الأبطال يموتون صغاراً ـــ عادل سلوم

رواية ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق ـ 2006

Updated: Sunday, July 01, 2007 02:57 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل السابع والعشرون

بعض الناس يولدون في الظل وبعضهم الآخر يموت في الظل، وفي كلا الحالين لا تكون الحياة عادلة هنالك من يولد في صباح مكدس بالفرح وأكوام الذهب، وهناك من يولد في صباح القيظ وتعب الحصاد وهذا ليس عدلاً أيضاً.‏

أنا وحدي لا أعرف أين ولدت. لم أولد في الظل ولم أعرف الشمس أبداً. لم أر أكداس الذهب أبداً ولم أشعر بتعب الحصاد.‏

أنا إنسان بلا هوية، ليس لي جذور في الماضي، وجميع تطلعاتي للمستقبل لا تساوي شيئاً في هذا الواقع الوغد الذي جعل الرموز آلهة معبودة.‏

أصبحت حياتي في الآونة الأخيرة مثل إخطبوط لـه ألف ساق.‏

أحببت "براءة" بطريقة لم أعرف أبداً كيف أعبر عنها.‏

ومنحتني "فائزة" جسداً سلب عقلي ومتعة لم أكن أحلم بأروع منها أيام الحرمان والجدب النفسي.‏

تغلغلت "عفاف" تحت جلدي، كانت الأكاذيب تتدفق على لسانها كلما اجتمعنا كأنها أشرف المعاني. تكذب في أبسط الأشياء، وتحدثني عن قصص غريبة حدثت لها، وعن رجال قابلتهم لا يمكن أن يصدقها عاقل، وكان هذا يعجبني كثيراً لأنه يسليني ويبعد الضجر عني والضجر مأساتي المزمنة.‏

توطدت علاقتي مع "ياسر" من خلال الشعر، كان يقرأ أجمل قصائده وأنا غارق في الضحك، أدخن وألهو وأفكر بالجنس وبكل شيء يبعدني عما يثرثر به.‏

أصبحت علاقتي مع "عدنان" علاقة عجيبة لا تكافؤ فيها، لكنها كانت تسليني أيضاً وتتيح لي فرصة من ذهب لألمس حقيقة رائعة وهي أن في أعماق كل إنسان مستنقع راكد وكنت أملك القدرة على تحريك هذا المستنقع وإثارة الزوابع فيه.‏

"أنور" هو المخلوق الوحيد الذي كان يشدني إلى الحياة برباط غريب. الوحيد الذي كان يذكرني بالماضي، والطهر الذي ذبحناه على ساقي هذه المدينة الفاجرة.‏

كان نقاشنا المستمر في البيت يتيح لكل منا كثيراً من فترات الصحو الذهني، نستعيد أنفسنا، ونرتد إلى مواقع فقدناها ونقرر بعد كل نقاش أن ننظف حياتنا من جديد وإذا كنا لا نستطيع الغفران لأنفسنا ما نفعله فسوف نحاول النسيان.‏

النسيان؟؟‏

ـ نسيان أي شيء "أنور"؟ ألا ترى أن زمام الأمور قد أفلت من أيدينا، هذا زمان الرق، لقد اشترتنا هذه المدينة ولن تعتقنا حتى نموت. نحن بحاجة إلى معجزة لكن زمن المعجزات انتهى.‏

رفع "أنور"ساقيه ووضعهما على الطاولة وراح يهز الكرسي إلى الأمام والخلف ثم مسح وجهه بيده ونكش أذنه وأعلن وهو يرفع يده:‏

ـ أترى هذه اليد؟ لن أمدها بعد اليوم إلا لأداعب بها جسد امرأة، أو لأقبض راتبي، أو لأضرب إنساناً يحدق بي بطريقة لا تعجبني. هذا العالم الذي حاولنا إصلاحه هزمنا، ماذا تريدني أن أفعل؟‏

ـ أنت تسكب على هزيمتنا يأساً جديداً. أنا لم أفقد الأمل بعد، هناك دائماً طريق توصل إلى الأمان.‏

ـ من قال لك إني أبحث عن الأمان. لقد أعلنت الحرب على هذا العالم إما أن أعيش أو يصرعني.‏

ـ ستموت على سفوح العالم كالجيفة وستدفن في مكان ناء لا تعرفه إلا الغربان.‏

ـ لقد أصبحت تتحدث مثلهم. من قال لك إني مهتم للمكان الذي سأدفن فيه؟ هؤلاء الحمقى الذين يتلمظون بالكلمات الكبيرة يجب أن يعيشوا في الجحيم الذي عشناه ليعرفوا معنى الله والشيطان. من يهتم بهم. أنا شخصياً أحس نحوهم بتفوق كبير، التطلع اللئيم وجد أصلاً من أجلنا، إنهم يدرسوننا كظواهر شاذة. نحن في الربع الأخير من القرن العشرين ومع ذلك فهم ينظرون إلينا كأننا نخرج من الغابة لأول مرة.‏

لقد تفتح ذهن "أنور" بشكل وقاد وانقلبت لا مبالاته إلى فكر واعٍ قلت لـه بقلق:‏

ـ أنت "أنور" كالقمر تشع بالنور. لكنه نور مسروق يشع واهناً ولا يدفىء أحداً. قم بنا نتسكع.‏

خرجنا إلى شوارع المدينة المعبأة بالضجيج والقامات البشرية والسيارات التي تزعق وهي تزحف على إسفلت الشوارع الأسود.‏

اقترحت أن نذهب إلى السينما فوافق "أنور" على ذلك.‏

دخلنا السينما، وتركت "أنور" خلال فترة الاستراحة، وذهبت إلى المقصف لاحتساء فنجان من القهوة وتدخين سيجارة. عندما جلست كانت أمامي فتاة تحدق بي بإلحاح، بدأت أفكر. هذا الوجه ليس غريباً عني، لابد أني رأيتها في مكان ما، إنها....‏

نهضت من مكاني واقتربت منها:‏

ـ أنت مها، أليس كذلك؟‏

هزت رأسها وهي تبتسم. فقلت:‏

ـ هل تسمحين لي بالجلوس معك؟‏

ـ تفضل بكل سرور.‏

جلست وطلبت من الخادم أن يحضر لي فنجان القهوة ثم سألتها:‏

ـ مضى زمان طويل على لقائنا الأول والأخير؟‏

ـ عام ونصف تقريباً. أتذكر؟‏

ـ ما أكثر ما يمر الزمن بسرعة، كأنها بالأمس. عام ونصف فقط، لكني أحس أني كبرت مائة عام.‏

ـ كلنا نكبر. هذا قدرنا ولكن دعنا من هذا وحدثني عن نفسك، أما زلت عصبياً تثور لأن الآخرين يقولون إنك فلاح؟‏

ـ لقد مللت ذلك حقاً "مها". حاولوا أن يجعلوني أخجل من ذلك، يحاولون النيل مني. من منبع الكبرياء عندي.‏

في تلك اللحظة رن الجرس إيذاناً بابتداء الفيلم، حدقنا ببعضنا قليلاً، ثم أعلنت:‏

ـ إن الفيلم أصلاً لا يعجبني، ولا يهمني حضوره.‏

أحنت رأسها ووافقت:‏

ـ وأنا أيضاً، لا يهمني أن أحضر الفيلم، لقد جئت أقتل ساعتين من وقتي ويسعدني أن أقضيهما معك.‏

قدمت لها سيجارة فقبلتها شاكرة وعلقت:‏

ـ مازلت تدخن نفس الدخان.‏

ـ أما زلت تذكرين؟‏

ـ أذكر كل شيء. كان لقاؤنا الوحيد من أكثر اللقاءات العاصفة في حياتي، خلال ساعات قليلة غيرّتني دون أن تدري، وأنا مدينة لك بالكثير، من يومها استعدت ثقتي بنفسي.‏

ضحكت بقلق وقلت:‏

ـ أقسم أني لا أعرف عن أي شيء تتحدثين، أعتقد أن هذه مجاملة منك.‏

ـ قبل أن ألتقي بك كنت أخجل أن أقول إني فلاحة، ومنذ ذلك اليوم اختلف الأمر.‏

ـ المشكلة أصبحت كما يلي: استعدت أنت ثقتك، وأصبحت أنا أخجل أن أقول إني فلاح.‏

ـ لماذا؟‏

ـ لقد عقدتني هذه المدينة، لم أعد أثق بنفسي.‏

ـ لم أعد أستغرب شيئاً. الحياة كلها تبدلت، من يستطيع أن يكون بطلاً ويعيد الأشياء إلى أصالتها؟ لا أحد.‏

لاحظت في إصبعها خاتماً ذهبياً فسألتها:‏

ـ مخطوبة؟‏

ابتسمت ابتسامة صفراء وأعلنت:‏

ـ سأتزوج بعد أسبوع من إنسان لا أعرفه ولم أره بعد، تصور؟‏

ضحكت بجذل مفاجئ فقالت معلقة:‏

ـ لا تستغرب. هذه الأِشياء مازالت تحدث في عالمنا. الأبنية الجميلة والألوان البراقة قشور الحضارة والتمدن فقط، نحن نسكن الأبنية الجميلة لكن عقولنا ما زالت في بدائية الخيام.‏

ـ طالما أنك تعين الأمور بهذا الشكل، لماذا لا ترفضين؟‏

ـ عندما رفضت في البداية ظللت ثلاثة أشهر عرضة للضرب والإهانات من والدي، ماذا تريدني أن أفعل؟ فكرت أن أهرب ولكن أين أذهب ؟ لا أحب أن أنتهي على أرصفة المدينة، وليست لي أية قضية عاطفية فقبلت الزواج، إنه أحد أقرباء والدتي في الأردن، خطبني دون أن يحضر شاهد صورتي فقط، وبعد أسبوع سيأتي ليأخذني إلى عالم لا أعرف عنه شيئاً. أذكر أنك قلت مرة إن زمن الرق والنخاسة لم ينته وهذا صحيح، ولكن لا يهمني، إذا لم يعجبني زوجي سأخونه.‏

أحسست بالذهول فهتفت:‏

ـ ماذا تقولين "مها"؟‏

ـ ألم تقل أنت مرة إننا لا نملك غير حياة واحدة ويجب أن نعيشها؟ إذن، أنا لم يتيسر لي أن أقرر مصيري، وسأعيش حياتي.‏

قلت بانفعال:‏

ـ يبدو لي أنك قيّمت حياتك كلها على أساس أقوالي أنا، وهذا لا يجوز أبداً. يجب أن يكون لك وعيك الخاص للأمور. كما أني أحياناً، لا أكتمك، لا أؤمن بحرف واحد مما أقول، إنهم يهولون وأنا أهول معهم.‏

ـ لكنك برأيي تظل إنساناً مثالياً، وأتمنى لو أنني التقيت بإنسان مثلك. أنت من جيل غريب.‏

نظرت إليها بإمعان. عيناها تدبران لي أمراً لا أفهمه ووجهها معجون بالشمس والخمر والدم.‏

وأنظر إليها وأتحداها.‏

على صفحة وجهها الهادئ تتعانق الألوان في رغبة ملحة للاستشهاد. وأتحداها.‏

عيناها غابة من النور الأسود، على سوادهما أصلب إحساسي بالغربة والعذاب وأنا أتعس من ضاع في غابات العيون. وأتحداها.‏

ـ ماذا تريد مني هذه أيضاً؟ فرغت كفي من الدفء ولم أعد أملك حتى مشيئتي، لقد امتصت هذه المدينة كل شيء دون أن تعكس شيئاً منه.‏

نظرت إليها بعناد فأرخت عينيها وقررت:‏

ـ لا تنظر إليّ هكذا أنت تفهم الأمور بشكل مقلوب. أنا معجبة بك كرجل يفعل ما يريد لكنني لم أقل إنني متيمة بك. نحن لم نلتق غير مرة لكنها كانت كافية لأعرف أي نوع من الرجال أنت. أقول هذا لأنني لا أخجل من أحاسيسي ولكن ما الفائدة؟ عندما رأيتك أدركت أني تأخرت بالتعرف عليك. لن أبكي من أجل هذا وإن كان يؤلمني.‏

أحسست بكثير من الإنبساط والغرور وأنا أستمع إليها.‏

ـ ها أنا من جديد أستعيد ثقتي بنفسي، أركز رايتي في القمة وأحس أني فارس من فرسان الإغريق أحرق المدن وأقيم في ساحاتها الخيام وأملؤها بالسبايا الممزقات الصدور والوجوه. نظرت إلى "مها" فتلاشى سروري فوراً وحل محله إحساس عنيف بأني وغد وحيوان.‏

هذه المخلوقة العفوية التي لا تخجل من مشاعرها تعاني الوحدة والعذاب والتعاسة. تحس أنها تباع كالبهيمة إلى رجل لا تعرفه ليمتص شبابها ونضارتها كالوحوش.‏

جاءت إليّ شاكية لأن العالم يعتصرها، فرحت أتلذذ لعذابها وأتلمس أهداب نرجسيتي.‏

لم أعد إنساناً بالمرة. أصبحت وحشاً أنا أيضاً. المدينة صقلت أظافري وأنيابي وبدأت أحس الشهوة إلى الدم والفرائس.‏

رفعت عينيّ إلى "مها" وقلت بانسحاق:‏

ـ هل أستطيع أن أساعدك بشيء؟‏

ابتسمت ابتسامة مفاجئة وساحرة وهتفت:‏

ـ لو كنا نكتب قصة أدبية أو نمثل فيلماً سينمائياً لقلت لك بلا تردد، لقد تعبت من الحياة، تزوجني، لكننا، للأسف، نعيش واقعاً وسخاً ينكر علينا أبسط أحاسيسنا. دعنا من هذا، لا أريد في النهاية أن تشفق عليّ. الشّفقة مهما كان مصدرها لا تنفعني شيئاً.‏

ـ لا تظني أني بعد هذه المقدمة الميلو درامية أقف إلى جانبك. بوسعك أن تتمردي. إن ما تقامرين به هو حياتك وليس شيئاً آخر. تستطيعين أن تعملي، أن تلوذي بأحد أقربائك أو قريباتك أي إنسان يتفهم الأمر بشكل إنساني. اسمحي لي أنا لست معك. إذا قدر علينا أن نصطدم بعقلية أهلنا فليس معنى هذا أن نصبح عبيداً لنزواتهم. إن ما تقدمين عليه إهانة لكل إنسان يحس الكبرياء.‏

ـ مشكلتي أصبحت تتلخص بما يلي: لقد تعبت. ولم أعد أهتم بشيء.‏

نظرت إليها، وأدركت أنه من الصعب أن تفهم إنساناً بهذه البساطة، لكنني كنت واثقاً من شيء واحد. أن في تكوينها الداخلي بقعة مظلمة، لقد أضاعت أروع طاقة يملكها الإنسان وهي الصراع. لقد فقدت إيمانها بالحياة لأنها لم تلق الحب الذي تريده. لو أنها أحبت مرة واحدة فقط لما وصلت إلى هنا.‏

ـ إنها مستعدة لأن تخون زوجها إذا لم يعجبها، لو أنها تحبه لما حدث هذا. الحب قضية أخلاقية بحتة. مهما تكدست التفاهات فوقها لا يمكن أن تكون مبرراً لأي إثم، لا يمكن أن تكون مبرراً للسقوط.‏

خطر ببالي سؤال فقلت: ألم تعرفي الحب أبداً "مها"؟‏

حدجتني بنظرة قاسية ثم أعلنت:‏

ـ ماذا تظن إذن؟ إنني إنسانة وقد عرفت الحب بكل تأكيد، ولكن ما الفائدة؟ كل الظروف كانت ضدي، مرة كان والدي يراقبني، ومرة كانت التقاليد تمنعني، ومرات كثيرة كانت الأمور تتداخل ببعضها إلى حد يدفعني للقرف، باختصار لم أستطع أن أنجح حتى وصلت إلى ما تراه الآن.‏

أوشكت أن أقول شيئاً لكنني أدركت عقم المحاولة من جهة، وأدركت أنني سأكون سخيفاً أيضاً إذا حاولت أن أقف ناصحاً أو واعظاً. لقد قررت وانتهى الأمر.‏

قلت لها وأنا أحاول الابتسام:‏

ـ دعينا من هذا "مها". هذه آخر مرة نلتقي فيها، ولا أريد أن تذهبي وأنت تحملين عني أي انطباع سيّيء، الحياة لا تحتمل هذا الزخم الفكري، يجب أن نعيش، هذا هو المهم. لا يهم أن تكوني شريفة أو ساقطة، ولا يهم أيضاً أن تكوني زوجة تاجر أو زوجة زبال، المهم أن تكوني حية فوق الأرض لا تحتها.‏

ـ ألم أقل لك؟ أنت إنسان رائع، تفكر بطريقة مذهلة، وأنا سعيدة لأنني عرفتك.‏

أحسست فجأة أن هذه المخلوقة تافهة ولا تستحق أن أمنحها شيئاً من وقتي. مددت يدي إلى جيبي. دفعت ثمن ما تناولناه ثم قلت بلا مقدمات:‏

ـ أرجو أن تسمحي لي. أشعر بالضجر.‏

ـ إنني أفهمك. تستطيع الانصراف، ووداعاً.‏

أكره لحظات الوداع لكنني مضيت دون أن ألتفت إليها. هذه القصة يجب أن تنتهي الآن. وقد انتهت. وبينما كنت أهبط الدرج، شاهدت "أنور" وهو يخرج من السينما، عندما رآني زعق بصوت عال:‏

ـ لقد انتهى الفيلم أيها الأجدب وسيادتك لم تدخل السينما. ماذا جرى لك؟‏

أمسكته بيده ثم قلت:‏

ـ دعنا نخرج "أنور" إذا لم أنس ما يدور في دماغي الآن، سأنتحر اليوم، خدني إلى أي مكان تريده أو تعرفه. أرجوك.‏

تأبط ذراعي بعد أن هرش رأسه ومشينا في الطريق معاً، لا شيء غير الضجر ورغبة عارمة بأن أنسى خيبتي من جهة وأن هذه المدينة قد هزمتني من جهة ثانية.‏

نظرت إلى "أنور" الذي كان يبتسم دون سبب وسألته:‏

ـ لماذا تضحك؟‏

ـ لأنني لا أجد شيئاً آخر أفعله.‏

سكت وأنا أحس أن خيبتي تتعمق في صدري وتحفر نفقاً بين شراييني. إن أحداً لا يستطيع أن يشاركك سعادتك فكيف إذا كان الأمر يتعلق بالحزن؟‏

إن أطناناً هائلة من الورق قد أتلفت للكتابة عن المشاركة الوجدانية والعلاقات بين البشر وكل هذه المترادفات البلهاء. لماذا يحدث هذا لي من بين البشر جميعاً؟‏

لماذا لا أكون كالآخرين، أحشو بطني باللحم والخضار وعدد من الحشائش ثم أتحول إلى مخلوق يعرف ماذا يقول في الأفراح، وكيف يذرف الدموع عند أحزان الآخرين، أزور الناس في بيوتهم وأفتح لهم بيتي، نتحدث في السياسة وعن أفضل الطرق لجمع المال وأشتم معهم الفتاة التي تعصي أوامر والديها، أصوم رمضان، وأصلي كل يوم خمس مرات، أدخل على رئيسي في العمل وأقف كالأبله أمامه بعد أن أناديه أكثر من مرة بألقاب التعظيم والتبجيل؟‏

لماذا لا أنسى قصة فساد العالم، وسقوط الإنسان إلى مراتب البهائم، وأحيا الحياة الوحيدة التي أملكها؟‏

تطلعت من جديد إلى "أنور" وسألت:‏

ـ ما الذي يجري هناك "أنور"؟‏

ـ أين؟‏

ـ هناك. فوق؟‏

ـ بشرفي أنت مخلوق عجيب، ويجب أن تُدرس كظاهرة اجتماعية تافهة. كيف تريدني أن أعرف وأنا لم أذهب هناك أبداً كما أن جميع الذين ذهبوا لم يعودوا؟‏

توقف عن المسير لحظة ثم حدق بي قليلاً وأعلن:‏

ـ أنت تعاني من أشياء الإنسان فظيعة اليوم.‏

منذ متى وأنت تهتم لما يجري فوق؟‏

يجب أن يهتم الإنسان بشيء ما وإلا لما كان لحياته معنى.‏

ـ ما رأيك أن تهتم بحياتك؟ أليس هذا أكثر نفعاً من التطلع إلى فوق طالما أن قدميك في الوحل؟‏

ـ لم تعد حياتي تعنيني إلى هذا الحد.‏

نخر من أنفه ثم بصق وقرر:‏

ـ على الرغم من احترامي لك، اسمح لي أن أقول لك إنك أصبحت مملاً. ما الذي يدور في رأسك؟ تطلعت إلى واجهة أحد المحلات المزينة بالنيون وشدتني الألوان إليها لحظة قلت بعدها:‏

ـ قوانين الطبيعة والقوانين الخارجية كلها غير أخلاقية وغير إنسانية. لماذا لا نستطيع إخضاع كل شيء إلى قوانين الروح الداخلية، لماذا لا نستطيع أن نقهر الحاجة والضرورة؟‏

ابتسم "أنور" وهتف:‏

ـ نحن على الرصيف الآن، ولست أعتقد أن المكان مناسب لهذا السؤال.‏

ـ لا توجد أماكن معينة لأسئلة معينة. قل لي "أنور"، ما الذي تقوله كتب الفلسفة التي تقرؤها؟‏

ـ الفلسفة؟ بف. إنها مجموعة من الأفكار التي تتحدث عن قلق الإنسان فقط دون أن تقدم لـه الحلول.‏

ـ إذا كانت كتب الفلسفة التي تكدسها في البيت لا تفعل شيئاً إلا أن تتحدث عن القلق فسوف أقذفها غداً في برميل الزبالة. لسنا بحاجة إلى من يفلسف لنا قلقنا.‏

ـ أنت مزعج اليوم.‏

ـ أنا تافه اليوم ومن التفاهة ألا تكون لنا تفاهات.‏

ـ لماذا لا تسكت وتكف عن إلقاء الأسئلة إذن؟‏

ـ ما هو برأيك أكثر المخلوقات غباء؟‏

ـ الحمار. هكذا أفترض.‏

ـ إذا كان صحيحاً أن الأرواح ستبعث بعد الموت، وأن الإنسان سيحاسب على كل ما فعله في حياته فأنا واثق أن جميع الحمير الموجودين في العالم اليوم كانوا من قبل بشراً مثلنا، أهملوا حياتهم وراحوا يفكرون بالعالم وماهيته، وكيف خلق ولماذا إلى أن ماتوا ثم بعثوا حميراً.‏

أغمض "أنور" عينه اليسرى وقهقه ثم أعلن:‏

ـ أنت تتحدث عن العالم وكأنه إسطبل.‏

ـ بالضبط. هذا ما أريد قوله. هذا العالم إسطبل، نحن الحمير وهم الرعاة. نحن نعلف بدلاً عن الشعير والتبن، مأكولات من نوع آخر، وبدلاً من أن نسرح في المراعي نسرح على صفحات الكتب. لقد قلت لي مرة إنك سعيد لأنك لم تخلق حماراً، وأنت واهم أيها المسكين. أنت حمار حقيقي؟‏

ـ لا يهم أن أكون حماراً أو إنساناً. المهم أن أعيش. كان "أحمد" يفسد لي حياتي بحديثه عن الحياة الأخرى، وعن الجنائن الموجودة هناك، وها أنت اليوم تحاول أن تفسد لي حياتي بحديثك عن الحمير والإسطبلات. وماذا تريد من هذا العالم على الضبط؟ ألا يكفي أنك تعيش؟‏

ـ عندما كنت أنت منذ ساعات في السينما تقهقه كنت أجلس مع فتاة في البوفيه.‏

ـ ما الذي جرى؟‏

ـ ستتزوج بعد أسبوع من إنسان لا تعرفه وهي مصممة على خيانته.‏

ـ هذه ليست ظاهرة غريبة. الخيانة الزوجية أصبحت نوعاً من أنواع الرقي والتحرر.‏

ـ حاول أن تفهم ما أقوله لك. هذه الفتاة ليست من هنا. لقد جاءت المدينة من إحدى قرى الجنوب.‏

ـ ماذا يعني هذا؟‏

ـ يعني أن العالم واحد وأن الإنسان واحد. الطهر مات في كل مكان وأن النضال من أجل إنسان نقي لم يعد مجدياً. نحن ننحدر. هذا كل ما في الأمر.‏

توقف "أنور" وتوقفت معه. نظرت إلى البناء الذي وقفنا بجانبه. كان أحد ملاهي المدينة الفخمة والمشهورة. ابتسم "أنور" بقلق وهمس بلوعة:‏

ـ الملاهي مكان جميل. إنه يعج بالفاتنات. ويبدو لي أن النساء من صنع الشيطان.‏

ـ كيف هذا؟‏

ـ لأننا نشتهي النساء دائماً، وكل الشهوات من صنع الشيطان. النساء والخمر والجنس. لو كان "أحمد" هنا لاستغفر الله. لا يهم أنا أستغفره أيضاً. لكن العجيب أن الله لم يخلق لنا غير المشايخ والرهبان، والنساء القبيحات، ولم يسمح لنا إلا بشرب الشاي ومنقوع الحشائش. وهو يريد منا أن نصوم ونصلي، وأن نغمض عيوننا.. انظر إلى الجمال حولك.. يجب ألا تراه.. من خلقه ولماذا إذن؟ّ‏

ـ سبق لك "أنور".أن قلت لي شيئاً من هذا. لم أقل لك لكني قرأته لك. ألم أقل لك إنني معجب بزوربا؟ أنا وهو فقط المخلوقان الوحيدان في العالم السعيدان لأننا لم نخلق حميراً. أنت تقول إنني حمار. كما تريد لكنني لا أظن ذلك.‏

في تلك اللحظة هبت نسمة ربيعية فتنفست ملء رئتي.‏

تابعت السير مع "أنور".‏

لا فائدة على الإطلاق... أنا أنهار من داخل... كل هذا بسبب الآخرين.‏

"مها" ستخون زوجها. و"فائزة" تتاجر بساقيها. و"عفاف" تتحدث عن الشرف وهي تتعرى على أسرة الآخرين. و"جانيت" تشتم هذا الشعب وهذه الأرض. و"عدنان" يهتم بتلميع أظافره أكثر من اهتمامه بأخلاقه. و"ياسر" يكتب الشعر عن الوطن والحب والمثل العليا وهو في أعماقه إقليمي متعصب ولا يعرف الحب إلا من خلال السرير والضوء الأحمر.‏

من هذه الدوامة أطل برأسي أنا ألعن العالم لأنه يرفض أن يجعل مني نبيه المنتظر.‏

أحسست بالقرف فجأة فقلت "لأنور":‏

ـ "أنور" اتركني وحدي. أرجوك.‏

ـ كنت على وشك أن أطلب إليك نفس الشيء. أشعر بالملل وأريد أن أكون وحيداً.‏

مضيت وحدي....‏

عندما أكون وحيداً أشعر بالراحة. يبدو لي أحياناً أن هذه الوحدة مردها إلى أنني لا أجد من أحدثه، ومن يناقض آرائي. ولكن ما قيمة الآراء؟ إنها كلمات والكلمات تخلق الفوضى من جهة والإبهام والغموض من جهة أخرى. لماذا لا أسكت إلى الأبد إذن؟‏

أدرت ظهري ثم قفلت عائداً إلى الملهى.‏

في الساعة الثالثة صباحاً كنت قد شربت أكثر من خمس كؤوس من الوسكي. أصبح رأسي في مكان آخر. كنت سعيداً. لم أكن أفكر، هذا أوان النشوة والنسيان فلتبحر قوافلي إلى مرافئ المجهول. هذا هو الربيع فليجر النسغ في عروقي الجافة. الليل أسود والعالم نائم والضجر تبخر من رأسي أشعر بحنين جارف إلى صدر أمي، أنا اليتيم الوحيد في مدينة تضم ملايين البشر. يتمي لم يعد مشكلة ولم تعد غربتي ووحدتي تعذبني. أشعر الآن بمتعة ما بعدها متعة وهذه المخلوقة الشقراء إلى جانبي، ساقاها كالحليب، ووجهها عليه الكثير من العربدة والوحشية، إنها.. ولكن‏

ـ ما هو اسمك؟‏

ـ لا قيمة للاسم. سمني أي اسم يعجبك.‏

ـ سأسميك شهرزاد. أيعجبك الاسم؟‏

ـ إذا كان يعجبك فهو يعجبني.‏

ـ من أين أنت؟‏

ـ من كل مكان ومن لا مكان. لا تسأل كثيراً ألا أعجبك؟ هذا يكفي.‏

ـ أنت تتكلمين الإنكليزية؟ ولست إنكليزية.‏

ـ أنا أجيد أربع لغات.‏

ـ إن مهنتك أفضل من نصف جامعات العالم.‏

ـ قد يكون هذا صحيحاً. المهم أنها تسليني. من خلالها أكتشف نماذج عجيبة عن الإنسان.‏

ـ ما رأيك بي؟‏

ـ أنت إنسان وحيد.‏

ـ لم تعد الوحدة مأساة.‏

ـ أنت تعزي نفسك.‏

ـ أنا مثلك كثيراً. الحياة تسليني, أكتشف كل يوم نماذج عجيبة من البشر. هذه النماذج لم تذكرها الكتب.‏

ـ أنت تفكر كثيراً. وهذا لا معنى لـه.‏

ـ أدفع لك ألف ليرة إذا ذهبت معي إلى البيت. قد يكون قليلاً ولكن هذا كل ما أملكه.‏

ـ لماذا؟‏

ـ أنت تعجبينني وأنا أشتهيك.‏

ـ اتفقنا. قم بنا.‏

لم أعبأ كثيراً بانزعاج "أنور" عندما طلبت إليه أن يترك لي غرفة النوم.‏

لم تحتج إلى مقدمات أو كلمات. عندما أصبحنا وحدنا خلعت ثيابها ووقفت أمامي عارية. أحسست بجفاف في حلقي. منذ الأزل وأنا أحس الظمأ. كل جفاف الصحراء وجدبها في أعماقي، وهذه هي الينابيع الثرة تتفجر أمامي ماذا أنتظر؟‏

كان في عينيها لمعانٌ غريب وهي تحدق بي. حاولت أن أقبلها فظلت باردة كالثلج فقلت بانفعال:‏

ـ لم أعدك بالزواج أليس كذلك؟‏

ـ أنا لا أريد المبلغ الذي وعدتني به. أريد هذه؟‏

وأشارت إلى صورة "براءة" الموضوعة ضمن إطار جميل على طاولة صغيرة. شعرت برعشة باردة هتفت معها:‏

ـ هذه؟ لماذا تريدينها؟ إنها صورة إنسانة أحبها.‏

ـ أريدها!‏

ـ ولكن لماذا؟ ما الذي ستفعلينه بها. أرجوك.‏

ـ أريدها. ولن تنالني إذا لم آخذها.‏

كانت تتكلم ببرود وإصرار وفي عينيها وهج غريب فيه الكثير من الجوع والتشفي. ما زال الجفاف في حلقي وما زلت أحس الظمأ الأزلي. في تلك اللحظة تمنيت أن أبكي من أعماق قلبي لكني لم أستطع رفعت رأسي إليها. في تلك اللحظة لو طلبت حياتي لما بخلت بها من أجل إنسانة لا أعرف اسمها. في تلك اللحظة أدركت أنها تستطيع أن تفعل بي ما تريده هذه المجهولة القادمة من كل مكان ومن لا مكان. ماذا أفعل؟ إنها أمامي حقيقة وليست سراباً. ودون أن أفكر أحنيت رأسي بالموافقة.‏

عندما وافقت قفزت كاللبوة المفترسة من مكانها وانقضت على الصورة ثم قذفتها إلى الأرض حتى حطمت إطارها ثم أخذت الصورة بين يديها ومزقتها إلى قطع صغيرة ثم راحت تدوسها بأقدامها بانفعال بينما كانت ترشح عرقاً وغضباً وشهوة. تلك الشهوة، شهوة الدم، عمري لم أر مثلها على وجه مخلوق بشري، وبعد أن انتهت توجهت إلى السرير وعلى وجهها معالم الانشراح ثم استلقت عليه وهمست:‏

ـ تعال حبيبي. تقدم.‏

أدرت ظهري وأنا أحس أن شيئاً في أعماقي يتصدع وينهار في هدوء مرعب.‏

ـ تعال حبيبي. تقدم.‏

ـ لا فائدة لم أعد أريدك.‏

ـ ماذا؟‏

ـ قلت لك لم أعد أريدك. افعلي ما تشائين. اذهبي إلى الجحيم إذا شئت.‏

ـ هل تسمح لي أن أقضي ليلتي هنا؟‏

لم أجب بل فتحت الباب وذهبت إلى الغرفة الثانية حيث تمددت على سجادة صغيرة وغرقت في نوم عميق.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244