|
||||||
| Updated: Sunday, July 01, 2007 02:57 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الفصل الحادي والعشرين شهر مضى ورأسي مثقل بهم لا أعرف كيف أحمله أو أبدده. كان هماً لزجاً تخللته ذكريات عن كل ما حدث لي, وأعترف أنه لم يمض وقت طويل حتى اكتشفت حقيقة أثارت اشمئزازي, وهي أني فقدت احترامي لنفسي. كنت أعاني من مشاعر متناقضة كأية امرأة سخيفة, كيف حدث هذا لي؟ لم أكن مستعداً للتفكير بالأمر. كنت كل يوم أتوجه إلى عملي وأنا مثقل بإحساس جديد وهو أني آثم ألحقت "ببراءة" إهانة لا تستحقها. كان الصباح ضبابياً, وثمة زخات لعوب من المطر تصفع وجه الأرض وتسيل رهية مترجرجة كأحلام صبية مفجوعة بحبها. كان يعذبني أنني أصافح "براءة" بنفس اليد الذي تحسست بها جسد "فائزة".. أأنا نبي جديد؟ كان هذا عذاباً يومياً, وكنت أخاف أن تقرأ شيئاً من عذابي على وجهي, أن تفضحني عيناي. لأول مرة أشعر بالخجل من مواجهة إنسان. لم أركب المصعد الكهربائي بل صعدت الدرج متمهلاً. كنت أفكر قبل أن أقدم على الاعتراف بكل ما يعذبني. وكنت أريد أن ألقى تبريراً أقنع به نفسي قبل أن أقنعها به. إن "براءة" لا علاقة لها بكل ما حدث لي, سأعترف لها بكل شيء وينتهي الأمر, سأقول لها إنني رجل واجه تجربة أقوى من إرادته وانهزم أمامها. هذه أفكار سافلة يجب ألا أقولها أبداً. سأعترف ببساطة وهدوء. إنني رجل ولست نبياً. وستفهم حتماً. دخلت غرفة المكتب, وكانت "براءة" تقف أمام زجاج النافذة تتفرج على خيوط المطر تغسل المدينة, وهي تدير ظهرها إلى الباب, شعرها الأسود ينام على كتفيها وظهرها كعتمة أبدية تخبّيء ألف موال جريح. استدارت نحوي وابتسمت لي بنشوة خالقة ثم سألتني: ـ لماذا تأخرت؟ لم أجب. فتقدمت مني حدقت في وجهي ولم تلبث أن هتفت: ـ أنت مريض؟ ابتسمت متكلفاً وقلت: ـ لست مريضاً لكني متعب. ـ لابد أنك أمضيت سهرة مرهقة؟ تطلعت إلى وجهها مرتبكاً وقلت فوراً وقبل أن تفضحني عيناي: ـ لماذا تقولين هذا؟ نظرت إليّ بحذر وقالت وهي تجلس وراء طاولتها: ـ أنت لست طبيعياً اليوم. ولن أكلمك قبل أن تعود إلى صفائك. لقد أحبتني لأنني ما زلت أحمل في أعماقي صفاء الإنسان الذي لم تفسده أدران المدينة, وصخب الحضارة, ماذا تقول الآن لو أنني.... ما هذا؟ أنا أشعر أنني عتال لأطنان من الدناءة ولا سبيل إلى الخلاص من هذا الشعور سوى أن أعترف وأرتاح... نهضت من مكاني واقتربت منها وقلت من دون مقدمات: ـ لدي شيء أقوله لك "براءة". لكنني لا أعرف من أين أبدأ؟ ابتسمت وقالت: ـ البداية لا تهم. إذا كان الكلام يريحك فقل أي شيء. أطرقت رأسي إلى الأرض وأعلنت: ـ منذ شهر تقريباً.. حدث أني, كيف أقول هذا؟ "براءة" لقد خنتك. ـ خنتني؟؟ كيف؟ ـ تعرفت بامرأة وذهبت معها... أعني, أنت تفهمين... لم أستطع أن أتابع ولم أستطع أن أنظر إلى وجهها حتى لا أرى تعابير الاحتقار عليه لكني سمعت صوت القلم وهو يسقط من يدها, ثم خيمت هنيهة صمت قررت بعدها بثقة: ـ أنا لا أصدقك. أنت تختبرني. ضايقتني ثقتها فقلت بإصرار: ـ لست اختبرك. إن ما أقوله لك حقيقة, لقد خنتك مع امرأة عرّفني بها أحد أصدقائي منذ مدة. عندما عرفتها تقبلت الأمر بشيء من الفتور وقلت إنها علاقة اجتماعية عابرة, ومنذ مدة خرجت من المكتب ظهراً فوجدتها بانتظاري على الرصيف, دعتني إلى الغداء, لا أعرف كيف قبلت. ذهبت معها وبقينا حتى ساعة متأخرة من الليل, وهناك حدث كل شيء. كان وجهها خالياً من أي تعبير وأنا أنظر إليها كيف تلقّت الأمر. لم يكن على وجهها أي شيء سوى صفرة ميتة ساكنة وشفتين ترتجفان, وعينين تلهجان بسؤال مجروح. فقلت لها والسأم يمزقني: ـ لا أعرف كيف تم هذا. ولا أعرف لماذا أقول لك, لكنني إذا لم أقله سأنفجر, منذ شهر وأما متخم بالهم. لا تسأليني شيئاً فليس لدي جواب لتبرير عملي لقد حدث الأمر ببساطة لم أكن أتوقعها. تطلعت إلى وجهها جيداً, لأول مرة أراها مسحوقة بمشاعرها الحزينة, كانت شفتاها ترتعدان, وأصابعها ترتجف. لقد تحولت دفعة واحدة إلى كيان تعس كأنها هي الآثمة لا أنا. حاولت أن أقول شيئاً, لكنني لم أفعل, كنت عاجزاً وكل ما سأقوله سيزيد من سفاهتي. فجأة انفجر مرجل الصبر, وراحت تبكي بأسى. كان بكاؤها محرقاً ومريراً, ودموعها تسيل فوق خديها كأنها فقدت كل أحلامها, أو كأنها تسير في جنازتي. أليست هذه جنازة طهري فعلاً؟ شعرت بالخزي, وأدركت أني حقير لأنني سببت لها هذا العذاب, كان يجب ألا أقول لها. اقتربت منها مرتبكاً ووضعت يدي على كتفها فانتفضت في مكانها ودفعت يدي عنها بقسوة وصرخت: ـ أوتجرؤ على لمسي أيضاً؟ ماذا تفعل لو عكسنا الأمر.. أعني لو خنتك مع رجل آخر؟ نهضتُ من مكانها وجففت دموعها على عجل ثم غادرت الغرفة حاملة حقيبة يدها. مضت ساعة وأنا وحدي أنتظر عودتها بينما كانت أفكار تعيسة تنهشني بنهم كلبي. أين ذهبت ولماذا لم تعد؟ خرجت من الغرفة وفتشت عنها في جميع غرف البناية فلم أجدها إلى أن أخبرني أحد زملائي الموظفين أنها أخذت إجازة و ذهبت إلى البيت بسبب مرض ألمَّ بها فجأةً. أصبت بشيء يشبه الدوار. وأمضيت بقية الوقت في الغرفة ساهماً. لم أكن أتوقع أن الأمر سيصدمها بهذا الشكل. ثم، كيف تذهب وهي حانقة هكذا؟ إنها لم تفهم ولم تحاول أن تسألني شيئاً. حكمت عليَّ دونَ أن تفهم معنى مشاعر إنسان جائع يقف أمام جسد امرأة عارية. ما قيمة العلم إذا لم يكن دافعاً للتحليل والتفكير؟ شعرت أنني بدأت أكذب لأبرر تصرفي. عندما عرفتها أول مرة كانت تتحدث عن عاداتنا وأمراضنا الاجتماعية، عن ثورة الإنسان الذي يجب أن يشق الطريق فوق هذا الركام المهترئ. إنها اليوم تصلبني دون مراعاة لأحاسيسي. أنا لست شيئاً تملكه هي أو غيرها، إنني إنسان بكل ما فيه من مشاعر وكبرياء وغرائز. توجهت إلى البيت حانقاً، لقد انقلبت الأمور رأساً على عقب. عند الصباح كنت ابحث عن تبرير أطلب من خلاله المغفرة. والآن أراها مدينة لي باعتذار لأنها غبية لا تفهم. استلقيت على السرير دون أن أقول شيئاً "لأحمد" أو "أنور" ونمت نوماً متقطعاً حتى المساء. عندما نهضت كان "عدنان" يثرثر في الغرفة الثانية مع "أنور" بينما "أحمد" فوق سريره وبيده كتابه. كنت جائعاً جداً فذهبت إلى المطبخ وأكلت. عدت إلى غرفة النوم وكان "عدنان" و "أنور" قد عادا إليها أيضاً. سألني "أنور": ـ ما بك؟ ما قيمة الكلام؟ لم أجب. سألني "أحمد": ـ هل فقدت لسانك؟ أشعلت سيجارة واستلقيت على السرير فعلق "عدنان": ـ أنت متعب بشكل رهيب. سأدعوك اليوم إلى سكرة لتبدد كآبتك. "عدنان" تافه. يعتقد أن الخمر وسيلة لحل كل المشاكل. ـ ما رأيك هل توافق؟ نظرت إليه وأعلنت دون أن أفكر كثيراً: ـ لماذا لا أوافق؟ إن الخمارة ليست أتفه من هذا البيت. اقترح "أنور": ـ لماذا الخمارة؟ نسكر هنا في البيت. احتج "أحمد": ـ من قال لكم إنني سأسمح بذلك؟ رد "أنور": ـ من قال لك إننا نهتم برأيك؟ أدرك "أحمد" أنه لا فائدة من النقاش فسكت. خرج "عدنان" وعاد بعد ساعة يحمل زجاجة ويسكي كبيرة وعدة أنواع، من الأطعمة المحفوظة. جلسنا حول المائدة وبدأنا نشرب. كنت أشعر بالضيق يتفاقم في صدري كلما مر الوقت. لم أثمل. ظللت أفكر. لماذا أخبرت "براءة"؟ لمن عليّ أن أؤدي حساباً؟ كنت أعلم أني أفكر بشكل سخيف وأن الأمر لا يعدو أن يكون تفاهة لا تهم أحداً سواي، لكن الشيء الذي كان يثقب رأسي بقسوة هو موقف "براءة" من هذا كله. توقعت أن تفهم الأمر بشكل أعمق. توقعت مثلاً أن تقول لي: "إن هذا سيحدث لك في يوم ما، أنت في دمشق لا في الفردوس، وستواجه هذه التجربة لا محالة، وعليك الآن أن تواجه التجربة وتفكر كيف ينحدر الإنسان إلى الحضيض، وتبدأ بتقييم نفسك". هذا منطق مضحك لكني كنت أقبل به لأنه يفتح الباب لنقاش قد يوصلنا إلى شيء أهم من أن تحرد وتمشي. لكنها لم تفعل بل ذهبت كطفل لم تعجبه لعبته فبكى. يحب أن أقتلع هذه الأفكار من رأسي بطريقة ما قبل أن تسممني... التفت إلى "أنور" و"عدنان" كانا يتحدثان في الفن والسياسة والأدب والمرأة، ويقهقهان بين فترة وأخرى بين طقات الكؤوس وصمت "أحمد" الذي كان يتفرج علينا كأنه يعيش في عالم آخر. سألني "عدنان": ـ أنت لست طبيعياً اليوم. هذه حقيقة وأقسم عليها بكل جميلات دمشق. قل ما بك؟ علق "أنور": ـ دعه وشأنه. هذه عادته إنه يرفض المساعدة، وسيبقى صامتاً كئيباً حتى ينسى مأساته الصغيرة التي يمر بها اليوم. سألت "أنور" بضجر: ـ لقد أصبحت أستاذا في علم النفس. من قال لك إني أمر بمأساة، صغيرة كانت أو كبيرة؟ ـ لا أعتقد أن سحنتك المقلوبة هذه بسبب فرح طاغ. رفعت كأسي وجرعت منه جرعة كبيرة ثم تطلعت إلى "عدنان" وسألته: ـ ما هو إحساسك عندما عرفت المرأة لأول مرة في حياتك؟ ـ لقد بدأ عقلك يعمل الآن. قل لي لماذا هذا السؤال اللعين؟ ـ أريد أن أعرف إن كنت عانيت ما أعانيه الآن؟ فتح "أنور" فمه وأرخى حنكه مبهوتاً. وراح "أحمد" يرمقني بغضب ويود أن يأكلني بعينيه بينما قهقه "عدنان" بخلاعة وراح يتمايل وهو يتأوه. لقد استقبلوا الأمر بتفاهة لم أكن أنتظرها. صرخت "بعدنان" كي يكف عن هذا الضحك البذيء، فسكت وأعلن بصوت مغلف بالحبور والفرح الطفولي: ـ هكذا إذن؟ عرفت المرأة أخيراً. الأولى بك أن تقيم حفلاً ضخماً بمناسبة أولى غزواتك إلى عالم المرأة المحصن. راح يمص شفتيه تلذذاً بينما سألني "أنور": ـ متى حدث هذا؟ ـ منذ شهر تقريباً. ـ من هي؟ ـ أنت لا تعرفها. ـ منذ شهر وما زلت تفكر بالموضوع؟ الأمر في غاية البساطة، يجب ألا تحمله أكثر من ذلك. هتف "أحمد" من زاويته برماً: ـ إن وجودك كله لم يعد يساوي كومة زبالة. لقد سقطت أيها المأفون الذي يحاضر عن الأخلاق. اسكر الآن مع هذين المسطولين. هذه هي النتيجة. الله يلعنك. قاطعه "عدنان" وقال لي: ـ لا تبتئس هكذا. كان عليك أن تخوض هذه التجربة يوماً ما. إن أحاسيس الإنسان في المرة الأولى رهيبة وقاسية، أعترف بذلك، لكنك ستتغلب عليها غداً، أعني عندما تجرب مرة ثانية سترى أن الأمر طبيعي جداً. ستتعود ألا تخجل من غرائزك لأنها جزء منك. كنت أتمنى أن أسمع هذا من "براءة"، أما وأنها لم تقل شيئاً من هذا ولم تأخذ الأمر بهذه البساطة فإنني... ما زلت أشعر بالتمزق والحنق. قلت "لعدنان": ـ لن أجرب مرة ثانية. ـ أنت تقول هذا الآن. لكنك ستجرب ثانية وعاشرة وإذا لم تفعل فأنت سخيف. ـ لا فائدة من هذا، أنت تعلم ذلك. ـ لا فائدة من الحياة أصلاً. نولد لنموت، ماذا تريدنا أن نفعل؟ علق "أنور". ـ الجنس متعة، وقد آن لك أن تجد الجرأة لتبحث عنها قبل أن تنتهي خالي الوفاض. الجنس ليس غريزة عابرة في حياتنا، إنه شيء متأصل ودائم فينا، ويجب أن نستجيب للأشياء الأصيلة فينا. عندما سكت "أنور" تذكرت أن فرويد أكد أن الكبت الجنسي هو المسؤول عن كل العقد البشرية وسوء العلاقات الاجتماعية، كما دعا كازنتزاكي إلى تفكيك عقد الإنسان بالسماح المطلق لـه بممارسة حريته الجنسية. لكن هذا كله لم يعجبني الآن. ولم أكن أريد خوض نقاش حوله فقلت مستسلماً: ـ إننا وحيدون. هذه هي المشكلة ولا سبيل للخلاص منها بالجنس. الجنس يمنحني تشنجات عصبية رخيصة، يعقبها ندم هائل وقرف لا حدّ لوصفه. اقترب "أحمد" منا وقال محتداً: ـ إنك لن تتغلب على وحدتك بهذا الأسلوب، كلنا وحيدون. هذا قدرنا، لكن إحساسنا بالوحدة مختلف ووسائل تخلصنا منها تختلف أيضاً. أنت تدفع ثمناً غالياً للتخلص من إحساسك بالوحدة، إن كنت صادقاً في ادعائك، إنك تهرب من الساقية إلى المحيط. قال "أنور" فجأة بنبرة قاسية: ـ أنت إنسان مؤمن "أحمد". لقد وجدت طريق خلاصك وأنت سعيد وقانع. ـ هل تعتقد ذلك حقاً؟ ـ جداً. ـ لماذا لا تؤمن مثلي إذن؟ ـ لقد تحدثت عن قناعتك أنت ولم أقل إنها قناعتي. عندما أرى الأشياء كما تراها أنت، سأكون مثلك وسأعرف طريق خلاصي أيضاً. لكني لا أؤمن أن العالم بهذه السذاجة، أو أنه سينتهي بالعفوية التي تتصورها. ـ مشكلتك الكبرى أنك لا تتحدث إلا عن النهاية، لماذا ترعبك؟ رعبك هذا يدفعك للهرب بكل طريقة. أنا أنظر إلى العالم كما هو لا كما يجب أن يكون. وأقبله كما هو. أنت لن تستطيع بتفاهاتك وثرثراتك أن تغير شيئاً من الواقع، لكن ليس معنى هذا أني أنظر إليه بسذاجة وعفوية وأكره التعقيد ولا أستعير للأشياء أسماء أخرى. الفارق بيننا "أنور" أنني على استعداد لأن أضحي بكل شيء من أجل أن احتفظ بإنسانيتي وشخصيتي، وأنت تبيع كل شيء، من أجل لا شيء ولا تجد الجرأة لأن تضحي. التضحية تحتاج إلى استعداد نفسي مسبق. رد "أنور" ساخراً وإن كانت علائم الضيق بادية على وجهه: ـ أنا لا أملك شيئاً حتى أضحي به. ـ أنت تملك إرادتك. ـ إنها إرادتي. ولن أضحي بها من أجل الآخرين، لن أبيع إنسانيتي من أجل آثام الناس. ـ لقد صُلب المسيح من أجل شرور البشر. وأنت ترفض أن تكبت أهواءك لإنقاذ نفسك من الشر. قال "عدنان" متذمراً: ـ لكنني لست المسيح. كما أن أحدنا ليس نبياً ولا يستطيع أن يكونه. ـ عندما تهدم جدران نزواتك تستطيع أن تتحلى بأخلاق نبي، ولكن يبدو أن هذه الأخلاق ليست هي الشيء الذي تبحثون عنه جميعاً. عندما بدأ "أحمد" يعمم حديثه علينا أجبت باندفاع: ـ أنت تتحدث "أحمد" عن عالم ليس عالمنا، وعن إنسان لم يولد وأشكّ أنه سيولد. ـ لماذا لا يكون أحدنا هذا الإنسان؟ ـ ما الفائدة؟ أين تريد الوصول؟ تظل مشكلتنا أننا وحيدون. أنت مؤمن، و"أنور" غير متدين، و"عدنان" لا مبال، وأنا أتفرج على هذا كله وفي رأسي دوامة من الأسئلة. إننا لن نتغلب على وحدتنا وعلى إحساسنا بالخيبة. ـ أنا لا أفهم لماذا تغرق نفسك في هذه المتاهات التي لا تقود إلى شيء سوى الخيبة؟ لماذا لا تقبل العالم كما هو، لماذا تريد أن تغيره؟ يجب أن ننطلق بعيدين عن عفونات الآخرين، هذا صحيح ولكن مزودين بالأخلاق، عندها نستطيع أن نولد من جديد وعند آفاق جديدة. ونعرف السعادة الحقيقية. قلت مؤكداً: ـ السعادة شيء نسبي. ولا توجد سعادة حقيقية أو مطلقة. ـ السعادة موجودة. يجب أن تؤمن بذلك لترى وجهها. لكننا نعيش لحظات تعيسة، وأنا أعتقد أن الإنسان يجب أن يفتش عن السعادة في أتعس اللحظات التي يمر بها. إذا لم نفعل ذلك ما معنى وجودنا كبشر؟ تطلعت إلى "أحمد" بإمعان. لقد بدأ يفكر بشكل جيد، لكن نظرته إلى بعض الأمور مازالت سطحية، وما زال يحسن الظن بالناس. العالم مزبلة وهو يظنه جنة. كان "أنور" على وشك متابعة النقاش عندما هتفت به: ـ دعنا "أنور" أرجوك، لقد تصدعت جمجمتي. كل ما قلناه وكل ما لم نقله لا يساوي حذاء عتيقاً. هات املأ الكأس من جديد. حياتنا ضائعة بين مسافات العمر المجدب، بين إيمان "أحمد" ولا أخلاقيتك، ولا مبالاة "عدنان"، وحيرتي أنا، ماذا نريد جميعاً؟ من منكم يقول لي؟ ما الذي يجمعنا؟ لقد تهاوت كل الصروح الجديدة. كانت المرأة حتى شهر مضى، عالماً جميلاً بالنسبة لي، وعندما عرفته على حقيقته، بصقت قرفاً. لم تعد ثمة امرأة تستحق بيتاً من الشعر.. الشعراء تافهون عندما يخلعون مجد الكلمة عند قدمي امرأة. اشرب. أود أن أسكر حتى الموت. ضاجعت امرأة وذهبت لأعتذر من أخرى. من يصدق هذا؟ عندما انتهت زجاجة الويسكي كان الليل وحشة، وبرداً، وصمتاً. ارتمى كل واحد على سريره بينما استلقى "عدنان" على سجادة صغيرة قرب المدفأة. رحت أتفرج على عدد قليل من النجوم التي تطل بوجهها بين مزق الغيوم ثم تختفي خجلة كامرأة شرقية. الليل في قريتي رائع بصفائه، فاتن بهدوئه، وهنا كل شيء ملوث، يتلون بألوان باهتة لكن الألوان الحقيقية ماتت والأشياء متداخلة والأضداد تلتقي. لابد أن يأتي يوم تهرم فيه شجرة التين على بيدر قريتنا وترتمي على الأرض خشباً ميتاً لا ينفع إلا في وجاقات النار. لا أعرف إلى متى بقيت أفكر بقريتي، ولا أعرف متى نمت. لكنني عندما استيقظت في الصباح التالي، كانوا ينامون كما تركتهم، كأن الليل لم يمض. لبست ثيابي بسرعة وذهبت إلى العمل. كنت أذهب كل يوم قبل جميع الموظفين لا بسبب النشاط ولكن بدافع الأمل أن تكون "براءة" قد عادت وكفت عن تجديد إجازتها المرضية. وصلت المكتب. ولم تأت كالعادة. كنت أعرف أنها ليست مريضة، وأنها مستاءة مني ولا تريد مقابلتي. ما العمل؟ قررت أن أكتب لها رسالة أشرح الأمر كله. أعجبني القرار لأنه سيخلصني من حرج النقاش الشفهي، كما أنه يضع حداً لقلقي. أغلقت باب الغرفة وجلست أكتب إليها: "...حبيبتي أكتب إليك من المكان الذي تعودت أن أراك فيه كل يوم. من الغرفة التي مازال لهاثك الحبيب يفوح في أجوائها كأحلى شذى، وأنفاسك الغالية تعطر كل شيء هنا حيث أقضي الوقت وحيداً. وما أصعب الوحدة بعدك. إنني ألمحك في كل شيء، لكن هذا الكنز التريك لم يعد عزاء لي طالما أن هذه الجدران الشريرة تحدق بي وتسخر مني ومن وحدتي. وحيد أنا من بعدك والعالم كافر يمزق رزانتي. وحيد ومتروك لشقائي الذي لن يبدده غير نظراتك الحنونة التي تمد لي جسر خلاص أعبر عليه كل يوم متخطياً كل العقبات........" توقفت عن الكتابة وأعدت قراءة الرسالة فشعرت بالخجل. يجب أن لا أبدو أمامها مراهقاً، كما أن هذا الأسلوب الصبياني الطنان في كتابة الرسائل يثقب لي رأسي. مزقت الورقة ورحت أكتب من جديد... "... عزيزتي يجب أن تظل الأشياء بيننا عفوية وصادقة. من أجل هذا أنا أكتب إليك. عندما أخبرتك أنني خنتك كنت أختبرك لأعرف إلى أي حد تفهمين معنى أن يكون الإنسان وحيداً لـه نزواته وشروره كنت أريد بالضبط أن أعرف مشاعرك نحوي. إنني أقدس غيرتك نحوي وعلى حبنا، لكنني لا أقبل أن أكون شيئاً تملكينه وتتصرفين به بهذا التعصب والجمود والانكماش. أريد أن أظل من خلال حبك إنساناً يملك مشيئته وحريته. أنا لم أسألك مرة عن ماضيك، ولا أريد أن أسألك الآن، لكنني أريد أن تؤمني أنني كنت أمتحن حبك........." توقفت مرة أخرى عن الكتابة لأعيد قراءة الرسالة، فشعرت بالخزي لأنني لا أومن بحرف واحد مما كتبت ولأنني أكذب عليها وأهينها بهذا التبرير الحقير. مزقت الرسالة الثانية وغادرت المكتب إلى البيت دون إذن من واحد. ليذهب كل شيء إلى الجحيم. وصلت البيت وتمددت على السرير. لم يأت أحد إلى البيت بعد. حاولت أن أنام فلم أستطع. ماذا أفعل؟ هذا البيت الحقير خال إلا من الفراغ والقذارة. دخنت سيجارة، وثالثة، وعاشرة..... دخل "أنور" البيت مبتسماً، وراح يصفر لحناً ريفياً تافهاً، فسألته بنزق: ـ ما الذي يجعلك سعيداً هكذا؟ تطلع إلي، ثم مط شفتيه وهز كتفيه وأعلن: ـ لست أدري. ولكن لم يحدث حتى الآن شيء يعكر علي يومي. سكت قليلاً ريثما فك رباط عنقه ثم سألني: ـ ما بك أنت؟ أصبحت مغلقاً على نفسك وحزيناً كأنك أنت الذي أفسدت العالم؟. ـ يوم أستطيع إفساد العالم سأكون أسعد إنسان. نبر "أنور" بعصبية: ـ أي شيء يربكك إذن؟ أحسست برغبة عارمة كي أخبره كل شيء. كنت أتعذب بطريقة غير إنسانية. لابد أن أنفث عن صدري هذه الأدران المتراكمة. وبهدوء واختصار قصصت عليه كل شيء، منذ تعرفت "بفائزة" حتى أخبرت "براءة" كل التفاصيل وكيف أخذت إجازة وانزوت في البيت حردة، ثم راحت تمدد إجازاتها يوماً بعد يوم وأسبوعاً بعد أسبوع ولم تعد إلى العمل حتى الآن، ثم اعترفت لـه أنني أصبت بالضجر من هذا كله. فكر قليلاً ثم قال بلهجة جدية لم أعتد عليها منه: ـ أعتقد أن الوقت قد حان لتترك هذه الفتاة. ـ أية فتاة؟ ـ "براءة" طبعاً. ـ أنت تتكلم الآن كالبغل. ما هذا؟ إنني أحبها. ألا يعني هذا شيئاً في تلافيفك الدماغية؟ هتف "أنور" دون أن يخرج عن جديته: ـ لقد بدأت تعيش واقعك بصدق، ولا تستطيع "براءة" أن ترتفع إلى مستوى وعيك كما أنك لا تستطيع أن تدخل عالمها الحريمي المغلق. أنتما من جيلين مختلفين وغريبين. ـ تقصد أن "براءة" لا تستطيع الانحدار إلى حضيضي. لقد أخبرتك بكل ما حدث لي مع "فائزة". لولا أني مرتبط بحب طاهر لنظرت إلى الأمر نظرة عابرة فيها الكثير من الفكاهة لكنني أحب "براءة". أنا سقطت "أنور" ألا تفهم هذا؟ ولا أعتقد أن حقيقتي تكمن في هذا السقوط. يجب أن أسترد "براءة" لأسترد شفافيتي وحقيقتي. أشعل سيجارة وأعلن وهو ما زال هادئاً هدوءاً أوشك أن يثيرني: ـ أنا أعتقد العكس. إن "فائزة" كانت رمزاً لانطلاقك الجديد. كانت المدية التي قطعت بها خيوط كفنك وجذورك المهترئة. إن "براءة" بالنسبة لك موقف أخلاقي في عالم بلا أخلاق. كان "أنور" يقترب من الحقيقة كثيراً وإن كنت لا أوافقه على بعض ما قاله. لأنني لست مهتماً بلا أخلاقية العالم، ولست ملزماً بربط سلوكي بسلوك الآخرين. أريد "براءة" لأنها منحت إنسانيتي دفئاً خالصاً واستطاع حبها أن يخلصني من نزقي ويبعدني عن آثام الشهوة، وحيث تكون الشهوة يكون الإخفاق والخيبة. قلت "لأنور" والشوق إلى "براءة" يذبحني: ـ لا أريد أن أناقش موقفي من "براءة" ولن أحصي حبي لها بالمواقف الأخلاقية أو الالتزام بمثل معينة أنا سعيد بحبي لها وهذا ما أبحث عنه. لقد استطاعت أن توفر لي نوعاً من الهدوء النفسي، وأبعدت عن حياتي كتل الصقيع التي كانت تحاصرني. منذ عرفتها عرفت معنى أن يكون الإنسان ملتصقاً بإنسان آخر يجسد لـه العالم آفاقاً لا تحد من الجمال والأماني البكر. ـ قل لي. لماذا تحبها؟ فكرت قليلاً وأجبت: ـ الحب دافع. وعندما نتوصل إلى معرفة دوافعنا فلن تكون هناك دوافع لأي شيء. ولن يكون هناك حب أبداً. سيكون العالم صحراء جربة. نظر إليّ طويلاً وأعلن: ـ يخيل إليّ أحياناً أني لا أعرفك. وأنا واثق أنك لا تعرف نفسك ولا تعرف ما تريد. أنت تحب "براءة" وأنا احترم موقفك هذا، لكنك تعلم أن هذا الحب لا مستقبل لـه، عما قريب ستواجه مسؤولية حبك، ماذا ستفعل؟ إن "براءة" لا تشبهك أبداً، إنها امرأة تنتهي حياتها عندما تحب إنساناً ما. غداً ستطالبك بالزواج لتلتصق إلى الأبد في بيت لا تغادره إلا في كفن, أما أنت فإنك لم تبدأ حياتك بعد، ستقفان يوماً ما على طرفيّ نقيض ويكتشف كل منكما أن الآخر كان يخدعه، في حين أن كلاً منكما كان منسجماً مع موقفه وبيئته وأحلامه. يجب أن تستيقظ من أوهامك. أنت تولد من جديد. وهي تودع كل شيء لتعيش معك حياة آلية في الفراش والطريق والبيت. وتوقف قليلاً ريثما أشعل سيجارة جديدة ثم هتف بإصرار: ـ عندما قلت لك إن "فائزة" رمز لانطلاقك الجديد، كنت أعني أنك بدأت تعيش حياتك كإنسان لا كنبي. لقد قلت لنا دائماً إن حياتك ليست من التفاهة بحيث تنتهي عند امرأة. ما الذي جرى لك الآن؟ إنك ملتزم بأكثر من قضية اجتماعية وإنسانية، أنت إنسان واقعي، دمرّ حياته في القرية ليعيش حياة جديدة، ولا يعنيني أن أعرف إن كنت قد بدأت هذه الحياة، لكن الذي يعنيني أن أفهم إن كانت جميع أفكارك التي قادتك إلى التشرد والضياع والبحث عن معان أخرى للحياة قد وجدت موئلها عند امرأة؟ كان السؤال تافهاً لكنه يحيرني في نفس الوقت، أحاول أن أجيب عليه لكن "أنور" نخر من أنفه وحك أذنه وأعلن: ـ انظر إلى موقف "براءة" منك وحاول أن تقيمّه، اعترفتَ لها لتجعلها قريبة منك وتشاركك معاناتك وتجرها إلى الإيمان بأن الأشياء التي نريدها لا نستطيع أن نحصل عليها بالطريقة التي نحبها ماذا كانت النتيجة؟ اسمع أستاذ، أنت إنسان ذكي ولكن، بشرفي، أنت في هذه العلاقة غارق في الغباء حتى أذنيك، من هي "براءة"؟ بفّ... دعها في الحرملك الذي تريده. إن الحياة لعبة ورق. إذا لم ننجح نستطيع دوماً أن نخلط ونبدأ اللعب من جديد. بدأ دبيب النمل في رأسي عندما سكت "أنور". إن اعتقادي بأن لي الحق في الحصول على السعادة التي أريدها وبالطريقة التي أختارها هو أساس متاعبي. ليس ثمة إنسان لـه الحق بمثل هذه السعادة، وليس ثمة إنسان يستطيع أن يجعل حياته تسير بين خطين متوازيين بشكل هادئ ومنتظم، بعيداً عن المتاعب والقلق، ولو وجد هذا الإنسان لكانت حياته تبعث على الملل. لقد غير موقف "براءة" الأخير كثيراً من إيماني بمواقفها وذكائها. تطلعت إلى "أنور" كان يدخن بهدوء. لماذا يدخن "أنور" باستمرار؟ إن لـه وجهاً طفولياً سعيداً. لم أره مرة مكتئباً. يعتقد أن الحياة لا تستحق هذا التجهم والانقباض لماذا لا أكون مثله؟ بل لماذا أكون مثله؟ لم أستطع حتى اليوم أن أشق طريقي بقدرتي، ما زلت أرى الأشياء من خلال الآخرين، وما زلت أبلور أفكاري ضمن نطاق عاداتهم وتقاليدهم. هذه حقيقة وإن كنت أتبجح عكسها. لقد ضاجعت امرأة وانتهى الأمر، ولم يبق من ذلك غير لذة يشوبها الندم. لماذا الندم؟ لقد بلغت حداً من النضج يكفي كي أدرك أن لكل علاقة مناطق احتكاك، وأن الأشياء التي تقلقني وتمزقني تتغير مع تعاقب السنين. إذن، أنا لن أحل مشاكلي النفسية أبداً؟ شعرت بضجر قاتل ينهشني، فقمت أتجول في الغرفة. بعد دقائق توقفت وقد صعقتني فكرة مفاجئة. لماذا لا أذهب الآن إلى... "عفاف"؟؟ أخذت معطفي وارتديته، ثم أصلحت من ملابسي أمام المرآة وبشكل سريع فسألني "أنور": ـ إلى أين؟ ـ قد لا تصدق إذا قلت لك إنني ذاهب الآن إلى بيت "عفاف". فتح فمه بشكل أبله وكرر: ـ هكذا إذن؟ ـ "أنور" إن فمك مفتوح بشكل قميء وأنت ترخي حنكك بطريقة مقرفة. ـ اللعنة عليك وعلى فمي. قل لي أين أنت ذاهب أيها الأجدب؟ كرر ثانية. ـ لقد قلت لك إني ذاهب إلى بيت "عفاف". وأنت الذي دفعني إلى ذلك. ـ أنا؟ أنا دفعتك للذهاب إلى بيتها؟ بماذا تخرفّ يا رجل؟ كيف حدث هذا، قل لي إكراماً لكل عاهرات العالم. ـ ألم تقل إن الحياة لعبة ورق وإننا إذا لم ننجح نستطيع أن نخلط الورق ثانية ونبدأ من جديد؟ ببساطة أنا ذاهب لألعب من جديد. وخرجت من البيت تاركاً "أنور" يجتر حيرته. قبل أن أتعلم كيف أحقد وكيف أموت، يجب أن أتعلم كيف أعيش، هذا هو الوقت المناسب وإذا لم أفعله الآن فلن أفعله أبداً. إنه أمر ليس سهلاً، أمامي ينتصب جدار هائل وصخرة يحتاج تسلقها إلى أساطير من البطولة، لكنني سأقفز. سأثب دوماً. سأحرق ألف عام في ثانية واحدة وسأعيد إلى قبيلتي كبرياءها المطعون، هذا أوان الإبحار، والريح طيبة، سأزور كل مرافئ المستحيل. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |