|
||||||
| Updated: Sunday, July 01, 2007 02:57 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الفصل الخامس والعشرون وصلتني رسالة من القرية يقولون فيها، إن أخي بعد زواجه من ابنة عمي قد ساءت العلاقة بينه وبين أهلي كثيراً لأن زوجته قد فرضت سيطرتها عليه ودفعته لقطع كل علاقاته العائلية وأصبح والدي من جراء ذلك حانقاً عليه ويردد بين الفينة والأخرى أن رحيلي من القرية هو السبب المباشر الذي دفع إخوتي جميعاً للخروج عن طاعته. شعرت بالاستياء من الرسالة فمزقتها. كنت أعرف أن أخي وابنة عمي قد عاشا قصة حب بطريقة ما. لكنني لم أكن أتصور أنها تفعل ذلك ولم أكن أصدق بالتالي أن أخي قد يصبح تابعاً لها غير مهتم بكبريائه كرجل. كيف يحدث أن تنقلب الأمور هكذا؟ عندما يتزوج الرجل في القرية، يقف ليلة العرس على سطح بيته ويضرب عروسه عند عبورها الباب بصحن مليء بالحلوى وقطع النقود. وقد حدث أكثر من مرة أن شجَّ الرجل رأس عروسه وأسال دمها. هذه عادة قديمة لتأكيد سيطرة الرجل على المرأة. قد تكون عادة سخيفة لكن الحقيقة أن الرجال في قريتنا "قوامون على النساء" فعلاً وهذه شجاعتهم الوحيدة. في قريتنا تعمل المرأة طوال النهار في الأرض، ومع البهائم، ثم تعود في الليل لتتعرى في فراش زوجها وترضي غرائزه. وفي المدينة تجلس المرأة طوال النهار في البيت تتجمل، وتعتني بطلاء وجهها وترتيب شعرها، حتى يجيء الليل وعندها... وتحت الأضواء الملونة، وفوق الأسرة الناعمة، من خلال انسياب الموسيقى، وكلمات الغزل الرقيقة، يهزها الشبق، وترتجف أوصالها جوعاً حتى تكلل بسمة الرضى شفتيها في آخر الليل. الحياة، على نحو ما، ليست عادلة ولا تسير بشكل صحيح. كنت صريع هذه الأفكار عندما رن جرس الهاتف في مكتبي فجأة، رفعت السماعة: ـ مرحباً. يبدو أنك نسيتنا؟ تذكرت صوت مدير الإدارة السابق وتذكرت أني أخلفت موعدي معه فقلت مرتبكاً: ـ أرجو أن تعذرني. منذ أسبوع لم أغادر الفراش إلا اليوم، وكنت أود أن اتصل بك الآن هاتفياً لأعتذر. لا أعرف إن كان قد صدق كذبي لكنه قال: ـ لا بأس، الحمد لله على سلامتك. هل أنتظرك اليوم لنذهب سوية؟. ـ سأكون عندك في الساعة السادسة تماماً. كيف نسيت موعدي معه؟ إنني أعيش حياتي بشكل قطيعي بحت. إن شيئاً ما قد حدث في رأسي حتى أصبحت أيامي على هذه الدرجة من التفاهة والاضطراب. انتهى وقت العمل فذهبت إلى البيت. كان "أنور" قد سبقني وأعد بعض الطعام فجلست آكل دون أن أقول شيئاً. إن وجهك كريه وأنت صامت. قلت باستياء: ـ اسكت "أنور". وصلتني اليوم رسالة من القرية. الأحوال سيئة جداً بين أخي وأهلي. ـ لماذا، ما الذي جرى؟ ـ لا أعرف الحقيقة، يقولون إن زوجته أقامت سداً منيعاً بينها وبين العائلة كلها وهي تعيش حياتها بشكل أكبر من واقع أخي حتى تراكمت الديون عليه ولا يجرؤ أن يقول شيئاً. أجاب "أنور" بانفعال: ـ كنت أنتظر هذا منذ تزوج من ابنة عمك. إن أخاك ليس رجلاً، وزوجته لا يمكن أن تكون إلا صورة عن أمها. ـ وماذا تأخذ على أمها؟ ـ إن عمك متزوج منذ ثلاثين سنة من امرأة تركبه في رقبته، والنتيجة المنطقية أن تربي بناتها وتطبعهن بأخلاقها. ـ لا أظن هذا صحيحاً. إن تفاهم عمي مع زوجته قد يكون دليل حب أو احترام متبادل لا دليل ضعف. زعق "أنور": ـ حب؟ إن كل إنسان في القرية يعرف أن زوجة عمك تستطيع أن تقفل الباب في وجه زوجها وتتركه ينام في الخارج دون أن يقول إلا كلمته الخالدة "آمنت بالله، ما هذه الليلة" تفوه...... رجال عائلتكم عالة على الرجال، إنهم يختلفون عن جميع الرجال في العالم... الواحد منكم يتزوج ويصبح طوال حياته عتالاً يسير وراء زوجته. كنت أؤمن أن "أنور" يثرثر وأن ما يقوله ليس صحيحاً. لقد كان والدي يضرب والدتي باستمرار كلما شعر بالضيق، أو كلما أراد أن ينبهنا إلى شيء وزوج عمتي جلد زوجته مرة بعد أن ربط يديها ورجليها بحبل متين لأنها تسببت بإتلاف محصول خمسة كيلو غرامات من الدخان.. وأن أحد أقرباء والدي ظل يضرب زوجته حتى أغمي عليها لأنها نسيت أن تطبخ لـه "مجدرة" كما طلب منها. "أنور" كان يثرثر، إن عمي فقط بين الرجال العائلة كلها الذي يقول لزوجته بين فترة وأخرى "ماذا تريدين أن أفعل؟" والرجل في قريتنا تعود أن يقول لزوجته" سأكسر عظام ظهرك يا بنت الكلب". كل هذا لا معنى لـه الآن ولا يجدي شيئاً. "أنور" يحدق بي. لعله ينتظر أن أقول شيئاً. أنهيت طعامي، وغسلت يدي "ثم مضيت إلى السرير وتمددت عليه. حمل "أنور" الصحون إلى المطبخ وعاد إلى سريره ثم اضطجع عليه وفتح الراديو. كانت إحدى محطات الإذاعة العربية تقدم تعليقاً سياسياً وكان المذيع ينبر بصوته وهو يتحدث عن "الإمبريالية والصهيونية والتروستات التي تتحكم بمصائر العالم الاقتصادية والسياسية والعسكرية وتدعم جبهة المعتدين الذين جعلوا من النابالم شريعة العصر". أقفلت الراديو بعصبية فسألني "أنور" بدهشة، ـ ما بك لماذا أقفلت الراديو؟ ـ هذه الفوقية بمخاطبة الجماهير لا أحبها. إن أحداً لا يعرف ماذا يقولون. الاستعمار دوماً ضمير غائب "هو". من هو؟ لماذا لا نسمي الأشياء بأسمائها الحقيقية؟ لماذا لا تتوجه الحكومات العربية إلى ا لجماهير توجهاً مباشراً. وجهاً لوجه؛ لقد حان الوقت كي تطرح الأشياء ببساطة وعفوية. دعنا "أنور" أشعر بالقرف. عقب "أنور" بهدوء: ـ أنا أؤيدك بذلك. لقد ضاع جيلنا في متاهات الكلمات. بعض القادة العرب لا يملكون اليوم إلا التلويح بأعلام خالد بن الوليد وطارق بن زياد، وهذا لا ينفع شيئاً البتة. المجتمع الذي نبنيه لا يقوم أساسه على الكلمات، هناك شيء آخر، يجب أن تطلق العقول كي تبدع، إن جميع سيوف العالم اليوم لا تقف أمام مدفع واحد، وكل خيول العرب الأصلية لا تجرؤ على الاقتراب من دبابة أو طائرة. نحن ما زلنا نعيش بعقلية سكان الخيام في الصحارى. تفوه.. تسقط كل حضارة تقوم على الكلام، يجب أن نسكت قرناً كاملاً ونتفرغ للعمل. سكت "أنور" وسكت معه. أحد أساتذة الجامعة قال لنا منذ أيام "أنتم جيل خائب" وعندما أجبته "إننا جيل الضحية" انطلق في محاضرة طويلة عن القومية والنضال، والثورة والثورة المضادة... حتى ضعت في عتمة الأشياء التي طرحها من شاطئ المتوسط حتى البحر الكاريبي. عندما قلت "لأنور" هذا قهقه ضاحكاً وقال: ـ لقد أصبح الزمان عاهراً والتاريخ قواداً. عندما خرجنا من البيت اقترح "أنور" أن نذهب إلى السينما، لكنني اعتذرت لارتباطي بموعد هام. تركته وذهبت إلى بيت السيد المدير في الموعد المحدد، فاستقبلني ببشاشة وبعد أن قدموا لي القهوة ركبنا سيارته وتوجهنا إلى بيت صديقه. كان البيت بسيطاً لكنه أنيق وهادئ. استقبلتنا سيدة عليها مسحة من بقايا جمال قديم وقالت بلغة عربية ركيكة: ـ أهلاًَ وسهلاً. بدأنا نتبادل الحديث بشكل مرح ومقبول حتى حضر الزوج فصافحنا وجلس في زاوية الغرفة وانطلق يروي الأحاديث الطريفة والنكات اللاذعة التي أضحكتنا كثيراً. بعد ساعة شعرت بالضجر فتطلعت إلى الساعة الكبيرة المعلقة على الجدار؟ لاحظت السيدة هذه الالتفاتة فعقبت فوراً: ـ عفواً أستاذ. لقد حان موعد عودة "جانيت"، لن تتأخر كثيراً، ويجب أن تتعرف على تلميذتك. أجبت ببعض كلمات المجاملة التي أدركت سخفها فوراً فسكت. بعد ربع ساعة دخلت "جانيت". ـ هاي مامي. أهلاً عمو. صافحت والدها وقبلت أمها، ثم صافحتنا وجلست قرب والدها. ـ تطلعت إليها بشكل جانبي. إنها تلميذة عجيبة حقاً، تضحك باستمرار، وتتحرك بلا سبب يدعو إلى ذلك، وتقوم بحركات مفتعلة وكلماتها لا معنى لها إطلاقاً. قالت أمها: ـ "جانيت"، هذا هو الأستاذ. ـ هاي أستاذ. أوشكت أن أضحك. هذه مخلوقة طريفة حقاً، تصلح مادة للتفرج والتسلية. قال والدها بأدب: ـ أرجو أن يجد الأستاذ راحته المطلقة هنا وأن يعتبر نفسه في بيته. أنا أشكر الأخ المدير لاهتمامه "بجانيت"، وأشكرك لأنك ـ ستتحمل بعض المشقة بتعليمها. المشكلة أستاذ أن لغتها العربية ضعيفة جداً، وعليها أن تتقدم إلى البكالوريا هذا العام. قلت بشكل آلي لا عاطفة فيه: ـ أرجو أن أتمكن من مساعدة الآنسة. قالت "جانيت" ضاحكة. ـ ميرسي أستاذ. مرة أخرى أحسست برغبة عارمة في الضحك عندما قالت أمها: ـ ما رأيك أستاذ أن تذهب مع "جانيت" إلى غرفتها وتتعرف على معلوماتها باللغة العربية؟ قبل أن أقول شيئاً نهضت "جانيت" ووقفت أمامي وقالت: ـ تفضل أستاذ. سرت وراءها إلى غرفتها حتى وصلناها. كان سرير نومها غير مرتب، ومنامتها الحريرية الشفافة ملقاة بإهمال عليه، وطاولة الدراسة والمكتبة محشوة بالكتب الأجنبية. ـ أعتذر، أستاذ، لهذه الفوضى. لو كنت أعرف أنك ستحضر اليوم لاعتنيت بترتيب الغرفة. غرفتي مهملة دائماً لأنني لا أسمح للخادمة أن تدخل إليها. ـ لا تهتمي لذلك من أجلي، الفوضى شيء صميمي في حياتي. أين أجلس الآن؟ ـ في أي مكان تريده. ـ لكني لا أرى غير كرسي واحد عليه أكداس من الكتبَ. ـ تفضل هنا على السرير. جلست على السرير بعد أن أخذت منامتها عنه. هذه الأسرة الطرية تعرف أحلام المراهقة ومعاناة الليل. الغرفة لا تحتاج إلا لضوء أحمر، وبعض العطر حتى تصبح أحلام الصبية شيئاً كالمتعة. إن شيئاً رهيباً يفترس المراهقين في الليل. ـ هل أعجبتك غرفتي أستاذ؟ التفت إليها بغتة وقد خفت أن تكون قرأت على وجهي شيئاً مما يدور في صدري: ـ يمكنك أن تناديني باسمي مجرداً، فأنا لا أحب لقب الأستاذ كثيراً. ـ كما تريد أستاذ. حدقت بها ولم نلبث أن ضحكنا معاً ثم قالت: ـ ما رأيك بمكتبتي؟ ـ جيدة. لمن تقرئين؟ ـ رامبو، بودلير، ديكنز، هوجو، سارتر، شكسبير... ـ أكثرهم فرنسيون وكلاسيكيون. ـ لا أعرف إلا الفرنسية. ـ والعربية؟ ـ قليلاً. غير أني لا أثق بالأدباء العرب. أحسست بانفعال مفاجئ: ـ كيف تحكمين على الأدباء العرب وأنت، كما قلت، لا تقرئين لهم؟ ـ مجرد تخمين. قرأت مرة قصة عربية وأحسست أنها تافهة وتعالج موضوعاً رخيصاً. الأدب العربي لم يصل بعد إلى مستوى إنساني والأدباء العرب تافهون. أنت، آنسة "جانيت" لا تعرفين ما تقولين. إن تخمينك هذا يظل مؤرجحاً بين الشك واليقين حتى تدعمه الحقيقة. وليست لديك أية حقيقة إلا رأيك الشخصي. أجابت بغرور: ـ إن آرائي سليمة دائماً. ـ أنت مجرد طفلة نزقة لا تعرف ما تقول. جحظت عيناها وهتفت بانفعال: ـ ما هذا أستاذ؟ ـ لقد طلبت إليك أن تتركي كلمة أستاذ هذه. أنت لا تعرفين كيف تحترمين الآخرين. إن المدارس الأجنبية التي تعلمت فيها حشت رأسك بالأكاذيب. الكتب التي قرأتها كانت نفاقاً لإبعادك عن أصالة التراب الذي تعيشين عليه. قهقهت بانفعال ظاهر وأعلنت: ـ هذه أطرف طريقة للتعارف بين اثنين. تصور أننا منذ الدقائق الأولى اكتشفنا أن خلافاتنا عميقة، ومع ذلك فسوف تكون أستاذي، أليس هذا طريفاً؟ ـ إنه مؤلم وليس طريفاً. ـ لماذا؟ ـ لأنني لا أحب هذه المهمة، ولن أكون سعيداً بها إطلاقاً. تغير لونها فجأة وبدأ الارتجاف يهز أوصالها. تطلعت إلى الأرض قليلاً ثم قالت بقحة غريبة: ـ أنا لم أر إنساناً في حياتي مثلك. هل تحسب أني أتسول معلوماتك؟ إن أي أستاذ في هذه المدينة يتمنى أن يجلس إلى جانبي. أرجو أن تثق أن أحداً لم يأخذ رأيي بك أما وقد عرفتك على حقيقتك فأنا لا يسعدني أن تكون أستاذي. أحسست براحة قصوى في أعماقي. لقد لمست الوتر المريض في صدرها. هذه واحدة من مدللات المدينة تحس بقزميتها أمامي فتخرج أظافرها دون أن تطالني. قلت وأنا أضحك بحبور: ـ لقد حللتني من وعد كان يطوقني بشكل كريه. مهما يكن أنا سعيد لمعرفتي بك. صعقتها المفاجأة فسألت: ـ لماذا؟ ـ أرجو ألا يضايقك ذلك، لكنني أصبحت واثقاً الآن أكثر من أي وقت مضى، أننا شعب مظلوم. إن مدارسكم أوكار للتجسس وتشويه التاريخ، تاريخنا نحن. يا يسوع العظيم. بماذا تخرف أنت؟ تجسس؟ أنتم شعب عاق، نحن الذين علمناكم الحياة الحقة. ثقافتنا وحضارتنا أخرجتكم من خيامكم ومغاوركم". الضوء الذي تنعمون به نحن الذين خلقناه. السيارات التي تركبونها نحن اخترعناها. إن كلامك هذا دليل على أن كل ما قدمناه لكم لم ينفع شيئاً ولم نفلح بعد بإخراجكم من عباءاتكم. في تلك اللحظة كنت أسمع هدير الدبابات وهي تزحف على أرضنا بعد "سايكس بيكو" وأسمع أصوات المدافع التي تدك بيوت الآمنين في عام 1945، كنت أسمع أنين الأرامل وهن يقفن أمام المشانق التي علقت الأحرار في أيار. ما الذي قدموه لنا حقاً؟ أحسست أن شيئاً في أعماقي ينفجر فقلت: ـ أنتم آنسة "جانيت لم تقدموا لنا أي شيء. لقد سرقتم أرضنا ولم تخرجوا منها، لكننا طردناكم. أية حضارة هذه التي نقلتموها لنا؟ وصلتم أرضنا أول مرة غزاة تحملون الرصاص لا الخبز. أقمتم السكك الحديدية في بلادنا لنقل المدافع لا الدواء. المدارس التي افتتحتموها كانت غايتها أن تعلمنا كيف ننحني أمامكم ونقول لكم بشكل مهذب "نعم". لقد أفسدوا عقلك لتفسدي عقول الآخرين. أية حضارة نقلتم لنا؟ الضوء الذي خلقتموه كان نتيجة لخوفكم من أن نقتلكم في الظلام، والطرق التي عبدتموها كانت مهمتها أن توصلكم إلى كنوز أرضنا. أنت آنسة، بكل بساطة، مخلوقة فاسدة العقل والتفكير ولم يشرفني أبداً التعرف بك. خرجت من باب الغرفة وتوجهت إلى حيث يجلس أهلها وودعتهم بطريقة جافة ثم تركتهم جاحظي العيون وخرجت من البيت كله. أحسست أن شعبي كان يهان في ذلك البيت، وأن تاريخي كان يشوه والموجودين حفنة من الأقزام الذين يحاولون نهش أقدام هذا الشعب. من يجرؤ أن يقول شيئاً؟ سيتهمونه بالطبقية أو الطائفية أو العزلة الحضارية. ما هذا! إن شيئاً في داخلي يلتهب. شعرت بالندم لأنني لم أصفع تلك التلميذة اللعبة. أحد الشرفاء العرب في الجزائر صفع السفير الفرنسي مرة ليرد الإهانة عن شعبه فجاءت الأساطيل الحضارية وجثمت فوق الأرض العربية أكثر من مائة وعشرين عاماً تنكل بالناس وتسرق الأرض وتشوه التاريخ. لو أنني صفعت هذه الدمية اليوم لكنت جزائرياً آخر يرفض كل العقوبات التي أرسوها على شاطئ هذا الشعب. لماذا لم أصفعها؟ في داخلي شيء يحترق. أصبحت، وأنا أدق أقدامي الموهنة على إسفلت الطريق، مخلوقاً بدائياً في داخله تمور أفكار شريرة وتنزّ من أنيابه شهوة الدم. لماذا لم أصفعها؟ قال لي والدي مرة "....عندما لا تستطيع التفاهم مع امرأة، عليك أن تستعمل يدك. الملعونات لا يشعرن بالمتعة إلا إذا حملت العصا أو رفعت يدك أكثر من صوتك، عندها يسجدن احتراماً لرجولتك..." ـ في يوم ما كنت أعتقد أن والدي مخلوق سخيف. هذا لا يصح أبداً والدي ليس سخيفاً والأشياء التي يؤمن بها على عفويتها لها جذور عميقة في تربة الإنسان. ـ والدي لم يكن سخيفاً أبداً. كان يستطيع بسهولة أن يهتدي إلى الفضائل الصغيرة المحزنة التي تدل على أن الإنسان شرير وحيوان ووغد. وإذا رسم صورة للحياة ولو بشيء من القسوة، فسرعان ما تثير لوحته في أعماق الإنسان خجلاً انتقامياً ورغبة شديدة للهرب من الحياة. ـ بت أؤمن أن والدي جدير بالإجلال. إنه جزء من التاريخ. بعد عدة أيام اتصلت بالمدير هاتفياً وأبلغته اعتذاري عن تدريس تلك الدمية ولم أنتظر لأسمع منه أي سؤال.. فقد وضعت السماعة.. وشعرت بكثير من الارتياح. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |