|
||||||
| Updated: Sunday, July 01, 2007 02:54 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الفصل السادس أنا أسير في عالم جديد. في الطريق إلى مقر عملي كل صباح، وقد وجدت عملاً في إحدى الوزارات، وأثناء عودتي ظهراً، في البيت، وفي شوارع دمشق النظيفة التي تتقاذفني أرصفتها... في كل مكان، أشعر أنني أسير في عالم جديد... عالم محاط بمراسم احتفالية لا أفهمها. كل شيء غريب بشكل أو بآخر... الشمس باهتة، والهواء ممزوج بسم المعامل والسيارات، والعشب الأخضر تزرعه الدولة لتدوسه أقدام الناس، والناس... ضحك "أنور" بانفعال وقال: ـ الناس هنا لا يضحكون ولا يحزنون، لا يحبّون ولا يكرهون، إنهم، بشرفي، يبعثون على الضحك. لهم وجوه من حجر. يولدون ويتزوجون ويموتون، وتظل أحلامهم محصورة في أبنيتهم الجميلة. إنهم يملكون كل شيء... ونحن لا نملك شيئاً... ألسنا متساوين؟ ردّ "أحمد" بضجر: ـ وماذا تريدهم أن يفعلوا؟ هذه هي الحياة: الولادة، والزواج، والموت... الأشياء التي تنخر رأسك لا يهتمون بها. أتريد رأيي "أنور"؟ إنهم محقّون. هذا الحوار النزق كان شيئاً يومياً في حياتنا، لذلك لم يعد يثيرني، فأنا لست واحداً من هذه المدينة، ولا أملك فيها شيئاً، إنها مدينة الآخرين، ونحن نسبح في فراغها. البيت الذي استأجرناه كان بسيطاً إلى حد الحقارة، وكل شيء فيه خطأ! الجدران بارزة من مكان ومقعّرة في مكان آخر، سقفه يدلف الماء في فصل الشتاء، ويهرّ التراب الناعم في فصل الصيف، وأشياؤنا مبعثرة في البيت إلى حد أن أحدنا كان يبحث عن قميصه أو حذائه أو كتابه فترة طويلة دون فائدة إلى أن يجده صدفة مرمياً في مكان ما. لم يكن يرفه عنا في هذا البيت، الذي يبدو لي أنه بُني خصيصاً لنسكنه، غير مرح "أنور" وبرودته الدائمة، وتعليقاته اللاذعة، والرسائل الغرامية التي كان يكتبها إلى "سناء" زميلته في الجامعة، كان يعطيها الرسائل في إحدى قاعات كلية الآداب ضمن جريدة، ولم يتلقَ منها أي رد، لكن ذلك لم يزعجه بقدر ما أزعجه أن "سناء" كانت تقرأ الجريدة قبل رسالته. كان يحلو لنا، كل غروب، أن نصعد إلى سطح البناية ومن هناك نطلّ على دمشق. بنايات هذه المدينة كالعلب الملوّنة، وسكانها محشورون في هذه العلب دائماً، ونحن نهجر بيوتنا لأن أبسط الشروط الصحية لا تتوفر فيها. بدت لي الحياة ظالمة كثيراً ومقرفة للغاية. ولدنا محرومين من كل شيء، وعشنا لا نملك شيئاً، وليست لدينا أية فكرة عن المستقبل. الحقيقة، أن لحظات اليأس، رغم هذا، كانت قليلة في حياتنا تولد وتنطفئ كأنها لم تعبر بنا. من يدري؟ قد تكون هذه بطولتنا الوحيدة والنصر الذي نستطيعه. أجل النصر... يجب أن ننتصر على شيء ما... في يوم ما... ولو على حساب الحقيقة. عرضت مرّة فكرة الانتقال من البيت الذي نسكنه إلى آخر أكثر إشراقاً وإنسانية، لكن "أحمد" كان يرفض دائماً ويبرر رفضه: ـ إن ما نوفره من السكن في هذا البيت، نستطيع أن ننفقه على أشياء أخرى بعضها ضروري جداً... كالطعام. ويعلّق "أنور" على ذلك: ـ إن الناس لا يرون كيف نعيش هنا، لكنهم يرون ملابسنا مثلاً، أستاذ، بشرفي، الحياة كلها مظاهر، صدّقني. لا يهم أن تكون في رأسك بذور العبقريات الإنسانية كلّها، المهم أن يبدو رأسك مقبولاً. شَعر مصقول وذقن حليقة، وبف على كل شيء آخر. وأسكت دون أن أجد جواباً لمبرراتهم المتعبة. يبدو أنني وحيد حقاً، وأن العالم يمكن أن يخبئ لي كل هذا الرعب، وحيد بين صديقيّ الوحيدين، ووحيد بين زملائي في العمل والجامعة، وغريب متروك لنفسي بين أربعة ملايين إنسان يسكنون دمشق... ولست أفهم السر في وحدتي. قال "أبو معروف" صاحب الحانة التي أسهر فيها أكثر الأيام: ـ أنت تخبئ شيئاً وراء سحنتك الصامتة، عليّ الطلاق، عمري لم أرَ إنساناً مزعوجاً من العالم مثلك، يا رجل، إن وجهك سرّ من الأسرار ما بك؟ الحقيقة أن تصورات الآخرين لم تكن تزعجني، لكنني لا أفهم لماذا يظل الناس هنا مشغولين بغيرهم أكثر من اهتمامهم بأنفسهم، لماذا أحسّ أنهم مشغولون بي وأنا مشغول بخنق رغباتي التي يتولّد منها ألف سؤال حائر؟ سألت "أنور" بضجر ظاهر: ـ هل استطعت أن تفهم شيئاً عن الإنسان في هذه المدينة؟ ـ الإنسان في المدينة، مهما كان تركيبه الطبقي، يظل بورجوازي التفكير ونحن مهما حاولنا أن نتغيّر نظل فلاحين، لا تحاول أن تفهم أكثر من ذلك وإلا انفجر رأسك. ـ البورجوازيون فقدوا ملامحهم الإنسانية، ولست أحسدهم على ما أضاعوه من أصالتهم إنها أصالة مزيفة. ـ مجتمع المدينة صار مجتمعاً غريباً، والإنسان فيه فقد كل شجاعة. من أجل البراءة يجب أن يرتد الإنسان ويبدأ من نقطة الصفر. ـ أين يرتدّ؟ ها نحن ننزح من الغابة، ليست لدينا أية رغبة، ولا نملك غير عمر كئيب مليء بالتفاهات، كغرفة امرأة عاهرة تتزاحم فيها الأشياء الرخيصة. هرش "أنور" رأسه وسكت. عندما كنت في القرية منطرحاً في متاهات النسيان الغابية، حلمت دوماً ببلد أسطوري وأشياء رائعة تلازم عمري بخلودها، أفجّر الخير للعالم بساعديّ، وأغزل خيوط السعادة من أعصابي قبل أن يوهنها العمر. ومرّات كثيرة حلمت بتدمير العالم لأركز راية حقدي على حطامه إذا كنت لا أستطيع تغيير لحظة من مسيرته القدرية. كانت هذه الأحلام تلازمني في القرية، وعندما وصلت المدينة، هالني أن أرى كل شيء تحت الشمس يبعث على السأم، وأن الناس يعيشون في غابات الجهل أو في غابية التعقيدات الحضارية. لابدّ من وجود بلد أسطوري ومدينة بلا حدود، ولا بشر، ولا زمان، أرتمي فيها عانياً لعليّ أخلق معجزةً صغيرة. العالم يعذبني، والهموم تتراكم فوق صدري، والأسئلة تتكدس في رأسي المتعب، هذا الرأس الذي تمنيت دوماً أن أجد الصدر الحنون الذي أسنده عليه. أتمنى أن ألقى إنساناً، أن أرى وجهه لا ظهره، لألقي في بحاره الهادئة شباكي التي قطعتها الأيام والريح، وأنهكها الرحيل، بعد أن فشلت من التقاط صدفة أو قطعة محار مليئة. إن أحداً لا يستطيع أن يكون منصفاً ولا عادلاً. إن الإنصاف ينبثق من الإنسان الشريف، والمخلوق المتمدن يعاني صعوبة كبيرة ليكون نظيفاً وشريفًا، إنه بحاجة لعملية تبدّل كاملة وعليه أن يخرج من نفسه أولاً. ردّد "أحمد" بانسحاق: ـ نحن أكثر براءة منهم. إنهم فرائس أنفسهم، وكل أمانيهم ورغباتهم تطلّع مسعور إلى لذائذ ومتع لا تنتهي. ـ هذا ليس صحيحاً. إنهم يتاجرون بما لديهم، يتاجرون ونحن نتاجر أيضاً ما الفرق؟ يتاجرون بقيمهم من أجل منافع شخصية ونتاجر بقيمنا من أجل منافع عامة. الأمور مختلطة بشكل كريه، هذا عام وهذا خاص، لا يوجد اثنان في العالم ينظران باتجاه واحد، كل معطيات الفكر لا تساوي حذاء عتيقاً، دعنا بربك. ـ ها أنت تقف واعظاً وخطيباً، ولست تملك إلا قبضة تلوّح بها في وجه الفراغ. أنت لست حالماً. إن العالم لا يدور من أجلك ومن أجل صحرائك الظمأى. إن العالم ليس مديناً لك بشيء وعصا السحر التي تحملها من قريتك لن تغيّر شيئاً.. العالم يستمر والناس يولدون ويموتون وأنت وحدك تعض أصابع الغيظ حتى تنزف دمك وتبقى هيكلاً من الجلد والعظام والأعصاب الجافة. لماذا لا تعود إلى قريتك مع عصاك السحرية؟ ـ لا لن أعود. سأبقى هنا وليكن الطوفان. قال "أحمد" بحياد: ـ أعترف أن دمشق قد صدمتني، كنت أعتقد أن مدينة جميلة كهذه لابد أن تنكفئ على سرّ ما، أن يكون لديها أي شيء لأمثالنا. إنها أكثر فراغاً من قريتنا. أتمنى أن أعود إلى القرية. كشّر "أنور" عن أسنانه استياء ثم بصق على الأرض ولم يقل شيئاً. بينما تابع "أحمد": ـ هذه المدينة أضيق مما تصورت بكثير. حدودها تنتهي عند أبوابها. وكل فكرة تتسرب من الخارج إلى هذه الأبواب تدخل العقول مباشرة. الناس هنا يؤمنون بالعروبة ويفلسفون الماركسية ثم يمضون إلى الصلاة. يعيشون روحانية الشرق ويسترقون النظر إلى حضارة الغرب. ما معنى هذا؟ كل إنسان قابلته أو تعرفت عليه وجدت لديه استعداداً فطرياً لاعتناق كل فكرة والدفاع عن كل مذهب. قال "أنور" مقاطعاً: ـ أنت تظلم هذه المدينة كثيراً. ـ أنا لا أتحدث عن هذه المدينة بالذات، إنني أتحدث عن الإنسان في الشرق، والإنسان هنا نموذج عنه، إنني.. إنني بكل بساطة لا أفهم شيئاً. نظرت بهدوء إلى "أحمد". كانت نذر الثورة تتولد في عينيه، وكنت واثقاً أنه يظلم الناس كثيراً من خلال هذه الآراء المرتجلة، إنهم ليسوا على هذه الدرجة من السوء والتفاهة، ثمة فئات مثقفة بدأت تعي دورها القيادي وتزحم الصفوف لتصل إلى المقدمة وتحمل راية القيادة إلى مرافئ الأمان. قلت "لأحمد" بعد فترة صمت: "أحمد" أنت تعلم أن ما نحمله في صدورنا فيه الكثير من الزيف. إن القرية علمتنا أن نكون جبناء فقط وعلمتنا البراءة بصورة فيها الكثير من الامساخ. أنا شخصياً لا أجد ضرورة للإيمان بالناس هنا، إن العالم، إذا آمّنا أو كفرنا به، لن يسير وفق أهوائنا ولن يؤمن بما نراه صحيحاً. إذا كنا نرى أنفسنا أخلاقيين، فإن أخلاقيتنا لا تنفع هنا، لأن أخلاقهم لا تنفعنا أيضاً، أنت ترَى أننا متساويان، صحيح أن التجارب قد صلبتنا، وأن فاقة الحياة جرشت أعصابنا أكثر منهم، لكن لهم تجاربهم أيضاً، نحن نعيش الصحوة بعد التجربة، الصحوة التي نبعت من أعماقنا، أما هم فإنهم ينتظرون أن تأتيهم الصحوة من الخارج ولن نكون نحن هذه الصحوة أبداً، لماذا لا ندعهم في عالمهم ليدعونا في عالمنا؟ ـ إن مجيئنا كان عبثاً، كل العفونات التي تركناها في القرية نراها مجسدة هنا بشكل حضاري صحيح "كلنا في الهمّ شرق". ارتفع صوت "أنور" من الزاوية حيث كان مكوّماً على نفسه ببلاهة. ـ هذه دمشق العظيمة، من منكما كان يظن أن هذه المدينة الجميلة تستطيع أن تخبئ كل هذا الرعب؟ من منكما يتصور أن الجامعة التي تضم طليعة الشباب المثقف يمكن أن تكون على هذه الدرجة من التزمت والفراغ الفكري؟ تفوه، لقد مللت وأريد أن أتابع حياتي بلا تفكير. قلت بضجر: ـ لقد تشعبت حياتنا بشكل لم نعد نستطيع جمع أجزائها بسواعدنا المرهقة، ومما يزيد الطين بلة أننا نثرثر كثيراً، أعتقد أنه لم يبق أي حل إلا أن نتابع دراستنا بصمت حتى ننتهي ونبني حياتنا بأسلوب آخر. صرخ "أحمد". ـ ندرس؟ كيف يتم ذلك ونحن لا نستطيع حضور ربع الدروس في الجامعة بسبب وظائفنا اللعينة؟ إما أن نتفرغ للجامعة ونترك الوظيفة وأنا واثق أننا سنموت جوعاً، وإما أن نضع في حسابنا أن الشوط أمامنا ما زال طويلاً. لقد مللت أنا أيضاً. وتركنا "أحمد" ثم أخذ سجادة الصلاة وصعد إلى سطح البيت. إن الصلاة بالنسبة لـه راحة نفسية أكيدة، والإيمان المطلق يعني الخلاص من كل عذاب. نظرت إلى "أنور" الذي كان يرقب "أحمد" خارجاً، وهو يبتسم ابتسامة كنت أفهمها جيداً فقد كنت أفهم "أنور" جيداً وكنا، هو وأنا، نحس العذاب والغربة بشكل حاد ولم نستطع أن نتقبل كل شيء بالبساطة التي تخيلناها. خرجت مع "أنور" من البيت وقلت لـه ونحن نتجه إلى أحد شوارع المدينة الصاخب، أنت "أنور" أكثرنا حيرة وقلقاً، تحاول أن تبدو مرحاً دائماً، لكنك أكثرنا إرهاقاً. ـ من أجل هذا انتسبت إلى قسم الفلسفة في كلية الآداب. أريد أن أدرس النفس البشرية وأسبر أعماقها أكثر، أريد أن أفهم أكثر عن هذا المخلوق الوضيع الذي يسمونه إنساناً، يجب أن أفهم وإلا انفجرت. قلت باستياء حقيقي لا أعرف سببه. ـ هذا ليس صحيحاً "أنور". كل فلسفات العالم لم تستطع أن تقدم أكثر من حلول هادئة وسطحية. أنا أؤمن بالثورة فقط. الثورة التي تقتلع كل شيء وتعيد خلقه من جديد. إن الثورة فلسفة جديدة، هذه حقيقة، وما عداها ليس إلا كلاماً صفيقاً. ـ كان عليك أن تشتغل بالسياسة. ستضيع في كلية العلوم، كما ضاع الشيخ "أحمد" في كلية الحقوق. ـ أنت تلجأ إلى المزاح لتهرب من الإجابة، ليكن، صدقني إن كتب الفلسفة لن تزيدك إلا تعقيداً، لقد بعت نفسك إلى مجموعة من المجانين الذين زادوا الحياة تعقيداً. لم يجب "أنور" بينما تابعنا سيرنا على غير هدى. كانت هذه النزهة من الأوقات القليلة التي نقضيها معاً، فقد فرّقنا العمل وفرّقتنا كليات الجامعة وقاعاتها، ولم نكن نجتمع في البيت إلا نادراً حيث اقتسمنا العمل فيه، كنت مسؤولاً عن الطبخ، وكان "أحمد" مسؤولاً عن شراء الحاجيات التي تلزمنا، بينما كانت كل مسؤولية "أنور" هي الترفيه عنا وسرد قصصه الغرامية مع فتيات الجامعة اللواتي بلغ عددهن ست فتيات في الأشهر الأربعة الأولى. لقد أقسم أنه كتب لهن جميعاً رسائل ملتهبة بالعاطفة دون أن يتلقى أي رد من أية واحدة. كان بيتنا يبعد عن الشوارع الصاخبة، وكنت أحب الصمت فيه، لكن الهدوء كان كالمستحيل إن "أحمد" على قباحة صوته كان يغني باستمرار، وإذا سكت فإن "أنور" ينهمك بتأليف القصائد الشعرية التي يتمايل ويتأوه عند قراءتها بصوت عال غير عابئ بأذواقنا التي لم تستطع مرة أن تهضم ركاكة شعره وأوزانه المكسورة. عندما يتأزم جو البيت من غناء "أحمد" وقصائد "أنور" لا أجد بداً من الهروب إلى أي مكان، وكان يحلو لي دائماً أن أرقب الغروب من حديقة الجامعة، أرقب الشفق يلوّن الأفق وراء الجبل الهرم المطل على دمشق، شامخاً يحمل على ذروته ألف حكاية أسطورية. ما أروع ما يفعله منظر الغروب في قلب إنسان وحيد. إن قذارة المدينة لن تنال أبداً من براءة الشروق وسحر الغروب، العالم بكل تفاهاته لن يفسد جمال الطبيعة. الذين خطّوا للعالم دروب الخلاص عاشوا فوق الروابي المنسية أو السهول التي لم يعكر أصداءها الضجيج الآلي أو عند شاطئ يهمس بترجيع حنون حكايا الإنسان الأول قبل أن يخترع إلهه الجديد." |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |