الأبطال يموتون صغاراً ـــ عادل سلوم

رواية ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق ـ 2006

Updated: Sunday, July 01, 2007 02:55 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل الحادي عشر

قدم لنا "أنور" صديقه الجديد قائلاً:‏

ـ "عدنان" زميلي في الجامعة والتشرد.‏

وتقدم "عدنان" منا وصافحنا ثم جلس على كرسي قرب النافذة المطلة على الحي المنهار وراح يجول بعينيه في أنحاء الغرفة كلها، يتفحص كل شيء بهدوء. كنت أتطلع إليه عن كثب وقد أعجبتني قامته الرياضية, وشعره الأشقر المصقول بعناية، وثيابه الأنيقة، وأصابعه البيضاء الناعمة التي جعلتني أفكر أن هذا الإنسان قد أمضى كل حياته في الحمام.‏

استمر "عدنان" يحدق بأشياء الغرفة، بالأسرّة، والكتب، والنافذة، والطاولة الوحيدة، والثياب المعلقة على الحائط و... التقت عيناي بعينيه، فسألني باتزان وهو يشير بإصبعه حوله:‏

ـ كيف تستطيعون أن تعيشوا... هكذا؟‏

أجبت مازحاً:‏

ـ إننا لا نستطيع أن نعيش إلا هكذا.‏

عقب "أنور":‏

ـ لا تصدقه. إن لدينا توقاً عظيماً إلى حياة أفضل. ولكن لا سبيل إليها طالما أن مجتمعنا يضم رجالاً أوغاداً كأبيك.‏

استفهم "أحمد" بأدب جم:‏

ـ وماذا يفعل والده حتى يمنعك من تحقيق أحلامك؟‏

يبدو أن "أنور" كان ينتظر هذا السؤال، فالتفت إليه فوراً وراح يعد بإصابعه:‏

ـ اسمع أيها المتصوف الذي يطج كل يوم أكثر من عشرين ركعة صلاة. أولاً, إن والده من كبار تجار المدينة. ثانيا,ً إنه يملك مزرعة لا يعرف حدودها ولا عدد العاملين فيها لكثرتهم ثالثاً إن لديه سيارة فخمة لو بعت رأسي ورأسك لما كان ثمنهما يساوي دولاباً من دواليبها عدا عن رصيد هائل في المصرف".‏

رد أحمد:‏

ـ أنا لا أرى في هذا أي مجال للتهجم أو السخرية. إن والده إنسان عظيم إذ استطاع أن يفعل هذا كله. ألا تستطيع أن تكف لحظة عن حسد الناس؟‏

التفت "أنور" إلى "عدنان" وقال بخبث:‏

ـ ألم أقل لك إنه يعيش على النيات الطيبة؟‏

ثم التفت إلى "أحمد" ونبر بصوته:‏

ـ إن هذا الثراء الفاحش مكرس لأهواء أبيه الشخصية. الأهواء التي تسميها في قاموسك المتهرئ إلحاداً ولا أخلاقية. ثم هل تصدق، فضيلة الشيخ، أن أرصدة والده المالية تزداد يوماً بعد يوم.. ما رأيك أن تذهب أنت وأخلاقيتك وتنتحرا؟‏

لم يجب "أحمد" على هذه السخرية المقصودة. فتطلع إلى "عدنان" الذي كان منهمكاً بحشو غليونه واستغربت أن يسمح لأي كان أن يسخر من والده فسألته:‏

ـ ألا يغضبك أن يتحدث "أنور" عن والدك بهذا الشكل؟‏

أشعل غليونه بعود ثقاب ثم نفخ على العود وراح يرقب خيوط الدخان الأزرق الذي كان يتلوى ويتمطى من العود المنطفئ ثم أعلن ببرود:‏

ـ ولماذا أغضب؟ إن والدي من أكبر منافقي المدينة.‏

تلعثم "أحمد" وهو يسأله:‏

ـ منافق؟ أنت تقول عن والدك ذلك؟ أكاد لا أفهم شيئاً..‏

رد "أنور" بسرعة:‏

ـ ليس هذا عجيباً. ألست طالب حقوق؟‏

لم تتح "لأحمد" فرصة للرد على هذه السخرية فقد تابع "عدنان":‏

ـ ولماذا أخجل؟ إنها الحقيقة. إن والدي لص، يسرق أتعاب غيره، الفلاحون يعملون وهو يتفرج، وفي نهاية كل موسم يتقاسم كل شيء معهم. أتصدقون، إن والدي يربي كلباً ويطعمه أحسن من خمسة رجال في المزرعة؟‏

لا أعرف لماذا أحسست أن "عدنان" هذا مخلوق تافه لا لأنه يتحدث عن والده بهذا الأسلوب ولكن لأنني، على نحو ما أحسست أنّه دعيّ، ونرجسي.‏

ـ في كل عام يضع والدي أمامه مصور العالم و ينتقي بلداً أوروبياً يقضي فيه شهراً وينفق بحقارة أمواله على عاهرات معظمهن من اليهود. أنا مقتنع أن حلفاً غير مقدس يربط بين والدي وبين جميع الذي يتاجرون بهذا الشعب ويتآمرون عليه.‏

قال "أحمد" معاتباً:‏

ـ لا أعتقد أنه من الأخلاق بشيء أن تحقد على والدك بهذا الشكل. أنت تستطيع بوعيك أن تأخذ بيده.‏

ـ هذا ليس حقداً بالمعنى القاموسي للكلمة. إنه بورجوازي متغطرس انهزمت أخلاقه أمام بريق المال وفقد كل ملامحه الإنسانية. إنه نزوة لا تفكر إلا بترفها الشخصي على حساب مخلوقات آدمية جرفها تيار الاحتكار.‏

ـ وأنت، ألست بورجوازياً كأبيك؟‏

رد "عدنان" بحزم:‏

ـ أبداً. أنا أفخر أنني اشتراكي.‏

ـ أطلقت صفيراً عالياً وعلقت:‏

ـ هكذا إذن؟‏

نظر إليّ "أنور" مستغرباً وقال وهو يمضغ شيئاً ما في فمه:‏

ـ أين وجه الغرابة أن يكون اشتراكياً؟‏

ـ أنا لا أفهم كيف يكون إنسان مثله اشتراكياً.‏

ـ ما زلت لا أفهم السبب باستغرابك.‏

ـ لقد تفتحت عيناه على الترف والمال، فكيف يؤمن بقضية من أول مبادئها هدم الطبقات الاحتكارية التي أذلت ملايين الرقاب.‏

سأل "عدنان" بعصبية مفاجئة:‏

ـ من قال لك إني عبد لهذا الترف؟ أنا لا أؤمن أن المال يصنع أخلاق الناس كما أنه لا يحدد مواقفهم. أموال الأغنياء والإقطاعيين مسروقة كلها من فم الشعب. كلهم تجار وتجارتهم بدأت من بيع لواء الاسكندرون، إلى فلسطين، إلى المتاجرة بالقضايا الوطنية، إلى أن تصل نهاية القافلة التي تنتظم جميع المواقف المخجلة. ولكن ما علاقتي أنا بذلك؟‏

ما زلت أرى هذا الإنسان دعياً، لكنني قلت لـه:‏

ـ أنا لا أحاول الطعن بمبادئك أو الاستخفاف بتحمسك لها. لكنني أتساءل كيف نما عندك هذا الوعي، وقد ولدت ونشأت في بيئة مليئة بالشوائب والعقد ولم تمح من ذهنها بعدُ العفونات الطبقية والطائفية. أنت تعلم أن الاشتراكية انبثقت من آلام الجماهير وصبرها الطويل ومن القهر الذي عانته من خلال الجوع والإهمال والتنكيل.‏

هتف "عدنان" بغيظ ظاهر:‏

ـ لماذا تمضي بعيداً وتضع شروطاً مسبقة لإيمان الفرد؟ القضية بالنسبة لي قضية مبدأ إنساني وتحسس شخصي.‏

ـ عفواً، أنا لا أصدق أن المبادئ يمكن أن نتعلمها من الكتب. المبادئ وليدة التجارب, تجربة فرد أو طبقة, والاشتراكية ليست تجربتك ولا تجربة واحد من طبقتك. كيف تؤمن، إذن، بمبادئ لم تعشها ولم تنفعل بها حياتياً واجتماعياً؟‏

تدخل "أنور" وسأل بتفاهة:‏

ـ هل تظن أنه يدعي الاشتراكية، أو أنه يتملق الاشتراكيين عندما ينضوي تحت لوائهم.؟‏

ـ أنا لم أقل شيئاً من هذا؟‏

ـ لماذا تهاجمه إذن؟‏

ـ إذا كنت مصراً أن تعرف فأنا أريد أن أقول إن الاشتراكية أسيء إليها عندما صار أمثال "عدنان" يحملون علمها.‏

قلتها وانتهى الأمر. كانت مفاجأة لم ينتظرها أحد. لا يهم، هذه الكلمة يجب أن تقال من زمن بعيد لكثيرين من الناس وقد قلتها أنا.‏

نهض "عدنان" عن الكرسي واتجه إلى النافذة حيث سرح منها ببصره، وخيم الصمت لحظات علينا، بين نرفزة "أنور" وذهول "أحمد". لم أكن أشعر بالحرج فقد قلت ما أؤمن به.‏

التفت "عدنان" إليّ وقال وقد هدأت حدة صوته:‏

ـ عندما تصلب الحياة حساسية إنسان وتصقلها على نوعية جديدة من الإرهاف والحس. عند ذلك تموت أناه الضخمة في أعماقه ويرى العالم على حقيقته وأن المجتمع يحيط نفسه بقشور براقة أما الداخل فإنه أسود وحقير.‏

سكت من جديد كأنه يستجمع أفكاره البعيدة ثم تابع:‏

ـ منذ سنوات بعيدة بدأت أتشرب الحياة بنهم كبير. كنت أقف في شرفة بيتنا العالي وأنظر من الحي الفخم إلى بيوت طينية تقبع ذليلة قرب بيتنا، مليئة بالسل والجهل والفقر وبأفواج الأطفال الذين لم تتح لهم أية فرصة على الإطلاق. لقد ولدوا هناك وفرض عليهم أن يظلوا هناك كنا نعيش وهم يتفرجون علينا. منذ ذلك اليوم أدركت أن مجتمعنا قائم على أساس واه, وأن خطأ فاحشاً يرتكب فيه كل يوم بألف أسلوب وألف وجه. وأدركت أن البؤس الذي يحصد رقاب أكثرية الجماهير هو استمرار لهذا الخطأ وأن والدي وأمثاله يعيشون حياتهم وحياة غيرهم في حين أن أحدهم لم يكن جديراً بربع حياته.‏

منذ ذلك اليوم بدأ يولد في صدري إيمان قاطع بأن الإنسانية مداسة بالنعال.‏

قلت وأنا أضحك:‏

ـ كان عليك أن تزور قريتنا لتتعرف على الإنسانية أكثر. الناس هناك معزولون عن كل أوجه الحضارة والرقي وما زالوا يعيشون على بركة التمائم ودعوات الشيخ "عبد الستار".‏

ـ لا لزوم لأن أذهب إلى قريتكم. إن في دمشق نفسها بشراً ما زالوا يحرقون البخور أمام أضرحة الأولياء ويضرعون إليها. هل تصدق أن عائلتنا وحدها لها ثلاثة أطباء بينما يموت كثير من الأطفال في الأحياء الملاصقة لنا لأنهم لا يجدون ثمن الدواء؟ وهل تصدق أن معظم أمراضنا من التخمة؟‏

رد "أنور" ساخراً:‏

ـ لأنكم تأكلون أكثر من اللازم. أنتم تأكلون طعامكم وطعامنا.‏

لم يجب "عدنان" على سخرية "أنور" بل أشعل غليونه للمرة الثالثة وقال:‏

ـ إذا كنت اشتراكياً فأنا لا أدين باشتراكيتي لأحد. أنا أؤمن أن النظام الاشتراكي وحده كفيل ببعث هذه الأمة.‏

وتطلع إليّ برهة ثم سأل باستهجان:‏

ـ أي مبدأ تريدني أن أعتنقه وأنا أرى الناس يعملون كالبهائم طوال النهار من أجل الحصول على لقمتهم، بينما تظل الكروش المنتفخة تهتز في صالونات المدينة الأنيقة. أنا لا أريد أن أفلسف الاشتراكية أو أشرح مبادئها، أنا أتحدث عن مشاعري الشخصية وانطباعاتي الذاتية. إن الأنانية تفتك بالقيم. فئة قليلة من الناس تستغل شعباً كاملاً، هذا لا يجوز، وإزاء ذلك لا بد لكل واحد منا أن يحمل عقيدة ويساهم بإنقاذ مجتمع بل وإنقاذ نفسه قبل أن يداهمه السيل القذر.‏

عندما سكت كان كل واحد منا مشغولاً بأفكاره، وكان الصمت ثقيلاً. رحت أنظر بشكل خفي إلى هذا الإنسان الذي يرفض معطيات الحياة ليعيش قضية لا تعرف إلا الشهداء. فكرت بأشياء كثيرة، وحاولت أن أقول شيئاً، لكن "أحمد" أفسد عزمي هذا عندما مزق تلك اللحظات السكونية بصوت متردد وكلمات متقطعة:‏

ـ عفواً، أنا أحترم آراءك، لكنني أريد أن أسأل لماذا انتقيت الاشتراكية التي تظل في جوهرها مبدأ علمياً بعيداً عن أية روحية، أريد أن أقول لماذا لا تتعمق في فهم الدين؟ إنه المصدر لكل وحي وإبداع، كما أنه ينظم أمور الناس. إن هذا المجتمع إذا سار على ما بني عليه الدين من صدق، وزكاة، و أمانة, واستشهاد في سبيل الوطن لكان مجتمعاً اشتراكياً وإنسانياً، ومثالياً في حياته وتدينه وتعاونه. لقد مرّ على الإسلام عهد لم تكن تجد فيه محتاجاً ولا جائعاً.‏

قاطعه "أنور" محتداً:‏

ـ هل تريد أن تعود بنا إلى عبادتك؟‏

لقد اتفقنا أن الدين هداية وإيمان وصلاح ذاتي، وليس عقيدة سياسية، ألا تريد أن تفهم؟‏

ولم يلبث أن رفع صوته وانفجر غاضباً:‏

ـ إن سلامة النية في هذا العصر لا تنفع شيئاً. إن أجيالاً كثيرة يجب أن تموت حتى نصل إلى وضع أقدامنا على الطريق الصحيحة. الجثث وحدها قادرة على خلق هذا المجتمع من جديد هذا عصر الذرة ولم نعد في البادية بين المضارب. إن الدعوات الجاهلية لا تهيئ الإنسان لتقديم قربان واحد من أجل قضية قومية. دعنا "احمد"، قم وانظر إلى مصور العالم تر أن جميع الشعوب المستعبَدة والخاضعة للنفوذ الأجنبي، والأمم التي يقتلها الجوع والجهل، هي الشعوب التي تعتقد أن الصلاة والدعوات الخطابية قادرة على بعثها.‏

قبل أن يقول "أحمد" شيئاً، قال "عدنان" مكملاً حديث "أنور":‏

ـ إن في أمتنا العربية دولة ما زالت بلا دستور ولا قوانين، إلا قوانين السيف، وقطع اليد وجلط الرقبة. إن حاكم هذه الدولة التعيسة يدعي أنه يفعل ذلك باسم الدين. تصور؟‏

قال "أحمد" بهدوء لم أكن أنتظره منه في هذه المواقف:‏

ـ أنتما تخلطان الأمور بشكل سيئ للغاية. عندما تطبق القوانين التي نص عليها الدين تصبح هذه الأمة أسعد أمم العالم.‏

ـ عندما تطبق؟ ألا تفهم أننا لسنا ضد الدين، لكننا ضد استغلال الدين، ضد المهرجين الذين يدعون فهمهم للدين ويجعلون من أنفسهم أوصياء عليه.‏

ـ إن أحداً لا يستغل الدين. هذه ذريعة لمهاجمته. ولتغطية الفراغ الروحي الذي تحسونه.‏

نظرت إلى "أحمد" وأدركت أنه بدأ يهذي فقلت متدخلاً:‏

ـ ما هذا الذي تقوله "أحمد"؟ هل يسمح الدين باستعباد الناس؟‏

ـ قطعاً. لا.‏

ـ باسم أي شيء يبني أمراء البترول قصور الحريم؟ وباسم من تشيد معابد للجواري والغلمان؟‏

ـ إن الدين لا يسمح بهذا، وقد حارب هذه البدعة منذ أن أنزل وحياً.‏

ـ لماذا لا تقولون، أنت وأمثالك، شيئاً حول هذا؟ لماذا لا تثورون ضد الأمراء الذين يسمحون لأمريكا بسرقة بترولنا، وشعبنا يئن من الجوع؟ إن ما ينفقه الأمراء على سياراتهم أضعاف ما ينفقونه على مستشفيات البلاد كلها.‏

ـ أنا شخصياً لا أؤمن أن هؤلاء يمثلون الدين. إنني أدافع عن الدين لا عن أدعياء الدين و أنتم تخلطون الأمور. إن وجود هؤلاء المرضى ليس مبرراً لمهاجمة الدين.‏

ـ إن أحداً لا يهاجم الدين. إن تعلقك بالدين تعلق غريزي لا أثر للمحاكمة العقلية فيه أنت تتهمنا دوماً بالإلحاد والكفر لأننا لا نرى رأيك. إن ما ندعو إليه هو أن يترك الدين شيئاً روحياً سامياً بين الإنسان وربه. يجب أن يظل الدين في حياتنا وسيلة للاتصال بالله. لكن السياسة شيء آخر. إن السياسة تحتاج إلى حقد على العالم الذي ينهشنا، والرجال الذين يمتصون تعبنا، ويسرقون خيرات أرضنا للإنفاق على قوافل حريمهم.‏

ومرة أخرى أسرع "أنور" يقول قبل أن يتمكن "أحمد" من الرد:‏

ـ المشكلة أن بعض القيمين على أمر الدين ما زالوا يعيشون في خيام الجهل البعيدة عن روحية العصر وكل المنجزات الإنسانية. هل تذكر "أحمد" أن إمام اليمن كتب مرة قصيدة ضد الاشتراكية، وقال فيها إن الاشتراكية ضد الإسلام؟ كان ذلك منذ زمن بعيد ولكن في أمتنا ألف إمام مثله. ما رأيك؟ لقد كان سيادته يقفل أبواب مدينة صنعاء عند مغيب كل شمس ويضع المفاتيح في جيبه. إن الذين قتلوه بعد ذلك لم يكونوا من وراء جبل قاف. ولا من بلاد الأساطير. لقد اكتشفوا الحقيقة فقاموا يعيدون بناء الإنسان لا بمعزل عن الدين ولكن في صميمية الدين الذي يلبي حاجة الإنسان.‏

تطلع "أحمد" إلينا وراح ينقل بصره بيننا ثم هز رأسه آسفاً وقال:‏

ـ لقد اهتديتم إلى بعضكم أخيراً. كل واحد منكم يكمل الآخر، بكل أسف، لا ترون أبعد من أنوفكم. أنا أؤمن...‏

قاطعه "أنور" بعصبية:‏

ـ إن ما تؤمن به لا أهمية لـه إطلاقاً. أنت بعيد عن جوهر المشكلة، ولن تجد عاقلاً يؤمن معك أننا لا نستطيع أن نبني حياتنا ونغير واقعنا المؤلم، ونحرر أرضنا من خلال دعاء ساذج فوق منبر، أو صلاة قصيرة في كنيسة.. وحتى اللعنات التي يستنزل بها الخطباء غضب الله على الاستعمار والصهاينة والكفار، لن تنفع شيئاً. هذا زمان الحقد والموت. أفّ. حياتنا لا تطاق.‏

في يوم ما سيزورني الموت ويسألني لماذا أعيش. ما معنى هذا ومن قال إني أعيش؟ تفوه. تسقط الحياة والمجتمع.‏

يبدو أن هذا الانتقال المفاجئ قد أعجب "عدنان" فانفرجت أساريره وردد وراء "أنور":‏

ـ وعاشت المرأة والغرائز الجنسية.‏

تطلعت إليه وقلت مستغرباً:‏

ـ وأين المبادئ أيها الاشتراكي العظيم؟‏

ـ هاأنت تعود من جديد إلى خلط الأمور ببعضها. ما هي علاقة مبادئي بجسدي ومتعي الشخصية؟‏

رد "أحمد" وهو يحدق في بوجهه:‏

ـ إن الاشتراكية تحتاج إلى أخلاقيين لحمل لوائها.‏

تدخل "أنور":‏

ـ ألا تنوي ترك الجدل حول فهمك للأخلاق والفضيلة؟ ستذهب وحدك إلى الفردوس ومرابعه ومروجه الخضراء، وسنذهب نحن إلى جهنم وبئس المصير. أيرضيك هذا؟ دعنا "أحمد"، لقد تعبت ومللت.‏

يبدو أن "أحمد" أيضاً قد تعب فسكت ولم يقل شيئاً. عندما طال الصمت استغله "أنور" وقال:‏

ـ لقد كلفني "عدنان" بدعوتكما إلى سهرة خاصة في بيته، وهو يأمل أن تقبلا الدعوة. وتلمظ "أنور" وهو يعلن بمرح:‏

ـ إن أجمل شيء في الدنيا موجود في هذه السهرة، النساء والخمر والموسيقى.‏

لوى "أحمد" بوزه ثم أخذ كتابه بيده وقال:‏

ـ أنا أعتذر عن الذهاب. إن الامتحان على الأبواب، ولم أقرأ شيئاً بعد.‏

قال "أنور" متهكماً:‏

ـ أنت تقرأ أكثر منا جميعاً. لكنك لا تريد الذهاب لأن السهرة خالية من التسبيح. ابق هنا في هذا الوكر، تسقط أنت وحياتك.‏

ونظر إليّ ثم سأل:‏

ـ وأنت؟‏

ـ إنني ذاهب معكما.‏

ونهضت من مكاني، ثم لبست بذتي الوحيدة بعد أن نفضت الغبار عنها، وخرجنا لنستقل سيارة "عدنان" الخاصة التي كانت تنتظر في طرف الشارع.‏

..... العالم عتمة لا تطاق. كل طريق يوصل إلى لا شيء. أنا أيضاً مصاب بالحيرة والتمزق. منهار أنكفئ على نفسي. أتعثر بألف صنم، أبحث من خلال معاناة قاسية عن شيء لا أعرف لـه ظلاً حقيقياً.‏

..... "أحمد" لديه ما يؤمن به "وأنور" أيضاً يجد سعادته في العبث. "وعدنان" وجد سعادته بانتمائه إلى قافلة الاشتراكيين. أنا وحدي أعيش على الضفتين، لا أعبأ بالمياه التي أجتازها، ولا أشعر بالتعب من التنقل.‏

...... إن شيئاً ما لا بد أن يبزغ في حياتي. لا بد أن ألقى إنساناً يجيب على كل الأسئلة التي تلح على رأسي بقسوة لا ترحم.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244