|
||||||
| Updated: Sunday, July 01, 2007 02:56 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الفصل العشرون عندما خرجت من عملي ظهراً, كانت "فائزة" تقف على الرصيف بانتظاري. شعرت بحرج وأنا أسلّم عليها, فقد خفت أن تخرج "براءة" في تلك اللحظة وتراني, فمشيت مع "فائزة" ـ منذ نصف ساعة وأنا انتظر خروجك, وكدت أذهب. ـ لم أكن أعلم أنك بانتظاري, ولكن لماذا؟ ـ لقد قررت أن أدعوك إلى الغداء اليوم. أطلقت صفيراً عالياً وعلقت بسخرية لئيمة: ـ أنت بذلك تتنازلين عن الكثير من سموك وشخصيتك. ـ ماذا تعني؟ ـ كيف تتناولين الطعام مع فلاح؟ ابتسمت بخبث وأعلنت نادمة: ـ لا تفهم الأمر بهذا الشكل السيِّىء. أعرف أني أخطأت عندما التقينا أول مرة لكنني لم أقصد إهانتك. ـ أنت لا تستطيعين إهانتي. نفخت متأففة وقررت: ـ إن لديك استعداداً ضخماً للنقاش والجدل في كل لحظة. أفّ. لن أثيرك ولن أناقش, قل لي هل نأخذ الباص أم نستقل سيارة خاصة؟ ـ إلى أين؟ ـ إلى البيت. بيت إحدى صديقاتي. لقد أعددت كل شيء هناك. ـ أنت أعددت كل شيء مسبقاً, من قال لك إني سأوافق؟ ـ أنا واثقة من شيء واحد, أن خجلك سيمنعك من الاعتذار عن الحضور. ركبنا سيارة صغيرة ومضت بنا إلى بيت في "شارع القصور". صعدنا الدرج حتى الطابق الأخير. كان بيتاً صغيراً مؤلفاً من ثلاث غرف, أشياؤه أنيقة ومترفة كلعب الأطفال. ـ أين صديقتك؟ ضحكت بمرح وهي تلقي عن كتفيها معطفها الرمادي ثم أعلنت: ـ لقد ذهبت إلى السينما, ولن تعود قبل ساعات. ـ تقصدين أنك أرسلتها إلى السينما؟ ـ ما الفرق؟ نحن وحدنا الآن. ثم.. لماذا لا تكف عن إلقاء الأسئلة؟ ما رأيك أن تشعل المدفأة ريثما أحضر الطعام, أكاد أتجمد من البرد؟ نهضت أشعل المدفأة وأنا أبتلع ريقي بصعوبة. أنا وحيد الآن مع "فائزة". وحيد مع امرأة لهاثها يسكرني, وبيتها علبة دفء تفوح منه الأنوثة. لقد دبرت كل هذا. ماذا تريد مني بعد هذا كله؟ أحسست أن لوني قد شحب وبدأت أرتجف وحاولت جاهداً أن أرسم على وجهي بسمة لا مبالية لأسأل: ـ أرى صورتك على الحائط. هل هذا البيت لك "فائزة"؟ ـ لقد استأجرته أنا وصديقتي. ـ أليس لك أهل, أعني أليس لك بيت؟ ـ أنا أعيش مع أهلي طبعاً, لكنني أحب أحياناً أن أحيا حياتي, أحب أن أكون وحيدة مع من أريد, وجو البيت ورقابة الأهل , وعاداتهم, لا توفر لي ذلك, كما أني أحب أن أفتش عن السعادة والمتعة في أتعس لحظات حياتي. أدركت أني سأكون حماراً إذا سألت سؤالاً آخر. الأشياء عارية حتى الصميم, ماذا أفعل؟ نخر السؤال رأسي وأحسست بدبيب النمل يسري في عروقي, إنني أواجه موقفاً عسيراً وامتحاناً صعباً لكل ما أؤمن به, بأي شيء أؤمن؟ أليست مشكلتي أصلاً أنني لم أجد, بعد ما أؤمن به؟ هتفت ملء شدقيّ لأبدد ألف سؤال بدأ يحوّم حول رأسي: ـ أليس لديك ما نشربه "فائزة"؟ كانت تنقل صحون الطعام من المطبخ إلى طاولة صغيرة وضعتها وسط الغرفة المليئة بالدفء, والخدر. توقفت وتطلعت إليّ ثم اقتربت مني ومدت يدها الطرية لتداعب وجهي وأعلنت: ـ لقد بدأت تعجبني. لدي زجاجة عرق في الخزانة, ما رأيك؟ ـ عرق؟ ليكن. هاتها, ولتكن خلاً. أشعر أني بأمس الحاجة لأن أشرب. أتَّعرفين من هو أروع إنسان في العالم؟ ـ أنا؟ ـ الذي صنع الخمر. ـ إنه امرأة. وضحكت بخبث. بعد ساعة أحسست بتخثر ذهني هائل, وأن جميع السدود بدأت تنهار واحداً إثر آخر عم الطوفان كل شيء, لم أعد أبالي. بدأت "فائزة" تسرف بالكلام وهي تعلك كلماتها علكاً. وضعت ساقاً فوق ساق فانكشف الستر عن فخذين أبيضين بلون العاج وطراوة الزبدة. برم رأسي بكل ما فيه من أفكار ودماغ, وقلق يستوطن هذا الدماغ وهتفت: ـ ما هذا "فائزة"؟ نظرت إلى ساقها ثم تطلعت إليّ ومطت شفتها السفلى وقالت: ـ أنت تتصرف كأنك لست رجلاً. انكمشت خجلاً. لقد أهانتني, ومن يدري فقد تشك برجولتي.؟ لن تنعم بهذا طويلاً ولن أنهزم أمام هذه التجربة. تذكرت "أنور". وتذكرت هياجي كلما تصورته يتحسس امرأة بيديه. لو كان "أنور" هنا ما الذي يفعله؟ اللعنة على كل شيء. "فائزة" أمامي, امرأة ناضجة, جمالها صارخ وأنوثتها كلها دعوة. ماذا إذن؟ لابد أن أسير الخطوة الأولى. ألقت "فائزة" كنزتها الصفراء عنها وقالت: ـ إن حر المدفأة بدأ يضايقني. ـ تطلعت إلى صدرها الممتلىء, وساعديها الأملسين. وابتلعت ريقي للمرة الألف. ـ لماذا تحدق بي هكذا؟ ألا أعجبك؟ ـ ماذا؟ إن ما أراه الآن أمامي لم يحدث لي في أجمل الأحلام: "فائزة", هذه تجربتي الأولى ولا أعرف كيف أتصرف, صدقيني, رغم ثرثراتي, فأنا أجبن من أن أمد إليك يدي. ـ لماذا؟ ـ لست أدري. ـ أنت تحمل في صدرك رسوبات القرية كلها. ماذا علموك هناك؟ أنت تخاف من المرأة لأنك تخاف من الزنا. هكذا قيل لك أم لا؟ عندما أحنيت رأسي بالموافقة سألتني: ـ هل تصلي مثلاً؟ ـ أبداً. ـ ألست متديناً؟ ـ ليس لي أي موقف تجاه الدين, منذ ولدت وأنا متروك لأقدار تعيسة. راحت تراقبني وأنا أعب كؤوس العرق وألهث إعياء كأنني أنوء وحدي بأوزار العالم. ـ ألم تعرف المرأة من قبل أبداً؟ كان السؤال مفاجئاً, أوشكت أن أقول لها, إن تجاربي في عالم المرأة تجارب تافهة لا قيمة لها, وإن جميع الفتيات اللواتي تعرفت بهن في مدينتي المزّرقة من العدم, كن غبيات أكثر مني وكن يبحثن عندي عما أبحث أنا عنه عندهن. أوشكت أن أقول لها هذا لكنني وجدته تافهاً ولا معنى لـه فلذت بالصمت, ويبدو أنها عرفت الجواب من عينيّ وارتعاش شفتي, فهزت رأسها وعلقت ساخرة: ـ أي أنك ما زلت محتفظاً بعفافك؟ ـ لا تكوني سخيفة. ـ سخيفة؟ لم أكن أتصور أنني قد ألتقي برجل مثلك يوماً. لقد بلغت هذه الدرجة من العمر ولم تعرف المرأة بعد, قل لي ما هو عمرك؟ ـ على الضبط لا أعرف. ـ لا تعرف ما هو عمرك؟ ـ إن هويتي الشخصية لا تساوي حذاء عتيقاً, لأن والدي لم يسجلني في دوائر النفوس إلا بعد خمس سنوات من ولادتي. لم يكن مهتماً بذلك, حتى قرر أن يدخلني المدرسة, يومها وضعوا لي عمراً تقديرياً في بيت المختار بعد أن فحصوا أسناني وقدرتي على جر أكبر حمار في القرية ضحكتْ بجذل عفوي لا يليق بها كأن أحداً يكركرها من خاصرتيها وقالت: ـ أنت إنسان طريف حقاً. ـ طريف؟ هل تعتقدين أنني أحكي لك نكتة؟ ـ ولكن لابد أن أحداً قد أخبرك عن عمرك الحقيقي؟ ـ لقد اختلفوا حتى في هذا, بشرفي "فائزة" والدي يقول إنني ولدت في نفس العام الذي ماتت فيه بقرتنا السوداء التي كانت تحلب كل يوم ثلاثة أرطال من الحليب, ووالدتي تقول إنني ولدت في العام الذي هطل فيه الثلج وأتلف كل مواسم الزيتون في قريتنا, ويبدو أن المؤرخين لا يعرفون متى ماتت بقرتنا السوداء ولا متى أتلف الثلج مواسم زيتوننا. سكت قليلاً وأنا أشعر بمرارة تملأ فمي ثم تابعت؟ ـ أنا إنسان بلا هوية. مدت يدها إلى الكأس وتجرعت ما فيه دفعة واحدة وقالت: ـ أنت إنسان مسكين حقاً؟ ـ لا تكوني بلهاء. إنني لا أحتاج إلى شفقتك ـ كما تريد أيها البطل. أنت لا تحتاج إلى شيء ولكن لا تملك شيئاً, لا تقبل مساعدة أحد ولا تستطيع أن تساعد نفسك. تكره العالم لأنه يرفض أن يجعل منك نبياً. بفّ.. من يهتم بهذا؟ أن تكون نبياً أو صعلوكاً؟ إنك تحمل قضية أكبر منك, الحياة لا تحتاج إلى هذا التعقيد كله, يجب أن تفهم أخيراً. ونهضت بعصبية ثم خلعت تنورتها السوداء ووقفت شبه عارية أمامي. هرشت رأسي بحيرة, وحككت أنفي, لم أدرِ ماذا أفعل فسألت بغباء: ـ "فائزة" هل أنت "امرأة"؟ هزت رأسها بالإيجاب وهي تشعل سيجارتها بعصبية فقلت مستطرداً: ـ إذن فقد سبق لك أن تزوجت؟ ردت بضجر: ـ تزوجت؟ كم تظن أنني بلغت من العمر؟ أنا الآن في الثالثة والعشرين. ـ هل معنى هذا أنك... قاطعتني بفتور وهي تتفرس بي: ـ أنا لم أُغتصب. لقد حدث كل شيء بإرادتي. ـ لكن تعلمين.... قاطعتني مرة أخرى وهي تستلقي على السرير بقميصها الأسود الشفاف الذي يفضح جسداً أبيض, مساماته تفرز نداءات محمومة: ـ لا أعلم شيئاً ولا أريد أن أعلم. إن هذا يحدث لكل فتاة, إما عن طريق الأهل الذين ينتقون الزوج, وإما عن طريقها هي, وقد فضلت أن يحدث باختياري لأشعر أنني حرة. ـ لقد دفعت الكثير ثمناً لهذه الحرية. ـ حتى أنت تقول هذا؟ تصور ظننتك متحرراً؟ تفوه... من يقنع هذا المجتمع أن بكارة الفتاة لا تعني شرفها؟ أنا أعرف امرأة ذهبت للحج مرتين وهي امرأة فذّة في نظر المجتمع ومع ذلك فهي تسرق بيوت الفقراء. ـ إنها على الأقل رمز لاحتفاظ المرأة بعفتها وعدم تحولها إلى أداة ممتعة يشتريها كل رجل!! قد تكون امرأة لصة.. ويمكن دراسة هذه الظاهرة ومعالجتها.. لكنها ليست مزبلة للرجال! لم أكن مؤمناً بما قلته... لكنني أردت أن أعبر عن استيائي لأن فائزة على هذه الدرجة من الإباحية. استوت "فائزة" في السرير وعقدت ساعديها فوق صدرها وقالت: ـ أنت لا تؤمن بحرف واحد مما تقول, لكنك تريد أن تتاجر كالآخرين, أنت تتحدث عن العفة لكنك لا تعرف أنني لولا تمردي لباعني والدي إلى رجل في الخامسة والخمسين من عمره, من خلال ورقة رسمية تعطيها المحكمة دون أن تكلفها أكثر من قرش واحد, وباسم هذه الورقة كان عليّ أن أعيش مع جلف بشري, أتحمل نزواته الشاذة, وأقبل أن أباع كل ليلةٍ لـه, ماذا كان عليّ أن أفعل؟ إما أن أصبح كالسبايا, وإما أن أفقد بكارتي وأكسب حريتي, ماذا ترى؟ إنني أستطيع أن أسترد كل شيء أفقده طالما أنني أملك حريتي. ـ كما تستردينها الآن مثلاً؟ ـ لا تحاول أن تجرحني, فلست أهتم لآرائك.. أنت إنسان بلا رأي.. لقد جئت هنا لأنك لا تعرف ما تريد. ـ إن اهتمامك بآرائي لن يزيد أو ينقص من قيمتها أصلاً. أنت لستِ في وضع اجتماعي يؤهلك لحمل الآراء. ـ كما تريد أيها البطل. ولكن دعنا من هذا الآن. أنا لم أطلب إليك أن تتزوجني, أنا أريد أن أقضي معك ساعات وجد, هذا كل ما في الأمر, وسيان عندي إن بصقت في وجهي غداً. لم أجب. بقيت أحدق في الجسد الفائر الذي استلقى من جديد على السرير يهزه شبق محموم. إن لـ "براءة" جسداً رائعاً. لماذا لا أفكر بالجنس عندما أكون معها؟ أبداً. إن "براءة" غاية وليست وسيلة للاستمرار اليومي. أريد أن تظل بالنسبة لي رمزاً للطهر الذي أريده والذي أعتقد أنني فقدته, كما سأفقده الآن. عدت من جديد أجتر هذه الكلمات الكبيرة. تحسست رأسي بيدي. أحس صداعاً رهيباً. ثمة مطارق تدقه. أجتاز الآن ساعات زمنية فاصلة. قالت "فائزة" إني لست رجلاً. لم أهتم كثيراً لرأيها. غداً سوف تخبر أصدقاءها.. إن كنت رجلاً حقاً.. ولعلها أول من سيعرف إن كنت رجلاً تذكرت شيئاً, فسألت "فائزة": ـ هل أستطيع أن أسألك عن علاقتك بـ "ياسر"؟ فتحت عينيها وتطلعت إليّ بلؤم, ولم تلبث أن أسبلت جفنيها وأعلنت ببساطة: ـ لقد كنت عشيقته. ـ كنتِ؟؟ ـ عندما عرّفته بصديقتي "مها" حاول أن يغازلها خلسةً فاحتقرته وتركته كما أنه لسوء حظه لم يكسب الجولة معها. ـ إذن فقد أضاعك, ولم يربح شيئاً مع "مها"؟ ـ أجل. بالمناسبة, لقد لاحظت أنك أبديت اهتماماً زائداً بـ "مها" هل تعجبك؟ ـ إنَّ لها عينين حزينتين متعبتين, وأنا أحب العيون المتعبة. ـ تحب؟ ما قيمة حبك لأية امرأة وأنت تجلس أمامها عاجزاً؟ هذه الفتاة بلهاء من دون شك. إنها لا تعرف أنني رجل حتى أقصى درجات العطش. نهضت من مكاني وأسدلت الستائر واقتربت منها, فتحت عينيها ولمحت في عينيّ إصراراً عجيباً وقبولاً مطلقاً لتحديها. أغمضت عينيها بنشوة وهمهمت بصوت يكاد يكون مسموعاً: ـ اقترب حبيبي. اقترب. كدت أيأس منك, كدت أيأس أنك ستفعل ذلك. خيمت العتمة على الغرفة ولم يبق ثمة ضوء غير نور نحيل خجول يتسلل من بين شقيّ النافذة, ليرتمي على الأرض موهناً أمام خيال نار المدفأة المتراقص على أرض الغرفة. وفوق السرير كان ثمة ضوء أحمر داعر يحدق بي ويصرخ بأنه الشاهد الوحيد, على أن جميع القيم التي آمنت بها كانت تنتحر على سرير امرأة جميلة لها جسد يشبه الحليب. هذا وقت لا قيمة للكلام فيه. ارتعش الظلام القائم بيننا, ضاع العطر والشذى الطيب, ولم يبق غير الصمت وشهوة امرأة تريد حباً لا تعرفه ورجلاً نشر أشرعته وضاع بين الأمواج جيلاً كاملاً, ثم عاد إلى الصحراء ليضيع في متاهاتها البدائية بحثاً عن سراب عصي. "القطار الأخير توقف عند الرصيف الأخير وما من أحد ينقذ الورد". |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |