الأبطال يموتون صغاراً ـــ عادل سلوم

رواية ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق ـ 2006

Updated: Sunday, July 01, 2007 02:57 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل السادس والعشرون

أخيراً وصلت رسالة من "أحمد".‏

ـ فتحتها بأصابع مرتجفة ورحت أقرأ سطورها الهادئة:‏

ـ "أيها العزيزان البعيدان"‏

مضت أشهر قاسية دون أن أكتب إليكما، وقد امتصت هذه الأشهر الكثير من شجاعتي. وليس تقصيري بالكتابة إليكما ناجم عن الكسل، إنما بسبب المشاكل اليومية من جهة والرغبة العارمة بأن أنسى كل أيامي في دمشق من جهة ثانية بعد أن أوشكت على التراجع كلما ذكرتها.‏

ـ أقول هذا بعد أن اتخذت قراري النهائي بألا أعود إليها أبداً. لن أعود إلى الجامعة أيضاً لأنها لم تعد تعني شيئاً بالنسبة لي، ولن أفتش عن أية وظيفة طالما أنني أملك شبراً من الأرض أستطيع العمل فيه.‏

أنا سعيد جداً اليوم، لا تستغربا. السعادة ليست وهماً إنها إحساس حقيقي فعلاً وعمري ما شعرت بالغبطة التي أحسها اليوم. أستيقظ كل صباح مع الشروق وأسرح في كل مكان كنت أعرفه من قبل، الغابة القريبة من القرية اكتشفتها لأول مرة، إن فيها أزهاراً رائعة، لها ألوان لا أعرف كيف أصفها، النهر الصغير أسمع خريره بعذوبة لم آلفها من قبل، إن الشمس تنعكس على صفحة هذا النهر بشكل أخّاذ. الناس البسطاء في القرية يمثلون قمة ما أحلم به من صفاء.‏

ـ كيف لم أكتشف هذا من قبل؟‏

ـ أعتقد إن فكرة النزوح إلى المدينة كانت تسلب عقلي فلم أكن أقبل أية فكرة بعيدة عن أرصفة المدينة وإسفلت شوارعها الأسود.‏

تركت الحشائش الندية إلى أرض اليباس. خلفّت مساقط المياه إلى متاهات السراب. هاجرت من الشواطئ إلى صحارى الجذب. أقول هذا بثقة لأنني أستعيد نفسي وأستعيد قدرتي على تقييم الأشياء. أنا لم أخلق من أجل الحياة التي تعيشونها، وأرجو أيها العزيزان أن تثقا أنني لا أحاول أن أحرض أحدكما ضد نفسه، لقد اختلفت دروبنا وأختار كل منا طريقه. النتيجة برأيي ليست مهمة، المهم أن نكون سعداء بطريقة أو أخرى.‏

منذ شهرين بدأت أعرق وبدأ كفي يتشقق من العمل، صرت أشم رائحة التراب الحقة، إنني أعمل في الأرض التي يملكها والدي، ولقد أعددتها هذا العام إعداداً ممتازاً لموسم الخضرة والدخان، وأرجو أن يكون محصولي منها وافراً.‏

لم أعد أحس الانسحاق الذي كنت أحسه في دمشق. أصبحت حياتي بسيطة وتطلعاتي عفوية أعمل في النهار في أرضي، وأعود مساء إلى بيتي تشاركني هذه الحياة زوجتي. لقد تزوجت من "فاطمة" ابنة الشيخ "صالح" وأنتما تعرفانها جيداً، عفوية وجميلة، لا تفهم الفلسفة ولا تجيد القراءة ولا تتساءل لماذا تظل السماء زرقاء، تكرس حياتها لإرضائي والدعاء لي.‏

أمر كل يوم بالقرب من شجرة التين على البيدر، أتطلع إليها وأتذكر أيامنا في ظلها لقد كبرت شجرة التين واخضرت عروقها أكثر بعد أن أمضيت يوماً بقصها وتشذيبها، كيف لم أفعل هذا من قبل؟ كيف لم أكرم هذا المخلوق الحارس على بيدر قريتنا منذ قرن تقريباً؟‏

موسم القمح هذا العام بسبب الأمطار المعتدلة رائع والناس هنا متفائلون بموسم القطن والدخان أيضاً. أكثر شباب القرية يستعدون للزواج بعد أن عاد الخصب إلى الأرض.‏

ـ الصبايا يمرحن في القرية وعلى طريق العين بثياب ملونة أحلى من ألف مهرجان للضوء. أصوات الغنم والماعز والديكة صباحاً شيء لا تستطيع أن تفهمه إلا إذا عشت في أجوائه العالم ليس مظلماً كما خيل إليّ يوماً، والقرية ليست هذا المكان القذر والعقيم. الجريمة التي كنا نرتكبها أننا كنا نقيّم القرية من خلال معرفتنا السطحية للمدينة. هذا خطأ فادح أيها العزيزان، القرية قرية والمدينة مدينة، كل مكان لـه خصائصه وناسه. إنسان القرية الذي عاش تحت الشمس وأسند رأسه إلى الصخر وفتح صدره دائماً للريح والغبار، لا يمكن أن يعيش في دوامة الضوء المخلوق والمدينة المعبأة بالنفس المضغوط والنفاق.‏

أطلت عليكما ولا أعرف السبب رغم أني كنت أحس الضجر عندما بدأت الكتابة، الضجر من الكتابة لا من الحياة أرجو أن أسمع أخباركما دائماً وأن تكتبا لي. وأرجو أن تثقا أنني سعيد في حياتي الجديدة. لقد تخليت عن الأحلام التي كنت أظنها كبيرة، إن أصحاب الأماني الكبيرة لا يجدون مكاناً يناسبهم في هذا العالم. أنا أثق أننا سنلتقي مرة أخرى، هنا في القرية التي يشرق عليها كل يوم صباح جديد، وتودع مع كل غروب يوماً عتيقاً.‏

لكما تحياتي وأشواقي‏

«بإخلاص أحمد»‏

عندما أنهيت قراءة الرسالة أحسست بشيء يشبه طعم الملح يتسرب بين شفتي. كنت أبكي وكانت أعذب دموع عرفها وجهي المتعب.‏

نظرت إلى "أنور" الذي استمع إلى الرسالة وأنا أقرؤها بصوت عال. كان وجهه أصفر بلون الموت وعيناه لا تستقران على مكان واحد، كأنه يحتضر ويحاول أن يقول شيئاً فلا يجد الكلمات التي ترصد هذه اللحظات الرهيبة.‏

حملت كرسياً ووضعته قرب النافذة وحدقت إلى لا شيء.‏

من قال إننا لا نستطيع الاختيار؟‏

لقد أصبح "أحمد" الآن شيئاً ثابتاً وسط عالم يغلي بالحركة، أليس هذه اختياراً؟‏

لقد اختار العمل في الأرض والغبار، والانطواء وراء جبال تعزلها الأساطير والحضارة وترك الجامعة لإيمانه بعقم العلم في عصر تفككت فيه العلاقات الإنسانية، وهذا أعظم عمل تراجيدي قام به في حياته. وقد توج هذا العمل بزواجه من إنسانة لا تنتمي إلى جيله متخطياً لحظات التشنج والأنين التي كنا نظن أنها تدمره يوم كان في الجامعة.‏

أنا هنا أصاب بالدهشة لأن الآخرين لا يدهشهم شيء. "وأحمد" يفتح فمه كل يوم ألف مرة مدهوشاً لأنه يرى الشمس لأول مرة تلمع على صفحة النهر، ولأنه اكتشف في الغابة أزهاراً برية لم تستطع كل عبقرية العلم أن تصنع أزهاراً لها رائحتها العبقة.‏

لقد تخلى "أحمد" عن العلم في الجامعة. هل صحيح أنني هنا من أجل العلم؟ هذا إفك رخيص. كانت سفني تبحر نحو الهلاك فقررت الخلاص بالاتجاه نحو شواطئ ظننت الأمان فيها، وليس ثمة أمان هنا. كنت في القرية أحضّ الناس على التعلم وأحاول أن أفتح أذهانهم كي يطلقوا طاقاتهم المحبوسة، وأنا أدرك الآن أنني كنت أمنع عنهم الحرية، لأنني لم أتركهم سعداء في عتمتهم. لماذا لا نترك الآخرين سعداء حتى في جهلهم؟ لماذا؟‏

تطلعت إلى "أنور". كان يدخن بشراهة عجيبة ووجهه ما زال أصفر وعيناه لا تستقران على شيء معين.‏

خطر ببالي فجأة أننا، أنا وهو، مخلوقان بائسان نستحق الشفقة حقاً، وأن كثيراً من البلادة تتراكم حول مشاعرنا، جاء وقت ظننا فيه أننا بسطاء وأبرياء نسكب الفجر على جبين الأرض فيورق العالم كنوزاً أدركت الآن بكثير من القسوة أن هذا لا معنى لـه أيضاً.‏

اغتصبت بسمة بلهاء من صدري المنقبض وأعلنت بعدها:‏

ـ وهكذا ترى.‏

تساءل بقلق.‏

ـ ماذا؟‏

ـ الأرض يرثها الضعفاء!‏

حدق بي قليلاً ونفض رماد سيجارته ونخر من أنفه ثم قال بهدوء كأنه استعاد سيطرته على أعصابه‏

ـ أجل! الضعفاء يرثون الأرض، ولكن بعد أن يملّها الأقوياء.‏

ـ هذا ليس صحيحاً. أنت الآن تشفق على نفسك وتدرك أنك تواجه موقفاً حاداً مثلي تماماً. لقد علمنا "أحمد" درساً قاسياً دون أن يدري.‏

ـ الشفقة الآن عاطفة غير مضمونة العواقب.‏

ـ ماذا تعني؟‏

ـ أعني أن البساطة ليست كل شيء، وليست غاية مقبولة لدى إنسان يؤمن بكرامته. "أحمد" يقبل أن يعمل برميلاً تحت مزاريب الشتاء، يحتوي في أعماقه كل القذارات، وأنا أريد أن أجعل من الحياة حماراً أركبه. هذا هو الفرق، إن فهمه يخترق الواقع بصعوبة ويلمس صغائر الحياة لمساً رقيقاً.‏

ـ هل تظن أن هذا يوصل إلى شيء؟ نحن لا نملك إلا حياة واحدة نعيشها، ما قيمة الوسائل؟ النتائج هي المهمة. لقد أكد "أحمد" دون أن يحاول ذلك أن السعادة ليست وهماً. الذين نسميهم بسطاء أمثاله يقدمون ألف دليل كل يوم أن كل فلسفات العالم مجرد عبث رخيص بأعصاب الإنسان. إن ما نقوم به نحن وسيلة للوصول إلى النتيجة التي وصل إليها هو دون أن يعقّد حياته ويفتك بروحه كما نفعل نحن.‏

ـ هل تقترح أن نحزم حقائبنا ونعود إلى القرية لننضم إلى قافلة السعداء التي يشكلها؟‏

ـ أنا لا أقترح شيئاً، أنا أتحدث عنا. نحن كباقي البشر نحلم كثيراً، مرة تصدق أحلامنا ومرة تخيب، لكن هذه الخيبة لا تعلمنا شيئاً. إن بقاءنا في دمشق لم يعد مجدياً ولا مبرراً، لكن المشكلة أننا لم نعد نستطيع التحرر من أطواق دمشق الذهبية. هذه فجيعة جديدة لم تكن تخطر ببالك. "أحمد" كان شجاعاً، هذا كل ما في الأمر. الشجاعة هي التي تنقصنا.‏

قرر "أنور" بعصبية:‏

ـ كل إنسان شجاع بطريقة أو أخرى إذا أتيحت لـه الفرصة.‏

ـ الشجاعة تعصب. وكل إنسان متعصب بطريقة أو بأخرى. علينا أن نحزم أمرنا في النهاية. يجب أن نتعصّب لشيء ما وننحاز إليه.‏

نحن متعصبون لقريتنا ولبراءة الإنسان فيها ونوجه اللوم والسباب إلى كل إنسان هنا لأنه ليس صافياً كسكان قريتنا. ومع ذلك فنحن لا نطيق الارتداد إليها.‏

ونحن متعصبون لدمشق أيضاً ولا نستطيع التحرر من أطواقها، هذا تشتت فكري مفجع قل لي بعد هذه التناقضات، ما نحن وماذا نريد؟ وكيف نجد الجرأة أخيراً على تقييم "أحمد" وتحديد حياته بأطر جاهزة سلفاً ونحن لم نصل إلى أدنى مراتب الشجاعة لديه؟‏

سكت "أنور" ريثما أشعل لفافة جديدة. كان وجهه ما يزال أصفر. لقد سرت كلمات "أحمد" في دمه كالسم, حقنت شرايينه بحقد لا وجه لـه. انتظرت أن يقول شيئاً منطقياً بعد هذا الصمت الدبق، لكنه فاجأني بكلمات باردة:‏

ـ أنا لا أقر "أحمد" على موقفه هذا. يريد أن يجعل من وجوده الطبيعي ظاهرة لا يستغني الناس عنها، إنه يعطي ما يعطي للحياة والناس طمعاً بالثمن.‏

ـ لقد أصبحت القيم البشرية بفضل مفاهيمك البهلوانية أكثر اختلاطاً من ألوان هذه المدينة الضوئية. ما هذا "أنور"؟ إنسان اختار الحياة التي يريدها فتحكم عليه بالأنانية؟‏

ـ أنا لا أفهم لماذا تدافع عنه بهذا الشكل الحار، أنا معك أنه عاش حياته وسيستمر أيضاً متنسكاً وورعاً. إنه قديس من نوع جديد, لكنه قديس يطلب ضحايا وقرابين.‏

حدقت في وجه "أنور" مذهولاً. إن رسالة "أحمد" أخرجته عن حدود العقل وبدأ يهذي يريد أن يقول شيئاً ما كي يبرر مواقفه المنهارة، يريد أن يشدد من عزيمته وعزيمتي أيضاً.‏

ـ أنت تخرف "أنور". تخرف هذا كل ما في الأمر. تريد أن تتحايل على الواقع. لأنك ترفض أن تصدق أن إنساناً استطاع أن يهتدي إلى أشيائه بنفسه إن الذي يهزك في الأمر هو أنه صدر عن "أحمد" هذا الذي كنت تنعته في مطلع كل شمس بالبلاهة.‏

لا تقل إني لست سليم العقل. دعك من هذا. أنا أعرف ماذا أقول وأعرف كيف تفكر أنت.‏

أحنى "أنور" رقبته وفكر قليلاً ثم أعلن متفلسفاً.‏

ـ عندما نفكر لماذا يموت الإنسان وكيف يموت ماذا يحدث لنا نحن الأحياء؟ لا شك أن حياتنا سترتمي في تيارات من التشنج والسوداوية والقلق. وعندما نفكر لماذا يعيش الإنسان وكيف يعيش نضحك ملء أشداقنا. أنت لا تفهم ما أعني، لا يهم. المهم أنني سعيد، هكذا أفكر أحياناً، لأنني لم أخلق حماراً أو بغلاً، لا تعجب أنا أعبد "زوربا"، الحمير والبغال تعيش لتأكل. تعمل طوال النهار، وفي آخره يقودونها إلى الإسطبل، ثم بعض العلف والشعير و.. هش، ثم ترقد آمنة! أجل أنا وزوربا المخلوقان الوحيدان في العالم السعيدان لأننا لم نخلق حميراً.‏

نهض عن كرسيه فجأة ودار في أرجاء الغرفة قلقاً ثم أعلن بانفعال:‏

ـ كل هذا عبث. العالم يسير وفق طريقتك أو طريقة "أحمد" أو طرق الآخرين. أنا لي أيضاً طريقتي. العالم سيسير بمشيئتنا أو رغم أنوفنا. تفوه.. دعني لقد مللت.‏

حاول الخروج لكنني أمسكت به وقلت لـه:‏

ـ اجلس "أنور". إننا لن نحل مشاكلنا بالهرب منها. نحن نبحث عن الحقيقة، وليس ثمة حقيقة مجردة. تلك هي المشكلة. لقد وجد "أحمد" طريقه، هذه حقيقة يجب أن نتعود عليها، لقد كان نبيلاً ومعزولاً بطبعه. إن النبل معناه اليأس من الآخرين.‏

ـ النبل يأس، والحب يسير في طريق مسدودة، والجنس يوصل إلى القرف، والعلم لا مستقبل لـه. ما فائدة هذه الثرثرة، ما الفرق أن نعيش هنا أو في القرية إذن؟‏

ـ أنا لم أقل إننا يجب أن نعود إلى القرية، أنا أصر على تحديد موقف ما.‏

ـ لماذا، ما الفائدة؟‏

ـ هذا سؤال غبي.‏

ـ المجتمع هو الغبي وليس السؤال. ما الذي تنتظره من هذا المجتمع الذي يعيش ضد العلم ويستمر ضد المنطق والتفكير السليم.؟ إن "أحمد" لم يفعل شيئاً، وأنت لن تفعل شيئاً، وأنا لا أستطيع أن أفعل شيئاً. نحن في عصر السرعة، أليس كذلك؟ العالم يركض من أجل الوصول إلى الكواكب الأخرى، وكل بيت تدخله في هذه المدينة تصفع وجهك لافتة كتب عليها "العجلة من الشيطان" ما هذا؟ ماذا نستطيع أن نفعل؟ دعني.. أنا ذاهب لأسكر.‏

خرج "أنور" وبقيت وحدي.‏

أخذت رسالة "أحمد" وقرأتها ثانية وثالثة..." إنسان القرية الذي عاش تحت الشمس وأسند رأسه إلى الصخر، وفتح صدره دوماً للريح والغبار لا يمكن أن يعيش في دوامة الضوء المخلوق والمدينة المعبأة بالنفس المضغوط والنفاق......"‏

من الممكن أن يكون "أحمد" أكثر ذكاء منا.‏

ومن الممكن أن يكون أقل ذكاء، لكنه على أية حال ليس مثلنا.‏

لقد ارتاح من عناء البحث، وهذا كل ما في الأمر، فما الذي نبحث عنه نحن في هذه الزوايا؟‏

السعادة ليست وهماً، كيف وأين؟‏

أن أتزوج من "فاطمة" أخرى تفنى من أجل خدمتي والدعاء لي؟ ومن يهتم بالدعاء؟‏

أن أترك الجامعة وأشد الرحال إلى القرية أسند رأسي إلى الصخر، وأفتح صدري للرياح وأتفرج على أزهار الغابة؟‏

أن أعترف أن "عفاف" ليست نهاية صحيحة وأن "براءة" ليست موقفاً؟‏

أن أفقد إيماني بحتمية الحياة في المدينة بعد أن أصبحت العلاقات الإنسانية فيها متداخلة كالأسيقة فيها؟ هذا ليس حلاً.‏

أنا في أعماقي لا أبحث أصلاً عن الاستقرار. الاستقرار تكثيف أبله لكل عنفوان أحس به.. لم تعد البراءة هي الشيء الذي يستهويني. صدري صار مقبرة للطهر طالما أن العفة آخر عملة تتداولها المدينة. إن الأرض التي أدوسها بحذائي مغطاة بالقذارة، هذه ليست أرضاً بكراً، وأنا لا أستطيع أن أعيد إليها بكارتها. مازلت طفلاً في قيمي وتطلعي.‏

الناس هنا كصخور أزلية مكدسة منذ أيام التاريخ الأولى تئن من ثقب ما في صميمها. ما العمل الآن وهذه الوحدة تفتك بي؟‏

الوحدة في هذه المدينة جرعة خمر مسكرة، تقلب الأفكار الطفولية البريئة إلى كابوس مرهق يشعر الإنسان معه أنه مدان بتهمة لا يعرفها.‏

تطلعت إلى أشياء البيت التي أعانقها من دون حب، والتي أنظر من خلالها نظرة غائرة موحشة إلى قعر العالم ثم أنفعل، أصمت دهراً ثم أنفجر دون سبب حقيقي.‏

لماذا يحدث هذا لي؟‏

العلاقات الإنسانية لم تعد تعنيني. لم أستطع أن أكسب صديقاً، ولم أستطع أن أشد "براءة" إليّ، عندما كنت بحاجة إليها لتقف إلى جانبي كانت تتكئ إلى قيودها، والعالم من حولها ضجة فاجرة، ظلت صامتة كالقدر وقلبي وحده كان يخفق مع إيقاع ذلك الصمت الرتيب، ولم يستطع أحدنا أن ينجو من الهواء المسمم المحيط بنا. أنفاس الناس سممت الهواء.‏

في القرية لم تكن ثمة نظافة غير نظافة الهواء القادم عن صفحة النهر المنساب بعذوبة الأبد والهواء هنا أصبح شيئاً آخر لا يمت إلى الهواء بصلة.‏

مرة يأتي حاراً من الصحارى الموحشة فيخنقني، ومرة يأتي من فوق الأرض المغروسة بالحراب والنابالم فيحمل إليّ نكهة الدم ولحم الأطفال المحروق. ومرة يأتي من صوب البحر حيث البراءة هناك طفل يتيم.‏

البحر؟ لقد أحببت البحر دائماً، البحر متاهة كالعدم والعدم لا يعطي شيئاً أبداً.‏

إن هذا يثيرني كما تثيرني هذه المدينة المشقوقة الصميم بنهر يجف عاماً بعد عام.‏

كل شيء أصبح يثيرني. الناس درسوا فلسفة اللؤم قبل أي شيء آخر. وحدي بقيت بسيطاً بساطة وصلت حد الغباء، ولم أعد ألمس إلا العقبات تقف في وجهي، صحيح إنني بسيط وتشرق عليّ الحقيقة مباشرة، لكن هذه الحقيقة لا تعني شيئاً ولا تقدم أي حل. لماذا أبحث عن الحلول؟‏

"أنور" ذهب ليسكر، لماذا لا أتبعه أنا، ماذا أستطيع أن أفعل غير هذا؟‏

هذه المدينة شنقت حريتي.‏

ولا يجوز أبداً أن تلغى شخصية إنسان ثم تشنق حريته فوق رأسه ويقولون لـه: عش! كيف يعيش؟‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244