|
||||||
| Updated: Sunday, July 01, 2007 02:56 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الفصل الرابع عشر فتح "عدنان" باب سيارته وقال باسماً: ـ كنت أعلم أنك ستأتي. مجرد حدس. ادخل، بدأت تفكر جيداً. دخلت السيارة، وغصت إلى جانب "عدنان" في معقدها الوثير المغطى بسجاد فاخر، وتهادت بنا تزحف على إسفلت الشوارع الأسود، وبين فترة وأخرى كان بوقها ينعق ليفرق جماعات من الناس كانوا يسيرون في عرض الشارع غير مبالين بالأنظمة والشارات الضوئية. انعطفت السيارة من شارع بيروت وصعدت في شارع المالكي، حتى وصلنا الساحة التي أقيم في وسطها تمثال إنسان متحفز دائماً. سألت "عدنان" وأنا أشعر بسرور خبيث: ـ هل صحيح إنهم طردوك من الحزب؟ قطب حاجبيه، وزاد من سرعة السيارة، ثم أعلن: ـ سيان عندي. لقد قلت لك إن إيماني بالاشتراكية ليس مرتبطاً بأية فئة أو حزب سياسي. ـ هذه المواقف الخطابية لا تستطيع أن تقنع بها أحداً. حتى تكون اشتراكياً يجب أن تخرج من نفسك أولاً. أنت تظن أن الاشتراكية ترف فكري. ومادة للنقاش والجدل. أنت هنا تسقط في الحفرة، الاشتراكي يموت ألف مرة من أجل مبادئه، وأنت تبيع وطنك كله بجلسة مع امرأة جميلة. ـ الغريب فيك أنك تخلط دائماً وتقارن إيماني بمبادئي، مع حقي بممارسة أهوائي. ـ عندما تحمل لواء قضية فليس ثمة مجال لأية أهواء أخرى. تضايق "عدنان" من صراحتي فقال بعصبية: ـ إذا كنت تعتقد ذلك حقاً فأنت أغبى مما تتصور بكثير. توقفت السيارة فجأة، وسمرت في مكانها، عندما برز أمامها بائع هرم كان يحمل بيده سلة كبيرة. مدّ "عدنان" رأسه من السيارة وراح يشتم البائع بكلمات رخيصة ومبتذلة. تطلع الرجل إلينا بذهول ثم نظر إلى السيارة قليلاً ومضى في طريقه دون كلمة. أوشكت أن أنزل من السيارة لأعتذر من الرجل وأؤكد لـه أنني لست من الذين يشتمون الناس إذا اعترضوا طريق سياراتهم الأنيقة.. لكن "عدنان" لم يتوقف، بل تابع طريقه بعصبية لم أملك معها إلا أن أقول لـه: ـ هذا الرجل كان أكثر تهذيباً منك. ـ كان مجرد أبله عابر. لو أنني مررت فوق جثته القذرة، لاعتبروه رجلاً وحاكموني من أجله ودفع ثمن دمه. نظرت إلى "عدنان" بتقزز هائل، وقررت أن أنزل من السيارة فوراً بعد أن أدركت أي رجل أجوف هو. إنه يتحدث بهذه البساطة عن.. ثمن إنسان! لكن السيارة في تلك اللحظة توقفت تماماً وهبط منها "عدنان" فسألته: ـ أين تذهب بي؟ ـ لا تكن لجوجاً. سترى الآن. ثم.... لماذا لم تحلق ذقنك؟ تحسست ذقني التي لم أحلقها منذ أيام وسألت: ـ ولماذا أحلق؟ لست ذاهباً لأقابل الملك. ـ بل أنت ذاهب لتقابل ملكة! وجرني من يدي إلى دار فخمة تسيجها حديقة وارفة الظلال، وتتسلق جدرانها الفستقية شجيرات لبلاب عميقة الخضرة، تستلقي وريقاتها الدقيقة بوداعة على الجدار الفستقي مرة ومرة تختلط مع أغصان شجرة الياسمين التي كانت "كالشمس" ترسل أريجها العطر. صعدنا درجاً رخامياً أبيض، تزوقه عروق سوداء كأنها أعصاب مرهقة، ودون أن يقرع "عدنان" الجرس، دفع باباً حديدياً مزخرفاً وولجنا عبره إلى قاعة فسيحة، تتناثر فيها قطع الأثاث الأوربية التصميم، الفخمة الصنع. وقفت وفتحت فمي مصعوقاً مما رأيت. عمري لم أرَ أروع من هذا البيت. حتى أحلامي لا تستطيع أن ترتفع بي إلى هذه المرتبة الجمالية من الرؤية. تسمرت وسط القاعة، ورحت أجول بعينيّ في أرجائها الفسيحة وشيئاً فشيئاً، شعرت أني أضعت معالم الأشياء وأبعادها. ..... غبت وسط دوامة ضبابية من التفكير الأسود شدتني إلى أسفل وأسفل. وصلت القاع. الطنين في أذنيّ ورأسي ويسدل غشاوة قاتمة على عينيّ. لم أعد أرى أو أسمع. تجمد الزمان وارتد كعاصفة هوجاء إلى الوراء.... أنا طفل بائس أعيش مع عدد من الأطفال في غرفة حقيرة من الطين جدرانها تمتص نضارتي وجوّها المعتم يلقي ظلاله على شيخ وقور يهدر بصوته الأجش وهو يهز في يده قضيباً طويلاً من الرمان، بمعلومات أكيدة عن الجنة والجحيم وكل المتع التي وعدنا الله بها، وعن النار التي ستحرق الأغنياء الزنادقة الذين لن يعرفوا السعادة وهناءة العيش لأنهم لا يعرفون الله.... لماذا كبرت؟ لماذا لم أبقَ طفلاً؟ صرخ "عدنان" من أعلى الدرج الموصل إلى الطابق الثاني من البيت: ـ إست.. إس.. هيه.. ألا تسمع؟ فركت عينيّ كأنني أزيل عنهما شيئاً دبقاً، بينما تابع صراخه: ـ ما بك؟ ألا تسمع؟ ... تعال. صعدت الدرج وثباً حتى وصلت نهايته، فتوجهنا إلى باب غرفة، نقر عليه عدة نقرات خفيفة سمعنا على إثرها صوتاً نسائياً يدعونا: ـ الباب مفتوح. دخلنا. فوجدت نفسي أمام... "عفاف"! شعرت بارتباك لم أدرِ معه ما أفعل. كنت أتوقع كل شيء إلا هذا. كنت.. مددت يدي بصورة تلقائية ورحت أصلح من شكل ملابسي، تحسست ذقني الخشنة، وتذكرت أني لا أضع ربطة عنق، وكان حذائي مغبراً بشكل لا أستطيع أنا أن أعرف لونه الأصلي. كان شكلي إذا قيس بأناقة "عدنان" مزرياً. لكن هذا لم يعد ينفع الآن، فجلست قربه وهمست بإذنه: ـ أنت إنسان قذر. ـ شكراً. القذارة ميزة كالنظافة. ولكن لماذا؟ ـ لماذا لم تقل لي إنك ستأتي بي إلى هنا؟ ـ أليست المفاجأة لذيذة؟ ـ يلعنك ويلعن المفاجأة. إن هذا إحراج لي، ألا ترى الشكل الذي أتيت به ماذا ستقول عني؟ ـ لو أخبرتك؟ هل كنت سترتدي "السموكنج والبابيون" مثلاً؟ دعك من هذا، لا شيء أفضل من البساطة. أثارني بروده، فوقفت محاولاً الاعتذار عندما لاحظت "عفاف" ذلك فعقبت ضاحكة: ـ اجلس أيها المتمرد. ألم أقل لك إنك ستظل فلاحاً؟ حذرتها بصوت غاضب: ـ هل سنعود إلى ذلك مرة ثانية؟ ربتت على ظهري مطمئنة وأعلنت: ـ لن نعود إلى شيء. اجلس فقط. أنت لست في غابة ولا يوجد من يأكلك. علق "عدنان" فوراً: ـ كما أن لحمك لا يؤكل. أجبت وأنا أحاول أن أهينه: ـ لقد أصبح لحمي زنخاً منذ أن صافحتك أول مرة. قهقهت "عفاف" لتعليقي ثم تقدمت مني وقدمت ليس سيجارة أمريكية، فاعتذرت عن قبولها. أشعلت لنفسها واحدة، وجلست على مقعد وثير يقابلني وضعت ساقاً فوق ساق، فانزاح الستر عن فخذين أبيضين، كأن كل مواسم الثلج في بلادي قد هطلت فوقهما. بلعت ريقي وأطرقت برأسي إلى الأرض. إنها حقاً معبد أنوثة. كل شيء فيها يصرخ بالحياة والمتعة والدعوة. ماذا تريد مني هذه الإنسانة التي تملك الجنة في بيتها؟ ماذا تريد مني وأنا لست واثقاً إذا كنت أجلس بشكل صحيح على مقاعد بيتها العظيم؟ إنها كما قال "عدنان" متزوجة من مصرف متخم بالأرصدة، مصرف عجوز، إن أضخم رقبة في المدينة تتمنى أن تلتوي أمامها خاشعة. إنها إذا أدارت قرص الهاتف من بيتها، لتزين الليل بحكايا السهرات. تذكرت الهاتف و"براءة". فسألت فجأة: ـ هل اتصلت بي هاتفياً؟ ضحكت ثم أحنت رأسها ورفعت أصابع يديها: ـ أكثر من عشر مرات؟ ـ ولكن من أعطاك رقم هاتفي؟ أعني، كيف عرفت مكان عملي، وماذا كنت تريدين من اتصالاتك الملحة؟ أشارت برأسها إلى "عدنان" واعترفت: ـ لقد سألته عن مكان عملك "فأخبرني" وعرفت رقم الهاتف من الدليل، القضية كما ترى لا تحتاج إلى ذكاء كبير، أما لماذا اتصلت معك؟ سكتت برهة ثم رفعت كتفيها، وبسطت راحتيها واستطردت: ـ لأني أريد أن أراك فقط. ـ لماذا؟ ـ هذه الـ "لماذا" اللعينة التي تضعها على لسانك في كل مناسبة.. أردت أن أراك لأنك أثرت اهتمامي منذ رأيتك. أيرضيك هذا؟ عندما صفعتني أدركت أن ثمة رجالاً، مازالت كبرياؤهم ترتفع فوق غرائزهم، وأن جراحاتهم الشخصية تظل مقدسة عندهم. أعترف أن الرد أعجبني وأرضاني، لكني أجبت: ـ لست مجروحاً "عفاف" ولست أخجل لأني ابن فلاح. ـ أنا لا أعني هذا. المهم أني اتصلت بك، وبهذه المناسبة، إن الآنسة التي كانت ترد عليّ وقحة جداً. شعرت أن شيئاً طاهراً في صدري قد طُعن طعنة لئيمة، فجحظت عيناي، ونهضت من مكاني: ـ إذا لم تعتذري عن هذه الكلمة السافلة، سأخرج من بيتك فوراً. ـ قهقهت بخلاعة لا تتناسب مع الوقار الذي كانت تبديه وقالت: ـ الولد عاشق. كان عليّ أن أعرف ذلك. اجلس، أنا آسفة ولست أقصد الإساءة إلى حبيبة القلب. قل لي هل هي جميلة؟ ـ هذا لا يعنيك. إنها شريفة. ـ هذا الجواب لا معنى لـه. هل هي جميلة؟ ـ لقد قلت إنها شريفة، وهذا هو الشيء الدائم في المرأة. الجمال طفرة زمنية. تدخل "عدنان" بعنجهية فارغة: ـ لا يمكن أن نجد امرأة جميلة وشريفة بآن واحد. ـ لماذا؟ ـ إن الجمال والشرف إذا اجتمعا عند امرأة واحدة، سرعان ما تفقد أحدهما. أما إذا حافظت عليهما فإنها تظل مغرورة لا تطاق. انظر أستاذ، معظم الجميلات لا يتزوجن، الجميلات الشريفات يمتن عانسات لأن رجلاً في العالم لا يوافق أهواءهن الفظة. سألته مشمئزاً: ـ من قال لك هذا؟ أنت تتحدث عن الناس بصورة بسيطة وسطحية كأنك أنت الذي اخترع العالم. ـ لا لزوم لأن أخترع العالم حتى أعرف الحقيقة، وأعتقد أن هذا هو الصحيح. ـ إن جميع ما تعتقده لا يساوي قرشاً. ولا علاقة لأحد بسخافاتك التي تظنها منطقاً. إن أمثالك كالوباء في مجتمعنا. ضحك ساخراً ولم يجب، بل التفت إلى "عفاف" وقال وهو يفرك يديه جزلاً: ـ هات خمراً "عفاف". لا عاش من مات صاحياً، هذا المأفون يعتقد أن العالم يجب أن يسير وفق الطريقة التي يرسمها شيوخ قريته الأميّون. أستاذ، أنت معزول عن العالم ولا تعيش في هذا العصر، كان عليك أن تولد قبل خمسة قرون أما الآن. بف، هاتي "عفاف" هاتي الويسكي ثم التفت إليّ وقرر بثقة عجيبة: ـ أنت عاشق إذن؟ هل تريد أن أعلمك شيئاً؟ إن غريزة جديدة تحكم العالم، أتدري ما هي؟ إنها غريزة الحقد! قلت إنك لا تعرف كيف تعيش في هذه المدينة، السبب واضح، قبل أن تتعلم كيف تحب يجب أن تتعلم كيف تحقد. يجب أن يخشاك الناس من خلال حقدك عليهم، عندها تستطيع أن تجد مكاناً في هذا المجتمع، مكاناً تختاره أنت. تفرست في وجهه وأحسست بحيرة تنهشني. كيف يستطيع أن يكون اشتراكياً، وثرياً، وحاقداً في آن واحد؟ إنه مخلوق دعيّ. كانت "عفاف" تبتسم، فخطر ببالي أن أعرف شيئاً عن آرائها، إن كانت مترفة كحياتها: ـ ما رأيك بما يقوله "عدنان"؟ قلبت لفافتها بين أصابعها وقالت: ـ أعتقد أنه متطرف بآرائه، ولست ألومه، فهو يشعر أنه مضطهد. إن هذا الحقد الذي يتحدث عنه وليد الشعور بالخيبة، عندما حاول أن يحب الناس ويعمل من أجلهم من خلال عقيدة آمن بها.. ـ أنت تشيرين إلى طرده من الحزب؟ يجب أن تعلمي أنه لم يكن اشتراكياً حقيقياً، كان يحمل شعارات الحزب ليتاجر بها، ويمارس من خلالها برجوازيته. ـ لا أريد أن أناقش بذلك. لقد قلت إنه حاول، ولم أقل إنه وصل أو نجح. الذي يبدو لي أنه لم يستطع أن ينتصر على نفسه وعلى ظروفه التي طبعته بها البيئة فسقط. والنتيجة المنتظرة بعد هذا السقوط هي الحقد على الآخرين. لكنه لا يستطيع أن يحل مشاكله بالحقد. وابتسمت ثم قالت لي: ـ وأنت لا تستطيع أن تحل مشاكلك بالحب، لأن الحب ليس وسيلة عملية للاستمرار. لم أجب على هذا التعليق الجانبي فقلت أستحثها: ـ إذا كنا لا نستطيع أن نحل مشاكلنا بالحب أو الحقد ألا ترين أن الثورة هي المناخ الطبيعي لخلق واقع جديد خال من الترسبات الاجتماعية؟. ـ أنا لست مصلحة اجتماعية. ولا أعرف شيئاً عن الثورة التي تتحدث عنها. إن صلاح العالم أو فساده لا يهمني، ولست مسؤولة وهذا مبرر كاف لأن أهمل كل شيء إلا نفسي. أوشكت أن أقول لها إنها عادت إلى اجترار أنانيتها عندما قال "عدنان": ـ إن طردي من الحزب لم يعقدني كما خُيل إليكما. كنت أنتظر ذلك منذ زمن بعيد طالما أن أحداً لم يستطع أن يعزل أفكاري عن موجودات جيبي. لكني لا أريد بعد أن أناقش بهذا، فأنا أومن مع "عفاف" بأنني لست مسؤولاً، لكني أنتظر اليوم الذي يجد فيه كل منا الجرأة على أن يعيش أعماقه بصدق، عندها قد يولد جيل جديد كل فرد فيه شارك بالخلق. قلت لـه: ـ أفراد هذا الجيل الذي تنتظره، سيكونون معزولين عن بعضهم، ولكلّ منهم قضية خاصة. ولن تجمعهم بعد ذلك وحدة تراب أو لغة أو تاريخ. ـ هذا لا يهم طالما أن قضية من قضاياهم توصل إلى الحياة الحقة. ـ معنى هذا أننا نحتاج إلى عشرين قرناً آخر لنحقق هذه المعجزة، أنت تفترض شخصيات أسطورية تولد، وهي تحمل السحر في أصابعها، تموت عبثاً لتورث أحفادها نتائج تجارب لم تومض أبداً. هذه ليست طريقة "عدنان". أنت تضع حلولاً انهزامية. تدخلت "عفاف" متساءلة: ـ ماذا تقترح أنت؟ أجبت ضاحكاً: ـ أقترح؟ كأننا نصنع العالم من جديد في بيتك الفخم؟، أنا لا أقترح شيئاً سوى الثورة الحقيقية لست مصلحاً اجتماعياً، لكن لا يمنعني أن أؤكد أننا جيل معذب, لا نقبل العالم كما هو. والعالم لا يقبلنا كما نحن. لابد إذن من الثورة التي تبنى مني ومنك ومن الآخرين لنحطم صفاقة الواقع الذي ورثناه. قال "عدنان" ساخراً: ـ ولماذا الثورة؟ هناك حلول أخرى، أنا شخصياً ضد الثورات لأنني ضد العنف والدم. هتفت محتجاً: ـ ما هذا "عدنان"؟ أنت تعلم أنني لا أتحدث عن الثورات الدموية. الثورة أن نلقي جميع التمائم والتعويذات، أن نمزق أكفاننا ونتخطى جميع الحواجز الاجتماعية التي وضعها المشرعون من عصور الانحطاط. الثورة "عدنان" أن نولد من جديد، على تراب جديد لا أثر عليه لأقدام الدخلاء أو المستغلين أو المتخاذلين, أو بالضبط لا مكان فيه لإنسان يفكر أنه يستطيع أن يدفع ثمن بائع عجوز إذا مرّ فوقه بسيارته. شعر "عدنان" بالحرج فقال بارتباك: ـ هذه ليست ثورة. إنها إعلان حرب ضد العالم، وهي حرب خاسرة. ـ أو تظن ذلك حقاً؟ لقد دخل نقاشنا مرحلة جديدة. دعني أقدم لك هذه الصورة. قالت "عفاف": ـ دعوني أقدم لكما كأسين وهما أفضل من هذا الكلام كله. ـ أرجوك دعيني أكمل، أنا لا أريد أن أشرب. الثورة التي يجب أن نشعلها ليست أقسى من ثورة الجزائر مثلاً أو ثورة الحجارة في الأرض المحتلة، ثورة اجتماعية وسياسية معاً، وقد انتصروا في الجزائر ولم يكن لديهم أي سلاح سوى إيمانهم بأن الموت لابد أن يورق حياة جديدة.... تماماً كالمقاتلين اليوم في الأرض المحتلة (أطفال الحجارة) اليوم يقفون ضد أشرس عصابة عنصرية عرفها التاريخ، وليس لديهم سوى إيمانهم بأن النصر شيء قدري عندما يموت الفدائي اليوم فإنه لا يخسر شيئاً سوى خيمته، إنه لا يخسر حياته، لأنه فقدها منذ أكثر من أربعين عاماً. ماذا يستطيع العنصريون أن يفعلوا مع المقاتلين اليوم؟ لقد حاربوهم بكل الأسلحة ومازالوا يقولون لا. لقد هزل التاريخ ثلاث مرات معنا ولابد أن يخجل أخيراً. قال "عدنان" وهو يتمعن بكل حرف: ـ أنت تلخص الآن المشكلة العربية كلها، ومشكلة الإنسان العربي من جذورها. وتبقى المشكلة أننا نملك خطباًء أكثر مما نملك من العمال. لقد تكلمنا أربعين عاماً ثم ضاع كل شيء في عشرين دقيقة. هذه حقيقة مضحكة، لكننا يجب ألا نقف على أطلالها نبكي. لا تعتقد أنني أنا الآخر أضع حلولاً، أبداً. يجب أن نمزق خيامنا وندخل شوارع العصر. نحن معزولون ولأننا معزولون نتحدث دوماً عن البطولات الأسطورية. صحيح أن عهد الأساطير قد انتهى لكن عهد الأساطيل انتهى أيضاً. يجب ألا نخاف بعد الآن، يجب أن نفعل شيئاً، أي شيء. أعجبني أن "عدنان" مازال يتمتع بهذا الصفاء الذهني فقلت دون أن أهتم باعتراض "عفاف": ـ لقد حققنا حتى الآن معجزة واحدة على الأقل. تخلصنا من عقدة الخوف. لم نعد نخاف. لذلك بدأنا نقاتل. الثورة السياسية أعطت أخيراً هذا العزم والقدرة على المجابهة. ولم يبقَ إلا أن نهزَّ المثقفين هزاً عنيفاً ليتخلصوا من مرض اللامبالاة. صدقني، إذا عرف المثقفون كيف يرفعون بيرق الثورة السياسية، إذا وجدوا الجرأة، خطونا الخطوة الأولى الصحيحة. اللامبالاة لدى المثقفين العرب تحتاج إلى عاصفة لاجتثاث جذورها. جيل الشباب اللاهي أيضاً يحتاج إلى عاصفة أخرى حتى يستيقظ ويفتح عينيه. يجب أن نصطدم بالواقع صداماً مباشراً وعنيفاً حتى نصرعه وندفن تفاهته. نهضت "عفاف"من مكانها فجأة، وقالت تغير الحديث وعلائم الضجر بادية على وجهها: ـ خذ هذه الكأس. اشرب. دعنا من المجتمع والثورة، يكفي أننا نعيش هذه الساعة، إن رأسي يدور من هذا الحديث، العالم لا يستحق أن نفكر به هكذا. ـ إننا نتحدث عن أنفسنا "عفاف"، ألا تدركين هذا؟ نتحدث عن أمراضنا لا عن الآخرين. ـ اشرب ودعك من كل هذا. أنا أرغب اليوم أن أثمل حتى الانطفاء. كأسك أيها الجبلي المتمرد، كأس الحياة. تجرعت الكأس دفعة واحدة، وشعرت أن شيئاً كالنار يحرق صدري. أخذت الكأس الثانية والثالثة و..... ومددت ساقي إلى الأمام، وغصت في مقعدي مستسلماً إلى خدر لذيذ ونشوة فائقة لم أشعر بمثلها في حياتي. نظرت إلى "عدنان" الذي قام ليدير جهاز التلفزيون، عندما اقتربت مني "عفاف" وهمست وهي تغمز بعينيها: ـ هل سكرت؟ قربت فمي من أذنها وهمست: ـ أشعر بنشوة خالقة. هذا الويسكي من صنع ساحر كان يعرف كل هموم البشر. لا يهم عندما يوجد المال تصبح الحياة هينة ولذيذة. من الذي اخترع المال"عفاف"؟ مأساتنا أننا فقراء. تلفتت حولها لتتأكد من وجود "عدنان" قرب جهاز التلفزيون ثم قالت: ـ سأنتظرك غداً في مثل هذا الوقت. تعال وحدك. لقد أصبحت تعرف البيت. ودون أن تنتظر جوابي، مضت نحو جهاز التلفزيون وأقفلته ثم وضعت اسطوانة على "البيك آب". وفجأة امتلأ جو الغرفة بلحن عذب ينداح فيه الكمان رخيماً كانسكاب جديلة نور أشقر على جسد صبية فاتنة. أغمضت عينيّ منتشياً وفكرت"..... كم أكون سعيداً لو تظل حياتي استمراراً لهذه الساعات. بيت فخم، وامرأة فاتنة، وكأس خمر، وموسيقى رائعة، وأرصدة لا تحصى في المصرف و.. ماذا يريد الإنسان كي يكون سعيداً أكثر من هذا؟ المبادئ؟ القيم؟ لماذا رضيت أن أكون عتالاً في مرآب الحياة؟ لماذا أكون شهيداً في مجتمع لا ينسى إلا الشهداء؟ صرخت فجأة من خلال صحوة داخلية مفاجئة، بعد أن رأيت ساعة كبيرة ترصّع الجدار: ـ "عفاف" أوقفي ساعة الحائط هذه. أوقفيها فوراً إنها تدق في رأسي. أريد أن أرى عقاربها تتوقف، أن أحس تجمد الزمن عند هذه اللحظات. أوقفيها "عفاف". لا تدعيني أرى كيف تمضي حياتي وتضيع دقائقها. توقف الزمن... الزمن ينهار في أعماقي. والأشياء كلها تتحطم بصمت, ما معنى هذا؟ لماذا نولد ونشيخ ونموت.؟ لماذا نحاط بهذه الأشياء كلها والتي ننظر إليها كل مرة برعب واستغراب ودهشة؟ الفلاسفة الأقدمون كانوا يقولون: إن على الإنسان أن يعرف من أين أتى، وكيف يستمر، وأين يمضي... وما زال الفلاسفة المعاصرون يثرثرون بهذا وبأشياء كثيرة تدور في فلكه. مات الأولون وفي حلوقهم حرقة السؤال, وسيموت المعاصرون ولن يعرفوا الجواب, ما معنى هذا؟ ترى، هل كانت "عفاف" تعرف أين وصلت بي أفكاري، بينما كانت تبتسم لي، ابتسامة فاتنة، وتكشف من خلال هدأة كسلى عن ساقيها الأملسين؟ |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |