|
||||||
| Updated: Sunday, July 01, 2007 02:57 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الفصل الثاني والعشرين عندما فتحت "عفاف" الباب غمرتني بنظرة حيرى ثم ابتسمت دون أن يرفّ لها هدب كأنها كانت تتوقع زيارتي. دخلت وأنا أتطلع إليها وقد لفت نظري شعرها المبعثر بشكل غجري، كل خصلة من خصلاته الدافئة تخبئ حكايا تمرد على وثنية الواقع. جلست في مقعد يقابلني ووضعت ساقاً على ساق وقررت: ـ كنت أعلم أنك ستعود ذات يوم. حدقت في وجهها الجميل برهة واعترتني رغبة لا أعرف سببها، بصفع هذا الوجه الجميل بيد أني لم أحرك ساكناً ولم أقل شيئاً، كنت أنظر إليها دون أن أفكر بشيء معين سوى ساقها البض وأساطير الشوق الذبيحة الغافية فوقه، هذِه الساق أتمنى أن ألعق طراوتها بلساني. ـ لا فائدة منك. أنت تمثال صامت ولا سبيل لإخراجك من نفسك. ما رأيك بكأس؟ مشيت وراءها إلى غرفة أنيقة يحتل إحدى زواياها "بار" مليء بالزجاجات الملونة. صبت كأسين قدمت لي واحداً منهما، ارتشفت منه جرعة كبيرة ثم وضع الكأس جانباً قرب كأسها، واقتربت منها محدقاً في وجهها الذي ارتسمت عليه علائم الدهشة. هذا أوان النصر وسأغرس رايتي في القمة. لم أتركها تفكر كثيراً، كنت أحس أتوناً ملتهباً في أعماقي. مددت يدي إلى شعرها أداعبه وأعبث به، ألفه على أصابعي ثم أتركه. وفجأة أمسكت ضمة من شعرها الذي يشبه أهداب القمح، وجذبت رأسها إليّ، فارتمت على صدري تسلمني شفتيها وهي تتأوه. فَقَدَ معبد الأنوثة قدسيته. أين "عدنان" ورفاقه المدللون الآن؟ كان ثمة شيء كالحقد في داخلي يغلي، كنت أبدد استيائي بطريقة ما. أريد أن أهين الأشياء التي أحس بقزميتي أمامها قبل أن تفضحني. ظلت عينا "عفاف" مغمضتين فترة ثم تمتمت بشفتين كالشفق يلوثهما رضاب رائع: ـ ما أروع هذا. ودون أن تفتح عينيها استلقت على ظهرها ووضعت رأسها على ساقي ثم أمسكت بيدي وراحت تلثمها بخشوع ناسك يتعبد أمام صنمه. استغرقتنا لحظات سكونية، كانت أصابعي خلالها تتغلغل في دفء شعرها. وعيناي تشربان بنهم الحمرة القانية التي لونت وجهها. فتحت عينيها وتطلعت إليّ بصمت. عيناها مواعيد تمزقها اللهفة، وشفتاها ترتجفان برغبة مخنوقة. لم تكن بحاجة لأن تقول شيئاً. ولم أكن بحاجة إلى ذكاء كبير كي أفهم. وفي غرفة وردية اللون عرفت امرأة حقيقية، عطاؤها بلا حدود، وروعتها أكبر من أن ينالها أي خيال لاهث. وبعد ساعات، عندما خرجت من بيتها، واجهت عالماً صامتاً ومدينة صامتة. الصمت قدر المدينة. كل الثرثرات التي يطلقونها ويملؤون بها الفراغ. ليست إلا وسيلة يبددون بها استياءهم. أنا مستاء أيضاً. مستاء من كل شيء. لكنني أتحايل على الحياة بطريقة ما. أحس أن اللقمة التي أكلتها مسروقة من فم يتيم وأن الثياب التي أرتديها كانت كفن ميت ونقلت إلى جثة ميتة. الدروس التي أتلقاها ليست أكثر من تعاليم مهرجين، والبيت الذي أسكنه قبو ذليل يدوس العالم فوقه بنعال قذرة. إن أحداً لا يستطيع أن يساعدني. ولست أملك إلا تطلعات، كلما قلبتها أحس الدهشة وأغرق في متاهات حيرتي. قالت "براءة" بحزن واضح على وجهها كعادتها: ـ إنك تفسد حياتك بشكل مريع. سوف تكتشف يوماً أن العالم لا يستحق كل هذا الزخم. أجبتها: ـ إنها حياتي. وسوف أدمرها إذا لم أستطع أن أجعل منها شيئاً أناله وبسهولة. أنا لم أولد لأتعذب فقط. ردد "عدنان" وهو يبلغ جرعة كبيرة من الويسكي: ـ هذه ليست تطلعات مثالية، إنها أفكار تقود إلى تأملات مبتذلة ويجب أن تطلقها إلى الأبد أنت تحفر قبرك باكراً، وعليك أن ترتد إلى الحياة، أنت خائف دائماً لأنك تفكر دائماً. قلت لـه بانسحاق: ـ الحيوانات لا تفكر، ومع ذلك فهي تخاف أيضاً. إن خوفنا خوف واع وخوفها غريزي، هذا هو الفارق الوحيد. ولكن ليست هذه مشكلتنا. إن حلولك سطحية لا تنفذ إلى الأعماق أبداً. قرر "أنور" بجفاء وقرف: ـ استدنت ألف ليرة بالفائدة من أحد المرابين دفعت حوالي نصفها رسم التسجيل في الجامعة وفي نفس الليلة رأيت ذلك المرابي يخرج مخموراً من أحد ملاهي المدينة في الساعة الثالثة صباحاً وبصحبته إحدى العاهرات. اسكت يا شيخ. العالم كلب يقعي على مؤخرته، وأنت تظنه جواداً أصيلاً. الكلب لا يصبح جواداً، هذه حقيقة، اسمح لي أن أقول لك، إن سيادتك لا تستعمل عقلك. قلت لـه: ـ أنت تفرغ العقل البشري من كل فكر ومحتوى. آراؤك ضحلة ومهزومة سلفاً. إنك تعيش حياة قطيعية تقود إلى النتيجة التي وصلت إليها. أنا أبحث عن شيء آخر، لا تسلني عنه، لأنني لا أعرفه بعد. ضحكت "فائزة" وهي عارية بجانبي بعد أن هزّها الشبق: ـ كنت أعتقد دائماً أن التكالب على الحياة والتعلق بها شيء مأساوي وغير أخلاقي أبداً، وعندما بدأت أعيش حياتي ولحظاتها السعيدة، آمنت أنهم أذكياء أولئك الذين يزداد حبهم للحياة يوماً بعد يوم... أفّ... الإنسان يجب أن يناضل ضد الشيخوخة والموت فقط. أجبت بيأس وضجر: ـ أنت تتحدثين الآن من خلال إحساسك بالنشوة. والنشوة تمكننا من تحمل الحياة فقط. وعندما نلقي ضوءاً عليها وعلى مظاهرها وأسبابها، تضمحل وتصبح شيئاً تافهاً يبعث على السأم، إن الرغبة بالحياة إذا كان مبعثها الشهوة فقط فهي رغبة رخيصة وحيوانية أيضاً. إن لحظاتك السعيدة الآن سوف تتبدد وتحل محلها غريزة من نوع آخر. هل سمعت بإنسان اسمه "فرويد"؟ كلا؟ لقد أسمى هذه الغريزة "النيرفانا". أنا شخصياً لا أعرف ماذا يعني هذا لكني أعتقد أنها الشهوة إلى الموت والبحث عن الراحة. قال "ياسر" بعد أن قرأ أمامي قصيدة عاطفية كان قد انتهى من تأليفها: ـ الشعر فقط، إنه خلاصنا. عندما لا تجد أحداً يفهمك تلجأ إلى الكلمة. الكلمة شيء مقدس وثمين. ببيت من الشعر تتزوج، وببيت آخر يقربك من الدولة وببيت ثالث تسقط أكبر دول استعمارية في العالم. اسمع هذه النصيحة مني. بشرفي لم يبق غير الأدب وسيلة للحياة. قلت باشمئزاز: ـ الأدب يضعك دائماً أمام حلين، إما الغرور وهذا يعني الفشل. وإما النجاح، وهذا يعني أنك تستطيع أن ترفع من معنوياتك لتحمل الحياة فقط. لكن القراء يظلون مشمئزين منك. قالت "عفاف" وهي تعيد ترتيب الذي بعثرت خصلاته بأصابعي: ـ إن شاعراً كبيراً من شعراء المدينة قال عن ساقي أجمل قصائده ولم أشعر نحوه ونحو شعره إلا بالقرف. زوجي يبعثر المال على حياتي ويعرف أني أخونه دائماً فيزداد حبه لي وازداد احتقارا لـه. أجمل الألحان الموسيقية لا تحرك شعرة في رأسي، إن جميع الفنون تصيبني بالدوار، كلها عبث ولا فارق بين رسام وماسح أحذية كلاهما يستعمل الدهان ليعيش مارست الجنس مع شاب في مقتبل العمر، وبصقت عليه قبل أن أغادر السرير. تفرجت على أجمل بلاد الدنيا، فوجدت البشر هناك كالبشر هنا، تعيسين ووحيدين. لا أعرف ماذا أريد بعد، أتدري لماذا أحترمك أنت؟ أنت مثلي، لا تعرف ماذا تريد، مصاب مثلي بالدوار، تدور أنت، وأدور أنا، وندور كلنا.. لكن مأساتنا تظل أننا نحس أكثر من الآخرين..... عندما خرجت من بيتها واجهت عالماً صامتاً ومدينة صامتة، وفي فمي مذاق عذب لم أعرفه من قبل. لماذا التعاسة إذن؟ لو أنني أستطيع أن أعيش في الجوهر دائماً وأترك التفاصيل. التفاصيل؟؟ يقولون لي كن بطلاً. لكنني لست بطلاً. ولا أريد أن أكونه على حساب الحقيقة. يقولون لي عش وفق خط الحياة واتجه معه كيفما اتجه. المشكلة نبعت أصلاً من أن أحداً لا يعرف ماذا يعني هذا، وليس هناك من يفهم إلى أين تتجه الحياة. لو أنني أقبل الحياة، لو أنني لا أحددها، لانتهى الجانب المظلم من المشكلة. الحياة غير محدودة والذكاء الإنساني محدود. لماذا لا أقبل بذلك؟ لماذا نترك حياتنا قائمة على الافتراض؟ هذا رهان خاسر. لأنه ليس قائماً على اليقين، لمن نراهن، وضد من، وضد ماذا؟ هذه الأسئلة ظلت تنخر رأسي عدة أيام. ومن دون أن أدري كنت واقعاً تحت سيطرة فكرة عجيبة هي أن الإنسان لا مستقبل لـه في هذه المدينة. ويبدو أن "أحمد" كان يحس هذا أيضاً: وصلت حياته هنا إلى الطريق المسدودة ولم يعد هناك ما يستهويه للحياة. مدد ساقيه أمام المقعد الخشبي في حديقة "السبكي"، وكان الفصل ربيعاً والوقت قبيل الغروب ثم تأفف قليلاً وأعلن: ـ سأسافر غداً إلى القرية. لوى "أنور" بوزه وهرش رأسه ثم قرر بنزق: ـ هذه الأرض مليئة بالبهائم. خرجنا من الحديقة واتجهنا إلى شارع "أبي رمانة" حيث يمرح مدللو المدينة دائماً، يسيرون على الأرصفة، يحدقون ببعضهم، ويرتدون آخر الأزياء العصرية والدنيا من حولهم موجات عطر. أحنى "أحمد" رقبته وأعلن: ـ سأسافر غداً إلى القرية. عبرت بنا فتاة شقراء ترتدي "الميني جوب"، ساقاها عاج ترّف الشهوة عليهما، قلت وأنا ألاحقها بنظراتي. ـ كان: "البير كامو" يعتقد أن جميع حقائق العالم لا تساوي خصلة من شعر امرأة وأنا أقول إن جميع حقائق العالم تتنقل مع خطوة ساقين جميلتين. علق "أنور" فوراً: ـ في يوم ما سأكتب قصيدة رائعة أمتدح بها كل من أسهم بتصميم "الميني جوب". ـ ذلك الأجدب، جميل بثينة، كان يرى أصابع حبيبته فيكتب قصيدة من مائة بيت عن لوعة قلبه. لو عاش حتى اليوم ورأى امرأة تلبس "الميني جوب" لأصيب بانفجار شعري في أوردته. ـ عجيب. كل شيء تغير لكننا بقينا تيوساً. تفوه. توقف "أحمد" ثم تطلع إلينا وأكد: ـ سأسافر غداً إلى القرية. كان يتعذب، ولم يكن باستطاعة أحد أن يساعده، ماذا أقول؟ الكلمات أحياناً لا تجدي لقد أفرغ حياته من أي مضمون أو معنى منذ أن انكفأ على نفسه. لقد منح حياته لفتاة لا تستحق حرفاً واحداً من كلمة الحب. ولم تنفع معه كل النصائح لأن العواطف برأيه ليست تجارة، الحب كالموت لا يحدث إلا مرة واحدة، كانت تجربته الوحيدة وستبقى حبه الوحيد تذكرت شيئاً فسألته وكنا ما نزال نسير فوق أرصفة الشارع: ـ ما الذي ستفعله في القرية؟ ـ لست أدري. أحس رغبة عارمة كي أرى كل شيء هناك. أصبح الماضي حلماً لا يصدق أريد أن أعود لأتحسس كل شيء بيدي وأؤكد لنفسي أنني ما زلت إنساناً وأنه بمقدوري أن أتصرف كإنسان. يجب أن أعود، لقد مضى عامان على وصولي دمشق وما زال كل شيء في دماغي مختلطاً. من يصدق هذا، كأن شيئاً لم يكن؟ قلت وأنا أحس غيظاً مفاجئاً: ـ أنت تعرف "أحمد" إن "روعة" قد تزوجت؟ رفع رأسه بغتة كمن لدغ ثم قال "بمرارة: ـ أعرف هذا. ـ تعرف هذا مازالت معتوهاً كالتيس. أتعرف أيضاً أنها تركت الجامعة لتتزوج من صاحب بقالية وأنها داست عليك وعلى كل كلمات الحب التي كانت تلقيها في أذنيك؟ اسمع "أحمد" صاحب البقالية هذا يعرف كيف يحشو جيوبها بالمال ويملأ كرشها بالطعام لقد كانت تضحك على ذقنك فضيلة الشيخ، وهاأنت اليوم تضحك على نفسك وتفتك بها. رد "أحمد" بهدوء لم يكن منتظراً: منذ عام وأنت تقيّم سلوكي من خلال علاقتي "بروعة". وقد آن الأوان لأقول لك إنك مخطئ خطأ فادحاً. لقد أصبح الأمر مختلفاً، أحس أني مهزوم، هذا كل ما في الأمر، تركنا كل شيء من أجل لا شيء، لماذا جئت هنا، بل لماذا جئنا جميعاً؟ سكت قليلاً ريثما ألقى نظرة عاجلة على الشارع ثم سأل: ـ هذه هي أبنية دمشق، جميلة كلعب الأطفال، من منا يملك حجراً منها؟ هؤلاء الناس الذين يعبرون بنا من هم؟ ولماذا تظل ملامحهم هكذا؟ لماذا لم نستطع أن نتخذ صديقاً من هذه المدينة حتى الآن؟ أنت تظن أننا لسنا منهم، الحقيقة أنهم هم لا ينتمون إلى أحد ساعات الوجد في حياتهم معدومة، كلهم أصحاب أعمال ونحن من دون عمل. التفكير بالنسبة لهم عملية صعبة تفسد الحياة ونحن لا نفعل شيئاً إلا التفكير. في تلك اللحظة مرت بنا عدة فتيات جميلات كن يتهامسن ويضحكن ضحكاً مغناجاً فرحت ألاحقهن بنظراتي عندما شدني "أحمد" إليه: ـ وهذا أيضاً لن تنال منه شيئاً إلا النظر ثم الحسرة. ـ هنا بدأت تخطئ. إنني أنال أكثر من النظرة. ـ إن ما تناله ليس أكثر من شيء حيواني، ومع نساء يمنحن أجسادهن لك ولغيرك بنفس العفوية التي تدخن بها سيجارة. يجب أن نستيقظ، إننا نسقط، ألا تفهم هذا، نسقط؟ جئنا هنا من أجل ما كنا نسميه قيماً جديدة وإنساناً جديداً. كنا نسخر من سكان القرية ومن عاداتهم وحياتهم المنهارة، لو أننا أضعنا هناك نصف ما أضعناه هنا لانتهى كل شيء إلى أفضل، لو أننا قبلنا ربع الإهانات التي وجهت إلينا هنا لعشنا هناك في جنة. سكت للمرة الثانية فتكدست في رأسي ألف فكرة تمنيت أن أناقشها معه دفعة واحدة لكنه عاد إلى الحديث مرة أخرى: ـ يوم يتأبط كل منا شهادته، ماذا سيفعل؟ نحن نبرر الآن استمرارنا هنا من أجل الدراسة، بعد ذلك ما الذي نفعله؟ نعيد رتابة حياتنا المملة ونصبح أفراداً آليين في قطيع بشري، أو نعود إلى هناك لنبدأ من جديد. بصق "أنور" على الأرض وأعلن محتجاً: ـ أنت تتحدث عن الإنسان كأنه بهيمة. إما أن يعمل ليأكل. أو يرسل إلى المسلخ للذبح أسكت "أحمد" أنت إنسان خائب لا يعرف شيئاً إلا أن يمزق الصور الجميلة. الحياة مليئة بالألم ولكن يجب أن نواجهها بشجاعة. تذكرت أني قرأت مرة شيئاً من هذا القبيل "الحكمة القريبة المنال تخرج من أفواه البسطاء" هذا ليس صحيحاً الآن. "أنور" ليس بسيطاً، لكنه قال شيئاً رائعاً وحكيماً، يجب أن نواجه الحياة بشجاعة. ولكن كيف؟ ـ كيف؟ هز "أنور" رأسه برماً وقال: ـ الشجاعة تعني التفاؤل. الأمر ليس خارقاً كما ترى، وليس مفروضاً أن تشمر عن ساعديك وتعارك حتى تعيش. قلت بجفاء: ـ "أنور" أنت تجعجع الآن، لقد بدأت جيداً ثم انتهيت إلى الثرثرة. دعنا. لا أريد أن أفكر. قلت هذا وأنا أحس أن الأمور عادت فاختلطت في أذهاننا. التفت إلى "أحمد" وسألت: ـ أما زلت مصراً على السفر؟ ـ سأسافر غداً. ـ ومتى تعود؟ ـ لست أدري. قد أعود وقد لا أعود. هذا أمر يعنيني وحدي سأكون مسؤولاً بكل أعصابي عن عودتي أو بقائي. الألوان في رأسي مختلطة ويجب أن أميزها. لا أستطيع أن أستمر هكذا حتى أموت. سأسافر غداً. ولا أريد أن يودعني أحد منكما، أكره لحظات الوداع. بقينا نسير صامتين حتى وصلنا البيت. جلسنا مرهقين من التعب وحولنا هالة من الصمت المضني، لكن "أحمد" لم يلبث أن قال: ـ قبل أن أسافر أريد أن تفهما شيئاً أقوله الآن وأنا مسؤول وواع لكل حرف فيه. إن سفري ليس بسبب"روعة"، هذه الإنسانة أصبحت موضوعاً آخر، كانت مرحلة لابد من المرور بها. قد لا تصدقان إذا قلت لكما، إنني كنت سعيداً أقصى السعادة لمعرفتي بها، أنا أنكفئ على نفسي، هذا صحيح، ولكن ليس بسببها وحدها بل بسبب كل شيء. نحن هنا أشباح، أو على الضبط نحن أكاذيب، أكاذيب من صنع أنفسنا، وأريد أن أهرب قبل أن أبدأ بعبادة أكاذيبي. صمت "أحمد" وأصبت بالذهول. من قال إن الصحراء لا تنبت الورد؟ من قال إن الأعماق المجدبة لا تعرف كيف يعرش الياسمين على أسطحة القرميد؟ من قال...؟؟ تطلعت إلى "أحمد" وهتفت بلوعة مجروحة: ـ أنت تسافر غداً وكلنا في النهاية نسافر وحيدين. ما الفائدة، لقد جئت هنا وكان مجيئك محاولة لاسترداد إنسانيتك من بين أشداق الوحش. أنت ترى الآن أن المحاولة كانت خاطئة ولكن ضاعت منك وإلى الأبد اللحظة الحاسمة التي كان بوسعك من خلالها أن تمتنع عن الإقدام. لقد جرفك التيار كما جرفنا ولم يعد في مقدورك أن تفعل شيئاً. لو يعرف الإنسان متى يجب أن يخطو الخطوة الأولى لتغيرت أشياء كثيرة في هذا العالم. رد "أحمد" بإصرار: ـ هذه المدينة لم تعد تعني شيئاً بالنسبة لي، إنها معلقة بين السماء والأرض كل شيء فيها ثابت. البيوت والشجر والسماء صافية لكنها بعيدة المنال. أنا هنا كذبة كبرى وقد عشت عامين لكنني عشت على السطح، لا أحب أحداً، ولا أكره أحداً. أطوي أحلامي على قرية صغيرة يسيجها الصنوبر. قريتي أراها أينما تطلعت. جئت الجامعة أدرس الحقوق لكن هذا لا معنى لـه، كان من الممكن أن أعلم الأولاد هناك، أن اشتغل في الزراعة، أي شيء آخر، كلها وسائل لكسب اللقمة، ليس هناك أحسن ولا أسوأ. سأسافر غداً. نهض "أنور" من مكانه فجأة وقال: ـ أنتما تسممان حياتي. الناس يعيشون حياتهم بعفوية، ونحن ندمر أيامنا بالتفكير من أجل لا شيء. من أجل يوم لن يجيء. تفوه... هذه ليست حياة. وخرج من البيت وبقينا وحدنا. تطلعت إلى "أحمد" الذي كان يتطلع إليّ بدوره. والتقت عيوننا في لحظة مطفأة. لأول مرة أرى في عينيه معاني لم أعرفها من قبل كان في عينيه شيء كالتحدي والاستسلام، كالخيبة والإصرار، ما زالت الألوان مختلطة. وما زلت مخلوقاً بدائياً كأنني أغادر كهفي الحجري لأول مرة. نهض "أحمد" من مكانه بصمت وغادر البيت وبقيت وحيداً. استلقيت على السرير وأشعلت لفافة ورحت أتفرج على خيوط الدخان الأزرق كأنني لا أعاني أية مشكل. السماء في دمشق صافية وزرقاء دائماً. لماذا لا يهطل المطر في هذه المدينة أكثر من أيام معدودات في السنة؟ لو ينزل المطر لصارت السماء رمادية كالتراب. المطر أمنية الظامئين وحلم الذين ذبحهم العطش فلم يجدوا غير السم يحقنون به شرايين التاريخ. هذه أرض اليأس، لكن أحداً لا يموت. هنا ولد الشعر، لكن أحداً لا يغني. الإنسان يُمسخ، هذا زمان الإملاق، والإنسان يموت. في أعماقنا ظمأ أزلي. منذ أيام التاريخ الأولى والإنسان يحس الظمأ القاتل كلما ارتوى من نبع تفجرت ينابيع أخرى. من القائل "شربنا شرب قوم ظمئوا من عهد عادِ"؟ لا يهم. الألم قديم والمأساة واحدة. لو ينزل المطر. كانت هذه الأرض تنبت الأنبياء، فإذا كان الأنبياء بشراً، فهذا يعني أن هذه الأرض على اتساعها، عقيمة لأنها لم تنبت غير بشر معدودين. أطفأت اللفافة ووقفت. أين أذهب الآن؟ لا يوجد عدل في هذه الدنيا. هربت من أمطار قريتي التي تنزل دائماً في غير مواعيدها، وهاأنا أحن إلى المطر من جديد، كنت هناك أحن إلى شمس ساطعة وسماء صافية، وهاأنا أمقت الشمس التي تظل ملتهبة في كبد السماء. أين أذهب والعالم لا يتسع لي ولا لطموحي. أي طموح؟ أنا وحيد وأعيش في غابة. غداً يسافر "أحمد"... وفي القرية سيقف عند شجرة التين ويرى عروقها الضاربة في الأرض. سيشعر أنه ليس قشة حقيرة في مهب الرياح وأنه، كتلك الشجرة، مخلوق لـه أصول وجذور وهدف.. بل إنه خلق لنفسه جذوراً وهدفاً. هل من الضروري أن تكون لنا أهداف حتى نستطيع العيش، أليست الحياة هدفاً؟ |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |