|
||||||
| Updated: Sunday, July 01, 2007 02:54 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الفصل الثاني أكره شجرة الصنوبر العتيقة التي تنتصب منذ عشرات السنين أمام بيتنا، وتتفرج على مآسي حياتنا بسفالة عجيبة، وقد حاولت ذات ليلة أن أقطعها في غفلة عن الجميع. أخذت فأساً ورحت أضرب الساق المجمّد الضخم بعنف وسرعة، لكن والدي استيقظ وهرول حافي القدمين ثم انهال عليّ ضرباً وشتائم بذيئة ركضت بعدها مبتعداً عن البيت وقضيت الليل كلّه متنقلاً بين البساتين الموحشة الغافية في أحضان عتمة سوداء صامتة لا يجرحها غير نباح الكلاب ونعيق بومة قذرة تختبئ في مكان ما. كلّهم يحبّون شجرة الصنوبر. حتى "عزيزة" تأتي كل يوم تقف قربها ثم تحملق بالساق الضخمة الناتئة مدّة طويلة تلتفت بعدها إليّ ثم تتمتم بخشوع: ـ ألا تحبها مثلي.. إنها رمز للقدرة والبقاء؟ أبصق على الأرض وأطلق الشتائم الضخمة، فلا تجد أمي بداً من أن تقول بصوت مليء بالأسى كأنها تتفرج على جنازتي: ـ إنه لا يحب شيئاً، قلبه مليء بالحقد على العالم. المدينة لم تعلّمه الحب أبداً. أخاف أن يموت مسموماً بالحقد. أمي إنسانة بريئة ورائعة, تبكي دوماً من أجلي فأنا لا أفهم ما أقول ومجنون بطريقة لم يكتشفها العلم بعد، من أجل هذا، تصلي دائماً كي يغفر الله لي ولا يحاسبني على تصرفاتي الآثمة و"عزيزة" تحبني أيضاً، وتحلم بالزواج مني بعد أن أنهي دراستي في المدينة، لا لأني فتى أحلامها فقط، بل لأنني الوسيلة التي ستنقلها إلى المدينة وترى الفتيات الأنيقات، بعد أن سلبتُ لها لبَّها بالحديث عنهن، ولتدخل السينما، بعد أن صورتها لها عالماً مسحوراً أبدعه الإنسان المتمدن... لكنّ المشكلة أنني لا أحب "عزيزة" رغم أني قبّلتها أكثر من مرة دون أن أعرف السبب لذلك, لعل مشاهدتي، للقبل في السينما والغيبوبة التي ترافقها، واللذة التي كانت ترسم معالمها على وجوه الممثلين، لعل هذا دفعني لأن أختبر هذه اللذة. لذة؟ أشعر أنني إنسان بدائي يحمل في أعماقه صحراءه، بكل ما في الصحراء من ظمأ ورعب ما الفائدة؟ "عزيزة" مخلوق عابر لم يمنحني إلا تشنجات عصبية تافهة تدوم لحظات قليلة، أشعر بعدها بشكل عميق أنني حيوان. كانت أحياناً تثير غرائزي بطريقة وحشية ووجهها الغجري الأسمر يلسع كل حواسي, وعندما أقبلها أحس أن كل شيء في داخلي قد انطفأ, وعندما تلامس أصابعي بشرة وجهها الذي أحرقته شمس الريف حتى صار أشبه بقشرة تفاح ناضج, عندما أفعل ذلك يحملني خيالي ـ على نحو ما ـ إلى عالم آخر... المدينة... والغرفة الصغيرة و"ناديا" عارية على سريري، كأرنب مسلوخ، يهزّها الشبق وهي ترتمي على صدري ميتة لهفى، فأضيع بين يديها ساعة، أهرب بعدها إلى الشارع الصاخب، حيث أحملق هناك، بالقامات البشرية المنهوكة تزحف على إسفلت الشوارع الأسود، من قال إن عصر الزواحف قد انقرض؟ أنا مخلوق عجيب حقاً، لم استطع مرّة أن أكون واحداً من المدينة، ولم أستطع أن أنعتق من رعبي منها، لا أستطيع التخلّص من ضبابية القرية وفراغها الذي يعبئ رأسي، الأشياء تبدو بلهاء عقيمة ولا قيمة لها في المدينة والقرية على السواء؛ في المدينة ألمح عداء سافراً في العيون، وقد يكون حبي للمدينة لسبب سادي، فأنا أضيع فيها كأي فلاح تبهره الأضواء، أحب المدينة لأن الناس فيها مشغولون عني وليس لديهم أي وقت يمنحونه لي. الإنسان الوحيد في المدينة صفر، وليس ثمّة وسيلة لتحس أنك موجود سوى أن تمارس الحقد. الحقد؟ وترتخي أصابعي عن وجه "عزيزة" البض الطريّ... في كل مرّة ألامس وجهها، أعود محمولاً على أجنحة هذه الذكريات الميتة، فأهرب من "عزيزة" كما أهرب من ذكرياتي. إلى متى أظل هارباً؟ الصحراء لن تورق أبداً... لا شيء سوى الهجير والظمأ والسراب. لو أستطيع أن أغرس واحة واحدة. لو أستطيع! في صدري أكداس من الرغبات البدائية وكل رغبة عالم بلا حدود. أتمنى أن أعقد هدنة مع هذا العالم.. أن أبيع المدينة شيئاً من قريتي وتردّ لي بعضاً من حقدها, أن أستبدل "عزيزة" بـ"ناديا" وأن أمنح السلام في قبو بربري معها. أريد أن أغزو العالم, امتشق سيفاً يلمع تحت أشعة الشمس وأمتطي جواداً أبيض, أسبي العالم, أحرقه.. وأقف كما وقف نيرون فوق غيمة أغني على القيثارة ألحاناً مستوحاة من لهب النار الذي يلتهم اللحم البشري وصراخ العذارى. أريد أن أركز رايتي في كل شارع من شوارع المدينة.. راية البطش والغزو؛ لعلّ الناس يهاجرون إلى قريتي يزرعون الكذب والنفاق فيها... لعل... يومها لن يعيش الناس هناك، سنة كاملة، يعملون كقطيع من الحمير من أجل كيس من القمح الضامر، ثم يستغفرون الله لأنهم أرسلوا أولادهم إلى المدارس ليتعلموا الفجور. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |