الأبطال يموتون صغاراً ـــ عادل سلوم

رواية ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق ـ 2006

Updated: Sunday, July 01, 2007 02:54 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل الخامس

تحوّلت حياتنا إلى انفلات قطيعي، ليس لدينا غير أحلامنا التي قطعت الأيام حبالها.‏

لم يعد من حقّنا أن نحلم... كانت الأيام ملولة ضجرة... تتكرر بتلقائية فظّة.‏

عدت إلى البيت، لكن والدي كان يرفض أن يتحدث إلي، ويرفض الدخول إلى البيت عندما أكون فيه وقرر، كما أخبر أمي، أنه سيستمر على هذا حتى أوافق على الزواج من "عزيزة".‏

لم يكن هذا الموقف يزعجني لأنه أراحني من تعليقاته القاسية وأسئلته ونصائحه التي لا تنتهي، لكن الذي أزعجني فعلاً أن "عزيزة" التي كنت أراها تحمل جرّة الماء كل يوم من البيت إلى النبع، قررت هي الأخرى ألا تدخل بيتنا لأنها، كما أخبرت أمي أيضاً، لا تريد أن تفسد حياتنا، كما أنها خجلة من نفسها لأنها سمحت لي بتقبيلها، ومن أجل هذا ستتوارى في بيتها ولن تتزوج من إنسان بعدي.‏

لقد ساءني جداً هذا القرار. كيف يمكن أن تكون ساذجة إلى هذا الحد؟‏

طلبت من أمي استدعاءها إلى البيت بعد أن أخبرتها أنني أنوي مصالحتها.‏

وجاءت "عزيزة" خجلى ذليلة النظرات. وعندما ضمتنا الغرفة الصغيرة في بيتنا نظرت إلى وجهها الحزين وعينيها الذاهلتين برهة، ثم انفجرت في وجهها سائلاً:‏

ـ هل تريدين مني أن أتزوجك لمجرد قبلات تافهة تبادلناها مرة؟ ما الذي تعرفين أنت عن الحب، عن الحياة، عن كل شيء؟‏

عندما رفعت عينيها إليّ أحسست أنها تتسلق وجودي بنظرات تتحداني وترسل القشعريرة في أعصابي. إن في عينيها شيئاً جديداً، يرعبني ويعريني. شيئاً لم أره من قبل. هذا الشيء سمّرني إلى وجهها كأنني أراه لأول مرة، كما كانت تراني لأول مرّة على حقيقتي.‏

قالت لي وصوتها الهادئ يرنّ في وجودي فاسمع صداه كأنني كيان منخور مجوّف:‏

ـ أنا لا أعرف شيئاً مما تعرفه أنت، لكنك لا تعرف شيئاً مما أعرفه أنا. إذن نحن متساويان. يبقى فارق بسيط، أنا أقنع بكل شيء وأعيش فيه لأنني ولدت من أجل ذلك، وأنت لا ترضى به وبالتالي لا تستطيع أن تعيش.‏

ومضت نحو الباب، وقبل أن تخرج منه التفتت إليَّ وقالت لي، بينما كانت حيرة بلهاء تدمّرني:‏

ـ في يوم ما ستكتشف أنك لا تستحق القيمة التي تمنحها لنفسك. ستجد أنك لست أفضل مني بكثير. ولكن يومها يكون قد فات الأوان. فات الأوان من أجلك ستخسر حياتك ولن تجد إنساناً يساعدك.‏

ثم تركتني وغادرت الغرفة قبل أن أرى دموعها التي كانت تتجمع في عينيها.‏

بقيت وحيداً في الغرفة، أحس ثقلاً فوق رأسي كأنه يضغط قامتي لأغيب في الأرض. لم أكن أصدق يوماً أن "عزيزة" تستطيع أن تكون على هذه الدرجة من الوعي. إن لها فلسفة أكبر منها. ثم... أية فكرة تحملها عني وعن غروري حتى قالت لي "أنت لا تستحق القيمة التي تمنحها لنفسك"؟.‏

رحت أدور في الغرفة كثور هائج. لقد أهانتني هذه التافهة، ولابدّ أن أرد الإهانة.‏

وقبل أن أفكر بطريقة لذلك دخلت أمي الغرفة وسألتني:‏

ـ كانت "عزيزة" تبكي وهي خارجة من الغرفة. ماذا بينكما؟‏

تطلعت إلى أمي دون أن أقول شيئاً. أحسست أنني غريب في هذا البيت، وأنني لا أعرف أحداً، أجهل كل شيء عن الناس، إنهم مخلوقات غابيّة، وأنا لا أعرف أمي، لماذا لا أموت إذن؟‏

أخرجت علبة السجائر من جيبي الداخلي، حيث أخفي العلبة عن عينيّ والدي دائماً، وأشعلت لفافة ثم رحت أمتص دخانها الأزرق بشراهة واضطراب مما لفت نظر أمي فقالت بانكسار:‏

ـ ليتك تستطيع أن تكف عن التدخين. إنه يحرق صدرك وأنت ما زلت شاباً.‏

أجبت بذهول وأنا أغادر الغرفة:‏

ـ إن أشياء كثيرة تحرق صدري ويجب أن أتخلص منها كلها.‏

الريح تهبّ بقسوة. بدأت نذر العاصفة في الصحراء.‏

الرمال العطشى الهادئة والساكنة منذ الأبد ستثور، ستهاجر إلى البحر وترتمي في اليم السحيق.‏

بدأت الأكذوبة تتعرّى شيئاً فشيئاً. إما أن تملك جسداً يعيش تحت الشمس، وإما أن تموت.‏

وتحت شجرة التين، في ظلال الأغصان المتشابكة، عندما لم تكن أية نسمة تهزّ الأوراق الخضراء، ولم يكن ثمّة عصفور يرفّ بجناحيه، عندما كان كل شيء هادئاً، الطبيعة، والناس، والبهائم، كنا نمضي آخر ليلة لنا في القرية. تلك الليلة التي سهرنا فيها حتى أطلّت نجمة الصبح، ومشينا قبل أن تشرق الشمس إلى تلّة قريبة مطلّة على القرية، حيث ننتظر عند سفحها السيارة التي ستحملنا إلى المدينة‍‍.‏

القرارات المصيرية في حياة الإنسان يتخذها عادة في ساعة نحس، أو أثناء اضطراب عقلي. ليكن. هذا زمان الطوفان والجنون. إننا نودّع أيام الوجع فقط... من يأسف لذلك؟‏

كانت لسعة برد خريفي تأكل وجوهنا ونحن ننتظر السيارة. وكنت أشعر بانقباض في صدري وأنا أقف صامتاً في لحظة الوداع الخاشعة تلك، إن الناس يبكون عادة في مواقف كهذه، ولا أعرف كيف يستطيعون ذلك، لكنني كنت مشلول التفكير هامد الحواس أتلفت بين فترة وأخرى إلى بيتنا الملفوف بغابة رائعة من الأشجار، يخرج منها درب ضيق، كأفعوان كسول يتمطى ويتثنّى من البيت حتى يصل أمامي. من يدري متى سأرى هذا البيت مرّة أخرى؟‏

لم أكن أدري كنه الشعور الذي انتابني، كنت أحس بغصّة تحرق صدري كلّما نظرت إلى بيتنا الذي سأفارقه إلى الأبد. ليس ثمّة أصعب من لحظات الوداع، أن تفارق الأرض التي عشت عليها، والناس الذين فتحت عينيك على النور بينهم، ثم تمضي بعيداً تحملك أشرعة المجهول، التي قد تلقي بك فوق شطآن مهجورة لا تعيش فيها غير الغربان.‏

في تلك اللحظة كنت أعاني عذاباً كافراً، عذاباً لا يرحم. ولو لم تصل السيارة في تلك اللحظة، هادرة كوحش جريح، لركضت إلى البيت أعانق أبي وأمي وأخوتي وأستغفرهم، ولكن عن أي شيء أطلب المغفرة... وممن؟‏

لم أفعل شيئاً من هذا لأن السيارة وصلت ويد "أنور" تدفعني إليها، حتى صعدت تلقائياً، وبشكل آلي، وما إن جلست حتى تحرّك ذلك الحطام المعدني المعبأ بالبشر والطيور وسلال البيض والفاكهة، وراحت السيارة تشخر وهي تتسلق التلّة العالية، ونظرت إلى الوراء أملأ عينيّ من منظر بيتنا الذي بدأ يغيب عني شيئاً فشيئاً، والجبال الهرمة التي تسجن قريتنا الصغيرة منذ الأزل وتغرسها في هذا القعر الأرضي الضائع. كانت تتلاشى أيضاً. تضيع حدودها وتصبح زرقاء كأنها دنيا من المستحيل.‏

كلّ شيء ورائي كان حزيناً يذكرني بألف مأساة، لكنني أحسست، على نحو ما، أن كل مأساة كانت تحمل نكهة حنان دافئ وعجيب. بدأت أشتاق إلى تلك المآسي في الوقت الذي بدأت تتوضّح فيه أمام عينيَّ معالم دنيا جديدة.‏

البحر بزرقته الشاحبة، وحده اللامتناهي، والمدينة البيضاء الهادئة تتربع على شاطئه تفتح ذراعيها لكل قادم.‏

ماذا نريد من هذه المدينة ذات المياه البنفسجية؟‏

ماذا لديها لتعطينا؟‏

وأي شيء يخفيه لنا القدر، نحن الذين نقامر بحياتنا من أجل حياة جديدة. حياة لا تُصلب فيها آمال الإنسان وبراءته؟‏

ابتسم "أحمد" وهو يلقي نظره على مدّ الأفق، وقال وهو يتنفس بعميق شديد:‏

ـ ما أروع هواء البحر. ها نحن نعود إلى الحياة من جديد.‏

تطلع إليه "أنور" وعلّق بصوت مليء بيأس لم أعهده فيه من قبل:‏

ـ نحن ننتقل من فراغ صامت إلى فراغ مليء بالصخب.‏

وسكت قليلاً ثم تابع بمرارة:‏

ـ الحياة مقرفة. تفوه على العالم.‏

لماذا يبصق "أنور" على العالم دائماً؟‏

أشعلت لفافة، بينما كانت السيارة تهتز كامرأة خليعة سكرى، ورحت أحدق في المدينة التي تقترب منا شيئاً فشيئاً، وهي سابحة في زرقتين هائلتين، زرقة السماء وزرقة البحر، زرقة توشّحها، غيمات بيضاء ناصعة، وزرقة يمزق وجهها زحف البواخر الضخمة والأشرعة البيضاء الملوية كجناح حمامة مكسور!‏

كل شيء في هذه المدينة أبيض.‏

عدا هذه الزرقة لن تمنحنا أي شيء. إن السعادة التي تمنحنا الهدوء ليست وليدة مكان معين. والسعادة أصلاً لا تنبع من مكان معين إذا كان الصدر مغلقاً، وصدورنا صناديق مغلقة مليئة بالمآسي، ولابد من عملية سحر تشق صدورنا لننفتح على العالم أكثر من ذلك، ونتسع للحياة نعبُّ كل تناقضاتها.‏

هذه المدينة فارغة ولن تمنح السلام إلى قلوبنا، إذن... أنا ألعنك يا زمان العهر.‏

عندما توقفت السيارة بنا في إحدى ساحات المدينة، هبطنا منها ورحنا نتطلّع إلى بعضنا تارة وإلى الآخرين تارة أخرى.‏

كان الآخرون يمرّون بنا دون أية إلتفاتة، الناس هنا يختلفون عن سكان القرية، إن أحداً لا يلتفت إلينا ولا يحس بنا، هذه متعة جديدة، أن نشعر أننا تخلصنا من رقابة العيون.‏

فجأة التقتْ عيناي بعيني "أنور" ولمحت فيهما سؤالاً حائراً أجبت عليه دون أن أسمعه:‏

ـ لن نمكث هنا أكثر من ساعات قليلة، ثم نستقل أول سيارة ذاهبة إلى... دمشق.‏

قال "أحمد" متوسلاً وعلى وجهه يرف خجل تافه:‏

ـ ألا نبقى هنا يوماً آخر؟ أعني يجب أن نفكر أكثر. على الأقل نكتب رسالة إلى أهلنا نشرح فيها الأمر لهم... أعني نخبرهم أننا سافرنا؟‏

تطلعت أنا و"أنور" إليه بغضب فسكت.‏

بعد ساعتين كنّا نجلس في السيارة التي ستحملنا إلى... دمشق.‏

الصحراء تغزو المدينة، والعطش يزحف إلى الآبار الثرّة. الأشياء الصميمية تلهث بحثاً عن المستحيل.‏

فراغ يقود إلى فراغ، والعالم دوامة لا تنتهي. التجربة مغرية، والثمن لا شيء. إن أحداً لا يستطيع أن يطعن الوحش. أسطورة "آخيل" لن تعاد أبداً، ليس ثمّة قدم ليس ثمة قوام منتصب. الكيانات كلها هلامية تتميّع في قوالب متعددة، مرّة يصبح القدم موضع الرأس ومرّة يصبح العكس.... ومرّة يذوب كل شيء.‏

الطريق طويلة، والعمر رحلة لا تنتهي، بدأها غيرنا، ونستمر فيها نحن، وسيتابع الكثيرون بعدنا، اليوم نحمل ظمأ الصحراء ونرحل إلى مدينة لا نعرف عنها إلا الأساطير. اليوم نحمل جوعنا في أعماقنا ونرحل، نبحث عن اللقمة، والكلمة، والحنان، وعن معنى نستمر من أجله رغم المعاناة.‏

إن الإنسان يولد في أحضان الآخرين، هذا صحيح، لكنه يموت وحيداً... ولقد انتهت مرحلة طفولتنا.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244