الأبطال يموتون صغاراً ـــ عادل سلوم

رواية ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق ـ 2006

Updated: Sunday, July 01, 2007 02:55 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل التاسع

عندما عدنا إلى البيت، كانت الساعة قد تجاوزت الثانية بعد منتصف الليل، وكان "أنور" يغط في نوم عميق، والغرفة في حالة رهيبة من الفوضى، كأنها كانت ميداناً لصراع بربري، الشراشف والأغطية مكورة، والوسائد مرمية على الأرض، وأعقاب السجاير على الكتب وبينها، وبقايا الطعام على الطاولة وبعض الفواكه وزجاجات الخمر الفارغة.. وجو الغرفة مشبع برائحة الخمر المختلطة برائحة عطر نسائي رخيص.‏

لم يكن أحد بحاجة إلى كثير من الذكاء ليدرك أن هذه الغرفة كانت منذ ساعات مسرحاً لدعارة رخيصة.‏

فتح "أحمد" النافذة للتهوية، بينما حملت أنا الصحون وبقايا الطعام إلى المطبخ، ثم نظفنا أرض الغرفة معاً وأعدنا ترتيبها.. ثم استلقى كل منا على سريره هادئاً صامتاً دون أن ينبس بحرف واحد.. ولم تمضِ غير دقائق حتى عاد جو الغرفة طبيعياً، وبدأت نسمات رطبة حنونة تعبث بالستارة فتخترق مسامها هاجمة على وجهي، تدغدغه وتتغلغل في شعري بعفوية لا تُحد. أحسست بنوع من الخدر اللذيذ، أشعلت على إثره لفاقة ثم اضطجعت جيداً على السرير وأغمضت عيني مستسلماً للتعب ولدوامة عاصفة من التفكير.‏

".... منذ قليل كانت امرأة هنا، لعلها كانت تنام مكاني، عارية كالحقيقة، نهدان نافران وفخذان أبيضان، وشعر أسود كالليل ينساب على بياض السرير، امرأة بلحمها ودمها تنام بين أحضان "أنور" فيروي شبقه وجوعه، ويتلمس بأصابعه كل الحقائق التي تزخم أحلامنا في ليالينا الطويلة.‏

".. لقد تجرأ على تحقيق ما يحلم به، وما نحلم به، خنق شيئاً ما في صدره وداس على رقابة المجتمع، بينما نحن مازلنا نحلم ونرغب لا نجرؤ على أن نحيا القضايا التي تشغل رؤوسنا. هل صحيح أن القضية، كما قلت أنا، قضية أخلاق؟ ألا أرغب المرأة كما يرغبها "أنور"؟ ما الفائدة من الأخلاق إذن وهي كالسد المنيع أمام رغباتنا؟‏

كل المتع التي نتوق إليها ونتمنى بكل نجعتنا الوصول إليها تمنعها الأخلاق عنّا، أليست الأخلاق ضد رغبات الإنسان إذن؟ أيهما أفضل أن أكون أخلاقياً يمزقني الحرمان والكبت، أم أعيش رغباتي وأستجيب لأبسط متطلباتي الجسدية؟ وإذا كانت هذه المتطلبات دنسة فلماذا ابتلينا بها وهي أقوى من إرادتنا أحياناً؟‏

وقعت في فخ السؤال الذي نصبته لنفسي..‏

رحت أدور في دوامة لا أستطيع الخروج منها، ولم أعرف كيف أبرر الأمر، ولكن لماذا؟‏

"... إن "أنور" لم يُسِىء إلى أحد، لم يغتصب امرأة. جاءت بكامل وعيها إليه منحته جسدها فمنحها ماله، واحدة بواحدة، ما هي علاقة المجتمع والقيم بهما إذا كان كل منهما راض بما أعطى؟‏

الشرف؟ من قال إن شرف الإنسان مربوط بملابسه الداخلية؟ لقد اشتهى امرأة فنالها لقاء مبلغ من المال هي التي حددته، إنها عملية تجارية، مقايضة، إذا كنت مقتنعاً بذلك حقاً لماذا صفعت "أنور" بمحاضرتي التافهة عن الأخلاق؟‏

انتهت اللفافة بين أصابعي وأحسست نارها تلدغني، فأطفأتها وأشعلت واحدة جديدة، وتمنيت في تلك اللحظة أن يقول أحدهما شيئاً لعله يخرجني من نفسي ومن زوبعة التفكير الحاد التي تلفني، لكن الصمت كان يطمس كل شيء، حتى الأصوات الأخرى في المدينة لم تكن تصل إليّ كأنَّ العالم في تلك اللحظة قد مات، كأن ثرثرة الإنسان ما وجدت أصلاً....‏

".... منذ قليل كانت امرأة هنا، لعلها كانت تنام مكاني، عارية كالحقيقة، نهدان نافران وفخذان أبيضان.. تحسس جسدها الناعم بيديه، ومن خلال نشوة عارمة غابا عن العالم الذي كنت أتسكع على أرصفته. كانت امرأة ساقطة، بتعبير أصح، امرأة لا أخلاقية تسير على طريق خاص شقته ونبشت ترابه بأظافرها.. من الذي أوصلها إلى هذا؟ ليس "أنور" ولا "أحمد" ولا أنا ولا أحد آخر. على الضبط، كلنا مشتركون في حياتها إنها ضحيتنا جميعاً لكنا جبناء، رميناها وهربنا ثم رحنا نحاضر أمامها عن الأخلاق والشرف.. ماذا نستطيع أن نفعل من أجلها الآن؟ إن أحدنا ليس نبياً ولا فيلسوفاً.‏

الفلسفة؟ ما الذي قدمه هذا القطيع البشري من الفلاسفة منذ أجيال التاريخ الأولى حتى الآن؟ ماذا قدم سوى آراء ممسوخة لم تكتب لها الحياة لأن أحداً ليس مستعداً للقراءة وكل إنسان يعيش فلسفته الخاصة مهما كانت تافهة؟ وماذا بعد؟ إما أن الفلسفة ثرثرة ضحلة لا تستطيع أن تبني جسر خلاص لذبابة صغيرة، أو أن المجتمع، منذ وجد، وهو غارق في الوحل يعوم فوق مستنقع غرائزه وأهوائه الشخصية."‏

انطفأت اللفافة من جديد. فالتفت أبحث عن علبة اللفائف عندما اصطدمت عيناي "بأحمد" مرتمياً على السرير يحدق بالسقف بشكل جامد لا حس فيه.. كأنه صنم.‏

".... ترى ، ماذا يقول الدين في هذه العلاقات؟ وإلى أي حد يسمح لنا الله بالاستجابة إلى اندفاعاتنا التي تسبق إرادتنا وتفكيرنا؟‏

بصراحة. لم أكن متديناً ذلك التدين العميق الذي يجعلني مسمّراً على صليب العبادة. ولا أملك غير هذه الحياة التي أعيشها، دون حرص عليها والتي لم أخير يوم منحت لي.‏

فجأة فكرت بسرور، أنا لم أُخيّر، فأنا لست مسؤولاً. وكيف أكون مسؤولاً عن حياة لم أطلبها وعن قيم ومثل لم أشارك بوضعها ولم يأخذ أحد رأيي بها؟‏

ورغم هذه العنجهية فأنا أؤمن أن الله موجود وهذا الكون لم يوجد صدفة. هناك قدرة خالقة. هذا كل شيء. أما بقية الأمور فلم أكن شديد الحماس للتفكير بها. ولكن، أيكون "أحمد" على صواب بأن هذه العلاقات دنسة... وأنها حرام علينا لأنها تلوث إنسانيتنا؟‏

لماذا لم يخلق الإنسان بلا غرائز؟‏

أحسست أنني وقعت في فخ السؤال مرة أخرى.‏

إذا كنا قد خُلقنا لاختبار قدرتنا على الصمود، فلماذا لا نُسَّور بصحوات خارجية؟ لماذا نُترك هكذا، حياتنا رعب لا ينتهي من شيء لا نعرفه. إن هذا العالم على كبره واتساعه لم يمنحنا شيئاً، لا نملك حجراً واحداً فيه. هذه قسوة لا إنسانية، فهل نعاني بعدها قسوة أخرى؟‏

هل نُعاقب لأننا حاولنا تلمس سعادة صغيرة، واشترينا لحظات دافئة تُبعد عنا صقيع العالم؟‏

عذابنا حاد ومضن. نأكل لقمتنا السوداء مغمسة بعرقنا المالح، وننحشر كالحيوانات في غرفة يملؤها الذل.‏

بدأت أشعر بالضجر فجأة.‏

تطلعت من النافذة التي تمتصُ موجات رقيقة من النسيم الرطب، وألقيت نظري إلى متاهات بعيدة، تجاوزت المدينة، إلى بيادر نجوم مرشوشة عند الأفق تتلألأ بسكون سادر.‏

لماذا لم أخلق نجمة؟‏

لماذا لا أكون غيمة بيضاء تدور العالم في الصيف؟ لماذا؟‏

"..... إن ليالٍ كثيرة ننام فيها ولا نتبلغ إلا من الصبر والجوع، إن ما نأخذه من رواتب لا يكاد يكفي ثمناً لثيابنا المتواضعة، ولقمتنا مغمسة بالملح، وهذه الغرفة التي تمتص شبابنا، رغم أننا نعمل طوال الشهر بينما غيرنا ينفق على أهوائه بسخاء دنيء، أكثر بكثير مما تصل إليه أحلامنا. حياتنا ضائعة بين مسافات الحياة التي لا توصل الإنسان إلى مرفأ خلاص. إننا لا نملك مكاناً في هذا العالم، وليس لنا غير رغبات مكبوتة، وشهوات عارمة إلى أشياء لا ظلَّ لها على الأرض.‏

هرمنا. نفذت طاقاتنا واهترأت أعصابنا. نحن موؤودون. الحب مات قبل أن يولد.‏

الأحلام البنفسجية التي زرعناها لم تورق أبداً. تحطمت عربة الحياة ومات حصانها الأصيل هذا ليس عدلاً. ولا يوجد عدل في الحياة... لا يوجد عدل.. لا يوجد عدل..‏

رفع "أحمد" رأسه وسألني بدهشة:‏

ـ لماذا تصرخ هكذا؟ عن أي عدل تتحدث؟‏

هدأت قليلاً، وأغمضت عينيّ ثم أعلنت مستسلماً:‏

ـ لا شيء. كنت أحلم.‏

تململ "أنور" فوق سريره ثم فتح عينيه ببطء ونظر إلينا ولم يلبث أن تثاءب وابتسم بعفوية:‏

ـ متى عدتما؟‏

لم يجب أحدنا بحرف. رحنا ننظر إليه وهو غارق في سريره بوداعة طفل بريء نام على هدهدات نغم وكان يبتسم كأنما رفتّ على جفنيه أحلام ملائكية لعوب.‏

أحسست أنني مثقل بكآبة لزجة، أتمنى لو سحقتها قبل أن تخرج سؤالاً تافهاً مَزقَّ هدوء الغرفة.‏

ـ "أنور". قل لي ماذا جنيت من هذا كله؟‏

فتح عينيه ثانية بتثاقل ومط شفته السفلى ثم قال باستياء:‏

ـ أقسم بشرفي إن هذا العالم مليء بالبهائم. يا رجل، أليس لديك غير هذا السؤال التافه؟‏

اسألني عن أحاسيسي وأنا أحتضن امرأة حقيقية لأول مرة في حياتي. اسألني عن نوعية الحياة التي يمكن أن نعيشها غير العمل، والجامعة، وتقييم العمل كأنه ملك لآبائنا.‏

انفجر "أحمد" بعنف مفاجئ لم أكن أنتظره، وقال:‏

ـ أجل هناك أشياء غير العمل والجامعة وتقييم العالم. هناك أشياء أكبر منك ومن وجودك كله، لو تستطيع الارتفاع إلى مستواها لأصبحت إنساناً آخر.‏

نخر "أنور" من أنفه وسأل ساخراً:‏

ـ أية أشياء هذه، فضيلة الشيخ؟‏

رد "أحمد" مؤنباً وصوته ما زال عنيفاً:‏

ـ كل شيء ينقذك من هذا المستنقع الذي تعيش فيه، مستنقع غرائزك الدنسة. الغريب أنك تعمل كل شيء يستلّ منك إنسانيتك، أنت تسكر مثلاً، لماذا؟ إن شيئاً يمزقك من داخل فتهرب من الحقيقة بهذا الشكل الجبان، تغرق في كؤوس الخمر وتدير ظهرك إلى كل شيء لا تقل إنك تبحث عن الخلاص. الخلاص من أي شيء؟ إن فقرنا ليس عاراً. العار أن ترتمي بهذا الشكل المهين لكبريائك ورجولتك. لقد جئنا هنا من أجل أن نصمد، ونبدأ من منطلق جديد، وها أنت تتهاوى وأنت.. أنت، بكل بساطة، تخيب أملي فيك.‏

تربع "أنور" في سريره وانطلق يصفق بشكل حاد ثم أعلن:‏

ـ هذا التصفيق الحاد من أجل خطبتك العصماء. يا رجل إن مواهبك ضائعة في هذه المدينة أنت كالوردة في مرحاض.‏

ثم التفت إليّ وسألني ببروده المعهود:‏

ـ عن أي شيء كان يحاضر هذا الأجدب؟‏

ضرب "أحمد" رجل السرير الحديدية بقبضة يده وصرخ:‏

ـ إنني أتحدث عنك أنت. لقد جعلت هذا البيت مزبلة، وحولته بساعات إلى خمارة رخيصة. أنت إنسان تافه. عرضت حبك على أكثر من عشرين فتاة في الجامعة باندفاع طائش. وقد فشلت عشرين مرة، وبدلاً أن تفتش عن السبب الذي جعلك مرفوضاً من هؤلاء الفتيات على اختلاف نزعاتهن وميولهن، رحت ترتمي في أحضان الساقطات. لماذا؟‏

سكت "أحمد" قليلاً ثم تابع وقد هدأت حدة صوته:‏

ـ عندما تترك استهتارك وتغادر نفسك هذه، ستصبح محبوباً من الجميع. إن الخمرة وسيلة نسيان وقتي، لكنها ليست وسيلة ناجعة وليست حلاً إيجابياً لأية مشكلة. أتريد رأيي؟ الخمرة ملجأ للجبناء، يلجؤون إليها من أجل تخثر ذهني لا قيمة لـه لأنهم ينسون معه رجولتهم.‏

أحسست بتفاهة اللحظات التي نعيشها، وراح رأسي يدور من النعاس، ما قيمة كل هذه الثرثرة؟ ثمة لحظات يكون الكلام فيها لا معنى لـه. لكن "أحمد" تابع:‏

ـ أنا شخصياً أحس مرارة الفقر وأحس أنني متشرد هنا ولا مكان لي. لكنني سأصمد. يجب أن نصمد كلنا، وأن نفسح مكاناً لنا بين الآخرين، يجب أن نجد هذا المكان بصمودنا وألا نترك هذه المدينة تهزمنا، لسنا من أفسد الناس هنا، لكننا لن نترك هذه المدينة تعبث بنا.‏

نهض "أنور" عن سريره، دون أن يبدو عليه أنه أُثير، وصب لنفسه كأساً من الماء، شربه، وراح يلحس حافة الكأس بلسانه، ثم التفت إلى "أحمد" وراح يتفرس بعينيه كأنه يود الولوج إلى أعمق أعماقه:‏

ـ منذ جئنا هذه المدينة وأنت تخطط لنا حياتنا، وترسم أبعادها، كأننا مرسومون وفق مزاجك الخاص، وقبل أن نجيء هنا وأنت تضع للحياة احتمالات رومانتيكية كأنك وحدك تفهم سر الحياة، أو كأننا ملزمون بفهم سرها.. هل لك أن تقول لي لماذا؟ أنا أملك حياتي ومن حقي أن أعيش كل لحظة فيها كما أريد أنا لا كما تريد أنت. أريد أن أكون بطلاً أو قذراً. لا يهم، لكنني لن أظل في الوسط مثلك، سأعيشها حتى أحقق ذلك أما الجوانب النبيلة التي تحشو بها رأسك، فأنا أعلم أن أجيالاً كثيرة قد أنفقت عمرها عبثاً في فهم أشيائك النبيلة هذه والتي تتشدق بها بكل بساطة أنا أريد أن أعيش حياتي لا أن أفلسفها. أنا أقرأ الفلسفة للتسلية، وحتى لا أصاب بالضجر ولأن الجامعة لم تقبلني إلا في هذا القسم. ولكن ليس لدي وقت أضيعه في التفكير بالأمور إلى أبعد من سطحها، وليس لدي لحظة أضيعها في التفكير بآرائك الشخصية، لأنها لا تساوي في عالم الواقع شيئاً ولا تستطيع أن تلزمني بها.‏

في هذه اللحظة تذكر "أنور" شيئاً فمد يده تحت الوسادة ثم أخرج صورة امرأة عارية الكتفين، تطلع إليها برهة ومرر أصابعه فوقها بحذر فائق ثم أعلن:‏

ـ أنا أحب الحياة عندما تلبي حاجاتي، ولن أرضخ أبداً لأي مانع أستطيع قهره.‏

أجابه "أحمد" متحدياً:‏

ـ أنت تلبي حاجاتك على حساب الناس وحساب قيمهم.‏

سأل أنور مستغرباً:‏

ـ أية قيم هذه؟ عندما وضعوها لم يأخذوا رأيي بها، وهي بالتالي لا تعجبني، قل لي ألست حراً؟‏

ـ إن حريتك تمارسها الآن بشكل طفيلي على حساب الحقيقة والمجتمع والدين.‏

ثار "أنور" وهو يرد:‏

ـ الحقيقة التي أؤمن بها هي أنني موجود. أما الدين الذي تحمل أنت رايته ولا تعي شيئاً من حقيقته، فقد ألصق بي منذ ولادتي ولم ينتظر أحد ليأخذ رأيي به، ثم... اسمع أنا لا أريد أن أخوض نقاشاً معك عن الدين. أما المجتمع "وبصق على الأرض" فإنني أنفصل عنه بكل بساطة ولا أظن أن الأمر يحتاج إلى معجزات.‏

تساءل "أحمد" ساخراً:‏

ـ لماذا تعيش وسط هذا المجتمع؟ لماذا لا تهاجر إلى غابة أو صحراء وتزرع فيها قيمك ومثلك؟‏

ـ إن قيمي لا علاقة لها بأحد. إنها ملتصقة بي وتولد مني. في يوم ما سأجد إنساناً يؤمن بما أؤمن به وعندها سنشكل نواة مجتمع جديد يمزق أكفانه وتعاويذه.‏

توقف "أنور" من جديد ليشعل لفافة، ويبدو أن الفكرة الأخيرة قد أعجبته فتلمظ وتابع:‏

ـ هكذا بدأت كل مجتمعات العالم. من إيمان فرد أولاً، ثم إيمان آخر.. وصارت تقليداً تتوارثه الأجيال دون محاكمة، أو شجاعة على الجدل.‏

ثم رفع إصبعه بوجه "أحمد" فجأة وهدر:‏

ـ إن الذين وضعوا قيم مجتمعك، تشدقوا بأشياء كثيرة أنا اليوم أقف ضدها وأقول عكسها.‏

هات فضيلة الشيخ، برهن لي أن هؤلاء الزبانية على حق وأنني مخطئ خطأ مطلقاً. اسمع لقد آن الأوان لأن نفكر برؤوسنا لا برؤوسهم. حان الوقت لأن نبدع لا أن نقلد.‏

توقعت أن يرد "أحمد" فوراً، لكن الصمت خيم علينا وأحاطنا بلزوجة مضنية. في تلك اللحظة لمحت من النافذة نجمة شقراء تهوي ساحبة وراءها ذيلها الملتهب "وما زالت المركبة الفضائية التي حطت على سطح القمر تعمل بانتظام وترسل إلى الأرض صوراً واضحة، كما أن أجهزتها الأوتوماتكية، تحفر سطح القمر وتحلل تربته، لتحدد نوعية هذه التربة، ومتانتها وكمية الأوكسجين فيها، ليتمكن العلماء بعد ذلك من وضع التقديرات النهائية لحياة الإنسان على القمر"‏

كنت أتمنى أن يستمر الصمت، لكن "أحمد" قال فجأة:‏

ـ إن النقاش معك يقود إلى نفس النتيجة التي يصل إليها رجل يبصق عكس الريح. إن أمثالك مستعدون لأن يلفظوا كل مبادئهم المهترئة عند أول اصطدام بالواقع. أنا واثق أنك سترتد إلى نفسك وبراءتك عندما تنمي أفكارك وتنميّ حبك لله والناس. أنت لا تحتقر الناس كما تدعي لكنك تحقد عليهم، تحقد على كل إنسان يملك أشياء تتمناها. إن تجربة حب صحيح، وهذا أضعف الإيمان، كافية لأن تقتلعك من جذورك العفنة وتعيد خلقك من جديد، صدقني، لا تضحك، إن الحب إيمان خالص. جرّب، أنت إنسان بلا مأساة، وهذه مأساتك. إن خيالك الخصب يوحي لك أن هذا العالم يجب أن يدور من أجلك وحدك.‏

ضحك "أنور" و تساءل ساخراً:‏

ـ هل تقترح أن ندعو الناس إلى ممارسة الجوع والفقر والتشرد؟ أم نعلمهم معنى الحياة في مدينة غريبة، ومعنى أن يكون الإنسان غريباً ومشرداً كشيطان تطارده لعنة؟‏

ـ لا تكن أحمق. أنا لا أعني شيئاً من هذا. أريد أن تفهم أنك لست متحرراً. أنت إنسان منحل والفارق كبير بين التحرر والانحلال.‏

ـ ليكن ذلك. أنا منحل. منحل من قيمك وقيم أمثالك. ألا يعني هذا أنني تحررت من أطواقكم الذهبية. خذوا أطواقكم اللعينة، لتكن من ذهب أو قمامة، لا يهمني فقط خذوها ودعوني.‏

دعوني ألا تفهم معنى هذا؟‏

سكت "أحمد". ونهضتُ من مكاني إلى النافذة ثم سرحت عبر مسافات لا حدود لها، تجثم فوق صدر المدينة المليئة بالجثث النائمة والنور المخنوق.‏

الناس ينامون ببساطة، ونحن نتحدث عن اليقظة.‏

الناس يعيشون الحياة، ونحن نتحدث عن الحياة. هل لهذا أية قيمة؟‏

هوت نجمة أخرى ساحبة ذيلها الأشقر. النجوم تنتحر لأن أحداً لا يرى جمالها. الليل معبد جمال والناس ينامون. لم يكن لدي ما أقوله مع "أنور" أو ضده لكنني أرى اليوم أشياء لم أرها من قبل. أشياء لا أدري كنُهها ولا أعرف كيف أصفها، هلامية تنحشر في رأسي وتتميع دون أن تتخذ شكلاً معيناً ودون أن تقف عند حد، إنها عذابي الجديد، تطمس جميع أبعادي ومعالمي فلا أرى العالم إلا من خلالها. العالم؟ أنا لا أحب هذا العالم. لكنني أكره أن أرى الربيع مسحوقاً تحت أقدام الأغبياء.‏

ليس ثمة عدل في هذا العالم، والإنسان يتعذب كثيراً حتى يعيش. إن حياتنا توشك أن تتحول إلى مهزلة من المسؤول عن هذا؟‏

فجأة أحسست أن "أنور" قد وقف إلى جانبي وراح يحدق من النافذة إلى لا شيء، ولم يلبث أن تمتم عدة كلمات لم أفهم منها شيئاً ثم أطلق شتيمة بذيئة وصرخ:‏

ـ أتمنى لو أنني أملك قدرة خارقة لأزلزل هذه المدينة وأقلبها رأساً على عقب، ثم أحرثها وأزرع أرضها شعيراً.‏

نظرت إليه وهو يشعل لفافته باضطراب ظاهر. وعندما التقت عيناي بعينيه المتقدتين، لمحت فيهما لمعاناً غريباً، كأن شيئاً جديداً قد وُلد على أحداقهما. سألني دون أن ينظر إليّ: أنت لا تفعل شيئاً. تستمع وتصمت. لقد أخرجني هذا المسطول من هدوئي وأنت تتفرج علينا. هل بدأت تحصي عليّ حركاتي وسكناتي كما يفعل هو؟‏

هززت رأسي كأنني أنفض عنه شيئاً ما وأعلنت:‏

ـ في جميع مراحل دراستي كنت أغبى تلميذ في الحساب.‏

ـ ماذا تعني؟‏

ـ أعني أنني لست إنساناً حسابياً كما تظن. هذه المرحلة تجاوزتها منذ زمن بعيد، عندما أريد أن أفعل شيئاً، وأحسست برغبة فيه، فإلى الجحيم كل النتائج التي أصل إليها. إذا كان ما فعلته أنت من قناعة فلا تهتم بآراء الآخرين، وإذا كان لا بد من صحوة ما فيجب أن تولد هذه الصحوة منك، من داخل لا من خارج.‏

لمحت شيئاً كالفرحة في عيني "أنور" وكثيراً من الاستياء على وجه "أحمد" لكنني لم أهتم بذلك. كنت أحس الحاجة لأن أقول شيئاً أو انفجر:‏

ـ كنت أستمع إليكما دون أن أقول شيئاً لأن الموضوع لا يعنيني. كلاكما كان يدافع عن وجهة نظر أنا شخصياً لا أؤمن بها، أما لماذا لا أقول شيئاً فلأنني لست واعظاً، ولا أريد أن أكونه أريد فقط أن أرى الطريق بعينيّ لا بعيون الآخرين وكلاكما يرى الأمور بعيني رأسه وأعتقد أن ثرثرتكما كانت غير مجدية.‏

ابتسم "أنور" وكانت هذه أول بسمة في هذا الليل المضني وقال:‏

ـ لو أنك حلقت ذقنك اليوم لقبلتك إعجاباً. أنا أعرفك جيداً. أنت رائع وبعيد عن حقارة الآخرين. أنت تفهم الموضوع جيداً، إن السأم يمزقنا وفضيلة الشيخ يريدني أن أنهار فوق هذا السأم، لكنني لن أفعل . إن هذا لا يجدي شيئاً طالما أن العمر ينزلق نحو العدم. هل تعتقد أنني ابتعد كثيراً؟‏

قلت بضجر ويأس:‏

ـ أنت ما زلت خارج المشكلة الحقيقية. أنا ألوم "أحمد" لأنه يريد أن يطبع سلوكك بطابعه. لكنني ألومك أيضاً لأنك تريد أن تحل مشاكلك النفسية بمشاكل أخرى، هذا ليس حلاً تخرج من الساقية إلى البحر.‏

ـ ماذا تريدني أن أفعل؟‏

ـ لو كنت أدري لوضعت حلاً لقلقي. مشكلتنا تنبع من أننا محرمون من كل شيء.‏

الحرمان يولد الفجور والكفر. عندما كنا صغاراً علمونا أن الله يعطي من يشاء ولما كبرنا أدركنا أننا لم نكن من القافلة التي شاء أن يعطيها، لماذا؟‏

عندما كنا صغاراً زرعوا في عقولنا حكمة تقول إن رزق الإنسان في السماء، وإن كل ما نشتهيه حرام علينا وعندما كبرنا قرأنا "زرادشت، وفرويد، وداروين، ودوستويفسكي"‏

فأدركنا، متأخرين جداً، أنه علينا ألا ننتظر من الحياة شيئاً ويجب أن نأخذ كل شيء منها قسراً.‏

سكت بُرهة ثم التفت إلى "أحمد" وقلت:‏

ـ عندما شببنا في القرية كما نلمس الانحطاط الذي هوت إليه إنسانية الناس هناك. كنا نراهم وهم يكتبون الحجب التي تحمي الإنسان من الجن، وكيف يحرقون البخور للأولياء، ويعالجون المرضى بالنار. كنا نرى كيف تذبح المرأة كالبهيمة إذا تجرأت وأحبت إنساناً، وكيف كانوا يحرمون عليها الخروج إلى الشمس إلا إذا كانت ذاهبة للعمل في الحقل أو لتجمع روث الدواب وعندما كبرنا وجئنا هنا. لم يختلف الأمر كثيراً، السادة الشعراء يتغزلون بالريف وبصبايا الريف أليس هذا مضحكاً؟ بماذا تريدني أن أؤمن؟ النساء في المدينة صفقن كثيراً لـ "تيرشكوفا" عندما انطلقت بمركبتها إلى الفضاء وحطمت أسطورة "ضعف المرأة"، لكنهن كنّ يصفقن وهن إما محجبات أو خائفات من رفع أصواتهن. كيف أستطيع أن أفهم الأمور بعد هذا؟‏

مللت أنا أيضاً. إن حياتنا وتطلعاتنا كلها لا تساوي حذاء عتيقاً. سأخرج الآن ولا أستطيع النوم.‏

وخرجت من الغرفة إلى الشارع الصامت. أين يذهب كل هؤلاء الناس الذين يملؤون الشوارع نهاراً؟ أين السيارات التي تعوي طوال النهار كأن شيطاناً يتنفس بها؟ حتى الدراجات وطقطقتها المرعبة اختفت كأنها لم توجد أصلاً. القطار الحديدي الذي ينزلق كالوحش فوق القضبان السوداء ابتلعته هذه المدينة النائمة لم يكن ثمة مخلوق مستيقظ، إلا أنا والنهر الذي يشق صلب المدينة منذ الأزل. هذه المدينة الآن بادية مقفرة. لا يهم أنا أبصق على الحضارة ومخترعاتها. تذكرت "جورجيو" وساعته الخامسة والعشرين..‏

لقد ماتت الأرانب البيضاء حقاً. هذا هو الزمان الأخير وهذه لحظة الاحتضار.‏

ماتت الأرانب البيضاء عبثاً، ولم يعد ثمة من يكتب عروض حال إلى الأجيال القادمة.‏

تعبت من السير فجلست على درج رخامي لإحدى البنايات الجميلة. أشعلت آخر لفافة معي ورحت أحدق بالبناية مذهولاً..‏

كانت بناية أحد المطاعم الفخمة خارج المدينة. كيف وصلت هنا ولم أشعر؟‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244