|
||||||
| Updated: Sunday, July 01, 2007 02:56 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الفصل السابع عشر قدم "ياسر" صديقته "فائزة" و"مها" بكلمات ودودة ومختصرة. مددت يدي مصافحاً وأنا أعلك عدة كلمات للمجاملة. جلس "ياسر" قرب "فائزة" بينما جلست قرب "مها" وأخرجت علبة سجايري, ثم قدمت لكل منهم لفافة وأشعلت اللفائف بعود ثقاب بينما كانت عينا "مها" تنغرسان في وجهي بإلحاح ساكن. جلست مكاني صامتاً وراح كل منا يعبث بشيء ما على الطاولة، كان الجو مقبولاً لا تعكره غير طقطقة الصحون بين أيدي الطلاب الذين يحملون طعامهم بأنفسهم إلى الطاولات. أحسست أني محرج وأنا أجلس مع إنسان تعرفت عليه بالأمس وفتاتين غريبتين لا تربطني بهما أية معرفة. ـ ماذا تقول "براءة" لو رأتني الآن؟ يجب ألا أكون سخيفاً وأترك الأوهام ترتع في رأسي. إنني لا أفعل شيئاً يسيء إليها. رفعت عيني عن الأرض... إن "لفائزة" عينين ناعستين يلمع عليهما بريق كله جنس ودعوة، وشعرها الفاحم كالليل ينام على رأسها بهدوء واسترسال عذب، ثم ينحدر بشهقة مجروحة حتى عنقها البض، وهناك تنتهي الأحلام فقد مزق المقص والزيف الحضاري ستار الليل عن بياض العنق. كانت قصة شعرها غلامية لطيفة، أما جسدها فكان ممتلئاً ملفوفاً متناسق الأعضاء. لم تكن تنظر إليّ، كانت مشغولة بربط حلقات سلسلتها الذهبية، وكانت فرصة لي اغتنمها للتفرس بها، كما انتهزت فرصة غياب "ياسر" الذي ذهب يحضر الطعام وتطلعت إلى "مها" التي كانت تصلبني على أحداق عينيها بنوع من التحدي دفعني إلى النظر إليها بلا وجل. كان وجهها يحمل ملامح دافئة تشع حناناً عجيباً، وفي عينيها حزن عابر كأنه بقايا عذاب قديم.. كأنه يأس معتق تحاول أن تبدده دوماً بابتسامة ساذجة لا تفارق وجهها. بدت لي أصغر سناً من "فائزة" لكنها أكثر طولاً منها، وأكثر هدوءاً. عاد "ياسر" وهو يفرك يديه مغتبطاً ثم أعلن بمرح: ـ لقد طلبت طعاماً لنا جميعاً. أرجو أن يعجبكم ذوقي في الاختيار. قالت "فائزة" دون أن ترفع رأسها عن سلسلتها التي تحاول إصلاحها: ـ لاشك أننا سنأكل كل ما طلبته. إذا كان ما طلبته امتداداً لذوقك القديم فقد كان ذوقك ممتازاً. لم تعجبني هذه الملاحظة فتطلعت إلى "ياسر" الذي اعترى وجهه غيظ مكتوم حاول معه أن يبتسم عندما قالت "مها": ـ لقد تناولت طعامي قبل حضوري، لكنني سأشارككم قليلاً. ثم التفتت إليّ وسألتني برقة: ـ والأستاذ؟ أجبت مبتسماً: ـ أنا شخصياً لم أتناول طعامي بعد. وأعتقد أنني سآكل بشراهة، فأنا لم أذق طعاماً منذ أمس. سألت "فائزة" بلا مبالاة وهي تحيط جيدها بسلسلتها الذهبية: ـ لماذا؟ ـ استيقظت اليوم متأخراً عن عملي ولم يكن لدي وقت لإعداد الطعام. ذهبت دون أن آكل وجئت مباشرة من العمل إلى هنا. ـ ألا يوجد في البيت من يعد لك طعاماً؟ هززت رأسي بالنفي فسألتني بدهشة: ـ أتعني أنك تعيش وحدك؟ ـ أعيش مع اثنين من أصدقائي، وكلاهما مصاب بمرض مزمن، الكسل. يتهربان من مسؤولية الطبخ، فلا أجد بداً من القيام بهذا العمل حتى لا نموت جوعاً. ـ سألتني "مها" بحنان: ـ أليس لك أهل، أستاذ؟ ـ أحنيت رأسي وقلت: ـ لكنهم بعيدون جداً. ـ أين مثلاً؟ ـ في قرية من القرى المنسية في الشمال. ردت "فائزة" بقرف ظاهر: ـ فلاح؟؟ التفت إليها وقد هالتني لهجتها الحقيرة. لكني ضبطت أعصابي وتساءلت: ـ أرجو ألا أكون قد خيبت آمالك لأنني فلاح؟؟ لم تترك لها "مها" فرصة للرد عندما أعلنت باسمة: ـ وأنا أيضاً قروية. فقد ولدت في إحدى قرى الجنوب. ابتسم "ياسر" وقال وهو يحني رأسه: ـ بورك الجنوب الذي أنجبك. لم يضحك أحد لهذه الدعابة بل أطرقت "مها" برأسها استحياء، بينما تغير لون وجه "فائزة"، واضطربت قليلاً، ثم وجهت نظرة لئيمة إلى "ياسر" وعضت شفتها السفلى لتكبت ثورتها.. ثم سكتت. أعتقد أن العلاقة بين "ياسر" و"فائزة" ليست علاقة طبيعية؟. سيان. ما علاقتي أنا بهذا الأمر؟ جاء الطعام ورحنا نتناوله بهدوء ممل... إلى أن سألتني "مها" فجأة وهي متشاغلة بجمع بعض حبات الأرز عن الطاولة: ـ يبدو أن قريتكم، أستاذ، معبأة بالأحراج الخضراء؟ هذا السؤال ليس طبيعياً فاستفهمت باستغراب: ـ أحراج خضراء؟ لماذا؟ ـ لأنني أرى انعكاس ذلك الاخضرار على عينيك. وضعت الملعقة جانباً، وأسندت ظهري إلى الكرسي ثم شبكت ذراعي فوق صدري وحدقت بها بقحة غير مبال بوجوم "ياسر" وبالدهشة التي عقدت لساني "فائزة": ـ آنسة "مها"، هل أفهم من هذا أنك بدأت تغازلينني؟ أخرجت من حقيبة يدها منديلاً حريرياً وتشاغلت بمسح فمها ثم راحت تنتقل نظراتها بيننا خجلة محمرة الوجه، ذابلة العينين، كأنها ارتكبت إثماً لا يغتفر، فلم أشأ أن أتركها فريسة لهذا الإحراج. تناولت ملعقتي من جديد وقلت: ـ أعتذر، آنسة "مها" إذا كنت قد أحرجتك. ردت "فائزة" بلؤم ظاهر وهي تعود إلى طعامها: ـ لا تخف على شعورها. إنها لا تحرج. التمعت عينا "مها" بغيظ واضح وصرخت: ـ ماذا تعنين يا ست؟ لم تجب "فائزة" على سؤالها بل تابعت تقول متجاهلة الموقف الحاد الذي خلقته: ـ الآنسة "مها" معجبة دائماً بالأشكال الحلوة. صرخ "ياسر" متدخلاً: ـ كفى "فائزة". ما هذه الوقاحة؟ نظرتُ إلى "مها" التي ترقرقت الدموع في عينيها، وتمنيت في تلك اللحظة أن أصفع "فائزة" لماذا تحاول إحراج صديقتها. صديقتها؟ ما هذه الصداقة؟ يبدو أن "فائزة" تشعر بالغيرة من "مها". ولكن لماذا هل يحاول "ياسر" أن يتقرب من "مها"؟ هل.... وجدت نفسي أبتسم بعفوية. أهذه هي قيمهم هؤلاء الذين ثقبوا رؤوس الناس بالكتابة عن القيم والأخلاق؟ إنهم يتاجرون أيضاً. يتاجرون بقدسية الحرف وطهر الكلمة. ما الذي بقي ولم يُعرض للبيع كأنه من سقط المتاع ضحكت مرة ثانية، فسألني "ياسر": ـ لماذا تضحك؟ أجبت كاذباً: ـ ثمة أشياء مضحكة. منها أنني تأخرت عن عملي أكثر من نصف ساعة، وعليّ أن أترككم الآن وإلا طردوني. أنت تعلم أنني محتاج إلى هذا العمل الإضافي. ـ لن تذهب بهذه السهولة. اعتذر لهم غداً وقل إنك كنت مريضاً. نظرت إليه ثم إلى "مها" و"فائزة" وألح عليّ فضول غريب أن أبقى وأرى نهاية هذه المسرحية التي أصبحت دون أن أدري، بطلاً من أبطالها. أدركت "فائزة" أنني مازلت متردداً بالبقاء فقالت بفتور كأنها تؤدي واجباً تكرهه: ـ ابق معنا إذا شئت. لم أقل شيئاً. تطلعت إلى "مها" فرأيت في عينيها توسلاً ساكتاً وشيئاً مبهماً كأنه دعوة مكتومة توشك أن تمزق صدرها ولا تستطيع أن تبوح بها. أحنيت رأسي، فانبسطت أسارير "ياسر" ونهض من مكانه ثم دفع ثمن الطعام، وطلب إلينا أن نخرج إلى مكان ما خارج دمشق لنشرب القهوة ونقضي بعض الوقت. اقترح علينا أن نذهب إلى "الوادي الأخضر" فاعترضت "مها" قائلة: ـ لكنا لسنا في فصل الصيف: ردت "فائزة": ـ سنجلس في المقصف الشتوي. أنا موافقة. حملتنا سيارة صغيرة إلى هناك، ودخلنا المقصف الشتوي ثم انتقينا إحدى زواياه الفسيحة. رحت أنظر من خلال الزجاج إلى شجيرات حور نحيلات، غرست في أرض طينية وسخة تشقها ساقية صغيرة محرورة الماء، ويطل عليها من الخلف جبل أجرد لا أثر للنبات فيه. بصورة ما.. وجدت نفسي أفكر بقريتي، أفكر بالجبال الخضراء العالية التي تسجنها والغابات العذراء التي لا حد لاتساعها وهي تسيج باخضرارها العميق جبالنا المنسية صرت أتصور الأنهار الثرة والينابيع الصافية الغزيرة التي تنساب بين غابات الصنوبر والبلوط بخريرها الإيقاعي العذب. كل شيء يطبع قريتي بالجمال البكر الذي لم تدنسه قدم إنسان بعد... تذكرت كل هذا كأنه شريط سينمائي ملون يترى أمامي، ثم التفت إلى شجيرات الحور حولنا وابتسمت. قال "ياسر" بنزق: ـ لقد عدت إلى الابتسام من جديد. ما الذي يضحكك؟ منذ سنوات والجدب يفتك بقريتنا حتى أصبحت حياتنا مدينة لعطايا حيواناتنا. هذا مقرف للغاية. وليس شيئاً عادلاً. قالت "فائزة": ـ أقترح أن نجلس في الزاوية المقابلة. المنظر هناك أجمل. نهضنا إلى الزاوية المقابلة، وقد لاحظت "فائزة" شيئاً كالامتعاض على وجهي فسألت: ـ تبدو كأنك غير مرتاح معنا. ما بك؟ ـ أنت آنسة "فائزة"، كما بدا لي مفتونة بالمناظر الطبيعية. ـ أكثر مما تتصور. إنني أشعر براحة عميقة بين أحضان الطبيعة. ـ يجب عليك إذن أن تزوري قريتي. ـ لكن المناظر هنا بديعة للغاية. ـ أتدرين أن كل هذه التي تسمونها مناظر طبيعية، ليست أكثر من جانب صغير في غابة من غاباتنا هناك.؟ هناك سحر الطبيعة على حقيقته، وهناك الوحشة والنسيان أيضاً. ـ أتعني أن كل هذه المناظر الخلاّبة لا توحي إليك بأي إحساس جمالي؟ حدقت في وجهها وقلت باستياء كأنها المسؤولة عن الإهمال المشين الذي لحقنا: ـ المشكلة أنك لا ترين أبعد من عالمك هذا. يجب أن تري الطبيعة على حقيقتها كما خلقت لا كما يحاول الإنسان أن يخلقها. أنت لم تري مرة سحر الغروب عند امتداد بحر عميق الزرقة، ولم تري كيف تتعانق أهداب الصنوبر لتظلل غابة كبيرة من الزهر. إذا زرت مرة تلك الربوع أنا واثق أنك ستكفرين بعدها بكل جمال مصنوع هنا صدقيني، لو أن الدولة تهتم بتلك المناطق لأصبحت مورداً سياحياً ضخماً لها وتأكد العالم أننا لا نعيش تحت الخيام في متاهات الصحراء. ابتسمت "فائزة" ابتسامة تافهة وعلقت: ـ هذه دعاية ممتازة لقريتك. ومن واجب وزارة السياحة أن تستخدمك لأغراضها الدعائية. رد "ياسر" متدخلاً: ـ لا أظنه يبالغ أبداً. لقد زرت تلك المناطق أكثر من مرة, وأعترف أنها بلاد فاتنة وخلابة حقاً. لكن عيبها أنَّ سكانها ما زالوا جهلة إلى حد ما. شعرت أن مدية قد حزّت رقبتي, وأن شيئاً كالصفعة اللئيمة قد لسع وجهي فالتفت إليه وأنا أحسّ غضباً عارماً يغلي في صدري. ـ جهلة؟ "ياسر" أنت إنسان سافل. يجب أن تتعلم كيف تحترم نفسك. نحن فقراء "ياسر" لكننا لسنا جهلة. شعر بالارتباك فتمتم معتذراً: ـ أنا آسف جداً. آسف من أعماقي, لم أكن أريد إهانتك. ـ أنت أصلاً أعجز من أن تهينني. ـ لا تكن قاسياً هكذا. كان مجرد حديث عابر, لقد زرت مناطقكم أكثر من مرة وقد لاحظت أن الكثير من العادات القديمة والتأخر الاجتماعي ما زالا... قلت مقاطعاً بعصبية: ـ يبدو مخجلاً أنك وأمثالك مسموح لهم بالكتابة والنشر, وهم معزولون عن أرضهم وشعبهم. أنت تظن أن حدود العالم تنتهي عند حدود مدينتك؟ إن كل ما تظنه لا يساوي كومة قمامة. تدخلت "مها" محاولة تلطيف الجو الذي تبدل فجأةً: ـ لا تطور النقاش أكثر من ذلك, أستاذ. لقد اعتذر وانتهى الأمر. ـ أنا لست مهتماً لاعتذاره آنسة "مها". لقد أحرجني لكنه لا يستطيع أن يجرحني. اسألي حضرته, ما الذي رآه من مظاهر جهلنا؟ تطلعت إلى "ياسر" بإلحاح وتابعت بعصبية: ـ إن معظم المسؤولين والمثقفين لا يعرفون منطقتنا إلا على مصورات الجغرافيا, ولا يعرفون شيئاً صميمياً عنا وعن حياتنا سوى أننا مخلوقات جاهزة لدفع الضرائب, والسوق إلى الجيش, وزرع الأرض ثم تقديم محصولها إلى كروشهم المنتفخة. نحن جهلة لأننا نعيش وراء جبال منسية. سكت بعد أن بُحَّ صوتي, فأشعلت لفافة, بينما كانت "فائزة" و"مها" مطرقتين إلى الأرض "وياسر" يعبث بغطاء الطاولة. رفعت "فائزة" رأسها وقالت محاولة الوقوف مع "ياسر". ـ أنت عصبي مخيف. وقد طورت النقاش جداً, لم يكن "ياسر" يقصد شيئاً, إن شعوب الشرق كلها ما زالت تعتبر جاهلة وبعيدة عن روح العصر. أنا لا أعتقد أنه أساء إليك طالما أن هناك حركة تعليمية فإن جميع المشاكل ستحل. ـ أتْدرين آنسة "فائزة"؟ إن ما تنفقه الدولة لإقامة الحدائق وقتل الذباب في دمشق وحدها يكفي لبناء مئة مدرسة هناك, هذه المدارس تستطيع أن تثقف جيلاً كاملاً وتنقذه من براثن الجهل الذي لقحتمونا به. رد "ياسر" محاولاً إنقاذ نفسه من الورطة التي وقع بها. ـ أنت تهاجم دمشق كأنّك حاقد عليها, وتنسى أن الدولة تهتم بكل المدن كما تهتم بدمشق. ـ ما هذا "ياسر"؟ هل تحاول تمثيل دور الأبله؟ أنت تعلم أنني لا أعني دمشق بالذات. إنني أعني "المدينة" وأقارن بينها وبين الإهمال المخجل الذي ألحق بالريف كله. في كل بلاد العالم يكون الريف جنة ومكاناً رائعاً لقضاء العطلات, وفي بلادنا بقي الريف رمزاً على أن الإنسان انحدر من سلالة القرود وتطور إلى بهيمة من نوع آخر. ـ هذا ليس صحيحاً. أنت تبالغ. ـ أبالغ؟ ألست معي أن سبعة ملايين فلاح في هذا القطر يعملون ليقدموا إلى خمسة ملايين إنسان يسكنون المدن؟ عادت "فائزة" تردد بوقاحة عجيبة: ـ أنت إقليمي خطر. ومن المؤسف أن ثقافتك لم تنقذك من هذا التعصب. أوشكت أن أفقد صبري فقلت بنزق: ـ آنسة "فائزة" أرجوك" إذا كنت عاجزة عن الارتفاع إلى مستوى هذا النقاش فكرياً فأرجو أن تسكتي. ـ أنت لست مؤدباً. ـ لا أعتقد أن الأدب هو الذي دفعك للتكشير عندما عرفت أنني فلاح. ـ إنك تطور الأمور إلى حد يدفعني على الاعتقاد أنك تحقد علينا جميعاً. ـ أحقد عليكم؟ إنني لا أشعر بكم آنسة "فائزة". أنت تتهميني بالإقليمية وأنا أحتقر هذا بشدة, لكن هذا لا يمنعني من السخط على الذين حاولوا دفني ودفن الملايين معي ونحن أحياء. كيف تريدين مني أن أحكم على الأمور؟ من خلال السيارات الأنيقة والشوارع النظيفة؟ أم من خلال الأبنية الفخمة والترف الباذخ؟ نحن في القرية ما زلنا نركب على الحمير عندما نسافر إلى أي مكان. وفي الشتاء نُعزل عن العالم بسبب الأوحال لأن الطرق المعبدة لم تصل إلى قرانا بعد. كيف تريدين مني أن أحكم على الأمور وفي دمشق وحدها حوالي ألفي مدرسة.... قاطعني "ياسر": ـ وفي كل قرية مدرسة أيضاً. لماذا تضخم الأمور؟ أوشكت أن أضحك من هذه المقارنة السخيفة فقلت: ـ أوتعرف شيئاً حقاً عن مدارس القرى؟ عن الغرف الطينية الحقيرة التي يعشش المرض فيها ويتكدس في كل غرفة منها أكثر من ستين تلميذاً نصفهم حفاة؟ أستاذ "ياسر" إن سيارات خاصة تنقل أطفالكم من البيوت إلى المدارس بينما يسير الطفل في القرية كل يوم تحت المطر أكثر من عشرة كيلو مترات حتى يصل المدرسة ويعود منها إلى بيته. أُتراهن أن ثمن البورسلين في مراحيض مدارسكم, أكثر مما أنفق على مدارس قرانا؟ وبعد ذلك تقول لي إننا جهلة. ألا تريدون أن نبقى هكذا حقاً؟ إن بنايات المدن الفخمة من أموالنا نحن ومن الضرائب التي كان يجبيها رجال "الدرك" منا, بالعصي والهراوات ثم يتركوننا جلوداً مزرقة وعروقاً نافرة وأمعاء جائعة. ابتسم "ياسر" بسمة صفراء وأعلن: ـ إن حماسك لقريتك حجب عنك الحقيقة وجعلك لا ترى الأمور على ما آلت إليه, أنت تتحدث عن عهود مضت, ولا أعلم لماذا تنسى اهتمام الدولة الحالي بالريف. ـ هذا الاهتمام يشبه اهتمام المجامع العلمية بالحيوانات النادرة الباقية, إنه إنقاذ أخير لنا قبل أن ننقرض, نحن "الهنود الحمر" لهذا البلد. لا أريد أن أحدثك عما فعله الإقطاع بنا, هذا الموضوع صار سخيفاً من كثرة إعادته, لكني واثق, لو أنكم عانيتم ما عانيناه لأصبحتم أكثر جهلاً منا. قالت "مها" بعد صمت طويل, وبهدوء لطيف وكلمات منتقاة: ـ أكاد أحس بكل شيء قاله. في قريتي الجنوبية وفي كثير من القرى المحيطة بها, ما زلنا نعيش بالطريقة التي وصفها, نؤمن بالجن والعفاريت, نشعل البخور ونتبارك من الأولياء, قرانا تعزل عن العالم في الشتاء. نحن في الجنوب جهلة أيضاً أستاذ "ياسر". إن أكثرنا لم يسمع بعجائب الطب إلا عن طريق حديث عابر ينقله أحد القادمين من المدينة. كلمة المستشفى بالنسبة لنا كلمة سحرية تحمل أطواق الخلاص. أذكر أن الدولة بنت مستوصفاً هناك منذ سنوات, وحتى الآن لم ترسل إليه طبيباً. قالت "فائزة" والوقاحة ما زالت تلف لهجتها: ـ لا أعتقد أن طبيباً يغامر ويعيش بينكم. ـ لماذا؟ أليسوا أصحاب رسالة إنسانية, ونحن بشر كالآخرين؟ ـ إن لكم عادات عجيبة لا تطاق. قلت مقاطعاً وقد أوشكت أن أفقد صبري: ـ ما هذا آنسة "فائزة" عاداتنا؟ كأننا نعيش على كوكب آخر, نحن فقراء, هذا كل ما في الأمر. فقراء لأن مدنكم الجشعة لا تشبع أبداً, تبتلع كل شيء لإقامة البنايات العالية والفيلات الأنيقة, وتأمين وسائل النقل, والستريوهات, ومحطات التلفزيون, وكل شيء يبدد سأمكم بينما تظل قرانا وبيوتنا غارقة في عتمة كافرة, نشرب من سيارات الصهاريج التي ترسلها الدولة فتصل إلينا مليئة بالتراب والأوساخ. قالت "مها" معقبة: ـ إن بقاءنا أحياء حتى الآن نوع من البطولة الفذة, لقد عانينا كل شيء, حتى الجوع. هل تعرفين معنى الجوع يا ست؟ هناك مخلوقات تموت من الجوع. قلت بألم: ـ نحن نؤمن أن الموت هو راحتنا الوحيدة. وعندما نموت ندفن عراة لأن أكثرنا لا يجد الكفن. أعتقد أنه من الجهل أن ندفن عراة؟ قالت "فائزة" فجأة بلهجة هادئة: ـ لماذا لا تقوم أنت وأمثالك, الذين تتلقون العلم هنا, بثقيف شعبكم, أليست هذه مهمتكم بالأحرى... أليس هذا واجبكم؟ ـ إن أفراداً يعدون على أصابع اليد الواحدة لا يستطيعون القيام بالمعجزات. إن شعبنا هناك مذعور منذ الأزل إنه مهيَّأ ليفتح صدره لكل الرياح ولكن من واجب الدولة أن تهيىء المناخ أولاً والأرض الصلبة التي يدوسون عليها, يجب أن تخلصنا الدولة من خوفنا أولاً إن رجل الأمن, على سبيل المثال, عندما يحضر إلى القرية فإن نصف السكان يفرون إلى الغابة وهذا مفهوم من مفاهيم الشجاعة عندهم, لأن الذين يبقون عليهم تقديم الولاء لـه والعلف لحصانه وهم لا يجدون ما يعلفون به أنفسهم. إن شعباً على هذه الدرجة من الذعر لا يستطيع أفراد قلائل أن يبعثوه من كبوته, الحل يجب أن يأتي من فوق, ونحن نصلح بعد ذلك كوسائل للتنفيذ. أعلنت "فائزة" متفلسفة: ـ هذه حلول غير منطقية. لقد استطاع رجل واحد أن يحرر الهند بأسرها, حررها من الخوف ومن الاستعمار, واستطاع عدة أشخاص فقط أن يحرروا الصين بأسرها, حرروها من الخِرافات والأفيون بعد أن كانت مخدرة بهما منذ قرون بعيدة, ثم تقول أنت إن إصلاح هؤلاء الناس على أيديكم بات مستحيلاً, اسمح لي أنا لا أؤمن بذلك. ـ أنا لست مهتماً بما تؤمنين. أنت تضعين حلولاً تحتاج إلى أبطال أسطوريين. لقد انتهى زمان السحر. ثم إنك تنسين شيئاً هاماً, لم يكن في الهند أو الصين من يشعر بالتقزز من كلمة "فلاح". بدت على وجهها معالم الذعر وحاولت أن تقول شيئاً لكنني تابعت: ـ أنت تريدين منا أن نموت ببطولة. لكننا لا نريد أن نكون أبطالاً ميتين, إن الأموات لا يقدمون شيئاً لأمتهم. ثم دعيني أسألك لماذا يطلب إلينا أن نموت من أجل أبسط واجبات الدولة نحونا. لماذا لا تموتون أنتم؟ كل شيء لكم ونحن ندور في عدم فارغ لماذا؟ يا آنسة "فائزة" إن الأشياء التي في رأسك لا تهم إنساناً سواك, وما تؤمنين به ليس حقائق يجب أن يؤمن العالم بها. خبط "ياسر" كفه على الطاولة فجأة وقال بنفاد صبر: ـ منذ ساعة ونحن نثرثر, ونقيم العالم, دعونا من هذا النقاش الفارغ. لقد اعتذرت عما قلته وأعتذر أيضاً إن كنت قد أسأتْ إلى شعورك. قلت بحدة: ـ إن ما قلته ليس دفاعاً عن مشاعري الشخصية, ثم إن شعوري ليس من التفاهة بحيث يستطيع رجل مثلك أن يسيء إليه. رد بغيظ ظاهر: ـ أنت تحاول إهانتي. بل إنك أهنتني فعلاً. ـ إنني أقول ما أؤمن به, ولا يهمني تأويلك له, افهم الأمر كما تشاء. ـ حتى لو جرحت أحاسيس الآخرين؟ ـ كان الأجدر بك منذ البداية ألا تسخر من كرامات الناس ومن بؤسهم وفقرهم وتصفهم بالجهلة. مدّ يده إلى علبة اللفائف وأشعل واحدة راح يدخنها بعصبية ظاهرة بينما كان يحدق بي بعينين مضطربتين, وأصابعه تعبث برباط عنقه وأزرار قميصه وبكل شيء تطاله أصابعه الممتلئة, إلى أن هدأ قليلاً واستند إلى الخلف, ثم ابتسم ابتسامة لا معنى لها وأعلن بصوت حاول أن يجعله متزناً: ـ إن صداقتنا ما زالت وليدة ولن أفسدها من أجل خلاف بسيط في الرأي سأنسى كل ما سمعته. نظرت إليه بحيرة: ـ لماذا لا يدافع عن رأيه إن كان مؤمناً به؟ كيف يقبل أن ينهزم إن كان ما قاله عن قَناعة؟ ليس لديه ما يؤمن به ولو كان مبدأ ساقطاً. هذا شاعر يوزع القيم على الناس؟ لقد أصبح الأدب مجرد ثرثرة. الكلمات لا معنى لها, كل إنسان لديه ما يقولـه للآخرين وهذا ليس أدباً. المشكلة مشكلة مبادىء. إما أن يكون للأديب مبدأ. أو.. يجب ألا يسمح لأحد بأن يتاجر بالكلام. إن شيئاً سامياً يسقط إلى الحضيض. شعرت فجأة بالضجر. لماذا تنتابني حالات الضجر هذه؟ نهضت من مكاني وأخرجت من جيبي مائة ليرة وضعتها على الطاولة وقلت: ـ أرجو أن تعتبروا القهوة التي شربناها دعوة خاصة مني. إني مضطر للانسحاب الآن. نهض "ياسر" وأمسكني من كتفي: ـ اجلس ولا تتصرف بهذا الشكل السخيف, سننسى كل ما قلناه. ـ دعني "ياسر" أرجوك. لقد تضايقت جداً ولا أريد أن أفسد عليكم جلستكم هذه. ثم انسحبت. وقبل أن أصل باب الخروج التفت إليهم. كانت "مها" تشيعني بنظرات ملهوفة كأنني خرجت ومعي الكثير من أحلامها. مشيت في الشارع وحيداً... كان الهواء يصفع وجهي وأنا أتطلع إلى أبنية دمشق الملونة الجميلة وهي تبدأ من القاع ثم تتسلق الجبل العجوز, كانت السيارات تمر بي زوابع من الضجيج. ا لبرد قارس, والمطر أمنية مستحيلة, وحدي ألعق صديد الجراح, وحدي على الإسفلت البارد بينما البنايات علب من الدفء واللذة. إن في العالم شيئاً خفياً يكدس التناقضات اللاإنسانية, يلهو بالإنسان وأقداره. دمشق... وحيد أنا في شوارعك الباردة, مطارد كإبليس تلتصق به اللعنة. وحيد أنا بين مخلوقاتك اللاهية, لكني جئتك غازياً. دمشق... أنا فاتح لم تعرفه كتب التاريخ بعد. جئت أنتقم لأحزان الصنوبر في الشمال وأنقل إليك دموع البحر المزرّق من العدم والفراغ والكبت. البرد قارس, والليل طويل, والمدينة غارقة في النور والدفء والضجيج, والضياع فيها أمنية تتمناها العيون. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |