الأبطال يموتون صغاراً ـــ عادل سلوم

رواية ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق ـ 2006

Updated: Sunday, July 01, 2007 02:56 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل الثامن عشر

أحياناً السماء تمدّ حبالاً من المطر فوق المدينة, وتختفي النجوم وراء طبقات كثيفة من الغيوم الدكناء. ويصبح البرد منثوراً في الهواء كأقسى ما يكون الجحيم.‏

حزم الضوء المخلوق تلون المدينة وتضفي عليها بهرجة مزيفة, ويظل "بردى" في انسيابه الأبدي, مخترقاً صلب المدينة بوهن وصل حداً أصبحت معه كل نقطة من نقاطعه المحرورة تتمنى أن ترتمي عانية على الضفاف السمر‏

في جحيم الشتاء, وتحت انسكاب المطر, التف بمعطي وأتسكع في شوارع المدينة الصامتة, إلا من عواء الريح وطقطقة المطر لسعة البرد.‏

قالت لي "براءة" بشفقة واضحة:‏

ـ لقد تعودت أن تبقى وحيداً.‏

ـ الوحدة قدرنا. وإن واحداً لا يستطيع أن يشاركنا مشاعرنا.‏

كان عليّ أن أقول لها, إن الوحدة تبعدني عن تفاهة الآخرين وثرثرتهم, كما أنها تقربني من نفسي أكثر. تدفعني إلى عالم الليل, فأجوب الشوارع مع الحراس المتعبين الذين يحملون على أكتافهم أعباء السنين ووطأة الشيخوخة ولزوجة النعاس, كم مرة وقفت معهم, أرقب السكارى يخرجون من الحانات ويعربدون, يحدقون بالجدران الخرساء ويتبولون عليها. يترنحون على الأرصفة ويغنون بأصوات منكرة, تشبه نباح الكلاب.‏

تقول "براءة" بشفقتها المعهودة ومن خلال عينين دامعتين:‏

ـ إنك تقتل نفسك ببطء. تسير في جنازتك دون أن تدري.‏

ـ لا تشفقي عليّ "براءة", أنت تعلمين أنه لا مكان لي بين هذه الزمر البشرية, لكنني أجد نفسي أتسكع معهم, أضيع في متاهات المدينة ومسافاتها الملتوية, كأنني معزول عن هذا العالم الذي لا علاقة لي بكل فضائله وشروره.‏

كان عليّ أن أقول لها أيضاً:‏

ـ في كل ليلة أتسكع وحيداً. وفي كل ليلة تضغط رأسي أحلام عاهرة. ولدت وحيداً وسأموت وحيداً. عشت وحدي وأفكر وحدي بطريقة تختلف عن تفكير الآخرين. أحبك وحدي وأتألم وحدي. وهنا, في دمشق في المدينة الحائرة بين روحانية الشرق وحضارة الغرب الآلية... في المدينة التي يملؤها الضجيج وأقبية الجنس والخمارات الحقيرة, لا يستطيع الإنسان أن يشعر بإنسانيته ولا يستطيع أن يتعاطف مع أحد, لذلك أنا وحيد في دمشق أيضاً.‏

كأن "براءة" تقرأ كل ما يدور في رأسي, فتسكت. إنها عاجزة عن نشر شراع أمان واحد على سفني الضالة. حتى "أنور" و"أحمد" يرفضان التعرف على المدينة عندما تصمت في الليل, يرفضان أن نسرق الفجر قبل مولده.‏

"أنور" مشغول دائماً مع مجموعة من النساء الساقطات.‏

و"أحمد" منهمك بالجامعة والصلاة و"روعة".‏

"عدنان" يقول إنني أصبحت نحيلاً وقد انحرفت صحتي. وأنا أشعر أنني فقدت شهيتي للطعام. أحد زملائي في العمل يعتقد أن فقدان الشهية للطعام كارثة. إن الطعام برأيه أكثر الأشياء متعة في الحياة, وعندما ينتهي من التهام كل وجبة من طعامه يتأكد أنه كسب أسبوعاً من العيش.‏

هذا الأبله يقضي كل يوم ثلاث ساعات من عمره في المرحاض.‏

لم أعد أبالي. بدأت أستشعر الغبطة لهذه النوعية من الحياة. أن أنفلت من العداء الذي تنفثه بحقارة عيون الآخرين.‏

كل إنسان عرفته هنا كان يسخر مني لأنني فلاح ساذج.‏

إذا قدّر عليّ أن أكون فلاحاً, فلماذا أكون ساذجاً؟‏

قالت لي "عفاف" مرة:‏

ـ أنت تضيع عمرك سدى. تدعو إلى ثورة من نوع جديد, لكنك وحيد في دعوتك هذه.‏

إن الآخرين مشغولون عنك. هذه الثورة لن توصلك إلى شيء. أنت وأمثالك تفسدون حياة الآخرين بهذه الدعوات, لماذا لا تعيش كما تريد وتترك الآخرين يعيشون كما يريدون؟‏

ـ إن أخلاقكم منحطة. والثورة التي أدعو إليها تمرد على هذه الأخلاق.‏

وتمد "عفاف" لسانها ساخرة وتغرق في قهقهة داعرة.‏

لا مجال للخيار..‏

إما أن أكون واحداً منهم وتنتحر كل القيم التي أؤمن بها..‏

وإما أن أعود إلى قريتي, أعيش براءة الإنسان, حيث تنمو هناك الأخلاق والطهارة جنباً إلى جنب مع الفقر والجوع والانسحاق.‏

لكنني من جهة أخرى أفكر: لقد ولدت ولابد لي من أن أعيش, عندما أموت لن تكون لي القدرة على الولادة من جديد. إن أحداً في العالم لا يستطيع ذلك. كل الذين ذهبوا لم يعودوا!‏

لست من هواة التشرد لكنني أحب الليل حتى العبادة. إنه يطمس جميع الأشياء ويتيح لي أن أحضن بعينيّ كل ما خلفّه الناس في نهارهم الراحل محاولاً أن أذهب إلى أبعد وأعمق من لفتة عابرة, عن أي شيء أبحث من خلال هذا التشرد المضني؟‏

سألتني "براءة" بإصرار حاد:‏

ـ لماذا تصر على اكتشاف مبرر لاستمرارك أو معنى يستحق أن تعيش من أجله؟ إنك تعطي الحياة عمقاً لا تستحقه وتضع حلولاً تسبب الدوار. ماذا تريد من الحياة؟ إنها لا تخصك, مرة تريد الحياة ومرة تريد الموت, مرة تعتني بالناس, ومرة تلعنهم, أنت لا تعرف ماذا تريد, قل لي ماذا وجدت بعد‏

عامين هنا؟‏

"براءة" لا تعرف ما أريد. وأنا لا أجيد التعبير عما أريد. حاولت مرة أن أجعلها قضية حياتي, بعد خمس دقائق من هذا القرار اكتشفت أن مشاكلي لا علاقة لها بالمرأة وبالتالي لا تستطيع أن تحلها, فألغيت القرار فوراً.‏

قرر "عدنان" في جلسة كسلى وهو يقرض أظافره التي يعتني بها دائماً:‏

ـ أحلامك من النوع الوضيع وتقودك دوماً إلى نفس السؤال "لماذا"؟ وفي كل مرة تقذف هذا السؤال تقع في كيس مثقوب.‏

"أحمد" و"أنور" رمز لطهارة قديمة أضعتها..‏

ماذا إذن؟‏

أحب التسكع في مدينة لا حدود لها. أجوس وحدي في كل عتمة وعند كل منعطف لأنسى نفسي كأنني مثقل بموضوع آخر أشد أهمية. وما أطول الليل عند غريب يرتمي بعيداً عن شطآنه الحنونة, في أرض لا رحمة فيها, ترابها لافح وهواؤها مسموم, ما أطول الليل عند ضائع يرى حياته جزءاً تافهاً من الزمن.‏

ومع ترجيع الصدى يلح صوت "براءة" عليّ:‏

ـ لقد أصبحت من القلقين المرضى بمزاجهم. ما زلت أصر على أنك تتلف حياتك.‏

يعتريني الوهن فألجأ إلى خيالي... هذا الخيال الموحش الرتيب كأيام عاهرة هرمة, الذي حولني شيئاً فشيئاً إلى مخلوق حيادي الجنس مرة.. ومرة أقضي حياتي في مكان منسي, أحرص على الاختباء فيه حتى يرحل الليل الأسود.‏

وفي الليل, عندما يضمني صمت الشارع, تنهار القصور التي شيدتها وتسقط حولي دون ضجة ولا صوت, فأتلفت حولي مرتبكاً وتبدو لي حياتي قاتمة والأشياء حولي باردة وكئيبة.‏

في هذه المدينة يحلو الضجر.‏

قال "ياسر":‏

ـ في هذه المدينة تحلو الكتابة, إنها نموذج فذ. كل أمراض الإنسان التي يجب معالجتها موجودة في هذه المدينة.‏

أجبت مستاء:‏

ـ إن جميع ما تكتبونه لا يقدم للإنسان أكثر من حلول سطحية من الدرجة الثانية.‏

أنا وحيد ليس لدي ما آسف عليه. ماضٍ منسي في قرية منفية عن الحضارة والإنسانية.‏

وحاضر مغلف بأردية القلق, ومستقبل ينتصب في وجهه ألف صنم.‏

لماذا لا تستطيع "براءة" أن تشاركني مشاعري, وتكون مرفأ خلاص لأشرعتي التي مزقها لؤم الأيام, أنا يمزقني السأم وهي تنام وتتكدس على جفنيها أحلام بديعة عذبة.‏

وتصرخ "براءة" محتجة:‏

ـ لكنك لم تقل لي ماذا تريد مني. أحبك. ألا يعني هذا شيئاً لك؟‏

ـ لماذا لا تتحولين من "براءة" المرأة إلى "براءة" القضية؟‏

ـ ولكن كيف؟ أتريدني أن أتحول من حقيقة إلى رمز, من مخلوق إلى شبح؟‏

إنني أحسدها على عفويتها وأتمنى لو أستطيع مشاركتها هذه السعادة, ولكن ليس ثمة وسيلة لأن تشارك أحداً سعادته.‏

النهر المحرور يشق صلب المدينة منذ الأزل, ينساب صامتاً بأوساخه, وعفونات الناس فيه يكتم خريره في أعماقه, لا ريب أنه خجل من شيء ما.‏

قال لي "وليد" أحد كتاب القصة في دمشق.‏

ـ هذا ليس صحيحاً, يجب ألا تفرض آراءك على الناس, إن أحداً ليس ملزماً بتبنيها.‏

أية آراء هذه؟‏

في يوم ما سأكتب للناس في كل ما أفكر به, إن من صميم الآراء الحرة أن ندع الفرصة للآخرين كي يتعرفوا عليها.‏

عقارب الساعة تدور, وعتمة الليل تزحف, ولا أشعر بالتعب, فأستمر متسكعاً أجوب الشوارع الصامتة الباردة, لا أتطلع إلى شيء ولا يستهويني أي شيء.‏

ثمة خطأ في علاقتي مع الآخرين ومع الحياة.‏

يلسعني البرد حتى يتثاءب الفجر من وراء الأفق ويرسل إلى الدنيا ضياءه الفاضح, عندها أعود إلى عملي مباشرة, أفتح الغرفة وأريح وجهي المجهد على زجاج الطاولة, ثم أذهب في إغفاءة ثقيلة لا تعرف الأحلام, حتى تشرق الشمس وتمتليء البناية بالموظفين والموظفات, وتدخل "براءة" إلى المكتب تهزني من كتفي, ثم تنظر إليَّ بعينين يرتع عليهما ألف سؤال مبهم... إنها تتمنى أن تقول شيئاً عندما تراني نائماً في المكتب, لكنها لا تجد الوسيلة لذلك, لا تجد إلا أن تسأل بحزن واضح كأنها تشفق عليّ:‏

ـ لماذا لم تنم في البيت؟‏

لم أجد أبداً جواباً لسؤالها هذا, ولا أعرف لماذا يتحتم على الناس أن يناموا دائماً في مكان واحد.‏

لكن هذا لا يعفيني من الذهاب إلى البيت, لأنام بين فترة وأخرى.‏

ذهبت, ورحت في غيبوبة ثقيلة لم أستيقظ منها إلا عندما فتح "أحمد" الباب ودخل الغرفة ثم قذف كتبه على الطاولة كيفما اتفق وابتسم ابتسامة عريضة كللت وجهه وأضفت عليه حبوراً مستحباً:‏

ـ إن لدي خبراً رائعاً.‏

سألته ساخراً:‏

هل قبلّت "روعة"؟‏

ـ تفوه عليك وعلى تخيلاتك المبتذلة.‏

ـ إذا لم تقبلها فكل أخبارك الأخرى تافهة.‏

قال بلهجة خطابية:‏

ـ قررت أن أضع حداً لسأمي ومشاكلي كلها.‏

ـ هل تنوي الانتحار؟‏

ـ سأتزوج "روعة".‏

ـ النتيجة واحدة. عندما تنتحر فأنت تموت مرة واحدة. وعندما تتزوج فأنت تموت كل يوم.‏

نظر إليّ "أحمد" طويلاً ثم قرر بهدوء:‏

ـ إن آراءك كلها لا تساوي قشرة بصلة. لقد أصابك "أنور" بالعدوى وأصبحت ماجناً.‏

سكت قليلاً ثم أعلن بصوت حالم مليء بالنشوة:‏

ـ أنت لا تعرف ما معنى "روعة" بالنسبة لي. لقد عثرت على فتاة يصلي الوفاء في صدرها إنسانة كبيرة في عالم مليء بالأقزام, في عينيها يشرق الصباح الذي آمنت به, وعلى فمها تتولد براعم الغد الذي أريده. لقد عثرت على كنز من الطهر والإيمان. سأتزوجها ولو كان الثمن حياتي.‏

صفقت وقلت لـه:‏

ـ خطاب رومانتيكي جميل.‏

ارتبك قليلاً ثم أعلن:‏

ـ سأذْهب غداً لأطلب يدها من والدها.‏

حدقت فيه مذهولاً.‏

كنت أعتقد أنه يتحدث عن المستقبل البعيد, أما وأنه يتحدث عن الغد فلم أتردد من الصراخ:‏

ـ منذ متى, أيها الجحش, أصبحت عبداً لغرائزك الجنسية؟‏

ـ هل تسمي حبي لـ "روعة", غريزة جنسية؟‏

ـ بل إنه شبق جنسي من النوع القذر.‏

أدار رأسه كأنه يريد إنهاء الحديث لكنه لم يلبث أن قال:‏

ـ أنا أحلم بالسعادة والاستقرار. هذا كل شيء. أما الجنس, فهو آخر شيء أفكر به.‏

إنني لست مهتماً برأيك.‏

أجبت وأنا أغلي من الغضب:‏

ـ أنت تتحدث عن الزواج والسعادة والبيت كأنك تملك الوسيلة لتحقيق ذلك. كيف أقنعت نفسك أيها الأجدب إن راتبك كله يكفي ثمن أحذية وأدوات تجميل لزوجكم المصون؟ بغض النظر عن هوسها بشراء المشدات التي تجعل قوامها ممشوقاً.‏

هتف "أحمد" محتداً:‏

ـ أنا لا أسمح لك أن تقول هذا, إن "روعة" ليست فتاة مائعة حتى تستعمل هذه الأشياء.‏

ـ من قال لك؟ هل رأيت ملابسها الداخلية؟ لا تحدق بي هكذا, أنا لا أريد أن أطعن بها ولكن حتى تكون الفتاة منسجمة مع عصرها يجب أن تهتم بتجليس أعضاء جسمها بالمشدات والأحزمة أكثر من اهتمامها برأس أبيها أو زوجها.‏

ما زال "أحمد" يحدق بي مذهولاً.‏

ـ اسمع "أحمد" الأجدر بك أن تحاول بناء حياتك. ما زال أمامك وقت طويل حتى تتخرج من الجامعة, وبعدها عليك أن تؤدي خدمتك الإلزامية للجيش, من أين ستأكل طوال هذه المدة أنت وحرمك المصون؟‏

ـ أنا لم أسمع أبداً أن إنساناً قد مات في هذا البلد من الجوع.‏

ـ إذا كان الموت بالنسبة إليك أن تتوارى تحت التراب في حفرة قذرة, فأنت مغفل, هناك بشر أحياء لكنهم ميتون من الضجر.‏

ـ الزواج حل وحيد لكل ما أعانيه.‏

ـ أنت توافقني أن المتزوجين ليسوا سعداء كلهم؟‏

ـ وليسوا تعساء كلهم.‏

ـ إن زواجك سيكون أتعس زواج تشاهده هذه المدينة.‏

في تلك اللحظة فتح الباب ودخل "أنور", تطلع إلينا ورأى على وجه كل منا آثار عاصفة نفسية فسأل:‏

ـ ماذا يجري في هذا البيت الوسخ؟ كلما جئت إليه أرى مشكلة جديدة. هل خلقتما من أجل المقت؟‏

قلت لـ "أنور" وأنا أمد يدي إلى إبريق الماء:‏

ـ سيذهب "أحمد" ليخطب "روعة" من أبيها غداً.‏

توقف "أنور" وسط الغرفة ووضع يديه في خاصرتيه ثم نخر من أنفه وأعلن:‏

ـ دعه يفعل ذلك, ليس هناك ما يعيش من أجله. إن حياته التافهة لا تصلح إلا للزواج.‏

نبر "أحمد" بصوته:‏

ـ جئت الآن تبسط لنا فلسفتك المتفسخة عن الحياة. إنني لا أهتم برأيك, ولن أسمح بتقييم حياتي من خلال مناقشة عرضية في غرفة قذرة.‏

ـ إنك لن تبدع عالماً آخر بزواجك من الآنسة الدكتورة.‏

ـ إنني لا أفكر بخلق عالم جديد وليس هذا من شأني كما أنه لا يعنيني. أريد أن أعيش حياتي فقط.‏

سألت "أحمد":‏

ـ حياتك وحدك؟؟ يبدو أنك بترت جذورك كلها؟.. نسيت كل شيء, نسيت أننا سنعود إلى الشمال لنبدأ هناك من جديد؟‏

ـ أنا لست مديناً لأحد بشيء.‏

ـ إن حبك لهذه الفتاة قد أنساك كل شيء, حتى ذلك الإجهاض الفكري الذي كنت تسميه أخلاقاً وفضيلة. "أحمد" أنت وحش.‏

خيم صمت ثقيل علينا.‏

الغرائز المكبوتة انفجرت بكل شبقها. كل رواسب القرية وأحلام الليالي الطويلة المملة.‏

كل الحرمان التعس تحلل أمام أول امرأة ابتسمت لـه.‏

نظرت إلى "أحمد" كأنني أراه لأول مرة, صحيح أني لا أؤمن بحرف واحد مما قلت لـه لقد انتهت مرحلة الحساب من حياتي. عندما يعشق الإنسان يجب أن يغامر, أن ينشر شراعه ويقلع. لكني رغم هذا أعارض زواج "أحمد" لأنه كارثة, ولأنه لن يتم إلا من خلال مساومات حقيرة تطعن طهر الحب في أعماقه. هذا ليس حباً, إن "أحمد" فريسة نفسه وضحية كبته وهو لا ينظر إلى المستقبل إلا من خلال حرمان طويل وقاتل كما أن تقيمه لآماله خاطيء ما في ذلك شك. ماذا حدث لـه في دمشق؟‏

إن أي نقاش معه لم يعد مجدياً, وليس مستعداً للخروج من هذه العلبة المغلقة. إنه يحمل في أعماقه إيماناً قطيعياً بالفضائل والطهر, لا يقبل أن يسمع إن كان ثمة خطأ في العالم حسبه أن يؤمن وأن يجد إنسانة ترضى بذلك وليس مهماً أن تؤمن به.‏

"أحمد" سيتزوج "روعة" إذن؟ إلى أي حد يحبها, إن الإنسان لا يستطيع أن يصدر أحكاماً صحيحة على عواطف الآخرين لأنه لا يعيشها, لكني أعرف "أحمد" معرفة صميمية وأعرف أنه لا يرى من العالم إلا فضائله وجوانبه المشرقة, قد يكون هذا كافياً لأي إنسان شريطة أن يعرف شرور العالم وكهوفه المظلمة ومن ثم عليه أن يختار. ليس ثمة اختيار, حياتنا الحالية تولد رغبة بالرفض المستمر.‏

اقتربت منه وتصنعت هيئة الواعظ محاولاً أن أجعل لكلماتي صدى خاصاً يؤثر عليه. بيد أني أدركت عقم محاولتي وأنا ألبس رداء ليس لي, فطأطأت رقبتي وقلت كيفما اتفق:‏

ـ "أحمد" أنا لم أمنحك الحياة حتى أكون ديّانك, ولكن عليك أن تفكر أكثر وأن تضع أسوأ الحلول لا أحسنها, إن ما ستقدم عليه فظيع حقاً, إنك لا تدرك معنى المسؤولية كما أنك تدمر كل شيء تملكه...‏

ـ أنا لا أملك شيئاً حتى آسف عليه.‏

ـ أنت تتخلى عن كل شيء ستملكه في المستقبل لتشتري امرأة. إنني أحترم هذه الفتاة من أجلك ولكن, اسمح لي إنها لا تحبك.‏

قاطعني بعنف:‏

ـ أنت سخيف إذ تعتقد هذا. أنت تلقي أحكامك على إنسانة لا تعرفها.‏

ـ لا تسيء فهمي. أريد أن أقول إن الحب الصحيح لا يعرف الأنانية, وقد برهنت "روعة" على أنانيتها عندما طلبت إليك أن تخطبها. كان عليها أن تدرك أن رجلاً مثلك يعيش واقعك الفقير ليس مؤهلاً للزواج الآن, إلا إذا كنت قد أخفيت عنها حقيقتك, أو إذا كانت تريد الزواج من حطامك. قل لي "أحمد" كيف تريد أن تتزوج؟ ببيت من الشعر؟؟‏

مزق "أنور" هدوء الغرفة بضحكة خليعة وقال:‏

ـ الشعر مات. لم يعد ثمة من يقول شعراً, ولم يعد ثمة من يسمع. في الماضي كان الشعر دليلاً على السمو والتهذيب والامتلاء الإنساني, لكنه أصبح اليوم شيئاً عاهراً من سقط المتاع يلقى عند أقدام امرأة أو حذاء رجل يعرف كيف يدفع.‏

نهرت "أنور" قائلاً:‏

ـ اسكت "أنور" ودعنا من جعجعتك. ألا ترى أننا نناقش موضوعاً جدياً؟‏

اعترض قائلاً:‏

ـ ولماذا أسكت؟ هذه فرصة كي أقول شيئاً لـه قيمة أكثر من هذه الثرثرة عن امرأة, أستاذ.‏

الجائعون في هذا البلد هم الشعراء والمفكرون فقط افهم هذا جيداً, وزارة الثقافة دفعت حتى الآن ملايين الليرات لعشرين راقص وراقصة في فرقة الدبكة, لكنها غير مستعدة لأن تشتري أدباء هذا البلد كله بليرة واحدة. أستاذ, الفكر مات. تابع حديثك الآن عن غرام هذا المسطول.‏

تابعت حديثي, وقد ساءني أن يخرجني "أنور" بملاحظته عن الموضوع:‏

ـ أنت لا تملك شيئاً "أحمد". لا تلتفت إلى "أنور" إنه وغد. قل لي ماذا تستطيع أن تقدم لـ "روعة"؟ هل تدعو لها في صلاتك؟ لا تحتد أنا لا أطعن تدينك, لكن دمشق لا تفتش عن رجل مثلك, المرأة تريد جيباً ممتلئاً يحقق لها ترفها ويبني لها بيت العز, ولا يهمها أن يكون صاحب هذا البيت يحمل بين كتفيه جمجمة فارغة.‏

لوى "أحمد" رقبته ثم سعل وعلق ساخراً:‏

ـ بعد هذه المحاضرة الطويلة, هل تريد أن تقول لي إن زواجي جريمة ضد المجتمع؟‏

ـ من قال هذا؟ إنك تحاول أن تقفز فوق قدرك بسهولة, لا أعرف كيف تتخيلها؟‏

ـ ألا ترى أنك تناقض نفسك؟ كنت تقول دائماً إن الإنسان يصنع قدره بنفسه, وها أنت ترتد لتؤكد أن قدر الإنسان جدار من الإسمنت ولا نملك لهدمه غير أظافر واهية.‏

رد عليه "أنور" منفعلاً:‏

ـ لا تحاول أن تجعل من تفاهاتك دروساً تلقيها علينا, أنت لست غبياً لكنك خبيث لا تفهم إلا ما يلائمك إذا كنا نصنع قدرنا, فنحن نحاول وقد نسقط قبل أن ننجح. وليس معنى هذا أن نستجيب لغرائزنا المكبوتة كي نؤكد ذلك. كي نؤكد أننا نعمل ما نريد.‏

ضحك "أحمد" ورد بعصبية:‏

ـ أنت آخر إنسان في العالم يحق لـه أن يقول هذا. أيها الداعر.‏

ـ دع حياتي الشخصية وشأنها ولا تتخذ مني مقياسا. أنا أرى الأشياء بعيني, لكنني الآن أتحدث عن الأشياء كما تراها أنت. إنني أتحدث عن الإطار العام, عن الكل. أنت موظف تلهث كالكلب وراء القرش طوال الشهر, ليس لك مصير واضح وأنت بالتالي عاجز عن خلق ظروفك, لا تملك الجرأة على التحدي. الزواج معناه مسؤولية ضخمة أنا على استعداد لتحملها من خلال اللامبالاة, أما أنت فلا, أنت إنسان لم ينته بعد من مرحلة الاتكال والقدرية, ستتزوج من فتاة تعيش في مجتمع ما زال يضع المال فوق كل القيم, ماذا ستقول لوالدها إذا طلب إليك أن تحول عواطفك الملتهبة إلى أرقام ومبالغ تبني منها بيتاً لكريمته المدللة؟ دعنا من الذهاب إلى أبعد وأعمق. أنت إنسان حسابي, فما هو ردك على هذا السؤال؟‏

راح "أحمد" ينقل بصره بيننا وقد قطب جبينه بعد أن تلاشت بسمة الفرح العريضة عن وجهه, وطال صمته وتطلعه إلى أن أعلن محتاراً:‏

ـ قد تكونان على حق, لكنني أحب "روعة" ولن أتخلى عنها من أجل آرائكما المنحلة, أنا لا أملك وسيلتكما بالإقناع, ولا أعرف كيف أفلسف الحياة والأشياء, وأمقت جميع الذين يعقدون حياتهم بهذا الشكل المنحط, أنا أحبها, هذا هو الأساس المتين الذي سأبني عليه حياتي أما الباقي فلا أهتم به كثيراً. إن الحياة حياتي ومن حقي أن أعيشها بطريقتي وبقناعتي.‏

سكت قليلاً ريثما فتح النافذة القريبة منه وتابع:‏

ـ أعرف أن مشاكلاً ستعترض طريقي, لكن الضريبة التي أدفعها لحبي أن أواجه هذه المشاكل وأنتصر عليها, ولعل انتصاري سيضاعف من سعادتي المقبلة. أنا مؤمن أنه لا شيء أروع من الأشياء التي ننالها بعد نضال.‏

عندما كان "أحمد" يتحدث إلينا كنت أشعر أن صوته يأتي من مكان ناء. يرن في فراغ أزلي يحمل الوحشة والوهن. لقد ابتعد عنا, كما ضاع "أنور", وكما هربت أنا, لقد تقاذفتنا الدروب. جئنا نبحث عن الحرية فأضعنا كل شيء. أصبحنا عبيداً لأفكار وعادات وأشخاص كنا هناك أكثر حرية ولم نكن ندري أننا أحرار. الإنسان الحر لا يعرف أنه حر, كنا أحراراً لأن فكرة أن يكون الإنسان عبداً في المدينة لم تكن تشغل بالنا. كنا بشراً نقبل الحياة ونرفضها ونقبل الموت ونرفضه. ماذا ينفع هذا الآن؟ من العبث أن أقول شيئاً لـ "أحمد" ومن الفظاعة أن أحاول إقناعه. من يستطيع أن يقنعني أنا؟ مهما يكن إن من أبسط واجباتنا أن نكون معه بكل ما يريده ويحقق رغباته, ولم أجد بداً من أن أقول لـه مستسلماً:‏

ـ أعتقد أنه لا فائدة من المحاولة. هذه حياتك "أحمد", هل نستطيع أن نساعدك بشيء؟‏

رفع رأسه بغتةٍ وهتف:‏

ـ هل يعني هذا أنك وافقت؟‏

ـ وأنا مكره. أشعر أنني أسير في جنازتك.‏

قفز من مكانه وراح يضحك بشكل طفولي, ولم يلبث أن التفت إلى "أنور" وسأل:‏

ـ وأنت؟‏

أجاب "أنور" وهو يهرش رأسه:‏

ـ إنها حياتك ومن حقك أن تنتحر متى شئت.‏

راح "أحمد" يقفز على الأسرة, وعلى أرض الغرفة, وبعد أن تخلى عن وقاره, ولم يلبث أن راح يدندن بأغنية ريفية ساذجة وبصوت منكر أزعجني فقلت لـه كي أقطع عليه انسجامه:‏

ـ متى ستذهب إلى بيت "روعة"؟‏

ـ غداً.‏

ـ ومن سيذهب معك؟‏

ـ أنت و"أنور".‏

خبطت الأرض بقدمي وأعلنت محتجاً:‏

ـ لن أذهب معك ولو ذهبتَ شهيد عواطفك. كيف تريدني أن أذهب معك وأنا لا أعرف كيف أتصرف في مثل هذه المناسبات التافهة؟‏

أدار "أنور" ظهره وقال ساخراً:‏

ـ لا ينقصني الآن إلا أن ألبس "ملاءة" وأصبح "خطابّة".‏

ثم مضى إلى المرآة, حدق بها ثم بصق عليها, والتفت إلى "أحمد" وأعلن محتجاً:‏

ـ أنت تهين رجولتي بهذا الطلب. يجب أن تعتذر إليّ فوراً.‏

قلت متدخلاً:‏

ـ "أحمد", كان عليك أن تكلف غيرنا بهذا الموضوع, أنت تعرف جهلنا في هذه الأمور.‏

ـ كيف أكلف غيركما وأنا لا أعرف في هذه المدينة أحداً؟‏

أدرت ظهري إليه ومضيت إلى النافذة وشردت عبرها, ألقي نظري على بيوت دمشق التي تتسلق بعناء صامت سفوح الجبل الهرم. "أحمد" لا يعرف أحداً غيرنا. هذا صحيح.‏

نحن مرتبطون برباط غريب لا تفهمه هذه المدينة ويجب ألا تفصمه أبداً.‏

ولكن, ألم تمزقنا حقاً؟‏

ألم يذهب "أحمد" إلى الأبد؟‏

سيتركنا ليعيش مع زوجته, وسيأتي يوم يذهب فيه "أنور"؟ ونعيش معزولين نشكو الوحدة والضياع والصقيع.‏

لماذا جئنا هذه المدينة؟‏

إن التهالك على معرفة الجواب كان يجب أن يبدأ قبل الآن.‏

لقد استنفذت كل الرموز في هذه المدينة دون أن أتعمق فيها وأتوصل إلى معرفة مغزاها. لم تعد الرموز تخاطبني بطريقة حية, وأنا لم أعد أنظر إلى الأمور بطريقة مستقيمة أصبحت منخوراً, مرة أحس الاختناق ومرة أحس أني أوشك أن أطير من الخفة والفراغ. الكلمات هنا لا معنى لها, إنها أقنعة تقتل الصور أو تحجبها.‏

ابتلعت غصة محروقة في صدري ثم توجهت إلى الباب وخرجت بسرعة قبل أن يلاحظ أي منهما دموع القهر التي بدأت تملأ عيني.‏

هذا أوان التسكع في شوارع البرد والفراغ.‏

لم أعد أريد من هذا العالم إلا رغبة واحدة, وهي ألا تكون لي أية رغبة أبداً.‏

كنت أريد أن أظل لا مبالياً حتى أتحمل الحياة بصورة مرضية, لكن اللامبالاة قادتني شيئاً فشيئاً إلى الفوضى والتهالك. الفوضى تعم حياتي ورأسي.‏

لمن عليّ أو أؤدي حساباً؟‏

العالم مكان مرير لا يطاق.‏

عند أحد المنعطفات كانت تمر جنازة. وكان المشيعون وراءها يطأطِئوم رؤوسهم في حالة مزرية لتصنع الحزن.‏

فجأة أحسست برغبة عارمة للضحك.‏

لا أعرف كيف تولدت هذه الرغبة, لكني كنت سعيداً بها, فقد حققت لي بعض الراحة لأنني من خلالها استطعت أن أصدر حكماً سلبياً على الموت والحياة معاً.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244