|
||||||
| Updated: Sunday, July 01, 2007 02:56 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الفصل الخامس عشر برك الضوء المخلوق التي تعبئ المدينة لا تستطيع أن تبدد الكآبة الخرساء التي تجثم فوق دمشق، في فصل الخريف. في هذا الفصل يرحل كل شيء جميل وتبقى المدينة: بنايات ملونة، وإسفلت أسود يغطي الأرض، وضجيج ينبح في الأعصاب، وشباب يتسكعون أمام دور السينما... ولا شيء آخر. غير فتيات المدينة اللواتي يرفضن الخضوع إلى حسابية الزمن وفصوله، فتظل الزنود الناعمة عارية، والخطوات المغناجة تمرح على أرصفة الشوارع، والعيون الجائعة تفتش عن أحلام دافئة، أو نظرة إعجاب، أو إطلالة وجه أنهكه الظمأ يلقي كلمة عابرة من شفاه محرومة. ما أحقر أن تفتش امرأة عن أحلامها على الرصيف! لو أن المطر يغسل المدينة في الخريف.. لو أن السماء تتجهم مرة وتطوف الأرض بالماء لاغتسلت المدينة وأشجارها المصفرة، ورحلت لزوجة الصيف التي تتراكم بشكل وخيم على أذهان الناس!! لو أن شيئاً كالمطر يغسل قلقنا وإحساسنا بالوحدة والغربة.. لماذا يشعر الغريب دوماً أنه وحيد ومعزول؟ لقد أمضينا صيفاً مملاً وتافهاً تراكمت فيه أيامنا وأشياؤنا في القاع، دون أن يعوم أي شيء جديد سوى تغييرات سطحية عبرت حياتنا.... وجدت عملاً إضافياً، ووجد "أحمد" عملاً آخر لدى أحد المحامين. تحسنت أحوالنا المادية إلى حد ما. تركنا الغرفة إلى شقة صغيرة مؤلفة من ثلاث غرف اشترينا مذياعاً وخزانة للملابس... بالتقسيط. تعرف "أنور" على عدة نساء، وكان يقضي معظم لياليه خارج البيت، ثم يعود ليلعن المجتمع وأخلاقه المنحطة. "أنور" يكره كل شيء، والكراهية قرف عنيف. لم يعد "أحمد" و"أنور" يختلفان كثيراً، بسبب صمت "أحمد"، وانطوائه، كنت أصر على أن شيئاً ما قد بدل حياته، وكان يصر على أنني مخطئ. مللت ثرثرة "أنور"، وتعبت من صمت "أحمد". لم يبق غير "براءة" تزين حياتي وتدغدغ عمري بروعة أحلى من أيام طفل مدلل لم تسألني شيئاً عن حياتي الخاصة ولم أحاول أن أخبرها بدوري، وإن كنت أحس في أعماقي أن هذه خيانة لحبي لها، لكنني كنت أخاف ألا تفهم، فلذت بصمت كان يعذبني. حاولت أكثر من مرة أن أقول لها شيئاً عن "عفاف" لكن الصمت يلجمني، لماذا يخاف الإنسان ممن يحب؟ كانت الأحداث الحياتية تتدافع.... دخلنا عامنا الثاني في الجامعة. وصلتني رسالة من أخي في القرية، الرسالة الوحيدة منذ الرحيل، كانت مختصرة تحتوي على تحياته وتحيات الأهل وتمنياتهم بالسعادة؛ إنهم لا يملكون إلا هذه الأماني التي تظل بلا رصيد حقيقي، ولا يقدمون إلا هذه العواطف السلبية التي لا تساوي في عالم الواقع شيئاً, ولكن ماذا أملك أنا من دونهم؟ ماذا جنيت بعد غربة عام في هذه المدينة الغريبة؟ لا شيء سوى السأم الحقيقي, السأم الذي كنا نعيشه في كل مكان، حتى في الجامعة التي كان "أحمد" يصر على الذهاب إليها كل يوم. كل الطلاب يذهبون إلى الجامعة سيراً على أقدامهم، إلا "أحمد" فقد كان يركض إليها ركضاً كأن شيطاناً يركبه، وما أن يدخل الباب الرئيسي حتى يذوب في الجامعة كأنه قطعة ملح ألقيت في كاس من الماء. عبثاً كنت أفتش عنه في الحديقة، والنادي، وقاعة المطالعة، وأنتظره عند باب القاعة التي كان يزعم أن محاضرته فيها، فيخرج جميع الطلاب والطالبات، ولا أجد "أحمد" بينهم. أين يذهب هذا المتصوف اللعين كل يوم؟ خطر ببالي مرة أن انتظره عند باب المسجد في الجامعة فلم أجده أيضاً. ظلت هذه المشكلة تحيرني شهراً، حتى وجدت "أحمد" ذات يوم بعد الظهر! كان في حديقة الجامعة الداخلية، يقف في عتمة شجرة كبيرة قرب مستودع يحتوي جثثاً بشرية معدة للتشريح في كلية الطب، وإلى جانبه فتاة، لم أرَ وجهها، لكنها فارعة القوام، ملفوفة الجسد، تبينت من صوتها الذي تناهى إليّ عن بعد أنوثة ناعمة تخدّر الأعصاب, كانا يضحكان ويتهامسان، كأن العالم فرغ إلا منهما؛ شعرت بفرح مفاجئ يغمر قلبي، وغبطة طفولية لا حدَّ لها. إن "أحمد" ينطلق ويكسر قيوده، لم يعد سجين غرائزه، لقد انتصر على جميع التعاويذ التي حشوا بها رأسه. إن دمشق تفعل المعجزات. ولكن... لماذا يمثل هذا اللعين أمامنا دور التقي الورع الذي لا يأبه للمرأة، ويعتبرها دمية ملونة، ثم يتحول هنا في الجامعة إلى شرايين تنبع دفئاً وغزلاً؟؟ سأمسح به الأرض هذه الليلة. أدرت ظهري ثم عدت، وقد حرصت أن أسير على رؤوس أصابعي كي لا يشعر أني رأيته وما أن ابتعدت عنهما قليلاً حتى التفت إلى الوراء كي أتأكد من المكان. ألم يجد هذا الأهبل مكاناً أكثر رومانتيكية من مستودع الجثث؟ هززت رأسي ثم مضيت إلى البيت متثاقلاً. وعلى الرصيف كنت أرقب ظلي الذي يزحف إلى جانبي على الأرض. كان هذا الظل ينكمش على نفسه كلما اقتربت من عامود نور يحمل في رأسه مصباحاً مشنوقاً، ثم يعود إلى الاستطالة كلما ابتعدت عن العامود. إن التفرج على ظلي في تميعه وانكماشه يسليني، وأنا أجتر سؤالاً مرحاً ينقر رأسي طوال الطريق: ـ إذن فقد وقع "أحمد" في الحب أخيراً؟ وصلت البيت، فرميت الكتب كيفما اتفق ورحت أفتش عن "أنور" في غرف البيت حتى وجدته في الحمام وقد غطى الصابون جسمه ورأسه, فرك عينيه، وأزال الصابون عنهما، ثم حدق بي ببلاهة لحظة وصرخ بعدها: ـ أغلق هذا الباب القذر، أكاد أتجمد من البرد. ولما رآني أحدق به، وضع يديه في خصره وسألني بهدوء: ـ هل أعجبك قوامي؟ أغلقت الباب وعدت إلى غرفة النوم. استلقيت على السرير ورحت أدخن شارداً حتى عاد "أنور" من الحمام وهو يسرح شعره وينبر بصوته: ـ كيف تفتح باب الحمام علي وأنا عار بهذا الشكل؟ ـ كنت أتملى محاسنك. لكن شكلك وأنت عار كان مزرياً كضفدع مقلوب. تضرب، اجلس "أنور" سأقول لك شيئاً هاماً، حاول أن تسمعه بهدوء دون أية سخرية. ـ هات حدثني. لا شيء هام في الحياة، الكل باطل، باطل الأباطيل وقبض الريح. ـ دع هذه العنجهية التافهة أتدري أن "أحمد" واقع في الغرام حتى أذنيه؟؟ ردد تلقائياً وهو يشعل لفافته: ـ بشرفي أنا لا أصدق. إن الحمار لا يفهم العواطف. ـ إنني أتكلم بشكل جدي ألا تفهم هذا؟ حدق بوجهي قليلاً ثم هتف: ـ يبدو أنك جاد فعلاً؟ ولكن أية بلهاء هذه التي أحبته؟ أنا واثق أنها ترتدي ملاءة سوداء وتضع منديلاً أسود على وجهها، فلم تره إلا من خلال هذا السواد. إنني.. إنني أتنازل عن يوم من حياتي حتى أراهما يتغازلان. هذا ليس معقولاً، إنهما لن يتغازلا أبداً، لابد أنه أحبها لأنها تستطيع أن تناقشه في المذاهب الأربعة، وتقنعه بفوائد الصوم والصلاة. سكت برهة ثم سأل بلهفة: ـ "أحمد" عاشق؟ لا ريب أن شيئاً قد حدث في العالم. قل لي، أواثق أنت، أعني هل رأيتهما معاً؟ ـ لا فائدة منك على الإطلاق "أنور", ستظل مهووساً تثرثر كامرأة مطلقة. إن التي يحبها "أحمد" فتاة جامعية، ويبدو لي أنها رائعة وليست محجبة كما تتبجَّح، صحيح إنني لم أر وجهها لكنها تملك قواماً رائعاً وشعراً أشقر كالذهب. فتح فمه مصعوقاً، فقلت: ـ لا تفتح فمك هكذا كالتيس. سأحدثك بكل شيء. ورحت أسرد عليه القصة كما رأيتها، وأنقل إليه بعض الكلمات التي سمعتها، وانتهيت قائلاً: ـ أعتقد أن "أحمد" استطاع في النهاية الوقوف على قدميه. إن مجرد حبه لهذه الفتاة يعني أنه نبذ عفن القرية العالق برأسه، وأحرق الحجب التي يزين بها صدره ورأسه. يجب أن نساعده "أنور"، وأن ننمي هذا الحب في نفسه لأنه الوسيلة الأكيدة لإعادة خلقه، أنا سعيد لهذا الحدث ألست مثلي؟ هز رأسه، ثم قام عن سريره وهو ينخر من أنفه ويهرشه بيده ثم أجاب: ـ لا أكاد أصدق. تصور كيف استطاع هذا الوغد أن يخفي حقيقته عنا، عني أنا بالذات ويلبس مسوح الرهبان أمامنا؟ لقد ظل حتى مساء أمس، لا يتورع عن لعني لأنني أخترق كل الحرمات وألوث طهرها. قاطعت "أنور" بانفعال: ـ لقد بدأت تخرّف. ـ لماذا؟ ـ لأنك تقارنه بك وهناك فارق كبير بينكما. الحب بالنسبة لك وسيلة للمتعة، وهو يراه غاية سامية للحياة. أنا لا أعرف شيئاً عن حبه أو حبيبته، لكنني واثق أن هذا الحب من النوع العفيف الذي نما بالمناجاة الصامتة والتعبد الأخرس، إنه يحب بطريقته هو لا بطريقتك أنت. ـ وماذا تأخذ على طريقتي؟ أنا إنسان واقعي، وطريقتي يجب أن تصبح مدرسة. ـ أنت إنسان ماجن بكل شيء، لا شيء محرم عندك. ـ إن الحب بشكل تلقائي غريزة مكبوتة، وإذا لم يكن هكذا فهو يقود إلى تنمية الغرائز أو إلى التفكير بها، وهذا خرق لكل ما ينادي به هو، أنا لا ألومه ولا أقول إن هذا الحب خطأ لكنه هو لم يؤمن مرة أن الحب والمرأة هما... ـ ستعود من جديد إلى الجعجعة. أنت تعرف أن نظرته إلى الأمور قد تغيرت، ولا يجوز أن تحاسبه على أفكار أدخلت قسراً إلى رأسه عندما كان صبياً. لقد بدأ يفتح عينيه وعلينا أن نساعده لا أن نوجه إليه اللوم. حاول "أنور" أن يقول شيئاً عندما سمعنا صرير المفتاح في قفل الباب، ودخل "أحمد". نظرنا إليه بهدوئه التقليدي ومشيته الواثقة، وملامحه كالعادة صامتة لا تعبّر عما في نفسه وتطلع إلينا بدوره، بعد أن ألقى تحية المساء، ولما رآنا لم نجب على تحيته ونحن نحدق به تساءل ببرود: ـ لماذا تحدقان بي هكذا كأنني شبح؟ سأله "أنور" بوقار: ـ أين كنت؟ ـ في الجامعة. ـ ماذا كنت تفعل؟ ـ ماذا يفعل الإنسان في الجامعة؟ هل تعتقد أني كنت ألعب طاولة زهر؟ ـ من يدري؟ هناك من يذهب للدراسة، وهناك من يذهب لعرض أناقته. سكت "أنور" قليلاً ثم حدق بوجه "أحمد" وتابع بخبث: ـ وهناك من يذهب لمغازلة الفتيات. نقل "أحمد" نظره بيننا ثم تساءل بحذر: ـ ماذا تعني؟ ـ ضحكت من أسلوبه الساذج بمغالطتنا والتمويه علينا "فنهضت من مكاني ثم طوقته من كتفيه وأجلسته على السرير: ـ لا تغضب "أحمد". لقد أخبرت "أنور" بكل شيء. ـ مازلت لا أفهم. أي شيء أخبرته؟ ـ لماذا تظل بعيداً عنا هكذا؟ لقد رأيتك هذا المساء في الجامعة. شد شعره بيده وهتف بعصبية: ـ لقد كنت في الجامعة، هه ماذا يعني هذا؟ هل قلت إني كنت في المريخ؟ عقب "أنور" وهو يضرب كفاً بكف: ـ تصوروا الشيخ وهو يكذب؟ تفوه... لقد ماتت القيم. وضعت يدي على فم "أحمد" قبل أن يرد على هذه السخرية وقلت لـه: ـ رأيتك هذا المساء في الجامعة قرب مستودع الجثث، في ظل شجرة كبيرة. جحظت عينا "أحمد" فتابعت أَستفزه: ـ فارعة الطول، ممشوقة القد، ضامرة الخصر، شعرها منسدل كأحلام الربيع، صوتها يفح أنوثة مخدرة.. هل أستمر في الوصف؟ تخلص من يدي وقفز عن سريره ثم هجم عليّ صائحاً: ـ أيها الـ... أمسكته بيده وقلبته، بمساعدة "أنور"، على السرير وقلت ضاحكاً: ـ لقد كشفناك أخيراً، فضيلة الشيخ العاشق. راح يتململ بيننا ويضرب الهواء بقدميه ويصرخ: ـ أبعدا أيديكما الوسخة عني. ضغطت يديه فوق صدره وقلت مهدداً: ـ لن نتركك قبل أن تخبرنا القصة من أولها. ـ قلت لكما أتركاني فوراً. ـ سنتركك الآن، لكننا لن نتركك تنساق مع تيار عواطفك إذا لم نعرف نوعية هذه العواطف. هدأ قليلاً، ومدد ساقيه، ثم أغمض عينيه وأعلن مستسلماً: ـ دعوني أتنفس أولاً. عاد كل منا إلى سريره، ورحنا نتطلع إليه وهو يفرك معصميه ويصلح رباط عنقه ثم قال: ـ لقد آلمتني. يداك كحوافر الحمار. سأل "أنور" وهو يبتسم: ـ لماذا كتمت الخبر عنا؟ ـ لأنني لا أريد أن تشوها هذا الحب بآرائكما المبتذلة. أنتما تفكران بشكل داعر. نهره "أنور": ـ تفوه عليك وعلى كلماتك الرذيلة، لقد أصبحت كأولاد الأزقة. سألت "أحمد" وقد تجاهلت رأيه بنا: ـ منذ متى وأنت تعرفها؟ مط شفتيه ثم رفع أربع أصابع من أصابعه وقال: ـ منذ أربعة أشهر تقريباً. ـ ما اسمها؟ التمع في عينيه فرح طفولي وتمتم كأنه يناجيها: ـ روعة. ـ أعرف أنك ترى اسمها في غاية الروعة، ولكن ما هو اسمها؟ ـ أنا لا أصفها، إن اسمها "روعة". همهم "أنور" ضاحكاً وعلق: ـ اسم شاعري حقاً، وهل هي رائعة كاسمها؟ رد "أحمد" غاضباً: ـ أنا أحبها كما هي لا كما تفترض أنت أن تكون المرأة. أحبها كما أحب حياتي ولا يهمني إن كان الآخرون يرونها رائعة أو تافهة. سكت برهة ثم تمتم: ـ إنها قدري. وأريدها بكل قوتي ولن أسمح لإنسان أن يتحدث عنها أو ينال منها، مجرد حديث، إنني.. سأتزوجها. شعرت بجفاف مفاجئ في حلقي، تخاذلت ساقاي فارتميت على السرير موهناً، وبلعت ريقي عدة مرات ثم سألته جاحظ العينين مبهور الأنفس: ـ ماذا ستفعل أيها الجحش؟ ردد بهدوء دون أن ينظر إليّ. ـ سأتزوجها: قال "أنور" بضجر: ـ لم يخطئ أبداً بوصفك. أنت جحش حقيقي. ضربت الحائط بيدي وصرخت بوجهه: ـ ألا تخجل من ترديد هذه الحماقة ثانية أمامنا؟ سألني ببرود وهو يعبث بطرف اللحاف: ـ ولماذا، هل تعتبر الزواج جريمة أو عاراً؟ رد "أنور" بثورة مفاجئة: ـ إننا لا نناقش مشروعية الزواج وفوائده، لكنني أسألك كيف تتزوج وأنت لا تستطيع أن تشتري لزوجتك قبقاباً عتيقاً؟ أم أنك تريد أن تتزوجها بالفاتحة فقط وعلى بركات الله؟ قرر "أحمد" بلهجة الواثق الذي انتهى من ترتيب أموره: ـ سأتدبر أمري. لقد وجدنا الجوهر الذي ننسج عليه حياتنا، وهذا المهم. قلت لـه هائجاً وقد نفذ صبري: ـ أنت لن تتزوجها قبل أن تفك رقبتي، سأمنِّع هذا الزواج ولو مشيت على جثتك. رفع رأسه وسألني مستغرباً: ـ لماذا؟ ـ لماذا؟ الأبله، ولماذا تتزوجها؟ إن أعباء كثيرة تنتظرك بعد. أي شيء أنت؟ لن تتخرج من الجامعة قبل ثلاث سنوات، هذا إذا لم يتبلد ذهنك وتقضي فيها نصف عمرك. وأمامك عامان ونصف تقضيهما في الجيش، المجموع أصبح حوالي ست سنوات، ماذا تطعم زوجتك خلالهما؟ هل تطعمها عواطف؟ ثم هل تظن أن الزواج حل منطقي لمشاكلك، هل هو الشيء الذي تبحث عنه في تخبطك الأعمى؟ إن المرأة ليست نهاية المطاف، ومشاكلنا لا تحلها المرأة الآن لمجرد مشروع ورقة يكتبها الشيخ أو القاضي. ـ هناك شيء لم تفهمه بعد. إنني أحبها ألا تفهم معنى هذا؟ رد "أنور" من زاوية الغرفة ساخراً: ـ الحب؟ بف... إن جميع الكلمات والقصائد التي قيلت في الحب لا تصلح لأن تكون طعاماً لعصفور جائع. هيا "أحمد" أخرج من أوهامك هذه، ولا تكن سخيفاً إلى هذا الحد. أجاب "أحمد" بثبات: ـ أنا شخصياً لا أعاني المشاكل التي يعانيها أي منكما. لست محصوراً في زاوية مغلقة. إنني أبصر طريقي جيداً، ولست مستعداً لأن أفكر برأسك أنت. هناك فوارق جوهرية بيننا، أنت لا تقنع بامرأة واحدة، ولا تؤمن بالعواطف، وتسمي عقد الزواج "ورقة يكتبها الشيخ أو القاضي". أما أنا فإن امرأة واحدة، إذا كانت مثل "روعة"، تبدل حياتي من جذورها، إن الزواج بالنسبة لي ليس حلاً منطقياً لمشاكلي فقط، لكنه نقطة ارتكاز تريحني من هذا الدوار الأبدي. إنه نهاية طبيعية وحتمية لي لأنه يوفر لي الهدوء والاستقرار. إن الدوران في فراغات الفلسفة والتسكع للبحث عن معنى نعيش من أجله، كل هذا بدأ يثقب لي رأسي. إن مشاكل العالم بالنسبة لي، ومنذ أن رأيت "روعة"، أصبحت محلولة وواضحة. تطلعت إليه مذهولاً غير مصدق. لقد زين لـه خياله أن العالم جنة نعيم مقيم. لقد ذلل جميع العقبات في جمجمته وأخذ الحياة بكيفية صبيانية... ما هذا؟ كيف بدله الحب في أقل من أربعة أشهر؟ ماذا يعرف عن هذه الفتاة، من أين هي وكيف تفجر كبته مع أول بسمة منحتها له؟ ماذا يعرف عن سلوكها، وكيف رضيت أن تتزوجه بهذه البساطة وبلا معرفة صميمية، كيف يثق أنها الملجأ الذي يبحث عنه، وهل يثق أنها تفكر تفكيره وتنظر ذات النظرة وذات الاتجاه؟ أصبت بصداع مفاجئ بعد أن سحقتني هذه الأسئلة، ولكن ما جدوى هذا كله؟ نظرت إلى "أحمد" بعد فترة صمت وسألته: ـ كيف تعرفت بها "أحمد"، أقصد كيف بدأ هذا كله وكيف تطور.؟ حدثنا ولا تخفِ شيئاً عنا إن هذا الأمر يهمنا جميعاً، بغض النظر عن كل ما قلناه، فإن الأمر يمس حياتنا مساً مباشراً. ـ ضحك "أحمد" لأول مرة منذ دخل الغرفة، وقام إلى النافذة فأسند مرفقه إلى حافتها وراح يعبث بطرف الستارة، وطال صمته كأنه يسترجع ذكريات عذبة، ثم التفت إلينا وقال بحبور: ـ رأيتها أول مرة تركب باص "القصاع". كان الباص مليئاً وكانت واقفة فتخليت لها عن مكاني جلست شاكرة بعد أن ابتسمت لي. وقفت قربها أسترق النظر إلى وجهها الذي أسرني بإطلالته الطفولية، وعندما جاء الجابي، ودفعت عنها ثمن التذكرة فلم تمانع لكنها لفتت نظري إلى أنها تحمل هوية جامعية وكان عليّ أن أدفع السعر المخفض للتذكرة. عندما نزلتْ من الباص نزلت وراءها لأعرف بيتها. قاطعته مأخوذاً: ـ نعم نعم تابع فضيلة الشيخ. ـ لقد رأتني أتبعها فلم تعترض. عندما عرفت البيت صرت أذهب كل يوم لأراها واقفة في الشرفة، ويبدو أنها كانت تنتظر مجيئي كل يوم في وقت معين، وآخر مرة ذهبت فيها رمت لي ورقة صغيرة من الشرفة. قاطعه "أنور" ساخراً: ـ يبدو أن حظك كان رائعاً فلم يكن اليوم عاصفاً، وإلا لحملت الريح ورقتك هذه إلى خارج المدينة. إنني أدفع يوماً آخر من عمري لأراك تركض وراء تلك الورقة التعيسة لالتقاطها. لم يبال "أحمد" بهذه السخرية وتابع: ـ قرأت الورقة وكانت تحدد لي فيها موعداً في "الموروكو". لم أعرف المكان في بداية الأمر، لكنني سألت فاهتديت، وقد وصلت إلى موعدي الأول متأخراً ربع ساعة، وكانت تنتظرني بقلق واضح. جلسنا في بداية الأمر كأننا غرباء، لكننا لم نلبث أن حطمنا جدار الخجل بيننا. عرفت أنها جامعية في كلية الطب، وأنها من دمشق. تكررت لقاءاتنا حتى افتتحت الجامعة وصرنا نجتمع كل يوم فيها، لقد نما حبي لها بالاحتكاك والصراحة التامة. آمنت بعد التجربة أنها الإنسانة التي أحتاجها. عرضت عليها الزواج فوافقت. ومن يومها ونحن نضع الخطط لحياتنا ومستقبلنا. لقد اتفقنا على أن أخطبها وسوف تستمر خطبتنا حتى نتخرج من الجامعة وبعدها نتزوج. سكت "أحمد" بعد أن اختصر قصة حبه قدر استطاعته. نظرت إليه بكثير من الاشمئزاز. كيف صور لـه خياله أن الدنيا بهذه العفوية، وأن الزواج بهذه البساطة التي توصلَّ إليها مع حبيبته الدكتورة.؟ حاولت أن أقول شيئاً لكن "أنور" أشار لي أن أسكت، فسكت. وقد فهمت أنه لا فائدة من أية كلمة بعد أن شرد "أحمد" عبر النافذة وانفصل عنا بكليته. استلقيت على السرير، وأشعلت سيجارة، أنا ألجأ إلى السجائر كلما مزقتني الهموم. في تلك اللحظة تمنيت أن أبكي، لعلي أغسل إحساساً بالمرارة بدأ يلتصق بقلبي. "أحمد" يبتعد عنا وهو وحيد على طريق وعرة حدودها المستحيل. أحسست أن شيئاً قد انفصل عن صدري بقسوة لا ترحم. ما الذي يجري في هذا العالم؟ أحياناً نرغب بالحياة ونستعمل كل وسائل النفاق للعيش، وأحياناً نرفضها ونبحث عن الموت بأية طريقة. أحياناً نتزوج لأننا نريد أن نستمر في حساب الزمن وحساب الآخرين، وأحياناً.... لقد وصلنا مرحلة لم نعد نرغب فيها بالحياة ولا نرغب بالموت أيضاً. إننا نترك كل شيء يجري كما يشاء، لا نملك أن نغير شيئاً، ولا نريد أن نغير شيئاً. أصبحنا متفرجين، ومسرح الحياة كبير، والممثلون أشباح هلامية تتميع لها ألف وجه وألف لسان، وألف زمان. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |