت البراكين في جسدك، في روحك، في كل مكان تراه، طالبت زوجتك أن تلتزم البيت، لا تريد أن تضحي بها، أما أنت فلن تبارح مكانك، لا تستطيع منع نفسك من متابعة الأحداث، الفوضى عنوان كبير، الأفق يحجب الرؤية، خيوط دخانية تلف المنطقة، تأكدت أن المسألة لا مزاح فيها، عليك أن تحتفظ بآرائك في صدرك، ولا تعود لترديدها. أم حسن تخافك، الوحيد من أهالي البلدة الذي ظل في بيته، هل أنت أفهم من الناس أو أشجع؟ معذورة، تنظر إليك بريبة، وكأن لوثة قد أصابتك، ستبرأ منها بعد الحرب، لكنك تعترف أنك لن تبرأ، وأن شيئاً ما قد هز ملكاتك العليا، لن تعيش هنيئاً، تتمنى أن توقف تفكيرك عن العمل، أن يأخذ إجازة سنوية، منذ أيام وأنت تراقب الدروب والسماء، لا شيء سوى ما تثيره الدبابات من غبار، وما تلقيه الطائرات، أتربة ترتفع في الجو ثم تسقط رماداً، تنظر إلى الدروب الضيقة، أوراق صفر تتناثر، تتقاذفها الرياح، تتطاير كالعصافير، تقفز، تسمع صوت وقع أقدامك، تهش، نظرت إلى التلال الغربية، وراء المرتفعات المواجهة أدخنة تتصاعد، تحجب ضوء الشمس عند الأصيل، ارتسمت التلال عبر آخر شعاع كوجه عجوز معفر بالتراب، التل أدرك بحسه العفوي، أنه سينسلخ عن بيئته وتاريخه، بعد أن صعدت الدبابات هامته، وتركت في سمائه شيئاً من دخانها، ارتفع نواح من قلب الأرض، التي ذرفت ترابها الناعم والتحفت بالدخان والعجاج المتصاعد، رفعت زوجتك يديها داعية: - يا رب تهزم اليهود! - اسكتي يا زوجتي كفانا دعاء، المعركة حسأدمت والدعاء لن ينفعك. نظرتَ إلى السهول والتلال وإلى بقايا الشظايا المتناثرة في السهل وعلى طول الدروب، مسحتَ وجففت المطر المنسكب على خديك وصدرك، هنا تستطيع إقامة مملكتك، تحتاج إلى بضعة رجال يقبضون على الجمر، لا يتركون سلاحهم، الحياة محيت من الوجوه، أجساد ميتة لكنها تتحرك، تريد السلامة، ماذا تفعل شجاعتك؟ تشهر البندقية التي أغراك منظرها، تنظر إليها وتغازلها، كما لو كانت إحدى عشيقاتك، تضمها إلى صدرك وتقبلها، جمعت ذخيرة كافية، حتى المدفع جرجرته بعيداً إلى حفرة وخبأته، تمنيت لو تستطيع تفجيره، السيارة القريبة منك حرت فيما تفعل بها، آه لو تعرف قيادتها، تنظر إليها وفي عينيك حسرة، لو كانت ملكك لما احتجت لشيء، ها أنت تجد في طريقك أشياء ثمينة، حلمت باقتنائها في حياتك، لم يكن في حسابك أن الإسرائيليين سيبحثون عنك، ويهزؤون من شجاعتك، لن تسمح لهم بالتطاول أكثر، لديك من الذخيرة ما يكفي لقتال شهر، لم يكونوا أغبياء كما توقعت، جاؤوا يسألونك، أخذوك لتسير أمامهم وتنفذ تعليماتهم، يطلبون منك أن تفتح باب السيارة، ليتأكدوا أنها غير مفخخة، لم يعد لهم حاجة بك، عادوا إليك في اليوم الثاني، وضعوك وسطهم، وأخذوا يضحكون عليك ويحطون من شأنك، بدأت تتمزق من الداخل. سكت وأنت تحدق إلى وجوههم واحداً واحداً، الضابط حدث عناصره بالعبري، توزعوا يفتشون حول بيتك، أحد الجنود عاد مسرعاً ليسلمه بندقيتك، سألك فأجبت بأنها لك، هددك بالعقوبة، هززت رأسك وفضلت السكوت لتمر الحادثة بسلام، حمدت الله أن الحادثة انتهت عند هذا الحد، طمأنت زوجتك أن الإسرائيليين لن يطرودك، ستظل في أرضك، أما هلالة وحسن اللذان ذهبا مع عمهما، فيمكنهما أن يعيشا في دمشق أو يعودا بعد أن تهدأ الحال، لكن إذا عادا أين سيدرسان؟ فادية وعنود وانتصار ما زلن صغيرات، ذهبن إلى المطبخ لتناول الإفطار، الأم غير مطمئنة، سمعت حركة غير طبيعية، الجنود عادوا من جديد، يحدثون زوجها بالعربي ويأمرونه أن يترك بيته ويغادر إلى دمشق، رأتهم يحيطون به، أحدهم يتقدم منه ويضربه، فما كان منه إلا الرد بالمثل، اختلفت لهجة تهديدهم، سيقتلون أطفاله أمام عينيه إن لم يرحل، سخر من كلامهم، سددوا بدم بارد على انتصار التي تحبو ثم على عنود وفادية، تحولت الطفلات الثلاث إلى كتلة من لحم ودم، ركضت الأم إلى طفلاتها، اختلطت الدماء، توفي الجميع ولم يبق إلا أبو حسن، سددوا إلى قدميه قبل انسحابهم فتكوم فوق الجميع. ماذا يفيد بقاؤك يا أبا حسن وقد خسرت كل شيء، ماذا يعني أن تعيش بلا رجلين، واحدة قرروا قطعها والأخرى شفيت؟ ستمشي على عكازتين، ستشفق عليك النساء، وربما يرجمك الصغار، كما رجموا قبلك هزاع الأعرج، نسوا كنيته، نسوا أنه إنسان، يستعدون لمنازلته، يتعالى صياحهم، وهو يسب على أمهاتهم بشتائم تزيدهم حماسة، تدفعهم إلى الاصطدام به ليقع على الأرض وهم يضحكون، هو من أوقع عدداً من اليهود في معركة شفاعمر، أصيب فيها ولم يجد من يعالجه، ستكون مثله يا بن الجودة، على الأطفال أن يزفوك، أن يتطاولوا عليك ويرجموك بالحجارة، أن يضحكوا ويسخروا، أما أهاليهم فلن يقولوا سوى بضع جمل تدفع العين للبكاء، لن تنفع لشيء بعد اليوم، تنتظر عودة هلالة لتعذيبها، ولتطلب إليها أن تخدمك: «آه ما أقساك أيتها الأيام، ليتني مت هناك، هل وجودي يعني غير الحزن لابنتي، آه يا هلا أعلم أنك محبة لخدمتي، متفانية، تفعلين ما يسرني، تقصين ما حصل معك». نظرتَ إليها وقلت: - أنا لا أنفع لشيء يا بنتي! - أنت رائع يا أبي، إنها ضريبة الاحتلال! أقسمت أن تصيد من الجنود الإسرائيليين بقدر ما قتلوا من أسرتك، تعرج وعلى كتفك البندقية، تجاوزت الحدود وبقيت شهراً تفترش الطبيعة وتلتحفها، عدت ورأسك مرفوع، أغلقت باب غرفتك وخبأت السلاح، وقعدت تجتر الذكريات، الوحيدة التي تعرف مخبأ السلاح هلا التي شهدت الدقائق الأخيرة من حياتك. -15- آه منك يا صلصال طوال عمرك تطارد الرخيصات، ما الذي دهاك لتضع المعلمة هلا في رأسك؟ قررت أن تصيدها، هذه أول مرة ترى نفسك أمام واحدة جادة، لا تخضع ولا تستطيع بدقائق ولا بأيام أن تفعل ما تريد، محاولتك التلويح بالنقود لم تجدِ، وجدت نفسك وجهاً لوجه أمام فتاة تمتلك ثقافة وتناقشك، فإذا بك رجل صموت أحدب قزم القامة حاني الرأس، تنظر بعينيك دون أن تجرؤ على النقاش. على كل الحبال قفزت، لم تبق إلا السياسة، الخوض فيها ورطة تهزم الكبار، فكيف بمدّرسة تظن أنها انتصرت طوال فترة صمتك، ناسية أن المنتصر يرفع إصبعيه، الإصبعان المرفوعان قدماها، لتحرمها أن تتحدث بأمور لا تفهمها: «تظن أن السياسة موجة تركبها وتجدف، ستفهم أنها ليست علكاً» هذا رأي مديرة مدرستها التي رفعت فيها عشرات التقارير السياسية. استهوتك، تتعذب لأن فخك لم يصدها، عمرك كله شقاء، ما أجمل أن تراها كبقية النسوة تفتح ذراعيها وتضمك! تستنشق عطرها، عطراً هادئاً لم تتعوده، عطراً لا يثير الغرائز، بل يفتح الفكر ويبعث الانشراح، بعكس عطرهن الواخز، الذي لكثرة ما يرششن منه على أجسادهن يعطي مفعولاً عكسياً، من أين لك أيها الصلصال بهذا الشعور الراقي؟ كيف تسمح لامرأة أن تستأثر بفكرك، وأنت تعلم أن أجملهن تركع لليرات؟ هل صرت مثل معلمك تفهم بتصنيف النساء؟ معلمك معذور يعيش معهن عارياً، أما أنت فقد كنت تراهن عملة واحدة، بعضهن وجه العملة وأخريات قفاها، الآن أنت أمام امتحان من نوع آخر، يجعلك تسايرها ولا تفترسها مباشرة، امتحان يخرجك عن دربك الذي اخترته، تنسى الراقصات والعاهرات، وتركض خلف معلمة راتبها لا يكفيك سهرة لليلة واحدة، شلت فكرك وقيدتك، وكأن المدينة لم تنجب غيرها! كلما اقتربت منها زاد عنادها، أتتركها فاكهة دون قطف؟ تتمهل على غير عادتك، اقتربت منها فابتعدت، تحاول إيهامها أنك الرجل المناسب، صاحب أخلاق، تصرخ في وجهك: "كيف أصدق أنك تتحلى بالأخلاق وتقدر المرأة وأنت تحتجزني في غرفتك؟!" تحاول إيهامها بمروءتك، تحاول أن تضرب ضربتك، لكن مثل هلا لا تنفع معها المقدمات التي حاولت القيام بها، واجهتك قوة شخصيتها، تراجعتَ واعتذرت، لم تعتذر سابقاً من أنثى، أنت الآن في موقف صعب، تشعر أن لطفك سيقربك منها، كنت تعتقد أن فتح ساقي المرأة أسهل من عمل إبريق شاي، ها أنت ذا تُراجع ماضيك، تجد الاستثناء يحاصرك، متأكد أن لا استثناء، ستصل إلى هدفك، لن تجاريها في الكلام، بل العكس عندما نطقت اكتشفتْ عريك، اكتشفت أنك بلا ثقافة، كان يمكن أن تظل صامتاً، تهز رأسك علامة القبول أو الرفض، تحاول أن تجاهد لتحقيق النصر، نصرك يبتعد، وبئرك فارغة جافة، تحدثتْ عن مصطلحات لم تسمع بها، ولا تريد أن تسمعها، وقفت كالأبله، واحدة مثلها تسكتك تجعلك أصم وأبكم، لكنك لن تغفر لها (فذلكتها)، رميت كل شيء خلف ظهرك ومضيت، لم تعد تفكر إن كنت ابن ريف أم ابن مدينة، هل لك أسرة أم لا؟ إن مجرد ذكر ذلك يجعلك عصبياً وفاقداً لهدوئك. تقود السيارة، تقف وتفتح لها الباب، ترفض أن تجلس إلى جانبك، تنظر في المرآة، لا تشبع من طلتها، تحاصرها نظراتك، عند أول إشارة مرور تفتح الباب وتنزل مثل عصفور يفر من القفص إلى أقرب بستان، تتغير الإشارة تتابع السير، تبحث عنها طويلاً فلا تجدها، وإذا تصادف ووجدتها تتمنع وترفض الصعود، تفكر في أمور على غاية من الأهمية، أنت صيّاد ماهر، لا هي ولا مئة امرأة قادرات على الإفلات من يدك، لكل شيء أوانه، وعندما جاء الأوان وأغلقت الباب تمنعتْ وضربتك. لقد نفذ سهم الشيطان، عاشت في غيبوبة وعشتَ في متعة ما بعدها لذة، تتسلى بجسدها المخدر، عيناها تشتمانك، تبصق عليك، تفيق على صوت أغان رخيصة، تهل دموعها، أحست بما حدث كالحلم، لم تتأكد أنها الحقيقة إلا في اليوم الثاني، تتساءل عن سهولة عقد قرانك عليها، سارعت للحصول على استيداع بقية العام الدراسي، اعتكفت في غرفتها في السكن الجامعي ثم في بيت أخيها، تجتر آلامها، لم تعد قادرة على الخروج أو الذهاب إلى أي مكان يمكن أن تراك فيه، لن تدعها تعيش في أمان، ما زال العقد غير موثق في المحكمة، بقي النص الذي كتبه الشيخ على السجل الأصلي، تأكدت أنها ما زالت في خانة أهلها، عليها أن تتصرف بسرعة، وألا تكون زوجة لمجرم ولو على الورق، يساومها على شرفها، على الطلاق، شيء واحد عليها أن تصل إليه النسخة الثانية من العقد، قبل أن يطلبها من المأذون ويثبته في المحكمة الشرعية، هذا الأمر يصعب التحقق منه، اليوم ستخرج وتتصرف ولو وجدته ينتظرها عند الباب. بعد أيام من غيابها سأل معلمته إنعام، التي لا تعرف عنها شيئاً، وأن ما وصلها من مديرية التربية الموافقة على منحها إجازة بلا راتب حتى نهاية العام، ما العمل؟ كل منهما يبحث عن خلاصه بطريقته، لن تعدم الوسيلة للحصول على سجل العقود، هو دائم البحث عنها ليضمها إلى قلبه وإلى بيته زوجة على سنة الله ورسوله، لا يمكنها وحيدة أن تحقق ما تريد، بعد تفكير أقرت أن البداية يقررها حامد وفرات. أحضر حامد المأذون نفسه بحجة عقد قران، رفضت الخطيبة المزعومة التي تحصنت في غرفة ثانية توكيل شخص عنها أو إعطاء رأيها الصريح، تبرع المأذون نفسه بإنهاء المشكلة، سيأخذ رأيها، ترك دفتره على الطاولة ودخل غرفتها، بعد نقاش دام دقائق طلبت أن تُعطى فرصة للتفكير، بعد أن تأكدت أن حامداً توصل إلى نسخة العقد الأصلية ومزقها، خرج الشيخ مقطب الجبين يحمل دفتر العقود، وهو يتمتم ويشتم الساعة التي أتى بها إلى هذا البيت، إذ عاد بلا إكرامية وزيادة على ذلك سيستأجر سيارة تعيده إلى بيته. انتهت مؤقتاً حلقة هامة من حلقات كابوس هلا، استنشقت كمية من الهواء، الآن تستطيع أن تفكر، أن تعيد لذاتها الاعتبار، لقد تمزق صك العبودية الذي فرض عليها، هل ثمة كلمة أغلى من الحرية؟! شيء ما منعها من إتمام فرحتها، مغتصبها لن يتخلى عن مشواره الطويل والصعب ولو دفع حياته ثمناً. توزعوا المهمات أصعبها ما أوكل إلى حامد، عليه أن يقترب من الصلصال بأية طريقة، يصادقه ويدخل قلبه ليعرف كل شيء عنه، مهمة صعبة وصفها بقوله: "إن تنفيذ عملية في إحدى المستوطنات الصهيونية أسهل عليّ من صداقته." يعلم أن الوصول إلى قلبه يمر عبر الدروب الدنيئة، عليه اجتيازها، أن يتردد إلى أماكن اللهو، يدخل في تفاصيل حياة جديدة، لن يدير وجهه بعد اليوم وهو يرى صور الراقصات والعاهرات في الملاهي، بل سيحدق فيهن ويعاشر بعضهن، حانة الوردة البيضاء في وسط المدينة، وصلها وقرأ أسماء الفنانين وأوقات الافتتاح. جمع بعض المعلومات الأولية عن الصلصال، شاب ذو نزعة عدوانية، مولع بالقمار وبالنساء، يتردد على أماكن اللهو، ويقضي معظم لياليه في ملهى الوردة البيضاء، يسكر ولا يصحو إلا صباحاً، ينقل معلمته إلى مدرستها في السابعة، عند التاسعة ينقل معلمه إلى مكتبه، يظل في الدائرة ساعتين أو ثلاثاً، يذهب إلى الميدان لإعادة السيدة إنعام إلى بيتها، ثم يعود إلى معلمه حسب طلبه ليعيده إلى بيته، تبقى السيارة معه، يذهب مرتين أو أكثر في الأسبوع إلى شتورا مالئاً صندوق السيارة بمواد مهربة يقدر ثمنها بآلاف الليرات، يبيعها في السوق السوداء، ويربح مئات الليرات، في اليوم الثاني لا تبقى ليرة في جيبه، يدفع ما معه في جلسة أو جلستين في الملهى، وقلما تخلو ليلة من حفلة مع راقصة أو فتاة مخدوعة أو ممن يمتهن البغاء في بيوتهن أو في بيته. تجاوز الثلاثين ولم يفكر بالزواج، إلا عندما اهتم بهلا التي أكلت عقله، كاد يطير فيها، قرر من أول صعود لها في السيارة أن تكون قسمته، أحبها كما يحب الحشيش والمشروبات الروحية والملاهي الليلية، صدم عندما صارحته بشعورها اتجاهه، أقسم أن يذلها وبر بقسمه، ما توقعه لم يحدث، لم تأته ذليلة ترجوه أن يستر عليها، هربت من بين يديه، أخذت هويته وأوراقاً هامة موجودة عنده، رجل مثله سهل عليه أن ينفذ تهديداته، ماذا يخشى وعلى أي شيء يخاف؟ حرقت قلبه عندما أبلغته أن طريقها غير طريقه، عشرات النسوة عاشر وما من واحدة استهوته، هو نفسه لا يعلم لماذا تعلق بها؟ ولِمَ أصرّ على فضحها؟ لا يهمه من المرأة إلا لحظات النشوة، يغير ملابسه، يرتدي أفخر ثيابه وهو يحدق بالمرآة أنيقاً مبتسماً ومنتصراً. الجسد فاكهة، ولكل فاكهة طعم ولون ورائحة، عليك أن تتذوق الجميع لتقرر أي الأجساد أشهى، الثمرة الطيبة كالمرأة الحارة الناضجة، حضنها دافئ وصيدها ثمين، لا تفر ما دامت اليد سخية، هلا لم تكن من أي من تلك النساء، صنفها وحيد وثمرتها ذات مذاق رائع، تمسّكت بها وأجبرتها على ما لا تريده، لكن أين هي؟ في لحظات الصفاء والهدوء تعود إلى ذاتك، هل يعقل أن تحب؟ هل هناك من تستحق الحب؟ أنت ذاتك تنكر أي نوع من أنواع الحب، لا تعرف ما الحالة التي تلبستك، ربما لأنها لم تطاوعك، قلبك يدق، تبتسم وتحاكي ذاتك، تتصورها أمامك، تعدها بأحلى الأيام، تناديها، تعالي، يردد الصدى صوتك، تجد نفسك وحيداً بلا هوية وبلا نقود، ربما هي ستنتقم لشرفها وللكثيرات، تراجع ماضيك، لا شيء تندم عليه، تعرف أن أعمالك تؤلم الآخرين، إلا أنها تظهر عظمتك، هل صحا ضميرك أم إنه الندم لفرار واحدة من قفصك؟ عرف حامد الكثير عنك، عرف أن الوصول إليك يمر عبر نفق مظلم لابد من اجتيازه، النقود التي وفرها خلال سنوات، سيصرفها في أيام، كان حزيناً ليس من أجل ذلك، بل لأنه سيعاشر نوعيات تافهة، يتودد لها ويمتدحها، وربما تدفعه الحمية إلى التعاون معها، صار من رواد الملهى، بعض الراقصات أحببن مجالسته، الفضول دفعهن لاكتشاف أي رجل هو حامد، شراب الراقصة المشهورة استهواها شكله، راقبته من بعيد، تمنت أن يطلبها، مستعدة أن تدفع عنه الحساب إذا أشار إليها بإصبعه، منعها كبرياؤها التحرش به، انتظرت وقررت أن لحظة ما ستأتي، حان الوقت ليتحرش بك حامد، اقترب منك واستأذن بالجلوس إلى مائدتك، لم يتلق إجابة، قرر أن السكوت علامة رضى، رآك متعكر المزاج، بكل ود ولطف دعاك أن تسهر ليلتك على حسابه، سألك عن المناسبة، أجبته لكونك متضايقاً، سر من جوابك وقال: - مقبولة منك يا... - أنا حامد الراشد. - الداعي قاسم الصلصال. عرف من خلال الحديث أنك مدرس، نظر إلى وجهك وابتسم، سألك عن معلمة تدعى هلا أو هلالة، أفاض بالحديث عنها، كيف أحبها وكتب عقده عليها، الملعونة هربت وسرقت العقد، أشار بيده إلى راقصة تترنح دعاها شراب وأضاف: - ربما لتلك العاهرة يد بذلك! - يمكنك أن تدعوها إلى بيت الطاعة. - كيف ونسخة العقد الأصلية لا وجود لها ولا أحد يعرف بيت المأذون إلا أنا وشراب. - إنها أحجية! - بل الحقيقة التي سأحدثك بكل تفاصيلها. تبادلا أطراف الحديث، لم تفكر بطلب راقصة، وجود حامد أنساك همومك، دعوته إلى بيتك، أصررت على اصطحابه، لتقص عليه بقية الحكاية، في البيت سهرتما حتى الصباح، ارتاح إليك، قصصت شيئاً من ماضيك وحياتك وعملك الحالي، وعدك بسهرة مع الفنانة شراب. عشرات الأسئلة تحاصر هلا، كيف ستتقدم لامتحانات الجامعة؟ كيف ستخرج من البيت؟ طمأنها حامد إلى ضمان سلامتها وزيادة في الاحتياطات رافقها إلى الجامعة حتى آخر يوم من الامتحانات، عادت ثانية إلى كتبها، إلى المطالعة، إلى سجنها الإرادي، شيء واحد تفكر به هو نجاحها هذا العام إلى السنة الرابعة، قدرت أن الدراسة هي السبيل الوحيد لقتل الوقت والفراغ، عشر ساعات وربما أكثر تلتهم فيها الصفحات، تهيئ نفسها للأيام القادمة، لمستقبل مجهول. -16- تتنصَّتُ وتسمعُ كل حركة يقوم بها والدك: خاصة وقت اختلائه بزوجته الجديدة، تدخل مخدعهما خلسة على رؤوس أصابعك، وتنسحب في الوقت الذي تراه مناسباً. سناء زوجة أبيك فتية، لا تكف عن السهر والرقص ما دام الليل لم ينتصف بعد، سكنت بيروت فصارت بيروتية، تهتم بأناقتها وحديثها وعطرها وحبها للمجاملة والحديث، تعودت على النزهات وزيارة البحر والسباحة، فيها الكثير من اسمها، وعرة المسالك، لبيبة، لم يصلها أبو قاسم الصلصال إلا بعد أن سلم روحه ووضعها بين يديها، ورفع يديه إيذاناً بتنفيذ شروطها، دفع كل ما يملك مهراً، كتبت عليه مؤخراً بالعملة الصعبة، اشترطت أن تكون العصمة بيدها، أن يعيشا في بيروت، وشروطاً أخرى لم يناقشها، أخبرته أنها لن تغادر لبنان إلا للزيارة، بحر بيروت ملجؤها ومن جبالها تستنشق النسائم، بعد أن اتفقا على كل شيء، ذكرته بعد الزواج بأنها لن تسكن في قريته المنسية، والتي لم تعثر على أثر لها على خارطة سورية، هي التي أخلت بشروطها، لم تصمد بعد تعرضها لأكثر من حادثة، جاءته طالبة أن يرحلا إلى الضيعة، بعد أن كرهت مناظر الموت، بعد موت والدها وأحد إخوتها، الأصح أنها هربت، الرصاص لا يفرق بين الناس، ينطلق إلى حيث يسدد القناصة وأولاد الحرام والمتحاربون، ولولا الظروف الاستثنائية التي مرت ببيروت لما عرفت الصلصال، ولكانت الآن تتمشى على الكورنيش أو في شارع الحمراء. ما زال يذكر كيف عمل عتالاً في ميناء بيروت، يتوقف الميناء عن العمل لساعات أو لأيام أو أسابيع بسبب الحرب، يبحث عن عمل آخر، يمر يومياً من أمام بيتها في طريقه للعمل، بدأت تراقبه، اصطحبها غير مرة إلى المصايف الجبلية وإلى البحر، أحبَّها وعندما تلفظ بما يدل على إعجابه وحبه، لم يجد منها الصَّد كما توقع، بل ابتسمت، لم يخبرها أنه متزوج سابقاً، وهي لم تسله، اشترطت أن يعيشا في بيت أهلها، ظلا فيه إلى أن أصابته قذيفة فقررت الرحيل. لِمَ لم تسل عن أمك المريضة؟ أتعاقب نفسك أم تعاقبها؟ لم تشعر بالفجيعة عندما أخبروك بموتها، كنت قد دفنتها بين أضلاعك منذ زمن، لم تجد عناء في مواصلة الحياة عند والدك، أما أختك عائشة التي تكبرك بثلاث سنوات فقد تزوجت وفضلت الحياة بعيداً عن بيت أهلها، زكمت رائحة أمها أنفها، غدت تخجل لدى أي ذكر لها، تقدم ابن خالتها لخطوبتها فلم ترفضه، وجدت الحياة في بيتها الزوجية سبيلاً لخلاصها من واقعها. في تلك الليلة الجهنمية لم يغمض لك جفن، وصفت بدقة سهرتهما، أبوك يلهج باسمها ويصفها أنها رائعة، بدأت تخطط لتحظى بها، أتقتل والدك؟ قد لا ترضى بقاتل زوجها أن يأخذ مكانه، صحيح أنك أكثر فتوة وجاذبية، لكنك لا تملك مالاً، والذي لا نقود معه ترفسه المرأة! بعد مجيء سناء إلى مزرعة الصفصاف غيرت طريقة حياتها ولباسها وتعاملها لتتلاءم مع حياة الفلاحين البسطاء، خلعت ثيابها القصيرة ولبست ثوب القرية، بدت مثل باقي النساء، تأخذ الطعام لزوجها الذي يعمل في أرضه، من يراها يعتقد أنها قروية أباً عن جد، قررتَ يا صلصال الدخول إلى قلبها، استرضاءها، تساعدها في أعمال البيت، تنفذ طلباتها، صرت طوعها، تمازحك فيذهب عقلك بعيداً، تتأمل قوامها الرشيق، تمتدحها فتسرّ، تحدثك عن بيروت، عن لبنان وجمال طبيعتها وأهلها، توافقها وتزيد على مدحها مديحاً، تحدق بها فتضحك، توصي زوجها بك خيراً، تشهد على أنك مؤدب ونشيط لا تخالفها في شيء، لا تريد إلا رضاها، ظلت وراء أبي قاسم حتى أعلن أنه سيعطيك قسماً من أرضه ويبني لك بيتاً ويزوجك، ذكريات أمك تأتيك، الماضي يطاردك، تبكي بمرارة وتقول: "لماذا أمي ليست كباقي الأمهات؟" على مضض تطلب لها الرحمة، تأسف لماضيها وماضيك، غير قادر على التخلص من ذاكرتك المشوشة، لم تستطع أن تقتطعه وترميه كما ترمي أي ثوب بال، لقد عمل عمله، صحيح أنك تتصرف مع زوجة أبيك تصرفاً لائقاً، ظنت أنها استطاعت ترويضك، لكن وراء الأكمة ما وراءها، حول عينيك هالتان رماديتان كونهما الأرق، تمضي ليلك تراقب حركاتها وإيماءات جسدها، لم تعد مراقبتك خافية، أحست وأنت تحاول احتضانها، كادت تتعثر، ابتعدت ولم تتأكد إن كان ذلك عفوياً أم متعمداً، بدأت بالتوجس والخوف غير قادرة على البوح، خاصة هي التي دعتك إلى رفع كيس البرغل، وبالمصادفة احتكت بك و احتككت بجسدها، محاولاتها الحذرة أججت نيرانك، حاولت غير مرة أن تحتك بجسدها وتقبض عليه، أن تتحرش بها وفي نيتك أنها ستسكت، كل ما فيها يجعلك ثائراً، فاقداً اتزانك، شبقاً، تتمنى سفر والدك، في مرات تمنيت موته، تريد أن تكون عشيقها، تخدمها، نظراتك الجنسية الفاحشة تعريك، صارت ترتاب، ترتدي ثياباً محتشمة ولا تظهر شيئاً من جسدها. مرت أكثر من فرصة لتهجم عليها، ارتابت من تصرفاتك وأقوالك، تكتشف ما ترمي إليه، تبطل مخططاتك بصمت، لم تعاتبك ولم تحدث أحداً، عليها أن تتأكد من شكوكها، الشكوك لا تكفي ولو وصلت إلى درجة قريبة من اليقين، أتنسف أقوالها التي امتدحت فيها تصرفاتك، صار قلب أبيك أبيض اتجاهك، ستظل تلاحق شكوكها حتى تتأكد من صدق ظنونها، تجاهلتْ ما سمعته وتسمعه، اعتبرت ما تقوله مديحاً تستحقه، لكن عندما اقتربت والتصقت بجسدها وشددتها إليك، وأظهرت إشفاقك عليها كونها جميلة تدفن حياتها مع رجل يكبرها بالسن، أجابتك: - هذا الرجل أبوك! - أنا أقول الحق، حري بك الزواج من شاب لا من كهل. - إن تماديت أكثر سأخبره. أدركت الآن أن نواياك غير شريفة، وأنك تبني الفخاخ لاصطيادها، عليها أن تكون حكيمة، ستطلب إلى زوجها أن يبني لك بيتاً مستقلاً بأقصى سرعة، ستحدثه في الوقت الذي تراه مناسباً، لن يمر شهر إلا وقد انفصلت عنهما، هل ستمهلها؟ تبدو أكثر شبقاً وتعطشاً يوماً بعد يوم، قررت أن تحسم أمرك، الأعراب ينتظرون الموت ليحققوا ما يريدون، لن تنتظر، الأعمار بيد الله، قد يعيش والدك طويلاً، إذا اختارتك ستعودان إلى لبنان أو تذهبان إلى دمشق وتعيشان بأمان هناك. فخذاها تسطعان في مخيلتك، جسدها اللدن الذي تتخيل حركته داخل ثوبها القروي يغريك، تمر أمامك شامخة من المطبخ إلى الغرفة، تنظف وتشطف، تنقصك الشجاعة أو الوقاحة، تقربت منها حتى بت مستعداً أن تغسل قدميها لو دعتك إلى فعل ذلك، ابتسامتها فيها جاذبية ومكر وأنوثة وجنس، تذكرت الليلة الماضية وصهيل جسدها طوال العتمة، تنظر إليها كيف ذوت ودست جسدها في الفراش، وغطت في النوم وقت الضحى، أقسمت إنها لك وإن والدك لا يستحقها، شاهدت عريها الرائع خلسة، من الصعب التخلص من هاجس الجنس، تأججت النيران، تصورتها بين يديك، تمانع كالمهرة غير المروضة، رشيقة وأنت تحملها بين ذراعيك، نهداها متحفزان وجسدها كتلة لهب، كل شيء يدعوك للمجازفة، ماذا ستخسر إذا رفضت، ستترك البيت، لا شيء يؤسف عليه، وهي لن تخبر أحداً حفاظاً على شرفها، ماذا يقول الناس؟ لو لم تغريه لما فعلها! تلف في الغرفة، استيقظتْ على حركاتك، لمّت اللحاف واستعدت للدفاع عن ذاتها، استعدت لمعركة، تفادياً لذلك قررت أن تذهب إلى الجيران وتتركك تغلي، لم تمكنها من المغادرة، اطمأننت أن لا أحد قريب من البيت، اقتربت منها أكثر، ابتعدت وهددتك بالصياح، سألتك: - ما بك يا قاسم، خاف الله أنا مثل أمك! - أنا أحبك يا سناء. قربت يدك المرتجفة من وسطها، أعادت يدك إلى مكانها مرات، إلا أنك تجرأت وجذبتها، ضممتها وقبلتها، رميتها أرضاً، حاولت نزع ملابسها، لم تمكنك، هبشت بأظافرها وجهك ورقبتك، العرق يتصبب منها وهي تقاوم، ابتعدت واستطاعت أن تفلت من يدك، نظرت إلى البعيد وقالت: "اهرب جاء والدك." جمعت حاجياتك ونقودك القليلة وخرجت، تساءلت بينك وبين ذاتك عن جنونك، عما فعلته، القرية باتت محرمة عليك، وصلت إلى الشارع العام، انتظرت قدوم أول سيارة لتنقلك بعيداً عن أبيك وعن بيتك، وقد لا تستطيع العودة ثانية إلى قريتك طوال عمرك. -17- الغوطة أنثى تحاصرك، يسري حبها في صدرك، تعقد صداقات مع عالمها الطفولي، شعرت أنها المكان الآمن لروحك، مددت الجسور بينك وبينها، تزور خالك، تشتهي التوت والرمان والعنب، تمشي في الدروب الترابية الضيقة، تفرح للثمار الدانية، تغريك نباتاتها وزهورها، تشع في صدرك فرحاً وشموساً تتطاول، ورود روحك تبث أريجها، الروائح الذكية تلفك، يعبق عطرها في صدرك، كل شجرة معلقة بنجمة، وكل نجمة تضيء مدناً، وكما المدن عديدة، فالنجوم أكثر، تخطئ إن حاولت عد أشجار الغوطة لمعرفة نجوم الكون. استهوتك الغوطة وتغزلت بأشجارها المرحة! أشجار ذات حركات راعشة متوافقة مع شبابها، أما الأشجار الهرمة فتلفها سيماء الخجل، يبدو عليها الوقار، جذوعها الضخمة غير قادرة على الرقص بجسدها، عوضت عن ذلك بماضيها، شجرة الجوز التي تربط الأرض بالأفق، لم تعد قادرة على الليونة ولف خصرها، لو حافظت على ليونتها لأدت أروع رقصة، ومع ذلك ترفع صدرها للريح والمطر تاركة يديها تتقافز، فاسحة المجال لغضبها لتحطيم الأغصان اليابسة، نشرت دوحها فنالت ثقة ما حولها من أشجار وطير، فغدت أميرة توزع الريح والشمس إلى الأشجار الأقل ارتفاعاً منها، كمن يوزع البسمات والحلوى على الأطفال. قررت بعد مشاورات مع أمك وإخوتك، أن تلجؤوا إلى صدر خالكم الرحب، الذي كان على علاقة جيدة مع صاحب الأرض القريبة من بيته، ذهبتما إليه وطلبتما أن يسلمكما الأرض خالية من الأشجار والنباتات. الكلاب تنبح معلنة اكتشافها لمتغيرات ضمن منطقة حراستها، ثمة من ينام في بيت غير مكتمل البناء. تشعر أنك محاصر. تهم بالخروج والدوران حول البيت. تقترب الكلاب وتبتعد، تزيد من نباحها، تضطر إلى العودة إلى مكانك والتظاهر بالنوم، هذا أنت يا حامد تستغل العطلة الصيفية، مصمم على إنهاء البيت مع انتهائها، تحرس مواد البناء ليلاً، وتعمل في النهار لتوفر أجر عاملين، في أيام سكنك الأولى قرعوا بابك لترافقهم إلى صلاة الصبح، أخبرتهم أنك تصلي في البيت، مرت فترة ولم تدخل الجامع ولو على سبيل المجاملة، تأكدوا أنك لا تصلي، فلم يعودوا إلى قرع بابك، نظروا إليك بعين الريبة والملامة، عاتبوا أبا إبراهيم الذي باعك، الحارة ليست بحاجة إلى أناس لا يصلون ولا يعرفون الله. أهل الحارة يصلون صلاة الصبح والعشاء وكل الصلوات، صباحاً يتباطؤون في الخروج من بيوتهم، يرون أن الوقت ما زال مبكراً، العتمة تملأ الأفق والنهار لم يطلع بعد، يغطون بالنوم وعندما يستيقظون، يستغفرون ربهم ويتضرعون إليه ليمحو ذنوبهم، بعضهم يتجاهل النداءات المتكررة من مكبرات الصوت، يرون في دفء أجساد نسائهم، ما ينسيهم كل النداءات والذهاب إلى الجامع، أبو إبراهيم صاحب الصوت الجميل يغني في الحقل، الله وهبه حنجرة ناعمة وصوتاً دافئاً، عند الصلاة يهم إلى المسجد، يصعد إلى المئذنة، يؤدي بعمله فرضين أحدهما إكراماً لله والآخر إكراماً لدنياه، يؤذن بصوت حنون وعيناه لا تغفلان عن الحارة، امرأته لم تر دمشق إلا مرات، كل مرة تذهب فيها إلى العاصمة، تعود ورأسها يؤلمها، أما الزيارات الخاصة فإلى أهلها الذين يسكنون قريباً منها، أحذية العرس ما زالت على حالها، خاصة القبقاب المزين الذي جازف واشتراه بليرتين، تحتفظ به في صندوق عرسها المصدف، معظم الجهاز ما زال على حاله في الخزانة المصدفة، تخجل من الآخرين، لا تحادثهم، أما هو فعلى نقيضها، يُحدث نساء الحارة، يستمتع بكلامهن ولهجاتهن الناعمة، رأته مرة يمازحهن، لم تحتمل، هربت إلى البيت وظلت لا تحادثه أسبوعاً، لا تسمح لـه أن يقترب منها، تهدده بالصياح ومناداة أولادها، عرف أنه في ورطة، لا يخلصه إلا صوته الجميل، انتهز فرصة غياب الأولاد في مدارسهم، وغنى أغاني وديع الصافي وبعض المواويل، أطربها وتمايلت غنجاً وطرباً، رقَّ قلبها، نادته بحنان وأسمعته ما لم يحلم بسماعه، تساءل مندهشاً: «من أين لها بالتعابير الحلوة؟» أبو إبراهيم لطيف المعشر، يزورك ليسمع الجديد وليحدثك بما يسمعه من الآخرين، حدثك عن امرأة حامل جنينها يتكلم وهو في بطنها، ذهب الناس للتأكد مما سمعوه، سألته: - وأنت ألم تذهب؟ - سأذهب وأحدثك بما أسمع، هل ستصدقني؟ - أصدقك، لكنني أفسرها بطريقتي. - أنت تنفي قدرة الله على عمل المعجزات! - يا أبا إبراهيم عصر المعجزات انتهى، اذهب وتأكد من مصدر الصوت وأخبرني. - يا أستاذ حامد لن تصدق ولو كانت حقيقة! ماذا تقول في التيس الحلوب الذي كتبت عنه الصحافة؟ - هذا أمر سخيف! - ما دمت غير مصدق، لن أحدثك عن البقرة التي ولدت حملاً. - أنت فلاح، هل تصادف ولو مرة أن ولدت بقرة حملاً أو العكس؟! استلمتُ الأرض من أبي إبراهيم في الموعد المحدد بلا أشجار ولا ماء، الساقية التي تمر من هناك طمرتها، بدأت تحفر الأساسات، تخطط مكان الغرف والمنافع، جعلت تجاه البيت إلى الجنوب، وأحضرت الإسمنت والحجارة والبلوك، تعمل من الصباح حتى المساء، صرت مسؤولاً عن عمال يصبون الأساسات ويبنون الجدران، لم يمض حزيران إلا واكتمل البناء على الهيكل، ولم يبق سوى صب السقف، في يوم الصب ودون إنذار مسبق جاؤوك مدججين بالمعاول والمهدات، سألوك عن رخصة البناء، ذكروك بمنع البناء في الأرض الزراعية، قبل أن ينتشر العمال ويفعلوا فعلتهم، مددت يدك، عرفت كم عليك أن تدفع وإلا فالبناء سيسوى بالأرض، المسؤول ابن حلال، أعطاهم أوامره بالعودة، أداروا ظهورهم، فتابع العمال الصب فرحين. الغوطة تصرخ في وجهك ووجوههم، تبكي حظها العاثر، تندب حاضرها، تغتصب مرتين! تعود لأمجادها، لذكرياتها، للوجوه الشامخة التي احتمت بأشجارها، للزنود التي قاتلت الفرنسيين، للأشجار التي شهدت الاستقلال، والأشجار التي شهدت الحكم الوطني، لكن أين هذه الأشجار الضخمة؟ الجواب معروف لقد قطعت، الغابة تتراجع، يوماً بعد يوم تنسى ماضيها، تنسى الطيور الرائعة التي تحولها إلى سمفونية، تسافر العصافير، يحل طائر البوم، ينعق في أعلى الأشجار اليابسة وأنت راض، تُدرس طلابك ضرورة المحافظة على الشجرة، تحتفل في آخر خميس من كانون الأول، تذهب وتلاميذك لتزرعوا شتلات، هذه الشتلات ستنتظر أجيالاً، تكبر خلالها وتنتظر أن يأتي واحد مثلك يدرس الأخلاق والمحافظة على الشجرة، بينما بالفأس الذي زرعت فيه سيقتطع عشرات الأشجار! أنت مسرور، صار لك بيت وسط الغابة، لم يعد يهمك حاضرها ومستقبلها، تنظر إلى أكوام الخشب والإسمنت التي تعلو يوماً بعد يوم، كنت تظن أن الآخرين لن يفعلوا مثل ما فعلت، ستكون الوحيد الذي يتنعم بمنظر الغوطة وخيراتها، الوحيد الذي سيبني بيتاً تلفه الأشجار من كل جانب، تغرد الطيور في جنباته وتنيره الأشعة، تصورت أن بيتك هو الجنة، (فيلا) بكل ما تعنيه هذه الكلمة. توافد آخرون مثلك، قطعوا الأشجار، عيناك تذرفان الدموع، كتل الإسمنت تحيط بك، لم يتركوا لك سوى ممر ضيق مترين أو ثلاثة، صار عليك أن تمد الأسيقة والماء إلى بيتك، وأن تحضر ساعة كهرباء، كل الطلبات بحاجة إلى موافقة البلدية، وهي لا توافق إلا بشروط حفظتها وتقيدت بها، اليوم تدعي أنك أحد الذين يناصرون الشجرة، أحد المدافعين عن الغوطة، كثيرون صدقوك، لكنك لم تصدق نفسك. جيرانك كالثوب المرقع، من كل محافظة رقعة، من أقصى شمال القطر إلى أقصى جنوبه، جاؤوا إلى دمشق، المدينة غالية السكن، تورطوا في المجيء وهم غير قادرين على التخلص من سحر الشام والعودة إلى محافظاتهم، أغرتهم وهم لم يستقروا بعد، فكيف إذا عرفوا دمشق على حقيقتها؟ جاؤوا إلى المناطق الزراعية، مثلك قطعوا الأشجار، أنت وهم جزء من حارة لا تمديدات نظامية ولا طرق معبدة، صار عليكم أن تطالبوا بتمديدات نظامية، ورصف للطرق وتزفيتها، أوفدتك الحارة مندوباً عنها، قابلت رئيس البلدية الذي حصل على مبلغ من المحافظة لتحسين الخدمات في مناطق السكن العشوائي، بدأ يفاوضك، يحاول إقناعك بتزفيت الطرق من الحصة التي صارت بين يديه، علمت أن لـه مصلحة، يريد إيصال الزفت إلى أرض يهمه أمرها، صاح بوجهك قائلاً: - لنبدأ بالتزفيت! - والتمديدات الصحية؟ بفطنته ذكرك أن ما تفعله البلديات تزفت أولاً، وإذا احتاج الشارع إلى تمديدات يُحفر، لا شيء مقدس في العمل، وهكذا تظل الورشات في عمل دائم، وهي مساهمة متواضعة من البلديات في القضاء على البطالة، تواطأت معه ووافقت خوفك أن لا يطال الحارة شيء، بعد أيام مد العمال طبقة رقيقة من الزفت غيرت مدخل الحارة وطرقها، وهكذا بدت معروفة آمتها الطنابر والباعة الجوالين الذين وجدوا أنفسهم وسط حارة شعبية، حنوا إلى أيام زمان، وبدؤوا ينادون على الخضراوات والفواكه، وفي ظنهم أن الماضي قد عاد شاباً: لا تدور على الحلوة ليكا شلة حرير يا فوصولياء نهود الصبايا يا رمان ابن الزنا يا طرخون يزرعوك في دوما تطلع بحلبون الله الجبار يا خيار ماكول الستات يا فريز خدود الصبايا يا تفاح أصابيع البوبو الخيار الله الدايم الله الدايم |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |