|
||||||
| Updated: Sunday, July 01, 2007 02:57 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الفصل الثالث والعشرون دخلت المكتب صباحاً كالعادة وفوجئت "ببراءة" وراء طاولتها ساهمة، مشتتة الذهن إلى حد لم تسمع معه تحية الصباح التي ألقيتها. جلست وتطلعت إليها ثم سألت: ـ ما بك "براءة" وجهك ليس طبيعياً؟ نظرت إليّ ولم تجب فسكت وأنا أشعر بالضيق، تشاغلت بأوراقي قليلاً وكنت أسترق النظر إليها بين فترة وأخرى، كان ذلك عبثاً، إن "براءة" تعاني من وطأة شيء ثقيل فبددت صمت الغرفة بسؤال قلق: ـ "براءة"، قولي ما بك، تعرفين أني أتمزق إذا رأيتك حزينة؟ تطلعت إلي مرة أخرى ولم تجب. شعرت بالضيق والغيظ، منذ حدثتها عن علاقتي "بعفاف" وهي منطوية ومغلقة لا تعرف البسمة طريقاً إلى وجهها. منذ حدثتها ما أحسستَ بحنانها مرة يزخ عليَّ أمطاره قلت لها بضجر: ـ ذلك الماضي يجب أن ننساه "براءة" لقد صلبتني كفاية، منذ ذلك اليوم ونحن غريبان. لقد أصبحت إنسانة خالية من السعادة، ماذا فعلت لك؟ لقد سقطتُ مرة وانتهى الأمر، يجب أن تعودي إلي، معاً نستطيع أن نفعل كل شيء، قولي ما بك؟ أطرقت إطراقة حيّية وقالت بفتور: ـ لا أريد أن أرتد إلى تلك الذكرى اللعينة. إنها تفتك بي. مشكلتي اليوم من نوع آخر. ـ هيا قولي "براءة"، حاولي أن تريحي صدرك من هذا الهم. ـ جاء أحد أقاربي ليخطبني يوم أمس، وقد أمضيت ليلة تعيسة. ـ هل يريد والدك إجبارك على الزواج؟ ـ والدي لم يقل شيئاً، ترك الخيار لي. ـ معنى هذا أنه لم تبق أية مشكلة، "براءة" أنت لي لقد وعدت بذلك. ـ أنت لا تفعل شيئاً البتة. ـ أفعل؟؟ ماذا يجب علي أن أفعل؟ ـ منذ زمن بعيد وأنا أنتظر أن تحدثني بموضوع الزواج. أن تذهب إلى أهلي، أن تفعل أي شيء مثلاً. أحسست باهتزاز مفاجئ وعنيف في أعماقي. أتزوج. أنا أتزوج؟ هناك آفاق كثيرة في العالم جديرة أن أزورها ولم أفعل بعد. ثمار كثيرة لم أذقها عمري ويجب أن أقطفها. سجل عمري مليء بالصفحات البيضاء يجب أن أكتب فيها أفكاراً واضحة بخط جريء أتزوج؟ أحسست بصحوة مفاجئة، لكن الصحوة جاءت هذه المرة من الخارج، هذا أوان الخصب وعلي أن أزرع شيئاً في أعماق هذه المدينة. أن تكون لي جذور هنا وبعدها أصول وفروع. أمن أجل هذا أحببت "براءة"؟ أبداً. الحب شيء آخر. ـ أجل، الحب شيء آخر. ـ وفي النهاية، هل نظل نجتر حبنا إلى الأبد، هل تظل حياتنا رعباً وتخفياً من العيون هذا الحب يجب أن تكتب لـه الحياة. ومن دون زواج سنظل طفلين يعبثان بكلمات جوفاء. ـ "براءة" تعرفين جيداً أنني لا أستطيع أن أتزوج الآن. أعني لست مهيئاً لذلك نفسياً ومادياً واجتماعياً. حدقت إلى وجهي مذعورة وهتفت: ـ كنت تضحك علّي إذن؟ تتسلى بعواطفي؟ صرخت محتجاً: ـ لا تكوني سخيفة، أنت تعرفين أن هذا ليس صحيحاً، أنت بالنسبة لي حقيقة مليئة بالمعاني وهدأ صوتي قليلاً وأنا أتابع: ـ كل شيء حدث في حياتي قبل أن أعرفك كان نفاقاً. وكل شيء فعلته معك كان اعتذاراً لأنني لم أعرفك منذ ولدت. أنت تمثلين حقيقة أعبدها، لكنني لا أستطيع الزواج الآن لأنني لا أملك شيئاً. أنا ببساطة إنسان لا مستقبل لـه. ـ أستطيع أن أساعدك بكل شيء. نستطيع بتعاوننا أن نبني قصراً، أنا لا أريد منك شيئاً سوى أن تقدم على الخطوة الأولى، بعدها ندبر كل شيء. الخطوة الأولى؟ هنا يكمن الرعب، أنا أقف وسط حديقة مليئة بالأشباح والأشياء الزئبقية. "براءة" تريد الزواج مني، وأنا أحبها لكنني لا أعرف ماذا أفعل، ولا أعرف كيف أبرر سلبية موقفي. أأقول لها ما قلته "لأحمد" مرة؟ عن المسؤولية وارتفاع تكاليف الحياة والراتب القليل و.. عامين ونصف في الجندية. هذا تبرير سخيف لن تؤمن به طالما أنها مستعدة لأن تشترك معي بكل شيء. كيف أقول لها إنني سندباد متسول التقى بغجرية بائسة في مدينة يقتلها الحزن. وأن حبنا نضال عنيف ضد الحزن والنحيب فقط؟ كيف أفهمها أن حياتي ينبوع حزن، يفرز المرض حوله، وأن الحزن عدوي أصابت قبيلتي من ألف عام، وأنا لا أفعل اليوم شيئاً سوى أن أهيج كوامن الداء، حتى يستفحل أكثر ويقتل أكثر؟؟ قالت؟ "براءة" فجأة: ـ أنت تهينني بهذا الصمت. لا أريد أن أفسد حياتك، ولا أريد أن تفهم أنني أفرض نفسي عليك. كنت أعتقد أنك تحبني لكنك تخجل من البدء فقط، أحسست من واجبي أن أشجعك، وهاأنا أرى شيئاً آخر. لقد جعلتني أشعر بالخزي. إنس كل ما قلته، إنسَهُ أرجوك. هذه ثاني مرة تجرح فيها كبريائي وتدوس كرامتي. وسكتتَّ. ثم انخرطت في بكاء مرير لم أسمع كل حياتي نحيباً افجع منه. بكت حتى ظننت أنها لن تكف عن البكاء أبداً. في تلك اللحظة أحسست أن حياتي كلها، بماضيها وحاضرها ومستقبلها تكثفت في لحظة واحدة، ليس لها بدء وليس لها منتهى. هنا يتجمد الزمن. كل شيء لا قيمة لـه. أصبحت مداناً بتهمة لا أعرفها. قاعة المحكمة فسيحة والنظارة يضحكون من خلال أسنان منخورة صفراء. المحامون كثيرون وكلهم يطالب برقبتي. القاضي يحدق بي حاقداً "وبراءة" جثة هامدة فوق بلاط القاعة البارد" أيها القاتل، قتلت حمامة المدينة، يجب أن تموت، أيها القاتل أيها الذئب" هنا يتجمد الزمان، كل شيء لا قيمة لـه. أنا الغازي الذي جاء من الشمال، هذا ميدان القدر ولن أعود منه سالماً، أصبحت قرصاناً، و"براءة" ساحل الهلاك "أيها القاتل، أيها الذئب" نظرت إلى "براءة"، وكانت ما تزال تبكي: ما الذي جرى؟ كانت تبكي لسبب لا أعرفه، وكنت أتعذب بطريقة لا أفهمها. لم أكن أطيق هذا العذاب أبداً كما لم أكن أطيق دموعها، أشعر أننا فلكان ضائعان في سديم الفراغ الكبير، وقد التقينا الآن في ساعة نحس. المشكلة أنها لا تفهم. فقط لا تفهم أنها تصلبني دون ذنب جنيته, وأني من جراء ذلك، أحس في رأسي كلاماً كثيراً أستطيع أن أقوله لكنها لا تفهم: ـ "براءة" إننا ننظر إلى الموضوع من جهتين مختلفتين. أنا أحبك وأنت تعرفين هذا جيداً، لكن الزواج معناه وأد هذا الحب. سأظل طول حياتي عتالاً لهموم أكبر مني، إن الزواج ليس بالسهولة التي تتخيلينها، الزمن لم يتخطانا بعد، ويجب أن نفهم بعضنا أكثر ونبني شيئاً نقيم عليه صرح هذا الحب. أقصد، كيف أعبر لك؟ ما الذي تفهمينه أنت عن المسؤولية؟ بعد عام واحد فقط سنحس الضجر ونقضي العمر في هم أسود. إننا لا ننظر ذات الاتجاه، نحن طلبة مدارس بعد، يوم لا نأكل نبكي من ألم الجوع. كيف نتزوج الآن وبعد عام أو عامين تبدأ هموم الأولاد؟ اسمعي "براءة" إن حياتنا ليست تافهة حتى نقبرها على هذه الصورة. لماذا لا نترك كل شيء للزمن؟ الأيام كفيلة بحل كل هذه التناقضات وهي كفيلة برسم الدرب الصحيح أمامنا. ما زالت "براءة" تبكي، وما زالت مشتتة الذهن، لكنها لم تلبث أن جففت دموعها وحملت حقيبة يدها، ثم قالت بهدوء مصطنع: ـ أنت مخلوق فارغ. وخال من السعادة تماماً. رأسك مسموم بطريقة لا يعرفها العلم ولا تستطيع أن تنسى سوداويتك أبداً. ستموت وحيداً ولن يحس بك أحد. غادرت الغرفة وبقيت وحيداً. كل شيء انقلب الآن رأساً على عقب، تداخلت الأشياء ببعضها من جديد واختلطت الألوان نهضت من مكاني ووقفت وراء زجاج النافذة ورحت أتطلع إلى دمشق ببلاهة. أحسست أن هذه المدينة صارت امرأة عجيبة، امرأة لها رموز ونداءات محمومة غامضة. لم أعد أفهم شيئاً. ظمأ الشمال ضاع في متاهات الجنوب. لمجرد أني أبن فلاح خارج من غابات الصنوبر في الشمال، بعضهم يراني بدائياً لا تنفع معه كل مظاهر الحضارة والرقي، وبعضهم يراني إلهاً وثنياً يستحق العبادة، أهذا ما يسمونه مدنية؟ "براءة" تراني مخلوقاً بدائياً يستحق الحرق، وأني خنت جميع عواطفها وقيمها ونكلت بكرامتها. و"عفاف" ترى في إنساناً رومانياً يشهر في يده سيف الغزو وتتدلى من عنقه أوسمة الفرسان فترتمي النساء على قدميه. "ياسر" يراني تافهاً وأفكاري تقود إلى عهر اجتماعي لا يستطيع أي مجتمع منحل أن يقبله. "وعدنان" يرى في مخلوقاً يفكر بأسلوب جديد ويعمل على صنع إنسان تمحي من حياته كل عفونات الشرق. أين العدل في هذا التقييم؟ لماذا تتعقد الحياة بهذا الشكل الكريه الذي لا تستقيم الأمور معه؟ فجأة اعتراني هم غريب. هم من نوع لم آلفه من قبل، ترافقه رغبة شرسة بأن أرتد إلى طفولتي. أن أعود طفلاً يعبث بالأشياء ويلثغ بالكلمات. لماذا نكبر؟ ولماذا تسير الحياة بهذا الشكل المقلوب، كأن كل قوانين الأرض وجدت لتحد من رغبات الإنسان؟ لماذا لا نستطيع الإجابة على الأسئلة؟ "براءة" تسألني إن كنت سأتزوجها، وليس لدي جواب. الحب؟ أنا أحبها، لكن الحب موضوع آخر. كيف أقول لها إن لي رسالة هي هذه الحياة أريد من خلالها أن أثبت إنسانيتي؟ كيف أقول لها إنني أتعلم لأعود إلى قريتي أثير الزوابع فيها ليستيقظ الناس على وهج النور الذي غمر العالم.؟ كيف أفهمها أن المسؤولية تقتلني الآن ولا أريد أن أخسر هذا الحب بعد أن يصيبني السأم من رتابة الحياة الزوجية؟ بل كيف أقول لها إنني واحد من جيل متعب يحاول أن يجعل من نفسه جسراً تعبر عليه الملايين إلى الضفة الأخرى؟ أحسست بصداع في رأسي. هذه الثرثرة لا تنتهي. إن أحداً في العالم لا يدري لماذا تجري الأمور هكذا. أحس أني أحمل مسؤوليات أكبر مني، تتخطاني، وأنني إذا لم ألتزم بمسؤوليتي هذه أكون قد مت، كما ولدت، دون اختياري، "براءة" تقدم لي دعوة شهية إلى بيوت المدينة النظيفة. إنها تدعوني إلى الخروج من كهوفي وعتمتي، ولكن...... حتى تصبح الأرض ملكاً للفقراء والمشردين والضاربين في متاهات الرمل وحتى يموت آخر مراب يستدين منه "أنور" ليدفع قسط الجامعة... حتى يدفن آخر كاهن يحشو رأس "أحمد" بالحديث عن الجن والشياطين والحياة الرائعة التي تنتظر الفقراء والزاهدين بالمتع. وحتى يظهر ناقد أدبي صادق يقول "لياسر" إن زمان الشعر مات، وهذا أوان العمل والعرق والأكف الحجرية المشققة التي بدأت تقرع باب الحياة بعنف بعد أن كانت تقرع باب الطغاة بذل. حتى تؤمن "عفاف" أن العهر ليس وسيلة إلا لمتعة الجسد بينما الفكر يظل على الهامش وحتى تؤمن "فائزة" أن لحظاتها السعيدة يجب ألا تكون على حساب قيم الإنسان. حتى يأكل الحمل والذئب في أرض واحدة، ويركب الطفل على ظهر النمر، وتسرح كل الحكومات جيوشها، ويعيش العالم في أمن دائم... حتى يجيء زمن السعادة هذا..... سأظل أسير في أزقة المدينة المظلمة، أعبر من كهف مظلم إلى قبو أكثر عتمة، أعبر عن حياتي بكل الطرق والوسائل التي أستطيعها وأملكها. حتى يجيء زمن السعادة هذا سأصل القمة حيث أغرس بيارقي، عندها أرتاح من معاناة اللهاث والظمأ، وأستجم في نشوة لا تعادلها نشوة. عندها فقط، أستطيع بكل حواسي أن أكون لـ "البراءة" أعيش معها إنسانيتي وحبي، هذا الحب الذي اعتقد أن حياتي من دونه صحراء مجدبة، لا ينبت الكلأ فيها، وعمري فارغ من معان كثيرة. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |