الأبطال يموتون صغاراً ـــ عادل سلوم

رواية ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق ـ 2006

Updated: Sunday, July 01, 2007 02:57 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل الثامن والعشرون

جالساً في ركن قصي من البيت.. أعد حبات الزمن الملول.. تماماً كما كنت أعدّ حبات الرمل في زمان العدم لقد جنحت حياتنا إلى دروب لا نهاية لها.‏

لماذا بدأنا هذه المسيرة المفجعة التي تبدو لي أنها بدأت من المجهول.. لتمضي إلى المستحيل؟‏

دخل "أنور" البيت كعاصفة هوجاء وأطلق شتيمة بذيئة على الناس والمجتمع ثم استلقى على السرير صامتاً برهة ثم أعلن بعدها:‏

"ـ إن لنا حياتنا الخاصة. طيب. لذلك يجب أن تكون لنا قوانينا الخاصة التي تحكم هذه الحياة. كيف السبيل إلى ذلك؟‏

لم أجب. كنت اشعر بضباب اليأس يغزو رأسي ويدبّ إلى مسام جلدي كدبيب النمل المنظّم ليقرض نصف العمر ونصف الزمان ونصف المكان.‏

ضحكت في سري. نحن نعيش نصف حياة ونصف حقيقة، وها هو اليأس قادم لينهش الباقي.‏

لم نكن بحاجة إلى هذه الطقوس الجنائزية التي تحيط بنا لندرك لعبة الحياة.‏

كان الصمت ثقيلاً في البيت عندما مزّقه صوت "أنور":‏

"ـ أخيراً انتهينا من الجامعة. أول أمس كنت خائفاً. وأمس كنت فرحاً.‏

اليوم لست مهتماً. ما الفارق بين الأمس واليوم؟ كيف يمكننا أن نجمع مشاعر الخوف واللامبالاة في صدر واحد وزمان واحد هذه ليست صدفة. عندما خرجنا من القرية لم ندرك أننا خرجنا من أجسادنا قل لي، ما العمل؟ أهذه نهاية المطاف؟‏

كنت أفكر"ببراءة" أخبرتني منذ أيام أنها ستسافر إلى أمريكا.‏

"ـ ماذا ستفعلين هناك "براءة"؟‏

"ـ لست أردي. لي قريب هناك أخبرني أنني أستطيع التدريس في إحدى مدارس الجالية العربية.‏

"ـ ولكن لماذا أمريكا؟‏

"ـ لأنها آخر الدنيا.‏

ـ ليس صحيحاً. هنا آخر الدنيا. هنا الأرض التي لم يكتشفها أحدٌ بعد.‏

ـ إنها لا تتسع لنا معاً. إما أنت وإما أنا.‏

ـ لقد مللت الرحيل وأتعبتني الغربة. هذه المدينة كالجرب بدأت تأكل جسدي.‏

ـ إذن سأجرب حظي أنا. لم أعد أملك شيئاً أخاف عليه.‏

ـ هل أراك قبل أن تسافري؟‏

ـ لست أدري. ذلك مرهون بوقته.‏

ـ أنت تتصرفين "براءة" وكأنك إله. كان من الممكن لحبنا أن يستمر وينمو ويعيش.‏

ـ لا أريد أن أرهن حياتي لهذه "الممكن" لقد أحببتك بصدق مطلق ولن يحتل أحد مكانك في قلبي. هذه مغامرة. لكنها حياتي. إما أن أعيش معك أو أعيش مع ذكرى حبك.‏

صرخ "أنور":‏

ـ إس. إس. هيه. أين أنت يا أخ؟ أين شردت؟ إنني أتكلم كالمسطول وحدي وأنت لا تصغي إليّ. يلعن حضارتك.‏

ـ "أنور" دعني وشأني.‏

خلع حذاءه وقذف به باب الغرفة وقرر بعصبية:‏

ـ وجوه وأحذية فقط. أو أحذية ووجوه لا فرق. هذه هي الحياة. نحن أحذية أستاذ. غداً سوف يلبسونك بأقدامهم.‏

تطلعت إلى "أنور". وسألته بهدوء:‏

ـ قل لي "أنور". لو كنت مكاني ماذا كنت تفعل؟‏

نهض عن سريره وبصق من النافذة ثم قال:‏

ـ سأستمر أبصق من هذه النافذة حتى أصيب إنساناً في أم رأسه.‏

ـ لم تجبني على سؤالي؟‏

ـ أنا لا أجيب على أسئلة سخيفة. كما أني لا أريد أن أكون مكانك. لا يمكن لأحد أن يكون بديلاً للآخر. كل الأمكنة متشابهة في حقارتها.‏

ـ لقد بدأت تهذي كالتيس. سألتك سؤالاً محدداً، لو كنت مكاني ماذا كنت تفعل؟ "براءة" تضعني أمام هذا الخيار الفظ: إما أن أتزوجها أو أنها تتركني وترحل إلى الغياب الأخير.‏

ردّ متفلسفاً:‏

ـ كما أنه لا يوجد حضور مطلق، كذلك ليس هناك غياب مطلق. لو كانت تحبك أستاذ لما سافرت. ألم أقل لك وجوه وأحذية تريد أن تنتعل حضرتك، إن تلبسك بقدمها.‏

ـ أنا أحبها "أنور".‏

ـ لو كنت تحبها لما تركتها تسافر أيضاً. أنتما جزء من كذبة كبيرة. كيف أجعلك تفهم؟ أف. دعني لقد مللت. أريد أن أنام وأحلم لم يبق لنا غير الأحلام أصبحت اليقظة تسبب لي نوعاً من الغثيان.‏

ثم وضع الوسادة فوق رأسه وسكت.‏

نخرج من حلم وندخل في آخر. كل الأحلام توصل إلى عالم من التيه واليباب. لا نقبض إلا على الريح وهذه الطقوس المقرفة حولنا. إنها أشبه بالمآتم أصبحت أشعر أن للغربة طعماً يشبه المرارة في الفم. لاشك أن الحياة كريمة معنا أحياناً إنها تترك لنا خيارات متعددة. إما إن نهتدي إلى ضوء ما.. أو نفعل شيئاً.. أو ننتحر!!‏

سألت "أنور" وأنا أعلم أنه لم ينم بعد:‏

ـ ألا تعتقد "أنور" أن "أحمد" سعيد في القرية؟‏

ردّ من تحت الوسادة بصوت مخنوق:‏

ـ ربما لماذا لا تجرب العودة إلى القرية لتعرف الحقيقة؟‏

ـ لن أجرب ذلك. لكني أعتقد أن أحمد إنسان حرّ لأنه استطاع أن يختار. أنا وأنت شيء آخر. نحن نرى الحياة امرأة جميلة يجب أن نضاجعها كل ليلة. لكننا ندخل في حسرة لنخرج من حسرة. نجتّر المعادلة كل يوم دون ملل. ألم تمل من الملل "أنور"؟‏

رفع الوسادة عن رأسه ثم نظر إليّ طويلاً ولم يلبث أن نهض عن سريره ثم توجه إلى المرآة. تطلع إليها برهة ثم بصق عليها وعاد ليجلس إلى جانبي ثم سألني ضاحكاً:‏

ـ قل لي: كيف حال"عفاف"؟ هل صحيح أنها طردتك من حياتها؟‏

أجبت بانفعال:‏

ـ إن المرأة التي تطردني من حياتها لم تولد بعد. كل ما في الأمر أنني لم أعد أراها. إذا كان "عدنان" قد قال لك غير هذا يجب أن تثق أنه يكذب. ليس لدى "عفاف" أي شيء تعطيه لي. وأنا فقير هذا الزمن ليس لديّ ما أهبه لها. إنها امرأة خالية الوفاض منذ الأزل. أنا الذي أختصر المسافة الموصلة إليها فلم أعد أذهب إليها. هذا هو الموضوع كله نفض "أنور" رأسه مرتين وحك أذنه ثم أعلن بضجر:‏

ـ إنني لا أفهم فقط أنا لا أفهم ثم خرج عن طوره وصرخ وهو يرفع يديه:‏

ـ هل لك أن تختصر لي بجملة واحدة، على أن تكون جملة قصيرة وواضحة، ما الذي تريده؟‏

ـ لو كنت أعلم ماذا أريد لما كنت هنا.‏

ـ أين ستكون إذن؟‏

ـ لست أدري. ربما في القرية. ربما انتحرت ضجراً من حضارة العبيد هذه. ربما تزوجت "براءة". ربما كنت حذاء, كما قلت أنت, تلبسه "عفاف" عندما تريد. وربما حاولت إيقاف الانهيار المريع لحياة "مها" ربما أطلقت النار على "عدنان" وربما عملت بائع خمور لأظل ثملاً لا أعرف الصحو. كلها أشياء واردة. المشكلة أنني أشعر أنني أقف على أرض غير مستقرة ولهذا لا أعرف ماذا أريد.‏

نهض "أنور" والتقط حذاءه لينتعله فسألته:‏

ـ إلى أين أنت ذاهب؟‏

ـ لست أدري. لكنك أصبحت كالوباء. إنك تحمل في أعماقك بذور مرض قاتل يميت كل من يقترب منك. لقد بدأت خلايا دماغك تتعفن. أنت لم تعد تصلح لشيء إقبل نصيحتي وانتحر. تفوه على حضارتك ثم غادر البيت وبقيت وحدي ملفوفاً بصمت دبق.‏

من جديد عدت أعدّ حبات الزمن الملول. تراكم الضجر على مساحة القلب. بيني وبين الفرح دهر من الانتظار. فأين المفر؟ خرجت من البيت مسرعاً. كأن شيطاناً يطاردني أحسست برغبة عارمة أن أكون بين الناس إن أرمي نفسي في الضجيج والصخب دفعة واحدة. أريد أن أحس حرارة الوجوه التي لم تمت بعد.‏

هذه دمشق. مدينة التاريخ والناس الذين لا يتعبون. ما الذي يربطني بهذه المدينة التي جئتها حائراً فازدادت حيرتي منها وفيها؟ ماذا أريد منها وأنا لا أعرف ماذا أريد من نفسي؟‏

شعرت أنني أطرح أسئلة سخيفة ومعادة.‏

توجّهت إلى مقهى "الهافانا" طلبت فنجاناً من القهوة ورحت أتفرج على وجوه الناس العابرين من وراء الزجاج. اكتشفت فجأة أن منظر الناس وهم يعبرون أمامي مثير للضحك. هذا رجل يسير مسرعاً وهو مطرق الرأس. رجل آخر يسير إلى جانب صديق أو زميل وهو يثرثر. رجل يتأبط ذراع امرأة جميلة وهو باشّ الوجه غارق بحديث نصفه كذب. بائع ينادي على بضاعته دون أن يلتفت إليه أحد. رجل مرور ينكش أنفه بإصبعه وهو واقف وسط الشارع. شاب في مقتبل العمر يركض وراء باص يرفض بأن يتوقف في المحطات المخصصة لـه. فتاة جميلة ترتدي ثياب الفتوة تحمل كتبها المدرسية على يدها، لابد أنها هاربة من المدرسة إلى موعد غرامي خائف وبعيد عن رقابة العيون. بائع دخان مهرّب يعرض على المارّة علباً ملونة يخرجها من صدره.‏

فجأة فتح باب المقهى ودخل "عدنان". جلس إلى طاولتي وطلب فنجاناً من القهوة، ثم راح يتفرج معي على الناس العابرين دون أن يقول شيئاً.‏

استرقت النظر إليه. كان مقطب الجبين على وجهه أمارات تأمل ساكن. كان ينقر الطاولة بعصبية بينما حمل بيده الأخرى قداحة فاخرة من الذهب راح يفتح غطاءها ويغلقه بعصبية.‏

قلت له بلا مبالاة:‏

ـ إن هذه الأرض تدور ولن تستطيع إيقافها.‏

أخذ رشفة من فنجان القهوة. ثم طلب فنجاناً آخر وقال بهدوء عجيب:‏

ـ سأسافر إلى جنوبي لبنان!‏

ابتسمت هذا الأفّاق أطلق للتو كذبة ضخمة. لقد فرغت شرايينه من الدماء وها هو يبحث عن شيء لا يعرفه. يريد أن يجعل من نفسه ظاهرة ما لكنه لا يعرف من أين يبدأ.‏

أنني لم أصدقه أحسست أن أية كلمة أقولها ستكون من دون معنى فسكت. عاد يحدق في وجهي وقد استفزه هدوئي:‏

ـ لماذا لا تقول شيئاً؟‏

أجبت بحياد مطلق:‏

ـ أنت أحد إنسانين: إما أنك كاذب وهذا لا يعنيني. أو أنك صادق وهذا لا يفيد جنوبي لبنان ولا ثوار البوليساريو أيضاً.‏

ـ على الرغم من أن رأيك هذا مجاني لا أشتريه بنكلة عتيقة، سوف أسافر إلى جنوبي لبنان. هناك نماذج جديدة من البشر أريد أن أعرفهم كما أنهم يصنعون لهذه الأمة النائمة حياة جديدة أريد أن أعرفها أيضاً.‏

ـ هذه حياتك.. من حقك أن تختار موتك في المكان الذي تريده، طالما أنك فشلت في اختيار الحياة التي تريدها.‏

ـ لقد أصبحت إنساناً فاسداً كأن هذا الوطن لا يعنيك؟‏

قلت بعصبية مفاجئة:‏

ـ الوطن؟ لا تقل إنك ذاهب للدفاع عن الوطن.. أو إنك ذاهب لبنائه؟‏

ـ ولماذا لا؟‏

ـ بعد أن مات طارق بن زياد أصبحنا من دون وطن. هذه الأمة أمة خرعة. مائتا مليون جثة تعيش فوق تراب منهوب. ما الذي تستطيع أن تفعله أنت؟‏

ـ أنت لم تعد إنساناً يائساً فقط. لقد أصبحت عالة على الوطن. قل لي ما الذي تريده من كل هذا؟‏

ـ قد تستغرب إذا قلت لك إن ما أريده هو عكس ما تريده تماماً.‏

ـ أتدري؟ أنت مخلوق لا يطاق؟ لقد بدأت أندم لأنني عرفتك.. إن لديك قدرة عجيبة على تخريب أنبل المشاعر.‏

تركني في المقهى ثم غيبه زحام الشارع.‏

ما هذا؟ كل الذين يعرفونني يجمعون على أنني أملك قدرة عجيبة على تمزيق الأشياء الجميلة. هل أصبحت مخرّب الأعماق؟‏

لا يعجبني هذا الاستنتاج. كما لم تعجبني الجرأة التي دفعتني لطرحه. تركت المقهى وتوجهت إلى البيت. أحسست بتعب مفاجئ. كان عليّ إن أريح هذه الجثة. غداً ينتظرني يوم حافل يوم من أيام القدر. في المطار.. وقفنا وجهاً لوجه "براءة" وأنا. لفنا صمت خاشع. ما باحتْ بشيء يعبّر عن ألمها.. وما قلتٌ شيئاً يفضح حيرني:‏

ـ وهكذا تسافرين؟‏

ـ هذه أفدح تضحية أقدمها من أجل حبي لك. أنت إنسان جزّار لكنني أحبك.‏

ـ هذا موقف ينضج ميوعة لا مبرر لها.‏

ـ إنه موقف على أية حال.‏

ـ لكنه موقف غامض ومجاني.‏

ـ لست أنت الذي يقول ذلك. طوال عمرك وأنت غامض وبفضل غموضك كان حبنا يدور في متاهة مغلقة.‏

ـ "براءة" هل تحبينني؟‏

ـ أنا أعتقد أن الكلمات مجرد هواء تخرجه الرئة فيحرك الحبال الصونية.‏

ـ هذا ليس جواباً واضحاً!‏

ـ وأنتَ لم تسأل سؤالاً واضحاً!‏

أحسست أن ظليّ بدأ يتكسّر. خسرتُ مع "براءة" معركة القدر. ها هي في النهاية تسافر حاملة على صباح عينيها حناناً كان يدثرني كلما عصفت أعاصير الحياة بي..‏

ـ "براءة" متى تعودين؟‏

سمّرت عينيها في عيني في لحظة خاشعة معزولة عن الزمان والمكان. ثم ترقرقت عيناها بالدمع وقالت:‏

ـ أعود عندما تريد أنت؟‏

ـ أنا لا أريدك أن تسافري. لماذا لا تصدقيني "براءة"؟‏

تطلعت إليّ برهة ثم جففت دموعها وقالت:‏

ـ سوف أصدقك عندما تصدق أنت نفسك.‏

ثم مدت يدها الطرية السمراء وقالت وهي تتصنع الابتسام:‏

ـ أعرف أنك تكره لحظات الوداع وهذا ليس وداعاً، أنت تعيش معي أنىّ رحلت وفي كل لحظة أعيشها.‏

لم أستطع مد يدي.. فأسقطتْ يدها. ونظرت إليّ برهة ثم أدارت ظهرها وتوجهت إلى باب الممر المؤدي إلى باحة المطار..‏

بقيت أرقبها وهي تصعد سلم الطائرة.. ثم ابتلعها باب الطائرة ولم أعد أراها..‏

كانت شمس الظهيرة حارقة.. تميع الإسفلت الأسود.. وأحسست أن شيئاً ما قد همد في أعماقي.. لم أعد أشعر بضجيج الناس. ومرت لحظات لم أكن أرى فيها شيئاً..‏

ها هي "براءة" ترحل أخيراً إلى الغياب الأخير.. رحلت وكأنها لم تكن. لماذا؟ هل صحيح أنني جزار كما قالت؟‏

ضايقني السؤال. لأنه أحرجني. ولأنني بعده لم أستطع العودة إلى نفسي. كانت المدينة تتدلى من النوافذ. رخوة مائعة كثديي امرأة مومس.. هذه المدينة تحتاج إلى بحر كي تغتسل.. أو إلى نهر يشقّ صلبها.. يجب أن تتطهر.. ويجب أن أتطهر.. ويجب أن أتطهر من رجسها.. لابد في النهاية من ذلك..‏

أكره المناطق الوسطى ولذلك بت أكره نفسي.. أنا أقف في المنطقة الوسطى بين العهر والفضيلة.. بين الخير والشر.. وبين الموت والحياة.‏

لا أستطيع الاختيار.. وربما لا أريد أن أختار، يرعبني أن أعرف مكان قبري, وأصاب بالهلع إن بقيت هكذا لقد أصبحت عارياً حتى مني. رحلت "براءة" وها أنا أشعر بوجع من خلعوا عضواً من أعضائه. عيناها كانت تمدني بالعزيمة فأشعر أنني فارس نسيته القرون الوسطى على حلبة هذا العصر الذليل.. ما العمل؟‏

قالت "فائزة" وبريق غريب يلمع في عينيها:‏

ـ تعال إليّ مساء. أريد أن أقضي معك آخر ليلة لي في هذه المدينة.‏

ـ لماذا؟‏

ـ بعد أيام سأتزوج وأسافر مع زوجي إلى القاهرة.‏

ـ أنت أيضاً تسافرين؟‏

ـ ولماذا هذه الـ "أيضاً" هل ودّعت أحداً؟‏

أحسست أنني رجل خائب. فتركتها وحيدة في الكافيتريا التي كنا نجلس فيها. أحسست وأنا أخرج أن عينيها كانتا كفوهتي بندقية مسددة إلى ظهري.‏

وكان هذا آخر عهدي "بفائزة".‏

المدينة تنسى أبناءها.. كما نسيت القرية أبناءها أنا إنسان منسيّ.. ألقتني أمواج النسيان على شاطئ الهلاك. لماذا أطالبُ أن أكون شاذاً عن الطبيعة البشرية؟‏

لماذا أريد أن أكون شاذاً عن هذا النسيج الاجتماعي المتشابك؟‏

هذه شهوة.. لكنها لا توّلد غير الشهوة.‏

بدأ المطر ينزل على المدينة. مطر لا يتوقف. وجسد لا ينتهي.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244