الأبطال يموتون صغاراً ـــ عادل سلوم

رواية ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق ـ 2006

Updated: Sunday, July 01, 2007 02:54 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل الثالث

في الصيف تشعّ الحرارة وتشل الحواس، ولا تبقي غير رغبة عنيفة بالتثاؤب, والكَسل تحت شجرة التين عند حدود البيادر. في ظل هذه الشجرة التي عاصرت أمجاد الخصب وعرفت تفاهات الناس أيام الجدب، نلوك كل يوم آمالاً عظيمة, نقيّم العالم والإنسان، نتحدّث عن فرويد والاشتراكية والاستعمار، نفلسف الجنس والدافع الغريزي، نتحدث عن أشياء أكبر من عمرنا الزمني... ثم نتثاءب وننام حتى يفرش المساء وشاحه الأسود على القرية الصامتة.‏

عندها تستيقظ عيوننا وتبحث عبر سهول لا حدود لها، وفي حنايا أشجار الصنوبر الكثيفة التي تقبع بذل عند سفوح الجبال... نحس أن شيئاً ما لابدَّ أن يورق... أن يومض بأمل ما...‏

لا ندري كنهه، وليس لـه ظل حقيقي، وترتدّ نظراتنا الحائرة إلى أزقة القرية الوسخة تبحث من جديد، لعلّ وراء هذه الأشياء التافهة التي خلفها الزمن يختبئ ما لم نره ولم نعرفه من قبل.‏

مأساتنا كانت نتيجة ممارستنا لنوعية معينة من الحياة في المدينة، حيث نقضي عامنا الدراسي، ثم نعود إلى القرية صيفاً نمارس الكسل والمقت والضجر. دائماً نتوق إلى حياة أفضل، ومن أجل هذا التوق نحمل إصراراً عنيفاً لكنه لم يوصل إلى أي شيء مطلقاً، كان إصرارنا عبثاً.‏

لم تكن ثمّة جذور تشدّنا إلى القرية غير هذه العطلة الصيفية، وكانت مشاعرنا في الصيف حادّة ونزقة بشكل لا يطاق (عندما يعيش الإنسان في قرية فقيرة فإن أفكاراً عجيبة تزحم خياله وتضغط على رأسه) في الصيف تتبلور المأساة وتتخذ أشكالاً متعددة، ونحس أكثر فأكثر أننا نعيش واقعاً لا نطيقه بين بشر ما زالت الأساطير والخرافات سيدة حياتهم.‏

فجيعة، يزيدها مرارة أننا عاجزون عن تغيير واقعنا وواقع الآخرين المهترئ. الآخرون؟؟ إنهم يموتون كل يوم ألف مرة ونحن نتفرج برعب على هذا كلّه دون أن نجرؤ على البوح بحرف واحد. إن أحداً لا يريد أن يستمع إلينا. نحن اللعنة التي حلّت على القرية والتي بدأت بالجدب ولن تنتهي إلا بانتهائهم! إنهم يخافون النهاية أيضاً كأنهم يعيشون.‏

والدي يشعر بالندم لأنه لم يكتفِ بتعليمي القرآن لأن العلم الحديث يفسد الإنسان ويصيبه بالدوار ويظلّ مطارداً إلى الأبد بسخافات العلم.‏

جارتنا (أم علي القدار) التي تحفظ ألف حكاية عن الجن والعفاريت الذين يهاجمون بيتها كل ليلة، تفرست في وجهي وزعقت:‏

ـ أريدك أن تبتعد عن ابني (إبراهيم) ليس لي غيره، وأنت توشك أن تخرب لـه عقله بحديثك عن الأرض التي تدور. لا تكذب، لقد سمعتك بأذني هذه.‏

وتجرأت السيدة (أم سالم الزير) التي يعتبرونها أبرع من وضع الحجب التي تطرد الأمراض الخبيثة من جسم الإنسان على الصراخ بوجهي:‏

ـ أنا سمعتك أيضاً. كنت تقول لابني (سليمان) إن القمر أرض يابسة وفيه جبال مثل (جبل الشمالي) يا كافر ألا تخاف الله؟‏

قال لها أنور ساخراً:‏

ـ لماذا لا تكتبين لـه حجاباً فقد يعود إليه عقله؟‏

ـ لكنه لا يؤمن. الكافر.‏

ـ وأنت لم تدخلي مدرسة طوال حياتك، فكيف تكتبين؟‏

ـ لا تتدخل في شؤون لا تعرفها. لقد علّمني أولياء الله.‏

أتمزق من الداخل، كيف يستطيع إنسان أن يعيش في زوبعة هذه المهازل وكيف يدخل إلى هذه الرؤوس المعتمة شيئاً من النور؟‏

كنا نحاول بصبر عجيب أن نعيش واقعاً من صنعنا ومن إيماننا بالإنسان، لكن هذا الواقع الذي ولد في رؤوسنا لم يكتب لـه أن يخرج إلى النور أيضاً, بقي في جلودنا.. الدمامل على جدار الروح هي ولدينا الشرعي. إن تمردنا على العادات الموروثة منذ أجيال طويلة، وعرقنا المسفوح لوأد الأفكار المائعة، كل هذا لم يكن أكثر من صرخة ملتاعة في واد مهجور، كانوا يغلقون أفواهنا باسم الأصنام المعبودة والمعتقدات العفِنة التي ألقاها العالم على مزابله منذ قرون.‏

قلت "لأنور":‏

ـ إن عذابنا أقسى من عذاب غيمة حبلى بمائها ولا تجد أرضاً مجدبة تحتها.‏

ظلّ "أنور" صامتاً لم يقل شيئاً... الصمت قدرنا البائس.‏

نعيش بصمت ونتعذّب بصمت ونحلم أيضاً بصمت. أصبحت فجيعتنا مأساة صفراء عالقة على وجوهنا. أحياناً... كان ينبجس من أعماقنا قرار مفاجئ (أن شيئاً في العالم لا يستحق هذه المعاناة وأن حياتنا تذهب هدراً رغم أننا لا نملك غيرها).‏

لم تكن المشكلة أن نتراجع أو أن نكون مزيفين... المشكلة الحقيقية إحساسنا أننا مسؤولون عن تكسير الأوثان الوهمية المتربعة على عرش الرؤوس، وتمزيق الكفن الذي يلفّ القرية التعيسة ويجعل من الناس فيها أجساداً مذعورة وكيانات هاربة... المسؤولية شيء قاسٍ للغاية. ولابدّ من وجود طريق ما لتحمّلها أو التخلّي عنها. حتى لا نصبح كيانات مجانيةً.‏

ثمّة مرفأ أمين لكل سفينة ضالّة. تعبنا. كل شيء هنا معكوس بطريقة لا إنسانية. جميع فلسفات البشر عاجزة عن انتزاع واحد من نفسه. إنهم قانعون بعيش مسلول لا يعرفون أنه يزحف كالديدان إلى مستنقع آسن مقيت. إن إيمانهم بأن هذا قدرهم إيمان عجيب ويحتفلون به بطقوس مذهلة.‏

فكرت مرة:‏

ـ لابد أن هناك خطأ في معتقداتنا. لماذا لا يهدينا الله إلى الطريق الصحيحة، ألا يستطيع أن يفعل ذلك دون أي عناء؟‏

نحاول أن نقوم بدور الأنبياء. ويبدو أن تعبنا وما لحقنا من فشل وإهانات قد حفر أخدوداً عميق الغور في قلوبنا، نلعق جراحاتنا الدامية بصبر وصمت كبيرين، لكن "أحمد" كان أول من تمرّد على جراحاته ورفض أن يقضي حياته عبثاً لأنه، كما قال، لم يخلق هذا العالم، لكنه خُلق فيه... فرفع وجهه مرّة إلى السماء، وكان الصحو رائعاً، وقال بحرقة مؤلمة:‏

ـ ربي، لماذا لا تفعل أنت ذلك؟‏

تململ "أنور" بضجر حقيقي وقال وهو يدفن رأسه بين ذراعيه:‏

ـ يبدو أن ربك قد خلق هؤلاء الناس... ثم نسيهم.‏

قذف "أحمد" حجراً صغيراً كان في يده، وردّ باشمئزاز واضح:‏

ـ لا أعرف لماذا تصرّ دوماً على أن تؤكد لنا أنك ملحد. أنا لا أهتم بآرائك لكنني واثق أن خلاص هؤلاء الناس يحتاج إلى معجزة ضخمة لا يقدر عليها إلا الله.‏

أدخل "أنور" إصبعه في أذنه وأجاب وهو يحكّها:‏

ـ لقد انتهى زمن المعجزات. هذه حقيقة. ليس على الدولة إلا أن تفتح مدرسة في القرية وتعبّد الطريق إليها. وترسل إليها كل أسبوع أحد الأطباء وأنا مسؤول بعد ذلك عن تحقيق المعجزة. وإذا لم تتحقق سأقبل أن تعلّقوا لي مشنقتي فوق أية مزبلة في القرية.‏

قال "أحمد" بنزق:‏

ـ هذا صحيح إلى حد ما. ولكن حتى تفعل الدولة هذا، حتى تتذكرنا، تحتاج إلى إلهام من الله بالذات.‏

عيناي معلقتان بأغصان شجرة التين المتشابكة، والنسيم العذب يمرّ على وجهي حاملاً تنفس النهر الصغير وروائح الدفلى التي تنام على ضفافه... السماء فاتنة بزرقتها، والطيور تهاجر من الشاطئ إلى كرومنا، أجنحتها مزوّقة ومناقيرها تحمل مواويل تتمناها شبابة كل راع يسرح فوق التلال. هذه متعة أتمناها كل عمري. لماذا لا تظل الحياة استمراراً لهذا؟‏

لماذا وجد الحزن والقهر في حياتنا؟ من الذي أوجد الحزن؟‏

وجدت نفسي أقع في فخ السؤال. لم أكن في يوم من الأيام ملحداً لكنني لا أصدق أن الأشياء التي منحت لنا كافية لأن نعيش بشكل شريف وكريم. وليست مبرراً مقبولاً للاستمرار.‏

فجأة أظلم شيء في داخلي. أحسست أن شيئاً ينهار ويتحطّم. لا أريد أن يعتقد "أنور" أنني منحاز إلى جانبه، أو أنني أقف معه عندما يطرح أفكاراً مبتذلة... لكنني وجدت نفسي منساقاً لأن أردّد بانفعال ظاهر لم أصدق أنه يصدر بهذا العنف:‏

ـ أتدري "أحمد". أنا لا أفهم كيف يخلق إله لطيف مثل هذا الكون القذر؟‏

مرّة أخرى تثور رمال الصحراء البدائية. الظمأ يهاجم كل شيء. غابات الصنوبر تتراجع. سهول الخضرة تموت وتمحي. ها أنا من جديد أرفع الراية لأركزها في مكان ما... أنا زنجي غاضب وحيد مع سوادي وغربتي أحلم بمدينة نساؤها شقراوات كالشمس... البياض الناصع منشور في كل مكان. ولا أملك من هذا البياض إلا أسناني وأظافري.‏

ما الذي يفعله العالم بي؟ إن مأساتي في رأسي، هذه الرأس تملك آلة حادّة تقطع كل شيء... لو أستطيع. لو أستطيع فقط أن أعيش بلا رأس.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244