|
||||||
| Updated: Sunday, July 01, 2007 02:55 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الفصل العاشر بعد إلحاح استمر أسبوعاً، قبلت "براءة" دعوتي لها إلى الغداء. وحددت الساعة الثانية موعداً لاجتماعنا في أحد المطاعم المنتشرة في شارع متفرع من شارع أبي رمانة، وصلتُ أنا في الثانية تماماً، وتأخرت هي نصف ساعة، فاعتذرت بكلمات عابرة. لم أكن مهتماً لتأخرها، بقدر ما كنت مهتماًٍ بالفرح الذي يولد في أعصابي وصدري شيئاً فشيئاً، وأنا أراها أمامي بكل روعتها وسحرها، جديلة شوق وينبوع حنان ثرّ يحقن أوردتي بسعادة طاغيّة. سألتها بعد دقائق من الترحيب: ـ ماذا تشربين؟ ـ أشرب؟ هل أنا مدعوة إلى غداء أم إلى سكرة؟ ساءني رفضها فقلت قبل أن ينفجر هذا الاستياء: ـ كما تريدين. هل أستطيع أن أطلب لنفسي كأساً قبل الغذاء؟ ـ أتريد أن تسكر؟ ـ لماذا تستعملين كلمات لها مدلولات بشعة؟ عندما أشرب كأساً لا يعني هذا أنني سأسكر! ـ المهم إنك تريد أن تشرب الآن؟ ـ إلا إذا كان لديك أي مانع. ـ ليس هذا مهما الآن. هل تشرب دائماً؟. ـ لست مدمناً. ولكن لا باس من كأس بين يوم وآخر. إنها تقتل الهموم وأنا عتال هموم. وضحكتُ، محاولاً إضفاء بعض المرح على لقائنا، لكنها عبست وقالت بنزق لم أعهده فيها من قبل: ـ من المؤسف أنك تشرب. لم أكن أتوقع هذا أبداً. شعرت بالارتباك لأنني لم أفهم سبباً لتصرفها. ذات يوم تحدثني عن التحدي، والثورة وعن الإنسان الذي يقيّم أخلاقه بمعزل عن الآخرين، ما الذي حدث الآن؟ لم أشأ أن أفتح مجالاً لجدل عقيم يثير ألف زوبعة في رأسي فقلت مستسلماً: ـ ليكن ما تريدين. لن أشرب طالما أن هذا يضايقك. قلت هذا وأنا أحس أنني تنازلت عن شيء ليس من حقها أن تطالبني به، وهذا أول موقف ضعف أبديه أمامها. ويبدو أن هذا لم يكن كافياً فقالت: ـ أريدك أن تعدني أنك لن تشرب بعد اليوم أبداً. ـ لا أظن أنني أستطيع ذلك، إلا إذا كنت تريدين مني أن أكذب عليك، لماذا لا تريدين أن أشرب؟ أجابت بحزن واضح: ـ إن الخمر لا يتفق مع الأخلاق العالمية الواجب توافرها في الإنسان السويّ. نفضت رأسي مستاء لأبعد ألف سؤال بدأ ينحشر فيه بإلحاح حاد، ثم رمقتها بنظرة فاترة وقلت: ـ "براءة" يخيل إليّ أنني لا أعرفك أبداً وأود من كل جوارحي أن أعرفك أكثر. رفعت أهدابها السوداء الطويلة، ورشقتني بنظرة هادئة. لم تقل شيئاً وراحت أصابعها البضّة تعبث بعلبة الثقاب المرمية أمامها بعد أن أطرقت برأسها مرة ثانية. وكان فرصة ثانية لي.. رحت أعبّ بعيني ملامحها الدافئة السمراء. إن أروع ما فيها شعرها المبعثر بوحشية لذيذة تتأرجح خصلاته المعبأة بشوق ذبيح، فوق جبينها الذي أحرقته الشمس فصار كلون حبة قهوة محروقة. كم تمنيت أن أريح خدي على هذا الجبين المدلل. شعرت "براءة" بي وأنا ألتهمها بنظراتي، فرفعت وجهها الصامت إليّ وارتعشت شفتاها الكرزيتان الآسرتان بسؤال: ـ بماذا تفكر؟ ـ إذا شئت الدقة فأنا أفكر بكل شيء. ـ مثلاً؟ ـ إن الله الذي خلقك هو نفسه الذي خلق سكان قريتنا. ـ لم أفهم. ـ أنت سعيدة بلا شك، يجب ألا نفهم، إذا أردنا أن نعيش سعداء. ـ ما هذه المعميات؟ سألتك سؤالاً واضحاً فبدأت تتحدث بالرموز. ـ ليست رموزاً ولا ألغازاً. في الحياة أشياء كثيرة يجب ألا نفهمها. إذا رأيناها على حقيقتها تسود كل زوايا الحياة في عيوننا ويصبح كل شيء تافهاً وسطحياً. ـ ما زلت لا أفهم. ـ في القرية التي جئت منها، كل شيء قد مات. الأشياء ماتت والناس منخورون. رجالنا هناك هم "الرجال الجوف". كنا مجوفين هناك وأوشك الموت أن يطالنا. فهربنا وانطلقنا على سجيتنا نبحث عن حياة جديدة، حياة لا يموت فيها الإنسان كل يوم، ووصلنا هنا. الأمور واحدة والناس لا يتغيرون. المرض واحد والمأساة لا تتغير. هناك تظل المأساة جافة وهنا يستطيعون تلوينها بكثير من النفاق. الناس هنا لا يملون الحديث عن الأخلاق. والعجيب "براءة" أن للأخلاق لدى كل إنسان عرفاً خاصاً. هنا يثور الجسد فتنهزم الأخلاق. وهناك تثور الكرامة فيهاجر الإنسان أو يموت. كانت "براءة" تتطلع إلي جاحظة العينين كأن ما تسمعه كان إلحاداً لكنني تابعت: ـ لقد جئنا هنا نفجّر طموحنا بعد أن كسرنا القيود التي تشدنا إلى كل شيء، حتى إلى أرضنا. قطعنا كل الجذور وأحرقنا المراكب، لا عودة بعد اليوم، لقد بقيت أخلاقنا بكراً مغلفة بالنقاء لكنني لا أعرف إلى متى يستمر هذا. "براءة" قولي لي إلى أي حد تتعلقين بالفضيلة؟ كان السؤال مفاجئاً فأجابت بسرعة: ـ إلى أي حد؟ أعتقد أن التعلق بالفضيلة لا حد لـه. ـ أنا لا أعني هذا. أود أن أعرف أين تنتهي حدودك أنت بالنسبة لها؟ تحسست خدها الناعم بيدها وقررت بشيء من الحيرة: ـ لا أعلم. لم أتعرض بعد لتجربة عنيفة يحتك فيها إيماني بالفضيلة بالواقع. لكنني أعتقد، واعتقادي هذا بلا تجربة، أنني أؤمن بالفضيلة إلى الحد الذي تبدأ فيه بتقييدي كإنسانة تريد أن تحيا حياتها وأفكارها. ـ أنت تعترفين إذن أن الفضيلة تقيّد حياة الإنسان وأفكاره؟ ـ ليس بالضبط. إنها لا تقيده بالمعنى الحرفي للكلمة، إنها، برأيي، تعيده إلى نفسه كلما أوشك على السقوط. إن الخروج أحياناً عما تعارف عليه الناس أنه فضيلة لا يسيء إلى الإنسان. يجب أن نفكر أحياناً بمعزل عن العرف والعادة. إن أبسط مبادئ الفضيلة مثلاً، تمنعني من الكذب على أهلي، لأنني ادعيت أنني ذاهبة إلى زيارة صديقتي حتى أتمكن من الحضور إلى موعدي معك. وسكتت قليلاً ثم أعلنت باسمة: ـ أتدري؟ هذه أول مرة أكذب فيها على أهلي. وهذا من أجلك. أحسست بهزة داخلية. تأملت هذه الجميلة التي تجلس إلى جانبي ورأسها مليء بالتناقضات تلوك قشور فضيلة يعبدها المجتمع عبادة وثنية. تذكرت القرية وشجرة الصنوبر أمام بيتنا وشجرة التين الهرمة عند حدود البيدر الأخضر. ترى أما تزال أغصانها متشابكة وكل غصن يلقي أعباءه على الآخر، والفضاء فارغ من أي شيء كأيام امرأة ثكلى؟ لا فائدة من أي شيء على الإطلاق. قلت وأنا أحاول الهرب من غيظ يوشك أن ينفجر في صدري فيفلت من يدي كل شيء. ـ إن ما تتحدثين عنه "براءة" عادة وليس فضيلة، عادة من أسخف ما يؤمن به المجتمع. لقد قلت لي مرة إنك سيدة نفسك، لماذا لا تكون لك، إذن، فضيلتك الخاصة، أعني لماذا لا ترسمين لنفسك حدوداً جديدة للفضيلة بشكل تتكيف مع حياتك؟ ألم يحن الوقت لأن نكفر بالتقليد وتبنّي آراء الآخرين؟ آن الأوان لأن نشق طريقاً بوعينا وأظافرنا. يجب أن نعرف معنى النصر. قالت مترددة: ـ إنني أخاف أهوائي. ولذلك فإني أخضعها دائماً لضميري الذي لا أظنه خرج عن الطريق السوي بعد. ـ المشكلة دوماً أن أهواءنا عبدة للضمير. لماذا لا يكون الضمير مرة عبداً لهذه الأهواء؟ أجابت وهي تحدق بي: ـ أنت تريد أن تقلب كل شيء دفعة واحدة. ألا ترى أن ثمة أشياء يجب أن نقف عندها؟ ـ على العكس. إن الأشياء التي تعوّدنا أن نقف عندها هي وحدها التي يجب أن نعيد النظر فيها وندمرها إذا اقتضى الأمر ذلك. قولي لي من الذي وضع لنا الضمير؟ أليس الضمير عرفاً متوارثاً؟ وما هي فائدته إذا كان لا يفعل شيئاً سوى أن يقيدنا ويحرمنا؟ من أجل أي شيء يجب أن نتحمل كل هذا؟ إذا كان من أجل عالم آخر من قال إنني سأصل إليه، أم من أجل سعادة تأتي بعد الموت؟ وحياتنا هذه، ماذا نفعل بها "براءة"؟ رفعت رأسها وقالت مؤنبة: ـ إذن هذا ما تريده، عالم بلا ضمير ولا فضائل؟ ـ أنا لم أقل شيئاً من هذا. أعني علينا أن نتعاون لخلق فضائل جديدة تلبي حاجات الناس لا أن تحبسهم في قواقع حلزونية. يجب أن نجد فضائل تقف مع الإنسان لا ضده وتساعده بالتالي على صقل حسه وبلورة مشاعره لإيجاد معنى آخر للضمير. نريد ضميراً يحث الإنسان على الحياة. قولي لي "براءة"، كيف أؤمن بفضائل تمنعك من الجلوس معي، ماذا نفعل للفضيلة الآن وكيف نسيء للضمير؟ لم تجب على سؤالي. ما زالت تعبث بعلبة الثقاب وما زالت أصابعها البضة مرمية أمامي خيوط حرير رهيّ... فقلت متابعاً وأنا أحس أن قلبي قد قفز على لساني: ـ نحن نحس دفق الحياة في أعماقنا، نريد أن نستسلم للظل والنسيم بعد أن أتعبنا الهجير والظمأ. حبنا هذا استسلام لسعادة تولد في صدرينا. هل في هذا إساءة لأية فضيلة، أو أي ضمير؟ أنا شخصياً لا أؤمن بعرف الناس للضمير لأن هذا العرف يقف حائلاً بيني وبين توقي للحياة. منذ قليل كنت تتحدثين عن الفضيلة وأنا لا أعرف من الذي وضع مبادئها، لا أعرف لماذا يكثر الناس من الحديث عن الأخلاق... لكنني أعرف أنني أنام جائعاً، وأنني مسحوق كحشرة بينما غيري يملك الملايين وقد جمعها بكل الوسائل التي تتعارض مع ما تسميه فضيلة. لماذا لا يحدثني أحد عن الأخلاق والضمير عندما أقترّ من ثمن طعامي لأجمع أجرة الغرفة التي أسكنها مع اثنين من أصدقائي ثم ندفع ما لنا لرجل أميّ يعرف كيف يبدد أمواله في ملاهي المدينة. لماذا لا ترسل لي الفضيلة معطفاً عندما تصطك أسناني من البرد؟ هل تريدين رأيي بعد هذا؟ أنا أعتقد أن الأخلاق، والفضيلة، والضمير وكل هذه الكلمات الممطوطة، ليست غير مخدر يحقنون به البسطاء والفقراء أمثالي لنظل في غيبوبة بلهاء، بينما تظل الحياة وقفاً على الذين يعيشون ويريدون من الآخرين أن يتفرجوا عليهم ويأخذوا الحكم من أفواههم. مطت "براءة" شفتها السفلى وهي تعصر جبهتها ثم أعلنت: ـ أنت إنسان ثوري خطير. ـ دعيك من هذه التسميات الكبيرة. أنا إنسان يعيش الحياة كما يفهمها. إنني، بصراحة، لا أؤمن بالمبادئ التي يضعها غيري عندما تكون ضدي وضد إرادتي. تطلعت إليّ قليلاً وتساءلت: ـ كيف استطعت أن تحبني من خلال هذه العاصفة التي تعيش فيها باستمرار.؟ لم أكن أنتظر السؤال حقاً. لكنني أجبت دون زيف: ـ لقد أحببتك لأنني لمحت فيك شيئاً مني ومن حساسيتي. أحببتك لأنني أريدك إنسانة تحمل في صدرها مجد الحياة وتمحي من وجودها عفونات المجتمع وعقد الأجيال الميتة. ضحكت بصفاء وقالت بعد أن أسندت ظهرها إلى المقعد: ـ لقد بدأت تغازلني. شعرت بالضيق من سلبيتها فقلت: ـ أنا لا أغازلك، ولا أعرف كيف أفعل ذلك. وإذا كان ما قلته غزلاً فأنا لا أقول إلا ما أحس به. إنني وحيد وحدة كافرة في مدينة لا قلب لها. ومنذ وصولي إليها وأنا أبحث بكل لهفتي وتشوقي عن فتاة. عن انعكاس نقي لنفسي في صورة امرأة. وعندما وجدتك أنت لم أعد أريد شيئاً من العالم. غمرتها تأملة هادئة وهي تتفرس بوجهي ولم تلبث أن أسبلت جفنيها السوداوين كأيامي ثم همست باستحياء: ـ لا أعرف ماذا أقول لك. إنني أثق بنفسي لكنني أعرف أنني وقعت في حبك وأنا فخورة بهذا الحب الذي ترعرع بالمعرفة والاحتكاك والتجربة. سكتت قليلاً لتلتقط أنفاسها الهاربة بينما علت خديها حمرة خجولة ثم تابعت وصوتها الهامس يرن في مسمعي كترنيمة وتر فاغم: ـ أنا لم أعد أحتاج أيضاً إلى شيء في العالم قدر حاجتي إلى هذا الحب. في تلك اللحظة أحسست أني أتوق بكل عمري إلى أن أمرر أصابعي المرتجفة بين خصلات شعرها الدافئة وأن آخذ رأسها الجميل وأريحه على صدري وأضمها بين ذراعي لأريحها وأحميها من شرور العالم. ماذا أقول لها؟ أشعر أنني معزول عن كل شيء ولا أخشى شيئاً على الإطلاق. إنني بلا جذور تشدني إلى العالم وحياتي شراع تائه مزقه الرحيل وهو يبحث عن شواطئ الأمان. لماذا لا تكون "براءة" خلاصي واهتدائي؟ لماذا لا ألجأ كل عمري إلى حنانها الذي بدأ يلوّن حياتي؟ قلت لها وقلبي ينسفح مع كل حرف: ـ لقد أحببتك لتكوني خلاصي وسأكون لك إلى الأبد. ـ وسأكون معك حتى أموت. ـ "براءة", أهذا وعد؟ ـ إنه عهد ألتزم به أمامك وأمام نفسي وأنا لم أعتد أن أتاجر بعواطفي أو بمواقفي كإنسانة. أمسكت يدها ولثمتها بخشوع, فسحبت أصابعها الطرية من يدي بدلال وقالت محذرة: ـ أما هذه، فلا. ـ لماذا؟ ـ من أجل الفضيلة والضمير. وضحكنا معاً بشكل لفت أنظار بعض الجالسين حولنا. تجاهلنا هذه النظرات ورحنا نتطلع إلى حلبة الرقص. الهاربون من رقابة العيون، يرون في هذه الملاجئ المعتمة أرض الأمان. هنا تتشابك الأيدي وتلتصق الصدور, الخد المتعب يبحث عن خد آخر ينضح عليه معاناته. الموسيقى صاخبة، إنها ترف الجيل المعذب، يدق الراقصون أقدامهم على الأرض الملساء. ينسفحون مع آهة كمان حزين ويقفزون مع نعيق بوق مفجوع ويدورون ويدورون، يفجرون كبتهم همهمات ملوعة، وترشح جباههم عرقاً يحمل حقدهم الأسود على رقابة مجتمع يأبى أن يترك الإنسان حراً ثم.... ثم تتعالى في المكان المزين بالضوء الأحمر نقرات "جيتار" تعزف إيقاع "التانجو" هذا اللحن مجموعة أساطير عن صبية بيضاء تغفو على عتمة شعرها الإسباني حكايا حب شرود، وتنام في سواد عينيها أمجاد العرب الآفلة، وترن مع الصنوج في أصابعها أصداء سيوف "الغافقي". قالت "براءة" فجأة تنتزعني من شرودي: ـ ألا تنوي أن تطلب لنا شيئاً نأكله، إننا نستحق الطعام عن جدارة بعد هذا المجهود الفكري الذي بذلناه. وعندما التفت إليها تابعت تقول بابتسام: ـ لا أستطيع أن أتأخر كثيراً. كم الساعة الآن؟ صفقت للخادم وطلبت إليه أن يحضر لنا الطعام الذي اخترناه من اللائحة التي لم تكن تحتوي اسماً عربياً، ثم قلت: ـ لم يمضِ على وجودنا سوى ساعة، أنت لم تتأخري بعد. يبدو أنك تخافين أهلك كثيراً؟ ـ المسألة ليست أن أخاف أو لا أخاف. لكنني لا أريد أن يعرف أحد بعلاقتنا الآن. أنت لا تعرف الناس هنا كيف يفسرون العلاقات الاجتماعية والعاطفية. كم الساعة الآن، لقد نسيت ساعتي في البيت. أجبت وأنا أمد يدي أمامها: ـ إنني لا أملك ساعة. تساءلت بلامبالاة: ـ لماذا؟ ـ لسببين: أولهما أنني لا أملك ثمن ساعة ولا أستطيع أن أوفر ثمنها إلا بعد سنة كاملة. والسبب الثاني سبب نفسي فأنا أكره أن تكون عندي ساعة حتى لا أرقب مسيرة الزمن وأرى كيف تتبدد دقائق حياتي أمامي. ـ إن ما يحيرني فيك هو أنك تؤمن بأن الحياة غير مجدية، ولكنك في نفس الوقت تكره أن ترى حياتك تمضي ما معنى هذا؟ ـ إذا كنت أؤمن أن الحياة غير مجدية فليس معنى هذا إنني لا أحب الحفاظ على حياتي. إنني أؤمن بحياتي طالما إنني أستطيع من خلالها أن أسعى لصنع شيء ما. بمعنى آخر، إنني أتعلق بحياتي من أجل الأمل، والأمل حياة ثانية. حضنت وجهها بيديها وتساءلت: ـ أي أنك ترضى بالحياة من أجل أن تنتصر على شيء ما؟ أجبت متفلسفاً: ـ إن أحداً، كما يبدو لي في ساعات اليأس، لا يستطيع أن ينتصر على الحياة، هذه الحقيرة، ولو أنني خيرت يوم ولدت لرفضت المجيء. ولو خيرت الآن لرفضت الرحيل. لا تستغربي، أنا إنسان كالآخرين تربكني التناقضات. لست أعبد الحياة. لكنني أكره الموت لأنه ليس نهاية لائقة بالإنسان. ـ معنى هذا أنك تقبل كل شيء وترفضه بآن واحد. تقبل كل ما يأتيك ولا تندم على أي شيء يذهب منك. الحياة روتين أبدي وتكرار ممل. لماذا ترضى الاستمرار إذن؟ ـ إن استمراري هو رفض قاطع للرحيل. وإذا كان النصر مهماً بالنسبة لي، فإن ما يهمني أيضاً أن أحافظ على ما أؤمن به. قد يكون هذا كالنصر الذي تتحدثين عنه. لوت وجهها وأعلنت وهي تتنهد: ـ يبدو أني بحاجة إلى وقت طويل حتى أفهمك. أوشكت أن أقول لها إن هذا ليس صحيحاً. فأنا لست لغزاً ميتافيزيقياً، إنني إنسان بسيط أقول أشيائي مباشرة ودون تعقيد. لكنني آثرت الصمت فقد أتعبني النقاش وفضلّت أن استغرق بتذوق الطعام، ويبدو أن "براءة" قرأت شيئاً ما على وجهي فقالت في محاولة لخلق جو جديد: ـ ما رأيك أن أطلب أغنية معينة نسمعها معاً؟ وافقت فوراً واستدعيت الخادم. فكتبت لـه "براءة" اسم أغنية على ورقة صغيرة وأعطتها لـه. ولم تمضِ غير لحظات حتى ملأ المكان صوت حنون الصدى يلثغ بالإنكليزية وبعذوبة خالقة لا حد لها: "والآن... "وقد أصبحت حياتي بيد يديك... إلى أين تقودني؟" تصالبت عيوننا بوجد آسر. وذاب كل شيء في لحظة انفصلت عن كيان الزمن لتتجمد هنا، ترقب جسراً من اللهاث الهادئ تعبر عليه آهة مخنوقة بالفرح، وتنقل وعد عيون ذبحتها الغربة. أطرقت "براءة" برأسها، وعادت إلى طعامها بينما كانت خصلات شعرها تتلاعب مع حركة رأسها فوق جبينها الأسمر. عندما انتهت الأغنية، قلت وأنا أمضغ آخر لقمة بهدوء: ـ "براءة". أكاد لا أعرف شيئاً عن حياتك، هل يضايقك أن تحدثيني عن نفسك؟ ابتسمت وهي تمسح فمها بمنديل رقيق ثم قررت: ـ لا أعتقد أن شيئاً هاماً في حياتي يستحق أن يكون مادة لأي حديث. لقد عشت حياة عادية. ـ هذا تواضع منك أنا واثق أن حياتك مليئة وذاخرة، إن أفكارك ليست من المدرسة إنها نتيجة تجارب ووعي عميق. شربتْ كأساً من الماء ثم لحست شفتها السفلى حتى بللتها برضاب بخيل، أحال لونها إلى لون حبة كرز جبلية. ولاذت بالصمت قليلاً ثم أعلنت بتردد: ـ لا أظن أن حياتي مشوقة إلى هذا الحد، لقد أمضيت طفولة سعيدة في البرازيل... ـ البرازيل؟؟ ـ لقد ولدت هناك. ما أروع تلك البلاد. أمضيت فيها خمس عشرة سنة، وكان "بابا" أحد التجار المغتربين الكبار، لكنه أصيب بنكسة مادية أثرت عليه تأثيراً نفسياً عنيفاً كما أثرت على صحته حتى أصبح معرضاً للشلل. بعد ذلك تركنا البرازيل وعدنا إلى دمشق حيث بدأنا نعيش حياة عادية وتابعت دراستي حتى نلت شهادة تؤهلني للعمل، فدخلت ميدان الحياة العملية، وكان الأمر شاقاً في البداية غير أني تغلبت على هذه المشقة وأصبحت أيامي تسير برتابة محددة بين العمل والبيت ولا شيء آخر. قلت ضاحكاً: إن اختصارك لحياتك بهذا الشكل تخلص بارع من سؤالي. ألم تتعرضي، مثلاً، لتجربة عاطفية. تجربة حب؟؟ ضحكت "براءة" بحبور طفولي، ومدت ساقها المترفة وراحت تنقر بقدمها رجل الطاولة: ـ كنت أعرف هذا. تريد أن تعرف شيئاً عن حياتي العاطفية؟ صدقني، أنت أول حب في حياتي، من قبل لم أعرف الحب كما تصوره الكتب وأفلام السينما. ولست أكتمك أن الكثيرين قد عرضوا عليّ عواطفهم.. بعضهم بشكل رخيص ومضحك, وبعضهم بشكل مهذب هناك تجربة واحدة ما زالت عالقة في ذهني لأنها كادت أن تخلق مأساة عائلية وتشرد امرأة متزوجة مع أطفالها دون أي ذنب؛ فقد أحبني أحد أقربائي وأوشك أن يطلق زوجته ويترك أولاده ليتزوجني, لكنني أفهمته في اللحظة المناسبة التي أدركت فيها مراميه أنني أحبه كما أحب "بابا" وأنا أحترمه وأجلس معه لأنه قريبي ولأنه صديق مخلص لـ "بابا"... قاطعتها قائلاً: ـ ألا يمكنك أن تتركي كلمة "بابا" هذه وتستعملي بدلاً عنها كلمة والدي أو أبي؟ رددت مستفهمة: ـ لماذا؟ ـ إنني أتضايق من هذه الكلمة لأنها تذكرني بالمدللين الذين لا يحسنون شيئاً إلا التلفظ بالكلام. ـ أفّ. إن لك آراء عجيبة. ولكن دعنا من هذا. أعتبر قصة حياتي قد انتهت. فماذا تأخذ، الآن، على هذه الفئة من الناس والتي أسميتها مدللة؟ أجبت باندفاع مفاجئ وبلهجة خطابية لم ألبث أن استنكرتها: ـ معظمهم تافهون لا يحسنون إلا استعمال ألسنتهم بكلمات أجنبية تبعث على السخرية. نحن نحتاج إلى ثوريين ومبدعين لنعيد خلق هذه الأمة، لا إلى مقلدين يهتمون بتقليم أظافرهم أكثر من اهتمامهم بحمل مبدأ شريف. إن رؤوسهم خالية إلا من الكلمات الممطوطة المقيتة. ـ أنت لست ثورياً فقط. إنك إنسان ناقم على كل شيء، ويخيل إليّ أن الحقد على العالم يملأ قلبك. انبثق من داخلي فجأة شيء حاد. تذكرت أمي. فقلت والشوق يذبحني إليها: ـ "براءة". لقد قالت لي مرة أمي هذا الكلام. لكن هذا ليس صحيحاً، أقسم أنه ليس صحيحاً. ـ إذا كنت لا تحقد على العالم فأنت تلعنه باستمرار ولا أعرف كيف استطعت وأنت مِشغول بلعن العالم أن تجد متسعاً من الوقت لتحبني؟ تأملتها بصمت خاشع وهتفت: ـ أنت شيء آخر "براءة". إن حبي لك هو إحياء لاحتضاري. أنت لست منفصلة عني، عندما أحببتك ذبت فيك لتكون حياتي بكل طاقاتها ينبوعاً أبدي الانسكاب في أعماقك. كانت حمرة نبيذية تصبغ وجنتيها وهي تنظر إليّ بسكون سادر، لتعب في أعماقها كل حرف يذوب على فمي. ارتعشت شفتاها قليلاً، كانت تود أن تقول شيئاً، شيئاً لم تعتد أن تقوله، غير أن حياءً مفاجئاً عقل لسانها، وذوّب الكلمات في صدرها، فأشاحت بوجهها ثم ابتسمت وقالت: ـ حقاً، إنك شاعر. ـ إن أي أبكم يجلس معك ويحس هذا الوجد، يتصبى الليل من عينيك الحزينتين. لا بد وأن يصبح شاعراً. رفعت إصبعها الطرية محذرة وهمست: ـ آ.. آ.. اخفض صوتك. الناس حولنا، لقد بدؤوا يشعرون أنك تغازلني. قلت محتجاً: ـ هذه المرة الثانية التي ترددين بها هذه الكلمة. ما هذا؟ إنني لا أغازلك, أنا أقول ما أحس به، أنا لا أزيف الأشياء "براءة". أنسفح أمامك بعفوية ومن دون أي تعقيد، ثم ما هي علاقة الناس بنا إذا سمعونا؟ إنني معك أبني حياتي بناء جديداً. ـ أوه.. دعني. لو استمعت إليك كل حياتي لما أحسست إلا بنشوة عارمة ولذيذة. إن كلماتك تنقلني إلى حياة جديدة بدأت منذ اليوم أحبها، وأود أن أحطم دقائق الزمن حتى أصل إليها. ولكن دعنا الآن. ثم رفعت يدها لترى ساعتها فتذكرت أنها لا تحملها. التفت إليّ وقالت: ـ لا أعرف كيف أقول لك. لكنني أود أن أقدم لك ساعة هل تقبلها هدية مني؟ قلت بشكل قاطع: ـ لا. ـ لماذا؟ ألم تقل لي إنني أصبحت جزءاً منك؟ ـ أنا لا أناقش بهذا. كل ما في الأمر أنني لا أرغب أن تكون لي ساعة. ـ أعرف هذا. حتى لا ترقب دقائق حياتك وهي تتبدد أمامك أليس كذلك؟ ـ هناك سبب آخر يمنعني من حمل الساعة. إنها تعقد لي حياتي وتجعل عمري مرسوماً بحركتها. ضحكت "براءة" بغبطة وقالت: ـ كما تريد. أعتقد أن وقت عودتي إلى البيت قد حان. ناديت الخادم ودفعت الحساب ثم نهضنا. وقبل أن نخرج من الباب ترددت وهي تقول بإطراقة حيّية: ـ أخاف أن يرانا الناس معاً، سأخرج أنا أولاً. ـ كنت أتوقع ذلك. وتبادلنا بسمة عاجلة ثم قالت وهي تخرج: ـ أراك غداً في المكتب. وصعدت الدرج مسرعة، رشيقة الخطا.. ثم غيبها زحام الشارع؟ المدينة تلهث. والعالم مشنوق على أعمدة الحضارة. وحدي أتصبى إطلالة من عينين مذعورتين. في يوم ما ستجف الينابيع كلها. لن تبقى ثمة واحة. سيكون السراب حلماً لا تطاله العيون ولن يجد أحد أروع من الظلال الرطبة التي أتمنى أن أتفيأها مع "براءة". |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |