|
||||||
| Updated: Sunday, July 01, 2007 02:56 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الفصل التاسع عشر أمضينا أكثر من ساعة في عملية التأنق المطلوبة منا, ونحن نستعد للذهاب إلى بيت "روعة", كما نستعير ملابس بعضنا, ونتبادل ربطات العنق وكان "أحمد" أكثرنا اضطراباً وتلفهاً. إنه يومه القدري, أما "أنور" فكان يلمّع حذاءه تارة, وتارة يلعن نفسه لأنه, بكل رجولته, سيقوم بمهمة "حريمية". أخذنا سيارة بعد أن خرجنا من البيت, ووجدنا مشقة كبيرة بالاهتداء إلى بيت "روعة". كان الطابق الأرضي الذي يسكنونه, في قعر بناية ضخمة, يقع في حي راق من أحياء المدينة وقفنا أمام الباب وقبل أن يضغط أحدنا الجرس تطلعنا إلى بعضنا, ولم نلبث "أنور" وأنا أن ضحكنا ضحكة بلهاء باهتة, حاولنا بها أن نشد من عزيمة "أحمد" الذي كان يرتجف وهو ممتقع الوجه ينظر إلينا ببلاهة ضايقتني إلى حد أوشكت معه أن أدير ظهري وأعود إلى البيت, وإلى الجحيم هو وعواطفه. وضع "أنور" حداً للتردد, عندما ضغط جرس الباب, وما إن فعل حتى بهتنا جميعاً, كأننا هنا لسبب آخر, ثم مدّ كل منا يده بشكل تلقائي إلى رباط عنقه وأصلحه بحركة لا معنى لها. تثاءب الباب ببطء وسأل من خلفه صوت نسائي: ـ من؟ سعل "أنور" سعالاً خفيفاً وأجاب بأدب جم: ـ هل نستطيع أن نقابل "محمود بك"؟ ـ لحظة من فضلك. انتظرنا دقيقة قبل أن يفتح الباب ويطل منه رجل في العقد الخامس من عمره, وعلى وجهه آثار سنوات من الإرهاق واليأس. تطلع إلينا فترة قصيرة وعيناه تدوران في محجرين تحيط بهما هالة من الزرقة والتجاعيد المنمنمة, ولم يلبث أن سألنا بجفاء: ـ ماذا تريدون؟ قال "أنور" وقد بدت على وجهه آثار الامتعاض: ـ ألا نستطيع أن ندخل قليلاً؟ يبدو أنه أحس الخجل من موقفه الذي لا يتسم باللياقة ففتح الباب وقال معتذراً: ـ عفواً.. تفضلوا. دخلنا البيت, لم يكن أثاثه غالياً لكنه مرتب بشكل يدل على حسن الذوق. وفي الغرفة التي جلسنا فيها كانت ثمة لوحة زيتية رائعة تزين الجدار, تمثل عاصفة هوجاء في بحر عميق الزرقة تغلي على سطحه موجات من الزبد الأبيض, وعند الشاطىء, البعيد حطام زورق صغير وبالقرب منه جثتان... رجل وامرأة. أعجبتني اللوحة والفكرة. رحت أتأمل ضربات الريشة الفنانة التي خلقت من مزيج الألوان عالماً من القسوة والرعب, وانسحاق الإنسان وهزيمة الآمال. أحسست بأصابع "أنور" تقرصني بقسوة وهو يميل إليّ ويهمس: ـ ما بك تحدق كالأبله في هذه اللوحة؟ هل تحسب أننا في معرض فني؟ أسندت ظهري إلى الخلف وأخرجت علبة لفائفي وقدمت واحدة منها إلى والد "روعة" لكنه اعتذر وهو يحدق بنا مبهوتاً: ـ آسف. لا أدخن. وعاد الصمت الدبق يخيم علينا إلى أن قال لنا بنفاذ صبر: ـ لم يقل لي الأخوان حتى الآن ما يريدون؟ ردّ "أنور" بلهجة مهذبة لا أعرف من أين تعلمها: ـ نحن "محمود بك" جئنا بيتكم العامر وكلنا أمل أنه بيت الشرف والأخلاق, الموضوع بصراحة يتعلق بصديقنا "أحمد". ونأمل أن نتمكن من بحث الموضوع معكم بهدوء وتفهم موضوعي لظروفنا خاصة وأنكم خير من يقدر ظروف الناس, وأملنا أن نعود من هنا وقد امتلأنا سعادة. تفرس الوالد فينا برهة ثم أعلن بحيرة: ـ عفواً. حتى الآن لم أفهم شيئاً. لا أعرف من أنتم وماذا تريدون؟ أوشكت أن أضحك لأن محاضرة "أنور" المغلفة بالنفاق قد ذهبت أدراج الرياح, لكنه ابتسم ابتسامة مرحة ثم أشار إليّ قائلاً: ـ الأستاذ سيشرح لك الموضوع كله. ارتجفت في مكاني وتطلعت إليه غاضباً. لقد أوقعني في مأزق ودفعني بخبث إلى تبني مشكلة لا أعرف كيف أواجهها. لو كنا في البيت الآن لبصقت على وجهه. عندما شعرت أن عيني الوالد تحدقان بي وتنتظران مني أن أريح صاحبها وأنقذه من حيرته تصنعت الهدوء وقلت وأنا أحس شيئاً يسد حلقي: ـ إن زيارتنا لكم زيارة غريبة. أعترف بذلك, وليس من اللياقة أن نحضر بهذا الشكل, لكن الذي يغفر لنا أنا لا نعرف أحداً في هذه المدينة, ولا نستطيع الاعتماد على أحد أو حتى إفشاء السر أمامه. سأل الوالد باستغراب: ـ سرّ؟ أي سرّ؟ ابتسمت في محاولة لضبط أعصابي قبل أن أقول: ـ ليس ثمة سر كما تتصور. القضية أننا.. أننا جئنا نطلب يد كريمتكم الآنسة "روعة" لزميلنا "أحمد". اتسعت عيناه فجأة وتغيرت ملامح وجهه فوراً, كأنه أصبح إنساناً آخر, وسأل متردداً: ـ هل أفهم من هذا إنكم جئتم تطلبون يد ابنتي؟ ـ تماماً. إنكم تعبرون "محمود بك" عن كل ما نريد قوله دفعة واحدة. نهض عن مقعده بعصبية وقال بشكل جازم: ـ إن ابنتي ليست مستعدة للزواج الآن. وأمامها وقت طويل حتى تنهي دراستها الجامعية. تطلع "أنور" بهدوء إلى الوالد وسأله: ـ هل نفهم من هذا أنك تطردنا؟ رد الوالد بحدة: ـ أنا لا أطردكم, إن ابنتي مخطوبة. سألته بنفاذ صبر: ـ أنت ترفض طلبنا إذن؟ ـ نعم. ـ ألأنها مخطوبة, أم لأنها ما زالت في الجامعة؟ ـ من أجل السببين معاً. ـ لكن "أحمد" يريد أن يخطبها الآن, ولن يتزوجا حتى يتخرجا من الجامعة. ـ قلت لك إن ابنتي ليست مستعدة للزواج. سأل "أنور" وهو ما يزال هادئاً: ـ هذا رأيك أنت وليس رأيها هي. تكهرب الجو فجأة. إن عاصفة توشك أن تهب. كان "أحمد" ينظر إلينا بتوسل. تطلعت بدوري إلى "أنور" وأنا أتمنى أن تبتلعه الأرض فوراً. لقد أوقعنا في ورطة لا نحسد عليها حاولت أن أقول شيئاً يلطف الموقف الحاد, عندما سمعت الوالد يقول: ـ عجيب والله. هل جئت تطلب يد ابنتي أم جئت تحاكمني؟ قلت بسرعة كي لا أترك فرصة الرد لـ "أنور": ـ نحن نعتذر عن سلوكه. يبدو أنه صدم عندما سمع الجواب. إننا نريد أن تتفهم الموقف جيداً. إن "أحمد" يحب ابنتكم كما أنها تبادله هذا الحب, وقد جئنا هنا بناء على طلب منها. صرخ الوالد وقد خرج عن وقاره: ـ كفى. حب؟ أنا لم أسمع طيلة حياتي بوقاحة كهذه. إنني... مهما يكن لن أهتم بالتعليق على كلام أولاد مثلكم. لقد انتهى وقت الزيارة. إذا سمحتم. ثم سار أمامنا إلى الباب. نهضنا عن مقاعدنا وتبعنا الوالد كالقطيع. وقبل أن نخرج توقفت قليلاً وقلت لـه: ـ لقد نصبّت من نفسك جلاداً على عواطف إنسانين وحرمتهما من السعادة. أرجو ألا تندم على تصرفك هذا في المستقبل. ـ هل تهددني يا سيد؟ ـ أهددك؟ أنا لا أعرفك, ولست مهتماً لذلك. أريد أن أقول إنه ليس من حقك أن تحرم إنسانين من السعادة ولا تملك الحق للتحكم في حياة وعواطف الآخرين. ـ إنها ابنتي أنا. ويجب أن أضمن لها مستقبلها. ـ المستقبل ليس حذاء تشتريه لها. إنها تملك حياتها ومن حقها أن تقرر هي, لا أنت, أسلوب حياتها. يجب أن ترى بعينيها لا بعينيك. ـ لقد قلت لك إنني سأضمن مستقبلها ولن أدعها تقع فريسة لهذه التفاهة التي تسميها حباً, ثم هل لك أن تقول لي لماذا تجادلني, أنا أعطيت جوابي النهائي. عجيب والله. ـ إن ابنتك نفسها لن تحترم قرارك هذا. ـ ما شاء الله. شباب آخر زمان. يا أخي قلت لك إن ابنتي مخطوبة. ماذا تريد بعد؟ نظرت إليه بغضب لم أكن انتظر أن يعتريني وقلت: ـ أنت تعلم جيداً أن هذا ليس صحيحاً. إن ابنتك ليست مخطوبة لأحد. إن الأسلوب الذي طلبناها به لم يعجبك. إنه أسلوب مباشر وواضح وبعيد عن التملق لكنه لا يستهويك, تريد منا أن نحضر الوسطاء أولاً, وبعد ذلك تسأل المخبرين الذين يبيعون أخلاقهم بقرش, لتعرف شيئاً عن سلوك المتقدم إلى يد كريمتكم, من تحسب نفسك؟ ـ أنت يا سيد إنسان قليل الأدب. ـ هذا رأيك أنت, وحاول أن تحتفظ به. المشكلة أننا لا نعرف أحداً نرسله إليك. جئنا بأنفسنا لأن الموضوع يهمنا نحن ولا أحد غيرنا, الطريقة عفوية لكنها جديدة بالنسبة لك. أتدري؟ في يوم ما سنغير هذه العادات كلها. سوف ترى. ثم... لا تقل شيئاً, نحن خارجون ولا لزوم لأن تكون مبتذلاً بكلماتك. قبل أن نخرج من البيت التفت إلى اللوحة الزيتية, وشتمت الفنان في سري كما لعنت كل الجهود التي يبذلها المفكرون لإنقاذ هذا القطيع من زريبته. ثم خرجنا. ونحن على الدرج قال "أحمد" الكلمة الوحيدة التي تفوه بها منذ دخلنا ذلك البيت: ـ لقد ضاع كل شيء. لا أعرف إن كنتما أنتما المسؤولان عن ذلك, أم أنا, أم عاداتنا, لكن كل شيء ضاع, ولقد فقدت في هذه اللحظة أجمل شيء عرفته حياتي المجدبة. أحسست أن "أحمد" مخلوق يستحق الشفقة. شفقة من؟ إن هذا لن ينفعه بشيء, يجب أن ينتصب على قدميه, في النهاية. هذا هو العالم الذي كان يظنه جنة, وهؤلاء هم الناس الذين كان يظنهم ملائكة. وماذا بعد....... الألوان تتبدل, والناس يولدون ويموتون, يدخلون ويخرجون, ليس ثمة بداية أو نهاية الساعات تتضاعف إلى أيام, والأيام إلى شهور وسنين, حتى يمر هذا العمر الكئيب. إنها عملية جمع وترتيب. نحن نحتل أماكن الذين ماتوا, وغداً تولد عيون جديدة تتطلع إلى أماكننا منتظرة أن تلغي دورنا واستمرارنا. هذه حياة لا تومض بأي وميض أمل... كلها رتابة مفجعة, النور تحجّر في عيوننا والهزيمة مصلوبة على وجوهنا, وكل واحد منا يحمل على جبهته عنوان المقبرة التي ستضم جثته. لقد شعرت بالتمزق أن أرى "أحمد" ينطوي على نفسه بعد صدمته العاطفية وقد رفض أن يقابل "روعة" في الجامعة رغم تدخلنا بذلك لأن الموضوع انتهى بالنسبة لـه ولم يعد ثمة أمل رغم تشجيعها لـه ومحاولاتها المستمرة, لقد اعتبرها مسؤولة عن سلوك أبيها: وكنا نرقبه وهو يرحل كل يوم إلى متاهات أبعد. لم يعد منا كأنه لا يعيش معنا, ولم أكن أعتقد أن باستطاعة الحب أن يفعل به ما فعل, لقد استنفد أشياءه دفعة واحدة, ولم يبق لديه عزم على حب آخر. ماتت "روعه" في أعماقه ولم يبق هناك أي شيء يستحق الجهد. هذه مأساة خيمت على حياتنا لتنضم إلى قوافل المآسي الأخرى, لكنها لم تثن "أنور" عن حياته الخاصة بل ازداد غرقاً يوماً بعد يوم مع رفاق السوء, وحفلات الرقص, وذهب بدوره إلى متاهات بعيدة لا تدركها العيون. كنت أحس أننا نضع أقدامنا على أول طريق النهاية, ليس ثمة مهرب, هل تستسلم؟ لم تبق غير "براءة" أستجير بحبي لها عله يزودني بمبررات ومعان جديدة تكون زاداً لحياتي التي صرت أراها شيئاً كريهاً مغرقاً في رتابته وانحطاطه. قالت "براءة" وكنا نشرب القهوة في "الكاندلز". ـ لقد تغيرت كثيراً. تفحصتها بعينين متعبتين أنهكهما السهر وقررت: ـ أنا لم أتغير "براءة". عيناي متعبتان لكن حياتي ليست في عيني. كل ما في الأمر أنني ازدادت ضجراً من هذه المدينة. نفخت بصوت مسموع وسكتت. فسألتها: ـ هل ضايقتك؟ ـ أجل. ـ لماذا؟ أمسكت فنجان القهوة الفارغ وراحت تلحس حافته وتقلبه بين يديها ثم سألتني بعصبية لم أعهدها فيها من قبل: ـ من تحسب نفسك؟ استفزني السؤال فأجبت: ـ أنا جيل كامل من المعذبين. تفرست بوجهي ثم قالت وهي تضغط على كل حرف: ـ أنت مخطىء خطأً فادحاً, إنك تجعل نفسك وصياً على العالم, لكن أحداً لا يحس بذلك. شعرت أن كلماتها غبية ولا معنى لها فقلت: ـ دعيني أسألك سؤالاً. لماذا تعيشين؟ أحرجها السؤال فتريثت قليلاً قبل أن تعلن: ـ عندما أعيش لا أسأل عن السبب. لقد ولدت وأستطيع أن أسعد إذا نظرت إلى النور. أسندت ظهري إلى الخلف وقد هالتني عفويتها: ـ أنا لست واعظاً "براءة" ولا أريد أن أكونه, لكن هذا لا يمنعني من أن أقول لك إن حياتك بحاجة إلى هزة عنيفة تقتلعك من جذورك وتبدلك تبديلاً كاملاً لتري الواقع الذي نعيشه. أنت إنسانة مترفة ترفاً فكرياً ضخماً. وأنا أعيش واقعاً قذراً جعلني انظر إلى الحياة نظرتي إلى شيء تافه رخيص. ـ أنا شخصياً لا أنظر إلى الحياة هذه النظرة القاتمة. ـ لأنك, ببساطة, لا تملكين شيئاً ولا تسمعين إلى شيء. تستمرين استمراراً تلقائياً, الحياة عندك أن يغذي الإنسان جثته ويريحها في السرير كل يوم عدة ساعات. أطرقت برأسها إلى الأرض وقد صعد الدم إلى وجنتيها حتى صارتا مواسم تفاح شهي, فأسرعت أؤكد: ـ لا أريد أن أمس بك "براءة". أرجوك. ولا أريد أن أفقدك قدرتك على الصمود لكنني أريدك معي. أن تفهمي أن حياتنا بكل مظاهرها ومضامينها موجهة ضد الإنسان. نحن مزيفون, لسنا بشراً, منذ أسابيع أراد "أحمد" أن يمتن جذوره بالحياة من خلال زميلة لـه في الجامعة. آمن أن الحب والبيت الزوجي هما المنطلق الوحيد كي يقتل الإنسان سأمه إلى الأبد, أتُّدرين ماذا حصل؟ لقد طردنا والدها, والشيطان وحده يعرف لماذا فعل ذلك. أحسست بالغضب الذي اعتراني يوم طردنا والد "روعة" فقلت بغضب فاجأ "براءة": ـ يستطيع "أحمد" اليوم وفي أي يوم يختاره أن يأخذ هذه الفتاة من الجامعة ويضاجعها في بيته. ماذا تظنين أن والدها سيفعل بعد ذلك؟ لا شيء, بعض الخطابات المملة عن الأخلاق وبعض الشتائم الرخيصة ثم يبحث لها عن زوج يعرف كيف يدفع وتعرف هي كيف تخونه ثم... ثم ماذا, قولي لي "براءة" قبل أن أنفجر. أعلنت بهدوء وبصوت مغلف باليأس: ـ مأساتنا أننا لا أخلاقيون. والأخلاق هي الوسيلة الوحيدة للسمو بحياتنا. انفجر شيء في صدري فنبرت بصوتي: ـ ما هذا "براءة"؟ إن كلمة الأخلاق صارت أفيوناً يملأ أدمغة الناس, كأنها قطعة حشيش أعطيت لهم كي يظلوا في قيلولة أبدية لا حدود لها ولا زمان. أنا لا أقبل أن يتحطم الإنسان لنبني من آلامه وأنينه وجراحه معبداً للأخلاق. لا أقبل أن تشاد من انهياراته كهوفاً للعادات والتقاليد. بصراحة, الإنسان أولاً ثم كل شيء ثانياً. ـ تعني إنساناً بلا أخلاق؟ ـ أعني إنساناً يعرف ماذا يفعل بحياته. ويكون حراً بأن يعيش أبعاد حياته دون أن تلاحقه لعنة الأخلاق. تطلعت إليّ مستاءة وسألت: ـ أهذا ما تقترحه؟ ـ أنا لا أقترح حلولاً لمشكلة, نحن معزولون بطريقة عجيبة, معزولون عن الحياة نفسها ولا شيء يربطنا حتى أبسط العلاقات الإنسانية, إننا نعاني وحدة قاتلة. عادت تسأل بنفس الحيرة التي تربكها: ـ أأنْت تعاني من هذا كله؟ ـ أنا وسط دوامة شرسة تضعني دائماً أمام حلين واحد يمتن صمودي ويصعد ذاتي لكنه يبقيني وحيداً, وآخر يوصلني إلى حشد هائل من الناس يلغون وجودي. إنني أحتاج إلى شحنة هائلة من الإدراك حتى أتمكن من اكتشاف حياة أخرى أو وسيلة جديدة للاستمرار. وابتسمت فجأة بلطف وسألت بخبث محبب: ـ أنت تريد الاستمرار إذن؟ ـ أنا أمقت الحياة, لكنني لن أهرب حتى لا يقول الأغبياء فر!ّ. ـ لكنك تعلن دائماً أنك لا تهتم بالآخرين. ألم تقل إنهم صفر؟ ـ عن أي شيء تتحدثين الآن؟ أنت لا تفهمين ما أعني.. إنني.. أفّ.. أنت فقط لا تفهمين ما أعني. شربت جرعة ماء وبللت شفتيها الكرزيتين وقالت بخجل ظاهر: ـ أحيانا أراك تعباً إلى حد أتمنى معه أن أفديك بحياتي. أتمنى أن أفعل أي شيء لأسعدك هل أستطيع؟ أمسكت يدها الدافئة وقد تلاشى ضجري فجأة. أحسست أن كلمات الحنان التي قالتها لي, قد شعّت دفئاً خدّرني وألقاني في بحار من الصحو الذهني المفاجىء وتمنيت في تلك اللحظة أن أغفو على صدرها إلى الأبد. سألتني وهي تراني أبحر في صحو عينيها: ـ هل يمنحك حبي شيئاً مما تريده, لا ترضيني, أتمنى أن يكون الجواب صادقاً؟ لم أستطع أن أكذب فقلت: ـ أنت لا تستطيعين الآن منحي سوى هنيهات راحة نفسية تنسيني وحدتي. إن أكداساً من القلق تعيش في رأسي. سوف أبددها, ثقي بذلك ليكون حبك في المستقبل شاطىء الأمان لحياتي والعالم المشرق الذي تزيل شمسه كآبتي وعتمة الأسئلة المعششة في رأسي. أطرقت برأسها وقد تركت يدها تنام بين يديّ ثم سألت بحنان: ـ هل صحيح إنك تؤمن بالحب إلى هذا الحد؟ ـ "براءة" إن الحياة من غير حب إهانة. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |