|
||||||
| Updated: Sunday, July 01, 2007 02:55 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الفصل السابع وجدت نفسي يوماً بعد يوم، منجذباً بشكل عنيف لا يقاوم نحو "براءة" زميلتي في العمل كان صمتها الدائم يخفي وراءه أشياء تشدني إليها، فهي شاردة دائماً تحدِّق بكل شيء، تريد أن تذهب بعينيها إلى أبعد وأعمق من ظواهر الأشياء. كل شيء فيها حلو ورائع. إن في عينيها حزناً مقدساً تسجد أمامه كبرياء أي رجل. ووجهها الأسمر ينضح حناناً فوق بشرة شبيهة بحبة القهوة المحروقة. أدركت أني أميل إليها وأنني عندما أراها أحس بشيء مغلف بالنور يثب من صدري، فأعبّ بعيني ألف آهة مبحوحة تعشش في جديلتها الكسلى الملفوفة بشوق ذبيح. إن اندفاعي نحوها قد وصل في الآونة الأخيرة حداً دفعني أكثر من مرة أن أهمل عملي وأحدق فيها أتعبد أمام صمتها دون أن تنظر إليّ أو تعيرني أي التفات. لماذا لا تحس بي أبداً؟ لماذا لا تجد ما تقوله سوى هذه الـ "صباح الخير" الجافة؟ شعرت بالغيظ مرة، ولا بد لكل بداية من سبب، فصممت أن أقحم عزلتها مهما كلفني ذلك. ورحت أنتظر الفرصة المناسبة لذلك. حتى جاء يوم كانت تمسك بيدها جريدة صباحية تحمل عنواناً ضخماً مكتوباً بالخط الأحمر "المقاومون العرب ينشرون الذعر في قلب تل أبيب". قلت بلا مقدمات: ـ ألا تعتقدين، آنسة "براءة" أن المقاومين العرب يؤكدون للعالم اليوم أن هذه الأمة ليست قطيعاً من البقر؟ فاجأتها بسؤالي، ويبدو أنني أخذتها بقسوة من تطلعها الصامت إلى الجريدة، فحدقت بي قليلاً وقالت بلا مبالاة: لست أدري، إنني لا أقرأ الأخبار السياسية ولا أهتم بها: شعرت بالخيبة لكنني لم أيأس فسألتها بإلحاح. ـ ولكن لا بد أن يكون لك رأي في قضايا هذه الأمة. ـ هذه أمة تسير وهي نائمة. ـ أخ. فهمت الآن. أنت متشائمة وتظنين كغيرك أننا وصلنا إلى الطريق المسدودة؟ ـ أو تظن ذلك حقاً؟ هل تستطيع أن تخبرني كيف ينتصر المقاومون العرب، وثمة حكام عرب يتآمرون مع الصهاينة عليهم، كيف ينتصرون وهم يقاتلون لحماية صدورهم وظهورهم؟ ـ أنت تذهبين بعيداً آنسة "براءة". ـ لا أظن ذلك، إنني واقعية فقط، ولا أفهم بلعب السياسة لكنني لا أفهم لماذا لا نفعل شيئاً سوى أن نحمل جراحنا بذل، ونشتكي بذل، ولا نقدم للمقاومة سوى قصائد الشعر بينما أعادت المقاومة لهذه الأمة كرامتها. ببساطة؟ لماذا لا يصبح كل مواطن مقاوماً؟ أوشكت أن أقول شيئاً لكنها سبقتني وتابعت بانفعال: ـ أنت تعلم أن وطننا العربي من أغنى مناطق الدنيا بثرواته الطبيعية. نحن نحارب بلقمتنا وأصحاب البترول يكدسون الذهب ويشترون الجواري. الفدائيون يموتون، والأثرياء يصدرون البيانات. ـ أنا لا أفهم آنّسة "براءة" ما هي علاقتنا بكل ما تقولين، إن الشعب نفض يديه نهائياً من هذه الزمرة، الذين يقاتلون اليوم خرجوا من صفوف الشعب، وهذا يعني إلغاء تاماً لأدوار الصالونات الاجتماعية وشرفات الفنادق المريحة، ألا ترين أنك تخلطين الأمور ببعضها؟ نظرت إليّ "براءة" بارتياب ثم أعلنت: ـ كنت أريد بطريقة ما أن أقول، إنني ضد المهادنة، نحن نقاتل في فلسطين وننسى حلفاء الصهاينة في الداخل، ملوك البترول، والأثرياء، وأصحاب الامتيازات، والمتمسكين بعروشهم على نعوشهم هؤلاء أعطوا سكاكين الذبح للجنرالات الصهاينة، وهم، بطريقة أو بأخرى، يعطونها اليوم للطائفيين في لبنان أنا شخصياً ضد المهادنة وضد كل وسائل الإعلام والنشر يجب أن نبدأ من منطلق جديد أو أن نصمت إلى الأبد. عندما سكتت "براءة" أحسست أن حبي يزداد لها، هذه الثائرة الصغيرة، التي لم أكن أحسبها إلا واحدة من مدللات المدينة. وكان لا بد أن أقول شيئاً حتى لا يمتد الصمت بيننا أكثر من ذلك بعد أن نجحت باستدراجها إلى الحديث، فسألت: ـ هل يتسنى لنا حقاً أن نخلق هذا الجيل، أعني جيل الثورة، الذي يرفع قبضته في وجه كل هذه العفونات؟ قررت "براءة" بحزم: الفقراء والجائعون والمطرودون من أرضهم فقط، هم المرشحون لخلق هذه الثورة. إن الثورة تتململ في أعماقهم ولا تحتاج إلا إلى جرأة الخطوة الأولى عندما يثور البركان, لكن المشكلة أن اللامبالاة تسحق ضمير جيلنا، ونحن نرمي بثقل القضية على جيل لم يولد بعد. هذه مأساة حقيقية. شعرت مرة أخرى أنها تترجم مشاعري، وأنني مؤمن بكل ما قالته، لكني لم أعبر عنه مرة بالمنطق السليم الذي تحدثت به. فجأة، خطر لي سؤال ساذج ترددت في طرحه لكني لم ألبث أن قلت مبتسماً: ـ هل أفهم من حديثك هذا أن إحساسك بالمأساة وبواقع حياتنا المؤلم، هو سبب صمتك الدائم وسبب الحزن المخيم على وجهك؟ لأول مرة أرى شفتيها تنفرجان عن أسنانها اللؤلؤية ببسمة هادئة قالت بعدها: ـ أنا لا أجد ما أقوله أحياناً، هذه حقيقة، ثم إنني أخاف إن أنا تحدثت مرة أن أجرح شعور الآخرين بصراحتي. ـ هذا تواضع منك آنسة "براءة". لقد أثبت أنك محدثة لبقة وبارعة. ـ هذه المرة كانت صدفة. ضحكنا معاً، وكانت ضحكتها أروع من كل ألحان العالم، فقد رنتّ في مسمعي صدى عذباً أكثر من عذوبة نسمة تختبئ في صنوبرة برية، أأقول لها هذا؟ أخاف أن أجرحها. أجرحها؟ ـ لقد قلت "آنسة براءة" منذ قليل إنك تخافين أن تجرحي أحاسيس الآخرين، فهل تهتمين بآرائهم؟ ـ الآخرون؟ أبداً، لكن عدم اهتمامي بهم لا يعني أن أسمح لنفسي بجرح مشاعرهم. ـ إذا كنت غير مهتمة بالآخرين إلى هذا الحد فهذا يعني إنك لا تحبين أحداً؟ ـ إنني لا أؤمن بالحب. شعرت بشيء حاد ينغرس في قلبي فقلت قبل أن ترى معالم الخيبة على وجهي، ألا ترين معي أن حياة الإنسان من دون حب تظل صحراء مقفرة؟ مطّت شفتها الآسرة ثم أجابت: ـ إن مفاهيم الحب عندنا غير ناضجة بعد، والنزوات الصبيانية التي يسمونها حباً لا تتسم بالواقعية. لاحظ أن جميع العلاقات العاطفية تنتهي بالفشل، إما لخطأ في تركيبنا الخلقي أو لخطأ في تركيبنا الاجتماعي. ـ أهذا كل ما تعرفين عن الحب؟ ـ أتريد أن أحدثك عن الحب النفعي؟ عن الحب الذي تحوله المصالح الشخصية إلى تجارة رخيصة؟ أم أقول لك كيف يلتقي النفعيون ببعضهم، فيتزوجون، ويتحولون إلى معامل لتفريخ الأطفال؟ ضحكت من هذا التشبيه وقلت لها، يبدو أنك لا تهتمين بشيء ولا تؤمنين بشيء. ـ إنني أؤمن بنفسي فقط. ـ لكنك إنسانة، والإنسان يتحول إلى نزوة أحياناً، يصيب مرة ويخطئ مرات كثيرة. ـ أنا أعبد أخطائي وأقدسها كما أقدس كل أعمالي الصحيحة، كلاهما يصدر عني. تطلعت إليها برهة. كان من اليسير أن أصدق أنها قد تمكنت من تحطيم أصفادها، كامرأة شرقية، وانطلقت بالسهولة التي تتحدث عنها. سألتها فجأة: ـ ما هو دور الله في حياتك؟ كان السؤال مفاجئاً حقاً، أربكها قليلاً، لكنها لم تلبث أن استعادت هدوءها وقالت: لست أدري هذه المشكلة تعذبني. لم أشعر مرة إنني مؤمنة إيماناً كافياً، لكنني لست ملحدة كما قد يتبادر إلى ذهنك فوراً. تستطيع أن تقول إنني حيادية تجاه هذا الموضوع. ـ يبدو أن ثقتك بنفسك قد ألقتك في متاهات الغرور. ـ هل تريد أن تقول أنني مغرورة؟ وحدقت بي. شعرت أن كل خلجة في وجهها تتحداني فأجبت بإصرار: أجل أنت إنسانة مغرورة جداً. ـ شكراً. وأنت إنسان مهذب جداً. ولفنّا الصمت من جديد. ثمة كلمات لا نستطيع أحياناً أن نقولها، لكنها تظل مقدسة، ترقد في الصدر ملفوفة بهالة من الكبرياء, وثمة كلمات نقولها دون أن نعني بها شيئاً سوى أن يرانا الآخرون نفتح أفواهنا. ما الذي قلته "لبراءة" الآن؟ كنت أحس الجفاف في حلقي، لكن شيئاً أكثر رطوبة وروعة كان يغلف قلبي. من قال إن الرمال العطشى منذ الأزل لا تعرف الشبع؟ نظرت من جديد إلى "براءة" وأدركت من إطراقتها أنه من السخافة أن أقول شيئاً وأنه من العبث محاولة إخراجها من دوامة الصمت التي غرقت فيها, فسكت وأنا أحس نوعاً من القهر، وبقيت صامتاً حتى انتهى وقت العمل، فخرجت وتوجهت إلى البيت. كان "أنور" قد سبقني، فحييته، وارتميت على السرير ضجراً دون أن أفكر بالطعام، وأخذت كتاباً ورحت أقلب صفحاته على غير تعيين عندما دخل "أحمد" مكتئباً وارتمى على سريره، ثم راح يطلق الشتائم والسباب على العالم كأن العالم انقلب ضده فجأة. رحنا ننطر إليه بهدوء دون أن نقول شيئاً حتى انتهى من تدخين لفافته وهدأ قليلاً، فسأله "أنور" ببرود: ـ ما بك؟ ـ المجتمع حقير. ـ لم تأت بشيء جديد. قل ما بك؟ ـ وحياتنا حقيرة لا تطاق. ـ أنا الذي علمّك هذا وهو ليس شيئاً جديداً قل ما بك؟ ـ وصلتني أخبار من القرية. ألقيت الكتاب جانباً وقفزت من مكاني وسألت بلوعة: ـ ما هي الأخبار؟ قل بسرعة ولا تقف هكذا كالمسطول. بصق على الأرض وأطلق شتيمة وسخة ثم همس يائساً: ـ لقد كان رحيلنا عن القرية مناسبة لنسج ألف قصة قذرة عنا. المصيبة أن أية قوة على الأرض لن تقنع أهلنا بالسماح لنا بالعودة إلى البيت ثانية. سأل "أنور" مستغرباً: ـ أهذه هي الأخبار؟ ما الذي يزعجك في الأمر؟ ـ إنني مشتاق إلى أهلي كثيراً كأنني سأموت دون أن أراهم. إنني لا أحتمل فكرة الغياب عنهم قال "أنور" بمرح مفاجئ لم يكن يناسب الجو أبداً. ـ هذا من حسن حظ أهلك ألا يروك. كشّر "أحمد" بقرف وأعلن: ـ ألا تشعر أنك ثقيل الظل وأنت تحاول المزاح الآن؟ ـ إنني لا أمزح، لكنني أسخر منك لأنك عاطفي أحمق. ـ قل ما تشاء، أنا عاطفي، لكنك ولد عاق. انقلب الجو فجأة عندما أجاب "أنور" محتجاً: ـ أما إنني عاق فهذه وجهة نظر شخصية لن أناقش بها. لكنني لست ولداً. أنظر يا رجل إنني ملء ثيابي، أدخن، وأسكر، وقد أصبحت موظفاً وأجيد مغازلة النساء. في وأتحدث في القضايا السياسية. أليست هذه كلها من معالم الرجولة.. يا ولد؟ نظر إليه "أحمد" برهة ثم انفجر بالضحك، وقذفه بالوسادة، وانتهى النقاش الذي خشيت أن يطول ويتطور إلى أكثر من ذلك، واستلقى كل منا على سريره دون أن يفكر بالطعام لكن "أنور" لم يلبث أن تلمظ ولحس شفتيه بلسانه ثم قال: ـ إن فنجاناً من القهوة يزيل عن رأسي كل أوساخ العالم. قلت له: ـ تستطيع ببساطة أن تزيل أوساخ رأسك، إذا ذهبت إلى المطبخ وأعددت فنجان قهوة. ـ هذه مشكلة؟ إعداد القهوة يحتاج إلى همة، ولست مستعداً لأن أبذل أية همة من أجل شهوتي الحقيرة. ـ أنت تعرف أنك أكثرنا همة ونشاطاً. ـ هل تعترف بذلك دائماً وخاصة أمام بنات الجامعة؟ ـ بل إنني على استعداد لأن أقسم برأسي. قفز عن السرير إلى المطبخ، وغاب برهة ثم عاد وعلائم الخيبة على وجهه. ـ ما بك؟ ـ لا يوجد قهوة ولا سكر ولا شاي، يوجد بعض البرغل وعدة بصلات فاسدة في كيس من الورق قال "أحمد" مسروراً لخيبته: ـ استرح إذن وأرحنا من شهواتك كأنك حامل في أشهرك الأولى. جلس "أنور" على الكرسي ثم زفر زفرة عميقة وقال: ـ أنتما مفلسان قذران. من منكما عقد صفقة أبدية مع هذا الفقر الأسود؟ منذ رأيت وجهيكما القذرين وهذا الفقر اللعين يستأجرني ويركب على رقبتي كأنني حمار. كان كل منا، "أحمد" وأنا، نضحك بصمت، ولما لم يجد "أنور" من يجيبه، استلقى على سريره ودفن رأسه تحت الوسادة وشكا: ـ إنني جائع إلى حد أستطيع معه أن آكل حذائي. وانفجرنا ضاحكين ضحكاً هستيرياً، شعرت من جرائه بألم في صدري. وكنا، كلما هدأت حدّة ضحكنا، نعود إلى الضحك من جديد بينما كان "أنور" يحملق بنا مذهولاً كأنه يرثي لنا. وعندما توقفنا عن الضحك رحت أجفف دموعي وأنا أقول: ـ أتدري "أنور"؟ إنني أحسدك. أنت إنسان لا يعرف الهموم. تساءل "أنور" برماً: ـ الهموم؟ لماذا؟ ألا تكفيني الحياة معكما؟ وعدنا نضحك من جديد عندما صرخ "أنور": ـ إذا لم تكفا عن هذا الضحك العاهر سأخرج من البيت فوراً. سكتنا رغماً عنا، لكن "أحمد" قال لـه: ـ أنت إنسان رائع وأنا أحسد الإنسانة التي ستتزوجها. أجاب "أنور" ساخراً! ـ ولماذا فضيلة الشيخ؟ أنا لا أحسدها، إن مزاجي لعين جداً. أحياناً أثور بشكل وحشي. وتصبح تصرفاتي حيوانية. ولكن إذا أحببتها.. أعني إذا تزوجت فتاة بعد تجربة حب صحيح، فسوف أعبدها. لا أعرف ما الذي أثارني فجأة فقلت: ـ إن الحب طفرة والسعادة الزوجية مجرد احتمال. قرر "أنور" بحزم: ـ إني لا أؤمن بالاحتمالات. ـ لا تتزوج إذن. ـ لا أتزوج؟ أنا لا أتزوج؟ تفوه. تسقط أنت وآراؤك. هذه عادتك، تتحدث عن العواطف كأنك تتحدث عن وفاء كلب سنراك غداً بعد زواجك. وتوقف عن الحديث ثم تطلع إلي كمّن تذكر شيئاً وسألني: ـ بالمناسبة، كيف حال "براءة"؟ أما زلت تدعوها "ذات العينين الحزينتين؟" اصطدمت عيناي بعيني "أنور" وقد اتسعت حدقتاهما ببريق السؤال. لم أكن أريد الجواب غير أن شيئاً خفياً دفعني لأن أهمس باسمها فقلت: ـ دعوتها يوم أمس إلى مقصف الجامعة، وقد ترددت بادئ الأمر بقبول الدعوة لأنها كما قالت لا تحب جو الجامعة، غير أنها وافقت في النهاية ونزلت عند رغبتي. ـ رائع. وبعد ذلك؟ ـ لا شيء. شربنا القهوة وهي التي دفعت الحساب. ـ ألم أقل لك؟ أنت مفلس قذر. ـ لكنها اشترطت لقبول الدعوة أن تدفع هي. ـ يبدو أنها بخيلة. تدخل "أحمد" قائلاً: ـ لا عجب بذلك. أليست ابنة تاجر؟ قلت مؤكداً: ـ على العكس إنها مخلوقة بريئة ورائعة. ضحك "أحمد" منتشياً ثم قال: ـ لقد بدأت ترى محاسنها وتمتدحها. هذه أول علائم الحب.. أول بشائر العطش للحياة الحقة؟ قلت متردداً وأنا أحس نوعاً من الخجل: ـ أنا لم أقل شيئاً عن الحب. إنها تعجبني وكف. قال "أنور": ـ أي أنك تشتهيها؟ ـ أنت كالحيوان لا تفكر إلا بغرائزك. نخر "أنور" من أنفه وهرش أذنه قليلاً وقرر: ـ مع احترامي لك، فإن سيادتك لا تفهم شيئاً. إن الغرائز تقوم مقام العقل في مجتمعك المتمدن هذا. لو كنا نستعمل عقولنا لما أصبح المجتمع على هذه الدرجة من البشاعة. شعرت بالغيظ لأن "أنور" خرج بالحديث إلى هذا الحد، لكنني لم أستطع السكون فقلت: إن العقل ما زال سيداً. لكن اندفاعنا الأهوج وراء غرائزنا يسيء إلى جميع معطيات العقل وأحكامه. ـ نحن لا نستطيع أن نتجاهل غرائزنا، إلا إذا كانت آراؤك هذه دعوة إلى الموت. ـ لماذا تحاول أن تخلط الأمور ببعضها دائماً؟ إنني لا أوافق أن تُصلب غرائزي أو تعدم إنني أحترمها وأحترم حب الآخرين لغرائزهم. هذا حق بديهي. لكن أحكام المجتمع وعاداته الرفيعة عودتنا أن نخجل من غرائزنا دوماً. سأل "أحمد" وعلى وجهه بعض الدهشة: ـ لكن هذه دعوة للإباحية؟ ـ لا تكن تافهاً. أنت تعلم أنني لا أعني شيئاً من هذا. ـ ماذا تعني إذن؟ ـ إنني أرفض الاستسلام إلى أحكام المجتمع وآرائه وحتمياته. ـ أنت تعزل نفسك عن الحياة بطريقة مؤسفة. ـ لقد عدت إلى خلط الأمور. إنني معزول عن رقابة هذا المجتمع وآرائه، من صدري تنبع مُثُلي ووحدي الذي أضع حدودي وقيمي. ردد "أحمد" بأسف يشوبه الخشوع: ـ أنت وحيد وحدة مؤسفة، وأعتقد أنك بحاجة إلى تدّين عميق حتى تسترد إنسانيتك وأصالتك. تدخل "أنور" غاضباً: ـ أنا لا أعرف لماذا تردّ كل شيء إلى الدين. إن إنساننا العربي يحتاج إلى اقتلاع من جذوره وإعادة غرسه من جديد. الدين فضيلة وعبادة ودعوة إلى الخير، ونحن نحتاج إلى الجنون. إننا نائمون منذ أجيال ومخدرون بالخوف والأخلاق. وأنت تتحدث عن الدين. بعد لحظة سكوت قلت معقباً: ـ إنني أؤمن بهذا وأستطيع أن أؤكد أن الثورة الاجتماعية هي مبضع الجراح الذي يستطيع أن يضع حداً لكل الآفات التي تنهشنا. نحن مستسلمون غريزياً للقدر، لكنه لن يحل مشاكلنا إنه قدرة لا وجه لها، تولد وتموت في أماكن أخرى من العالم، وسنظل في مؤخرة العالم إذا لم نفجّر ثورة اجتماعية تضع حداً لكل الموروثات العفنة التي خلفتها الأجيال على صدورنا. قال "أنور" بهدوء وروية حتى يضفي على حديثه شيئاً من العمق والتأثير: ـ نحن محاصرون، وصدورنا تنوء بأثقالها، إن مجتمعنا لم يحافظ على إرث كما حافظ على الأنانية. إنه أناني حتى في تدينه، حاول أن تناقش إنساناً حول الدين، تراه يدافع عن آرائه في الدين، وإذا خالفته الرأي يثور ويتهمك بالزندقة. ناقشه بالأخلاق يعرض عليك آراءه حول الفضيلة، ما هذا؟ إن لكل منا ديناً خاصاً ومعتقداً جديداً. دعونا، إننا نعيش في عصر وثني ينتصب فيه ألف صنم. حدق "أحمد" "بأنور" ثم قال متذمراً: ـ أنت إنسان مهزوم. وتعتقد أن إلحادك والبهرجة اللفظية التي تعرضها تستطيع أن تغطي بها انهزاميتك. قلت متدخلاً: ـ لماذا تصر "أحمد" على إلصاق هذه التهم بغيرك عندما تعييك الحيلة؟ هل تعتقد أنه من المنطق أن يلصقوا الدين بنا منذ طفولتنا، دون أن نُخيّر، ثم يسلبوننا حق المناقشة به والسؤال عن أبعاده، بل والمآل الذي يوصلنا إليه؟ هزّ "أحمد" رأسه ضجراً فقلت ألاحقه: ـ لا تهرب من سؤالي. إن "أنور" ليس ملحداً ولستُ كذلك، إننا نؤمن بالله أكثر منك، لكنني، شخصياً، أختلف عنك. إنني أفكر، أفكر أن الأديان السماوية عندما نزلت لم تكن هناك قنابل ذرية، ولم يكن هناك استعمار ولا بترول، كما لم تكن هناك قواعد عدوانية لضرب الشعوب إذا تململت في ثورة حرة. إن الأديان نزلت من أجل صلاح النفس وتهذيبها وإيصالها إلى طريق الخير، ونحن نحتاج الآن إلى ثورة، ورصاص ودم. ضرب "أحمد" الطاولة بيده وصرخ بي: ـ ما هذا يا رجل؟ بربي أنت تخرّف. تتحدث عن الاستعمار والبترول والقنابل الذرية كأنك في إسطبل. عندما تفهم ماهية الدين، بل عندما يصبح لديك أدنى درجات الإلمام بالدين سترى في صلب الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة، آلاف الأدلّة والشواهد على أن الدين قد حضّ، وسيظل يحض على الجهاد والنضال حتى يتحرر الإنسان وتتحرر الأرض. قال "أنور" بانشراح: ـ هذا صحيح وأنا معك. ولكن إلى أن ندفن جميع الذين يستغلون الدين، وإلى أن ننتهي من الذين يتاجرون بالدين ويستغلون به سذاجة بعض الناس سيكون العالم قد وصل إلى القمر ونحن ما نزال ننتظر إطلالته ليباركنا يجب أن تفهم شيئاً هاماً "أحمد"، أنا لست ضد الدين، لكنني ضد تفسيراتنا لـه. نحن نحتاج إلى ثورة اجتماعية حقيقية وأنا لا أفهم لماذا لا يؤمن الناس، أن الثائر في أعمق أعماقه إنسان يمثل قمة التطلع الذي أراده الدين. رد "أحمد" بحيرة. ـ إنني لا أفهم ما تعني. قلت متدخلاً: ـ اسمع "أحمد". نحن مجتمع مشلول، نعيش نصف حياتنا، بنصف كرامة، أعطيك مثالاً: نصف المجتمع مشلول وأعني المرأة، إنها سجينة أسوار العادات والتقاليد، هل فكر أحدنا بإيقاظ هذا النصف المشلول؟ الدين يسمح لنا بالزواج من أربعة نساء، وقد كان هذا مبرراً وسليماً عندما نزل القرآن الكريم، بسبب الغزوات والرغبة بنشر الإسلام، وإعتاق الجواري. ولكن هل تتفضل وتقول لي بأن الزواج من أربع نساء في حياتنا المعاصرة حل سليم لأية مشكلة اجتماعية.؟ احتج "أحمد" قائلاً: ـ لكن الدين قال (وإن لم تعدلوا فواحدة، ولن تعدلوا(. ـ إنني لا أتحدث عن الاحتمالات، أريد أن أقول إن بعض القائمين على أموره لم ينظروا بعد إلى المرأة كمخلوق سويّ. المشكلة لا تنحصر في تعدد الزوجات فقط، إن بعضهم يلبس زوجته أو أخته ملاءة سوداء منذ ولادتها حتى موتها، فلا ترى العالم إلا من شفافية سوداء تصبغ الدنيا أمامها بعتمة كافرة، هذا ليس من الدين بشيء كما أنه ليس حلاً عادلاً للعقد المتراكمة في صدر المرأة الشرقية، العقد التي صنعناها نحن. في عصرنا.. عصر الرجال. ـ إن الكتب التافهة التي تقرؤها قد أفسدت رأسك. أنت لا تفقه شيئاً عن الدين وكل الذي تقوله ليس أكثر من هذيان سكران. عندما كان المسلمون يعيشون جوهر دينهم سادوا العالم كله، سياسياً واجتماعياً وفكرياً، وليس عليهم اليوم إلا أن يرتدوا إلى قواعد الدين الحقة وسترى أن هذه الأمة لا تغلب. تضايقت من "أحمد" لأنه يبتعد عن جوهر النقاش ويصر على أن يحاضر أمامنا فقلت: ـ دع جوهر الدين جانباً، إنه شيء سام ونبيل، ولكن يجب أن نسمي الأشياء بأسمائها أخيراً.. من العار أن تظل هذه الأمة مخدرّة بالخرافات تحشو رأسها بالنفاق، إن الكهنة يفتكون بحياتنا، ويتآمرون ضد براءة الإنسان، لقد تمكنوا مثلاً، من الإيحاء لنا أن كل شيء مرسوم لنا منذ ولادتنا ولا فائدة من السعي، أليس هذا معناه أن يظل عشرات الملايين من العرب والإسلام في أحضان البؤس ينهش الجوع وعيهم وهم يقدسون نعمة الفقر، بينما تظل حفنة من العملاء في الوطن العربي تسلخ جلودنا وتنهب أرضنا ثم نقتات من الصبر والانتظار؟ وإذا تمرد أحدنا على هذا المصير المشين قيل لـه "وأطيعوا أولي الأمر منكم". إن إطاعتهم كانت واجبة عندما كانوا أمناء وشرفاء. لكنه ليس واجباً بعد أن تحول معظمهم إلى حفنة من الخونة. اسمع "أحمد" إن الله يطلب إلينا أن نستعمل عقولنا، عندما خاطب هذه العقول "واتقوا يا أولي الألباب" كما أن جميع الفلاسفة والمفكرين خاطبوا العقل البشري دائماً. إن رؤوسنا معطلة وقد آن الأوان أن تعمل هذه العقول. فجأة، ضحك "أنور" بخلاعة وقال كأنه يضع حداً لهذا النقاش الذي استمر طويلاً، ـ إلى هنا وكفى. لقد وصل الحديث إلى العقل والفلسفة وأرجو أن تراعي حرمة الاختصاص حاول أن تتحدث عن التحولات العلمية فأستمع إليك، أما الفلسفة فأنت لا تفهم فيها إلا ما أفهمه أنا من اللغة الصينية. سكتُ ولم أقل شيئاً لكن "أحمد" نبر بصوته: ـ ما زلت عند رأيي، كلاكما ملحد، والحديث معكما ضائع ولا قيمة لـه. في يوم ما ستكتشفان أن الحقيقة غير هذه السفاسف. حاول "أنور" أن يقول شيئاً لكنني أشرت إليه أن يسكت ويجنبنا نقاشاً غير مجد فسكت. واستمر الصمت عدة دقائق إلى أن قال "أحمد" وهو يتطلع حوله عن شيء ما. ـ إنني جائع جداً، ولا يوجد في هذا البيت التعيس ما نأكله. هل لدى أحدكما بعض المال؟ قلت وأنا أقلب جيوبي إلى الخارج: ـ النظافة من الإيمان، فضيلة الشيخ، لا يهم أن نظل اليوم من غير طعام طالما أننا سنقبض رواتبنا غداً نهض "أنور" وهو يقول: ـ لدى عشرون ليرة. سأشتري علبة سجاير "حمراء" وأكل "سندويش" فلافل والباقي إلى السينما إذا بقي ما يكفي ثمناً للبطاقة.. لماذا رفعوا أسعار الدخول إلى السينما وهم يعرضون لنا اردأ الأفلام في العالم؟ ـ ونحن أيها الأناني؟ تصنع "أنور" الوقار وقال بلهجة مسرحية وهو يلف رباط عنقه: ـ ستظل فلاحاً، لا فائدة منك ولن ترتفع إلى مراتب البورجوازيين. ألا ترى أن المدللين هنا ينامون دون عشاء من أجل الحفاظ على قوامهم الممشوق وإراحة أمعائهم الحساسة. لقد آن لك أن تصبح راقياً وتنسى قصة حشو البطن. وسكت برهة ثم التفت إلى "أحمد": ـ إن كلية الحقوق لم تعلمك إلا الأكل. أنا شخصياً كلما رأيت كرشاً منتفخاً أراهن أن صاحبه محام أو قاض. وخرج "أنور" دون أن ينتظر جواباً لكنه لم يلبث أن عاد ومدّ رأسه من الباب وهمس: ـ سأحضر اليوم فيلماً غرامياً لأحفظ بعض الجمل العاطفية أقولها لك، لعلك تغازل بها "براءة". ثم توارى. وبقيت وحدي مع "أحمد" يلفنا صمت الغرفة الكئيب. حاولت أن أفعل شيئاً فلم أجد ما أفعله. مللت من الكتاب فرميته وحاولت النوم عندما سألني "أحمد": ـ هل تحبها كثيراً؟ ـ أحبها؟ من هي؟ ـ براءة. سكت برهة ثم أعلنت بصدق: ـ أحبها، ولكن لا أعرف إلى أي حد. ـ ليتك تذوب فيها. الحب شيء رائع، إنه يضع حداً لكل مشاكلك وقلقك. ـ إن مشاكلي لا علاقة لها بالمرأة. أحب الحياة بشكل أبعد وأعمق، إن "براءة" بالنسبة لي عالم آخر. عالم مجهول لم أكتشفه ولا أعرف سره، لكنه عالم يزينه لي خيالي بأنه أحلى من كل رحلات سندباد، وأجمل من جميع المرافئ الحارة في الجنوب. ضحك "أحمد" بحبور طفولي وقال: ـ لا فائدة منك. أنت شاعر، وكل شيء بالنسبة لك يقاس باللون، والكلمة، وبعض الجمل الطنانة. اسمع نصيحتي وحافظ على "براءة". ثم أدار ظهره، وبعد دقائق كان يغط في نوم عميق، وبقيت وحدي. الناس ينامون بشكل عجيب. العالم ليل مطلق. والسماء خرقة زرقاء مليئة بالثقوب الشقراء التي تشع نوراً واهناً مسروقاً. ذهب "أنور" ونام "أحمد" وبقيت وحدي لا أعرف أين أذهب ولا أستطيع النوم. لماذا أظل وحيداً؟ |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |