|
||||||
| Updated: Sunday, July 01, 2007 02:56 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الفصل الثالث عشر الغرف الفسيحة التي كنا نظنها طوال العام مكاناً مترفاً نتصبى فيه وجوه الفتيات، أصبحت أيام الامتحان مكاناً لجلدنا، ولوحة يتلون عليها قدرنا ومستقبلنا. كانت الساعات تهرم من حولنا والأيام تمضي دون أن نحس بها. ولم يكن يزعجنا أثناء الدراسة إلا "الساعة" الرخيصة التي اشتراها "أحمد" ووضعها في الغرفة ليوقظنا رنينها منذ ساعات الفجر الأولى. تلك الساعة اللعينة، كان رنينها المتواصل يمرّ في رأسي كالمشارط ويعض حواسي بأنياب صغيرة كأظافر طفل.. لكن وجودها كان فيه بعض الطرافة، فعندما تبدأ بالرنين أدفن رأسي تحت الوسادة وأشد الغطاء فوقي، وعندما تذهب محاولاتي عبثاً أنفجر بثورة غضب في وجه "أحمد". ـ ساعتك القذرة هذه ستثقب رأسي. إذا لم توقفها فوراً سأرمي بها في برميل الزبالة. "أنور" يحتج أنور ببرود وهو مازال تحت الغطاء: ـ ولماذا ترميها؟ دعها لي، في يوم قريب سأبيعها وأشتري بثمنها زجاجة نبيذ. ويهدد "أحمد" وهو يرتدي ثيابه: ـ إن من يلمس هذه الساعة سأخلع لـه رقبته. لقد نمنا طوال السنة، وإذا لم ندرس الآن بجدّ كيف تريدون أن ننجح؟ تثاءب "أنور" وعلق ساخراً: ـ سننجح بدعائك فضيلة الشيخ. ـ أنت إنسان كسول عفن، ولن تتخرج من الجامعة حتى يتخرج منها حمارنا. ثم التفت إليّ: ـ و أنت؟ أتعلم إذا لم.. نهضت من سريري مسرعاً ووضعت يدي على فمه وقلت متوسلاً: ـ أرجوك. أفضل ألا أنام كل حياتي من أن أسمع نصائحك المتهرئة. ما أشنع أن يستيقظ الإنسان باكراً. وما أشنع أن تظل حياتنا هكذا، نحسبها بالدقائق والساعات وليس لدينا ما نعمله أو نفكر به إلا أن ندرس من أجل غد يبدد هذه العتمة الأبدية التي نعيش في متاهاتها الزنخة. الغد؟ هذه كلمة مسلوخة عن وجدان بشر لم يجدوا في حياتهم ما يعملونه إلا أن يحلموا بيوم تشرق فيه شمس جديدة، تكللهم بدفئها وحرارتها بعد أن هدهم صقيع العالم. إنني لم أؤمن بالغد أبداً ولم أؤمن بجدوى الاستشهاد من أجله. إن الغد قد لا يجيء أبداً فلماذا أعمل الآن لـه، لماذا أدرس وأتعب؟ دائماً أتوقف عند هذا السؤال. دائماً أقنع نفسي أن الدراسة موضوع آخر يختلف تماماً عن الغد وغموضه، الدراسة الآن معركة من أجل البقاء بشكل لائق. ولا بد أن أستمر مهما أصابني من وهن رغم أني متعب...متعب حتى العياء والشفقة. لكن هذا التعب كان يذهب ويذوب عندما كنت أسرق ساعة أو ساعتين من وقتي وأذهب إلى المكتب لأرى "براءة" وحيدة مع جمالها. هناك ألقي عند شطآن عينيها كل الوهن الذي كنت أعاني منه. إنني أعبد عينيها، أعبد الفتور الحزين فيهما، هذا الفتور الذي كان يبتسم بحبور عند رؤيتي أعبث بأوراق مكتبي بلا هدف ولا غاية فتدرك أني جئت من أجلها لا لسبب آخر. ولم يستطع "أنور" و"أحمد" أن يكتشفا هربي اليومي إلى المكتب، ولم يفهما سرّ الفرحة في عيني أحياناً، ما أكثر ما تفعله عيناها بي. وقد حدث ذات مساء أن رأيتها تتأبّط ذراع والدها أمام إحدى دور السينما، بينما كنا عائدين من "الغوطة" لفت نظر "أنور" و"أحمد" إليها وأنا ألاحقها بعينين ملهوفتين. وقف "أنور" وراح يقيسها بعينيه الخبيثتين ولم يلبث أن نخر من أنفه وقرر: ـ لا بأس بها بشكل عام.. لكنها نحيلة. أجبته مستاء: ـ نحيلة؟ أهذه مقاييسك للجمال أيها المسطول؟ أنت تقدر الإنسان بطبقات اللحم والشحم التي يختزنها تحت جلده. إنك تحمل نفسية جزار. ولست أكثر من جلف يدرس في الجامعة. ـ لا بد للمرأة الجميلة أن تكون ممتلئة الجسم ومتناسقة الأعضاء، حتى إذا قدر لك يوماً أن تحتضنها شعرت بدفئها كامرأة لا كهيكل عظمي مغطى بالجلد. بصقت على "أنور" وعلى أفكاره المنحلة بينما همس "أحمد" في أذني: ـ لا تلتفت إليه. إن لها وجهاً يطفح بالروعة والجمال. ـ هذه شهادة من إنسان منصف وأنا أكتفي بذلك. أروع ما في حياتنا أن جميع مشاكلنا كانت تنتهي ببسمة أو لحظة صمت. وأقسى الأيام كانت أيام الدراسة والامتحان. كانت الأيام رتيبة لكننا احتملنا كل شيء بصبر عجيب حتى آخر يوم عندما عدنا إلى الغرفة وغرقنا في عمليات الإحصاء والتقدير للمواد التي أجدنا بها والمواد التي لم يحالفنا الحظ بها، و انتهينا إلى النتيجة التي ينتهي إليها معظم التلاميذ والطلاب بأن نجاحنا مضمون إذا أنصف الأساتذة. لكن "أحمد" كان يخالفنا الرأي بذلك، فقد برم كفه بحيرة وطعج ظهره إلى الأمام ليريح خده على يده ثم قال باطمئنان: ـ ليس الموضوع موضوع أساتذة. لقد فعلنا ما علينا ولن يتخلى الله عنا. تفرست بوجهه الهادئ، وأدركت أنه ليس طيباً فقط، لكنه بسيط إلى حد السذاجة وأن إيمانه بالقضاء والقدر إيمان عفوي ليس لـه أية أرضية فكرية. هممت أن أقول لـه شيئاً من هذا القبيل عندما لمحت "أنور" قد بدأ بخلع ملابسه، فسألته بسرعة: ـ ماذا تفعل أستاذ؟ رفع "منامته" بيده وأجاب مستاء: ـ سأرتدي هذه لأنام. من حقي بعد شهر من التعب أن أريح رأسي من الدراسة ومن "ساعة" الشيخ "أحمد". هل لديك اعتراض على نومي أيضاً. ثم التفت إلى "أحمد" وقال لـه: ـ وأنت؟ إننا لم نعد بحاجة إلى الاستيقاظ قبل الدواب. أوقف هذه الساعة القذرة فوراً وإلا نزعت آلاتها وجعلت منها منفضة للسجاير. ثم تابع خلع ملابسه فقلت لـه: ـ إذا لم تعد إلى ارتداء ملابسك فإنني سأجعل من رأسك منفضة للسجاير. ما هذا يا رجل؟ بعد شهر من الدراسة نعود مباشرة من قاعة الامتحان إلى هذه الزريبة؟ قم "أنور". يجب أن نحتفل بانتهاء الامتحان. تساءل "أحمد": ـ نحتفل؟ وكيف ذلك؟ ألا ننتظر ظهور النتائج؟ ـ لا تخف على النتائج ألم تقل إن الله معنا؟ قم بنا.. سنتشرد في هذه المدينة وأزقتها ونتفرج على الآخرين كيف يعيشون ويبذرون حياتهم. اللعنة على الحضارة. حياتنا زفت. حملق بي "أنور" مشدوهاً، وقال وهو يلبس ثيابه بسرعة غريبة: ـ لقد تبدلت. أصبحت مخلوقاً رائعاً. ثم غمز بعينه وسأل بخبث: ـ هل ثمة "مشروع" برأسك؟ ـ أي مشروع أيها الأجدب؟ ألا ترى أنني أدعو الشيخ "أحمد" معنا؟ عندما يكون فضيلته لا مجال لشيء إلا للصلاة وقراءةَ الشعر. أجاب "أنور": ـ لا بأس. سننفلت في شوارع هذه المدينة، ما أرع أن يضيع الإنسان هنا. هذه المدينة, بشرفي، لا تنفع لشيء إلا للضياع. إنها مهيأة لكل شيء ولكنها فارغة من أي شيء. هل تفهم شيئاً؟ إنها كالمرأة العاقر التي تتوحم، الملعونة، يسيل لعابها دوماً ولا تنجب شيئاً. ليكن سنتشرد. هذه فكرة، بشرفي، رائعة ولتعش كلية العلوم من أجلك. كان "أنور" يثرثر عندما التفت إلى "أحمد" وسألته: ـ ألا تذهب معنا؟ أجاب وقد نهض لارتداء ثيابه: ـ سأذهب. ولولاك أنت لما مشيت خطوة واحدة مع "أنور". هذا المخلوق المنحل. خرجنا من الغرفة، وابتلعتنا متاهات المدينة الغابية. تبعنا امرأة كانت تسير وحيدة في شارع بغداد، وقبل أن تدخل بيتها التفتت إلينا وبصقت: ـ تفوه.. على شباب هذا الجيل. دخلنا خمارة عند ضفة بردى وبقينا ساعة نشرب الخمر بينما كان "أحمد" ينتظرنا في الخارج. ركبنا باص "المهاجرين" ودفعنا ثمن تذاكر مخفضة، وعندما طلب إلينا الجابي أن نبرز هوياتنا الجامعية رفض "أنور" أن يبرز هويته فأنزلنا الجابي ولما سألته عن سبب رفضه قال: ـ هذا الجابي حمار. يجب عليه أن يعرف أننا طلاب جامعة من سحناتنا ومنظر ثيابنا، والتعاسة البادية على وجوهنا. سخرنا من حارس ليلي عجوز فركض وراءنا وهو يشتمنا بألفاظ نابية. ذهبنا إلى حديقة "السبكي" وتسلقنا أشجار الصنوبر فهرول حارس الحديقة وأنزلنا بعد أن ألقى علينا محاضرة عن آداب التربية البيتية.... شاهدنا صبية حسناء تقف في شرفة منزلها ولما حاولنا مغازلتها ألقت علينا بعض الأوساخ......... مررنا بالقرب من مسجد فقرأ "أحمد" الفاتحة.. حضرنا فيلماً سينمائياً تافهاً يمجد القتل والخيانة الزوجية.... خرجنا من السينما قبل نهاية الفيلم بعد أن طردنا الشرطي لأننا كنا ندخن... تابعنا السير ونحن نفصص البزر ثم أطلقنا عقيرتنا بالغناء فاكتشفنا أن أصواتنا كريهة جداً، فسكتنا. وعدنا إلى الغرفة قبل الصباح بقليل. لم ننم إلا ساعات قليلة ثم ذهب كل منا إلى عمله.... كان غيابي عن "براءة" قد ملأني حنيناً إليها. وعندما دخلت المكتب كانت تجلس وراء طاولتها كربّة من ربّات الإغريق، فوق شعرها الرائع حزمة ضوء ترسله شمس صيفية دافئة وبين أصابعها الطرية قلم تعبث به وهي شاردة النظرات. عيناها تخترقان أشياء الغرفة لترتمي خارجها وتضيع في زخم الشارع الذي يعوي الضجيج فيه. التفتت إليّ وردت على تحيتي بفتور ولم أكن أنتظره بعد هذا الغياب المضني. تفرست في وجهها قبل أن أجلس وراء مكتبي فلمحت في عينيها الآسرتين تعباً لم ألمحه من قبل وكانت شفتاها ترتجفان كأنها تود أن تقول شيئاً وما أن يصل إلى شفتيها حتى يتلاشى ويذوب كأنه لهاث مضن. تجاهلت هذا وقلت بمرح مفتعل: ـ لقد اشتقت إليك كثيراً. كيف حالك؟ نظرت إليّ ثم رددت بشكل آلي: ـ هذا لطف منك. شكراً. لا ريب أن شيئاً قد حدث لها فقلت وأنا أجرش ارتباكي: ـ ماذا حدث "براءة"؟ هل هناك شيء يضايقك؟ رفعت رأسها إليّ ونبرت بصوتها: ـ ألا تدري حقاً ماذا حدث؟ ـ ما الذي يدور برأسك؟ ثم ما معنى هذا الاستقبال لي بعد غياب شهر؟ أقسم بشرفي أنني لا أعرف ما حدث. ألقت القلم من يدها بعصبية وشبكت أصابعها ببعضها حتى أصبحت أشبه بضمة من القوالب الشمعية وقالت وهي تشير إلى آلة الهاتف: ـ لقد سألت عنك آنسة أو سيدة، لست أدري، أكثر من عشر مرات بالهاتف. شعرت بارتباك مفاجئ فسألت: ـ من هي؟ زفرت بنفاذ صبر زفرة قصيرة وهتفت: ـ من هي؟ أنا التي أوجه إليك هذا السؤال؟ قطبت حاجبيَّ مستاء، وفكرت قليلاً، ثم أعلنت بصدق خالص: ـ لا أعرف من هي، ولا أعرف في دمشق كلها فتاة سواك. ـ وتكذب أيضاً؟ أجبت محتجاً: ـ أنا لا أسمح لك بهذا. أنت تعلمين أنني لا أكذب ولست مضطراً لذلك. إذا كانت إحداهن قد اتصلت معي فأنا لا أعرف من هي، ولا أعرف ماذا تريد مني، وليس لدي جواب صادق لسؤالك وأنت، بعد هذا، حرة بأن تصدقي. وتوقفت، ثم تذكرت شيئاً، فحدقت في وجهها، وقد ازددت سأماً: ـ لماذا لم تقولي لي شيئاً من هذا عندما كنت أتردد على المكتب يومياً؟ ـ لم أكن أريد أن أشغلك بشيء أثناء الامتحان. ـ ما الفرق؟ لقد قذفتني الآن في حيرة عمياء. هل تقولين لي. ماذا حدث بالضبط؟ رفعت عينيها إليّ وراحت تتفرس في وجهي كأنها تحاول جاهدة أن تتغلغل إلى أعماقي ويبدو أنها آمنت بصدقي، بعد تفكير، فقالت بضجر وهي تختصر القصة بكلمات: ـ بعد أن أخذتَ إجازتك بيومين أو أكثر اتصلت معك آنسة أو سيدة، لا أعلم، وسألت عنك، أخبرتها أنك أخذت إجازة ولما سألت عن موعد عودتك وضعت سماعة الهاتف. عاودت الاتصال بعد ذلك أكثر من مرة، وهي آخر مرة سألت عن عنوان بيتك. ـ ألم تذكر اسمها؟ ـ لم أسألها، فقد شعرت بالمقت. تخثر رأسي بكآبة تشوبها حيرة عقيمة لا أدري معها ماذا أفعل أو كيف أتصرف. لم تكن لدي أية فكرة عن هذه القصة، وإن تفكيري بها سيقودني إلى متاهات أكثر. لماذا لا أتصرف ببساطة وأبتعد عن تعقيد الأمور؟ ـ صدقيني "براءة"، إنني لا أعرف شيئاً يكون جواباً أو تبريراً لهذه القصة، إنني لا.. أقصد، قد تكون.. أفّ. ما هذا؟ إنني مرتبك كبغل وقع في حفرة، دعيك منها "براءة" إنني، باختصار، لا أعرف شيئاً. لم أكن واثقاً أنها اقتنعت بهذا المنطق السطحي. لكن صمتاً كثيفاً خيم علينا، والتفت كل منا إلى أعماله، خاصة وأن انقطاعي عن العمل دفعني إلى الاطلاع على كثير من القضايا المتراكمة فوق طاولتي.... واستغرقني العمل أكثر من ساعتين، دون أن أقول شيئاً، إلى أن رنّ جرس الهاتف فجأة فمزق صمت الغرفة. رفعت "براءة" السماعة وأصغت قليلاً ثم مدتها لي وقالت: ـ المخابرة لك. هرعت ملهوفاً وأنا أقول: ـ ممن؟ ـ لا أعلم. ـ وضعت السماعة على أذني بلهفة فجاءني صوت "أنور" بارداً: ـ مرحباً يا أخ. ـ يخرب بيتك، أنت؟ ـ من كنت تتوقع إذن، بريجيت باردو مثلاً؟ ـ سخيف. ماذا تريد أسرع، إنني مشغول. ـ ولماذا تزعق بهذا الشكل اللعين في أذني، أتريد أن تمارس أهميتك أمام "براءة"؟ ـ ما زلت مصراً على أنك سخيف. إذا لم تقل ماذا تريد فوراً، سأضع السماعة. ـ كفّ عن هذا الصراخ في أذني. أنا لا أريدك ولا أريد منك شيئاً، "عدنان" هنا، في مكتبي، ويريد أن يتحدث إليك. ـ جاءني صوت "عدنان" يلوك سؤالاً: ـ مرحباً. أين أنت أيها الهارب؟ لم أجب على سؤاله وقلت: ـ أهلاً "عدنان". كيف حالك؟ ـ الحالة بشكل عام زفت. أصبحت كوعد شقي فوق شفاه امرأةً كاذبة. كل شيء أصبح في دمشق سيئاً. الفتيات فرغت أكفهن من الدفء، كلما تعرفت على فتاة تطالبني بالزواج. الامتحان أنهك قواي ولن أنجح. أفراد "الشلة" ذهبوا إلى المصايف. أقضي معظم أوقاتي وحيداً. ملاهي دمشق كلها لا تساوي حذاء عتيقاً أين يذهب الإنسان؟ أطلقت صفيراً عالياً وقلت ساخراً: ـ الحقيقة إن مأساتك لعينة. قل لي أيها البورجوازي الذي يفلسف الاشتراكية. أتكون حياتك سخيفة إلى هذا الحد، تبدأ بالمرأة وتنتهي بها؟ رفعت "براءة" رأسها بغتة وراحت تحدق بي غير مصدقة بينما كنت ألصق السماعة على أذني، "وعدنان" يرد مستاء: ـ أنت إنسان يبعث على الضجر. وليس لدي وقت لسماع آرائِك العجيبة. اسمع، أريد أن أراك اليوم لنسهر معاً. صرخت فوراً: ـ نعم؟ كل شيء إلا هذا. إن المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين. ـ سلاماً أيها المؤمن الكبير. منذ متى؟ سنسهر معاً ولن أقبل أعذارك السخيفة. ـ إن سهراتك تسبب لي صداعاً، لست معتاداً عليها ولا أريد أن أعتاد عليها، أشكرك سلفاً. ـ سأنتظرك في سيارتي الساعة الثامنة مساء أمام فندق "السميراميس". ثم وضع السماعة دون أن ينتظر جوابي. نظرت إليّ "براءة" وسألت: ـ من هذا وماذا حدث؟ ـ هذا.. إنه "عدنان"، أحد معارفي الجدد، وقد دعاني إلى سهرة في بيته. ـ ولماذا امتقع لونك هكذا؟ اغتصبتُ بسمة، كنت واثقاً أنها بسمة بلهاء. وأنا أرد: هذه الدعوة مفاجأة لي. في مرة ماضية دعاني إلى سهرة، وكانت مليئة بالصخب والرقص والخلاعة. لست معتاداً على ذلك، أنت تعلمين هذا جيداً، وقد وقعت في مآزق لا عدَّ لها سببت لي حرجاً لا يوصف. ـ معنى هذا أنك لن تذهب هذه المرة.؟ ـ لا أعلم. ما رأيك هل أذهب؟ هتفت "براءة" باستغراب: ـ تسألني؟ لا رأي لي بذلك. اذهب أو لا تذهب، يجب أن تتصرف وفق رغباتك. أحسست أنها غضبت. وأن إخباري لها عن السهرة الماضية قد أزعجها فقلت مدافعاً: ـ أنا لست واحداً منهم "براءة". ثقي بذلك، إنهم معقدون وأنا أكره زيفهم وخلاعتهم. كنت في المرة الماضية ساخطاً على نفسي لأنني ذهبت إلى السهرة، وها أنا أقع في الفخ من جديد. تطلعت إليّ بحنان ثم قالت بصوت هادئ: ـ أريد أن أراك سعيداًَ دائماً. لكني أخاف عليك من هذه المدينة. إنهم مزيفون كما قلت ألسنتهم لا ترحم، ولا أريد أن أراك تنغمس معهم حتى لا تتلوث براءتك وتفقد أصالتك. إن إنساناً مثلك يجب أن لا يعيش مع دُمى. غمرتها بنظرة حنان ولهى، وتمنيت بكل عمري أن أحتضنها بين ذراعيّ. من كان يظن أن أيامي المجدبة ستورق هذا البهاء؟ من كان يظن أن هذه الروعة الإنسانية تخاف على حياتي أن تدوسها أقدام المتوحشين؟ وأن هذا الجمال الراسي فوق شطآن عينيها يخشى عليّ أن أضيع عفويتي بين مسافات الحياة الغابية هنا.؟ قلت لها، وأنا أخنق غصة فرح وثبت إلى فمي: ـ إن شيئاً في العالم لن يغيرني ولن يلوثني، ثقي بذلك، إنني أملك مشيئتي. ولن أسقط طالما أنت إلى جانبي، سأظل الإنسان الذي تريدينه. طالما أنت تحبينني لن تستطيع قوة أن تخرجني من نفسي. طفرت دمعتان إلى عينيها وهي ترد: ـ لقد جئت من الريف تحمل في أعماقك صورة الإنسان الأصيل، الذي لم تفسده المدنية بعد. إنني أثق بك ثقة لا حد لها، وأحبك حباً لم أكن أتصور أنني قادرة عليه. لقد أصبحت أنت كل شيء في حياتي، وأصبحت أنا أسيرتك منذ أن طبعتني بطابعك. وسكتت برهة، ريثما رفعت خصلة من شعرها عن جبينها، ثم تابعت باستحياء: ـ من أجل هذا أنا أخاف عليك. وأخاف على نفسي. كنت أتمنى أن أقول شيئاً. لكني لم أجد ما أقوله. خفت أن تشعل كلماتها جذوتي أكثر من ذلك، فحاولت تغيير الحديث وقلت ممازحاً: ـ امسحي دموعك "براءة" أرجوك. قد يدخل أحد الموظفين فجأة ويرانا في هذا الموقف الدرامي. لا تبكِ أرجوك، ولا تجعلي شيئاً في العالم جديراً بدموعك، أنا نفسي لست جديراً بها. مسحت عينيها بمنديلها الحريري ثم رفعت إصبعها مؤنبة: ـ لا تتحدث بهذه الطريقة أمامي. أنت لا تعرف معنى وجودك بالنسبة لي. إنك تستحق حياتي كلها. أجبتها مازحاً لأبتعد عن هذا الموقف الذي سبب لي جفافاً في الحلق.. ـ إذن فأنا أريد حياتك لا دموعك. هيا اضحكي لي أرجوك. انفرجت شفتاها الرائعتان عن بسمة فاتنة كللت وجهها الحنون، فعدت إلى مكاني وراء الطاولة وأنا أحك رأسي بحيرة وقلق. ـ ما بك؟ ـ إن ابتسامتك تدوخني. سوف أطلب نقلي من هذه الغرفة، البقاء هنا صار مشكلة لأنني أفقد إرادتي يوماً بعد يوم وأتحول تدريجياً إلى صنم يتعبد أمام عينيك. هذا لا يجوز. ـ جرب أن تنتقل وسوف ترى أني سأتبعك كظلك. ابتسمنا معاً. وكنت في أعماقي أحس فرحاً طفولياً يغمرني بفيض من الغبطة بقيت منتشياً بها حتى خرجنا من العمل معاً... وجاء المساء... لم يبق على الموعد الذي حدّده لي "عدنان" غير ساعة واحدة. ساعة واحدة فقط. فما العمل؟ رحت أتجول في الغرفة، وأنا أعصر رأسي بين يديّ ملتاعاً كأن ألف فكرة هوجاء تعصر لي دماغي وتحملني كشيء تافه صغير لتلقيني في عتمة من التساؤلات تبدأ ولا تنتهي. كان شيئاً كالفضول يدفعني كي أذهب. أريد أن أجوس بين الناس أكثر، لكن الذكريات التي نخرت أعصابي من المرة الماضية، وموقفي الأبله كلما تذكرت ثيابي، وتشنجي وراء المقعد الطويل.. كل هذا كان يرعبني ويردعني. التفت إلى "أنور" الذي كان يدخن فوق سريره وهو يتصفح مجلة أسبوعية وسألت: ـ ما رأيك أنت، هل تذهب؟ رد باقتضاب دون أن ينظر إليّ: ـ أنا لستُ مدعواً؟ ـ أتعني أن "عدنان" لم يطلب إليك أن تحضر الحفلة عندما حدثني من مكتبك؟ أقصد ألم... ـ لا تجعجع كثيراً. ليس ثمة حفلة ليدعوني إليها. ـ هل أقام لي حفلة خاصة؟ أعني.. تفوه. لم أعد أعرف كيف أعبر. ضحك "أنور" بهدوء وقال: ـ أستاذ، أنت تضخم الأمور. "عدنان" يريد أن يراك لسبب لا أعرفه. لماذا لا تذهب إليه ببساطة وتسأله عما يريد؟ أدار وجهه إليّ بعد أن طوى المجلة وقال: ـ لماذا تظل خائفاً من الناس كأنك عذراء تخاف أن تفقد عفافها؟ قذفت "أنور" بتفاحة صغيرة كانت على الطاولة، لكنه أنزل رأسه قليلاً، فطارت لتلطم وجه "أحمد" الذي كانت يستمع إلينا صامتاً وهو يستند بمرفقه إلى الوسادة. أخذ "أحمد" التفاحة عن السرير وضرب بها الأرض هائجاً ثم صاح: ـ لعنة الله عليك وعلى أصدقائك ومشاريعك، وعلى "عدنان" أيضاً. هذا البورجوازي العفن الذي يحاول إخفاء حقيقته الوسخة عن الناس. ـ إنني أعتذر "أحمد". لم تكن أنت المقصود بالتفاحة. ولا لزوم لثورتك هذه. ـ أنا لا أثور من أجل ذلك. إن علاقتك مع "عدنان" لا تعجبني. إنه إنسان وسخ وهو يحاول أن يلبس لباس الاشتراكيين ليخدع الآخرين، وقد كنت بكل أسف، أحد ضحايا هذا الخداع. تدخل "أنور" قائلاً: ـ لا فائدة من مهاجمته الآن من هذه الزاوية. لقد طُرد منذ يومين من الحزب. فاجأني الخبر فسألت "أنور" عن مدى صحته، أم أنه يقول هذا ليستفز "أحمد" فقال: ـ الخبر صحيح. لقد صدر قرار بفصله من الحزب وقد جاء في حيثيات القرار إن لا أخلاقيته تسيء إلى سمعة الحزب الذي ينتسب إليه. ـ وكيف تقبل القرار؟ ـ تظاهر بالهدوء، لكني لا أعرف الحقيقة. ـ يبدو أنه كان يتوقع ذلك. إن سلوكه المشين لا يتفق مع الأخلاقية التي يدعو إليها الحزب لقد كان عالة حتى على رفاقه، وإن تحسسه الإنساني وهو يرى بؤس الكادحين كما قال لن يرقى أكثر من مراتب العاطفة الشخصية. ـ قاطعني "أنور": ـ ولكن ما يحيرني في الأمر هو أن الحزب مازال يضم عدداً من أمثال "عدنان". ـ إن الحزب لا يملك عصا سحرية ليحول كل شيء، ويعيد الأوضاع المقلوبة، ويتخلص عن جميع الموروثات العفنة، بتهويمة سحر واحدة. أنا واثق أن الاشتراكية في الوطن كله ستقف في النهاية بعزم وثبات، ليس الاستعمار اليوم هو العثرة الوحيدة في طريقها.. إن البرجوازين والمنحرفين والمنافقين، أمثال "عدنان" هم عثرة ضخمة أيضاً لابد أن تزول. رد "أنور" مدافعاً: ـ أنا لا أوافقك على ذلك. لماذا تعتبر "عدنان" بصورة أو بأخرى مسؤولاً عن أموال أبيه التي ورثها؟ إنه ثائر من نوع جديد. وأموال أبيه لا تعني شيئاً بالنسبة لـه، تخلى عنها، وقام بجميع المهمات التي أوكلها الحزب إليه. أتدري أنه اعتقل أكثر من مرة أثناء فترة النضال السري للحزب بينما كان يقوم بتوزيع المناشير التي تحض على الثورة وتعرّي الرجعية، وتعاونها مع الاحتكارات العالمية. قال "أحمد" فجأة: ـ وماذا يعني هذا؟ صاحبك هذا منافق من نوع جديد، أنا واثق أنه قام بالمهمة لأنه يعرف أن أحداً لن يشك بأمره. ولو كان يعرف العكس لما وزع منشوراً واحداً، دعك منه "أنور" إنه دعيّ ومزيف وهو يبيع رأسه من أجل امرأة، ولا يستيقظ من سكرته إلا ليبدأ سكرة أخرى، إنه بلا أخلاق وأنت تعلم أن القضية اليوم تحتاج إلى أخلاقيين لحمل رسالتها. الأخلاق تعني الصدق ثم التفت إليّ وتابع: ـ أنت تعرف هذا جيداً وتعرف أن هذا المخلوق كاذب ومع ذلك فقد ربطت نفسك به بعلاقة مشبوهة وغير متكافئة، وفوق هذا، وبعد كل هذه الثرثرة سوف تذهب إليه ولو ربطناك بحبل. تدعي أنك متردد بالذهاب إليه، ولماذا التردد؟ إنه يعرف نصف عاهرات المدينة. هتف "أنور" على الفور: ـ فضيلة الشيخ، ألا يتنافى حديثك هذا عن "العاهرات" مع مبادئك الدينية؟ ـ اخرس "أنور" أنا غير مستعد لتحمل مزاحك السمج وتعليقاتك السخيفة الآن. ـ إنني لا أمزح وليس فيما أقوله أي سخف، وعليك أن تستبدل كلمة "عاهرات" بكلمة أكثر تهذيباً، إن الدين يمنع إطلاق الألقاب على الناس. زعق "أحمد" وسط الغرفة: ـ قلت لك أن تخرس. عاهرات.. عاهرات.. وأصر على هذه الكلمة. ـ ليكن ما تريد. وأنا أصر على أنك خالفت مبادئ الدين وهذا سيؤدي بك إلى جهنم. خرجت من الغرفة دون أن أقول شيئاً "وبينما كانت خطواتي المرتبكة تبعدني عن البيت وتدق أقدامي أحجار الرصيف الناتئة... كان صوت نقاشهما الحاد يتلاشى ويذوب شيئاً فشيئاً، حتى وصلت الشارع العام، واحتوتني زحمته وضجيجه وأنا متوجه إلى فندق... "السمير أميس". ..... ثمة نماذج كثيرة من البشر, فئة تجيد إلقاء الأسئلة وهي بارعة بإثارة الشك., وفئة تجيد الإجابة على كل الأسئلة, وفئة لا تسأل شيئاً ولا تجيب على أي سؤال. أشعر وأنا أفكر بذلك أني أسقط في كيس مثقوب. أنا أكره هذه النماذج، وهذا يعني تلقائياً أني أكره الناس جميعاً. أكرههم لأنهم يتكلمون دائماً في كل شيء، لا يعملون أبداً، ولكن يتكلمون..... إن حياة قائمة على الكلمات هي حياة تافهة وسخيفة. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |