الأبطال يموتون صغاراً ـــ عادل سلوم

رواية ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق ـ 2006

Updated: Sunday, July 01, 2007 02:57 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل التاسع والعشرون

كل السنوات التي مرت من حياتي هنا حتى الآن ضاعت سدى.. وكلما أتلفت ساعة من عمري أتساءل، وماذا بعد؟‏

إن العالم لا يخصني غير أني أمارس فيه الرتابة بشكل مفجع.. وأكثر ما يعذبني أنني أصبحت واحداً من الناس الذين يطلبون كل شيء مقابل لا شيء، وأقايض الحياة والناس طمعاً بالثمن..‏

من يصدق؟ منذ سنوات كانت كل أحلامي أن أعيش في مدينة أبنيتها ملونة وشوارعها مفروشة بالإسفلت ونساؤها عاريات الزنود والحب فيها هو الطعام اليومي لكل الناس، كنت أحلم بكل هذا بعد أن مللت بيوت الطين والقذارة وفظاظة الرجال في القرية.. واليوم أبيع عمري كي أتنفس في تلك المناخات التي تنتصب فيها قامات الصنوبر وتفوح منها رائحة التراب‏

كل الأشياء حولي تتبدل بسرعة.. والأمور تنقلب بطريقة بهلوانية خارقة.. إن الأشياء التي لم أكن أصدق أنها تحدث، هي الأشياء الوحيدة الحقيقية هنا، لكنني حتى الآن لم أستطع التعود على هذه الفجاجة أي أن أصدق ما لا يمكن تصديقه.‏

أصبحت وحيداً بطريقة كريهة.. تمزقت كل الصور الجميلة في رأسي وعلي أن أواجه الأمور وحدي.. منذ فترة طويلة و(أنور) غائب عني، أنه غارق حتى أذنيه في حب عجيب، كأنه يحب شبحاً لا وجه لـه ولا مكان وربما كانت كياناً من خارج الزمان.. لم يمن يعيش ساعات الوجد التي تستحق العاشق كان يحب بطريقة لم يصدقها ولم يكن هو نفسه يجد تبريراً لها، لكنه كان يفلسف حبه ويعطيه شحنة من المبررات لا يقبلها عاقل:‏

ـ هذه الفتاة اشتهيتها كما لم أشته امرأة في حياتي، وهذا يعني أنني أحبها حباً حقيقياً خالصاً.‏

ـ أنت تشتهي كل امرأة تصادفها في الطريق. (أنور) أنا لا أصدقك.‏

ـ لا يهمني، هذه الفتاة أصبحت جزءاً من قدري.‏

قدره؟ لم أعد أؤمن حتى بالأشياء التي يقول عنها أنها حقيقية وواقعية بل إن هذه الأشياء كثيراً ما تثير قرفي، هل اختلفت كثيراً عن (أنور) وعنهم جميعاً؟‏

لماذا أحيط نفسي بهذه الطقوس الجنائزية عن الأخلاق والقيم وأنا لا أشعر بالمتعة إلا عندما أكذب في أبسط الأشياء؟ أمارس الجنس بنفس البساطة والعفوية التي أذهب بها إلى عملي من دون إحساس بالندم والإثم.. لقد سقطت، نتيجة لذلك، كل الشهوات التي كنت أحبها وأحلم بها.. لم أعد أؤمن بالمستقبل لأنه انتظار غير مجد.. ترسب في أعماقي يقين فظ أنني إنسان من دون مستقبل وأصبح الحب بالنسبة لي مشكلة حقيقية فأنا أحب (براءة) لكنني لا أطيق فكرة الزواج..‏

ولماذا يجب أن أتزوج؟‏

أريد أن أحلم.. أن أنتظر شيئاً لا أعرفه، قد تكون أحلامي من النوع الذي يسميه الفلاسفة أحلام اليقظة... هذا لا يهم، أنا سعيد بهذه الأحلام لأنني من خلالها أنصب نفسي ملكاً على العالم، أحاكم المرتشين، وأعدم الخونة وأجلد المخنثين وأقدم الطعام للجياع مجاناً وأعطي مسكنا لكل إنسان وربما أساعده على امتلاك سيارة... حساباتي في أحلام اليقظة لا تخطئ أبداً كلها تولد وأنا أرقب الناس من زاوية ضيقة من خمارة أو مقهى.‏

في أحلام اليقظة أسافر إلى أجمل بلاد الدنيا، أتعرف على النساء الجميلات وأضاجعهن في بيوتهن الأنيقة ثم أبصق عليهن وأعود إلى بيتي في دمشق.‏

من قال إن أحلام اليقظة هي تصورات إنسان مهزوم؟ إن أحداً لم يهزمني بعد لم أنازل أحداً، هذا ميدان الصراع.. منذ ولدت وأنا أجول فيه كالثور الهائج، لكنني لم.. هذا إفك رخيص فيه الكثير من الفظاظة أيضاً، إنني أكذب على نفسي لأنني مهزوم في أعمق أعماقي.. هذه خيبة جديدة تضاف إلى كل أحاسيس العفن في صدري.‏

لو أنني ألقى (أنور) لوجدت إنساناً أشكو إليه، منذ عشرة أيام وهو غائب عن البيت والعمل والجامعة.. بحثت عنه في كل مكان أعرف أنه يرتاده، سألت عنه جميع أصدقائه الذين أعرفهم، لكن عبثاً.‏

شعرت بانزعاج فظيع. خفت أن يكون قد حدث لـه مكروه ما خاصة وهذه أول مرة يغيب فيها عن البيت، لقد تعودنا على تأخره لكننا لم نتعود على غيابه.. فجأة فكرت أن أتصل بالشرطة، لكن هذا التفكير لم يدم طويلاً، هذه تفاهة مني. استلقيت على سريري ورحت أحدق في السقف ببلاهة ساعات طويلة عندما دخل (أنور) حدقت في وجهه برهة وصرخت به وإن كنت في أعماقي أتمنى أن أعانقه حباً وشوقاً:‏

ـ أين كنت أيها المسطول؟‏

تثاءب بشرود ثم قال دون أن يجيب على سؤالي:‏

ـ ألا يوجد في هذا الوكر ما يؤكل؟‏

أسرعت إلى المطبخ وأحضرت لـه بعض الطعام، وكررت:‏

ـ لم تقل لي أين كنت، أوشكت أن أتصل بالشرطة للبحث عنك.‏

قهقه بخلاعة وأعلن وفمه ملي بالطعام:‏

ـ لم يكن ينقص إلا هذا. لو أنك فعلت هذا كنت أديت لها خدمة على طبق من ذهب:‏

ـ أديت لها؟ من هي؟‏

ـ تلك المسطولة التي .. التي كنت أحبها.‏

ـ كنت تحبها؟ ما الذي جرى؟‏

ـ تريدني أن أتزوجها لمجرد أني ضاجعتها ليلة واحدة.‏

ـ ضاجعتها؟ يخرب بيتك.. هل، هل .. أعني أليست فتاة؟‏

ـ كانت فتاة..‏

ـ أخ يا حمار.. لقد وقعت هذه المرة.‏

ـ لقد تم كل شيء بموافقتها.‏

ـ هل تريد أن تقنع العالم بهذا المنطق الأخرق؟‏

ـ إن العالم لا علاقة لـه بغرائزي..تصور أن يتدخل أحد بذلك؟‏

ـ ولكن كيف ستتصرف. ثم أين كنت طوال هذه المدة؟‏

ـ لست أدري كنت أتشرد وأفكر. يبدو أن الأمور سيئة للغاية هذه التافهة سببت لي الكثير من الإزعاج.‏

ـ (أنور) لقد ارتكبت خطأ فظيعاً. كان عليك أن تفكر كثيراً قبل الإقدام. تصور الأمور كيف ستكون إذا عرف أهلها.. هنا يذبحون الفتاة بنفس البساطة التي يذبحون فيها دجاجة. قل لي كيف ستواجه هذه المشكلة؟‏

حدق في وجهي قليلاً ثم أعلن بتردد:‏

ـ لا أعرف إن كان علي أن أخبرك بالأمر لكنني سأفعل، ولكن لا تقلق سأواجه الأمر وحدي بشجاعة.. الموضوع باختصار إنها إحدى زميلاتي في العمل، موظفة معنا، جميلة لكنها تافهة أحببتها لأنني اشتهيتها، كانت تغريني بطريقة لا أعرفها ولا أحتملها.. بدأت أكذب عليها حتى أنالها وقد جعلتها تصدق كل القصص التي رويتها لها.‏

سكت قليلاً وعلت شفتيه بسمة عجيبة ثم قال بشرود كأنه يسترد نفسه:‏

ـ سحرتها بكلمات لا أعرف كيف كنت أنتقيها، لم أقل لها إنني ابن فلاح لأنها كانت تحتقر كل فلاحي العالم.. لقد ساءني ذلك في البداية لكنني تناسيت الأمر، تناسيته بعد أن أقنعتها أنني من مدينة حمص وأن والدي واحد من رجالات المدينة المعروفين بثرائهم، أنت تعرف طبعاً أنني لا أعرف مدينة حمص إلا على الخارطة.‏

أشعل سيجارة وهرش رأسه قليلاً وأعلن مستاء:‏

ـ تفوه.. المجتمع لا يحتاج إلا إلى طبيب بيطري يملك ملايين المسامير ثم يقوم بعملية تركيب (حدوات) للجميع ثم .. هش... دعني .. لقد مللت..‏

نبرت بصوتي وقد شعرت بغيظ مفاجئ:‏

ـ تابع (أنور) ما الذي حدث بعد ذلك؟ إن الأمر ليس بالبساطة التي تتصورها، يجب أن تواجه العالم كله نتيجة لما قمت به.‏

ـ لقد ضاجعتها وانتهى الأمر.‏

ـ الأصح أن تقول إنك غررت بها وانتهى الأمر.‏

ـ ما هذا؟ لقد بدأت تهذي كالأجذب.. لماذا لا تقول إنها غررت بي، من الذي أوجد هذه الأعراف الحقيرة؟ لقد ظلت طوال ستة أشهر تغريني، رأيت ساقيها وملابسها الداخلية عشرات المرات.. ماذا تظن؟ هذه أعصاب حية أستاذ وليست جذوراً ميتة، أنا لا أعرف من القائل (عندما يثور الجسد تنهزم الأخلاق) لكنه كلام شجاع، لهذا أنا أعتقد أنها مسؤولة عما حدث، مثلي تماماً.. نحن متساويان ويجب أن أحاسبها عن كل العذاب الذي سببته لي خلال عشرة أيام.‏

ـ دعني أسألك، لماذا لم تكتف بمداعبتها، أعني أكان من الضروري أن تعتدي على عفافها؟ زعق بوجهي:‏

ـ تفوه.. إني أبصق على كل مفاهيمك، لقد أصبحت تتحدث كواحد من مشايخ القرية، هذا مؤسف للغاية.. نحن لم نعد نتحدث لغة واحدة.. أتدري، عندما ضاجعتها لم أكن ضمن حدود الزمن، خيل إلي في لحظة أنني أضاجع جميع نساء المدينة، وأنني أقبل جميع اللواتي يشعرن بالقرف من رؤية الفلاحين، كنت أضاجعها وفي داخلي جميع الغرباء والمنبوذين في المدينة الذين تطاردهم لعنة لا يعرفون سببها، لا تحدق بي كالأبله هكذا، أنا لا أشعر بالندم، عندما ضمنا سرير واحد كنت أتطلع إلى عينيها وأحس أنني أمد رأسي من كوة مطلة على الجحيم، كان في عينيها شيء يتحداني، وقد قبلت التحدي.‏

لقد أصبح (أنور) مخلوقاً لا ينتمي إلى العالم الذي أعيش فيه، يعتقد أن أشياء فوقية لا تعرفها المخلوقات العادية، يريد من الآخرين أن يكتشفوه كأنه علامة بارزة في حياتنا.. أثر تاريخي لـه قيمة عظيمة.. كل هذا لا معنى لـه، من يهتم بالتاريخ أو بالأشياء العظيمة، إن (أنور) غرر بفتاة ما قادها إلى حظيرة نسائه الأخريات بكلمات معسولة منمقة، ثم جاء يفلسف الحياة والجنس والتاريخ، وأنا لا أهتم كثيراً بالعفة والأخلاق وجميع المترادفات السخيفة التي يجترها الناس، لكنني أعرف أن (أنور) يريد، بطريقة ما، أن يتحدث الآخرون عنه.. أن يستمر في حياتهم بطريقة فيها الكثير من الأنانية والتعصب، يريد أن يخلق تاريخه الشخصي بنفسه وعلى الآخرين أن يخلدوا هذا التاريخ، أنا شخصياً ليس لدي وقت للإصغاء إلى هذه المهزلة، كل صفحات التاريخ لم تعد تساوي كومة قمامة.. وكل عظماء العالم أصبحوا صوراً باهتة معلّقة على الجدران في دمشق.. من يهتم بالماضي ومن يعمل للمستقبل؟ لا أحد، وهذا الأهبل يريد أن يدوس الأكاذيب والحقائق معاً ليصل إلى .. إلى أين؟‏

ـ أنور.. لقد تغيّرنا بشكل كريه.. خنّا مبادئنا وأهدافنا، ما الذي جرى لنا؟ أصبحنا مخلوقات أخرى.. عندما كنا نسمع عن هذه الأمور لم نكن نصدق وعندما كنا نقرأ عنها في الكتب لم نكن نؤمن بما نقرأ.. كنا نظنها خيالاً عاهراً.. ماذا جرى (أنور)؟‏

لوى وجهه بحركة بائسة وقرر:‏

ـ هذا سؤال لا معنى لـه، عندما كنا نشاهد الغروب في القرية كنا نظنه دما مسفوحاً على وجه السماء ثم يهل القمر فنصلي أمام روعته وقدسية جماله.. ماذا حدث بعد ذلك؟‏

معتقداتنا كلها خاطئة.. يجب أن نتحرر من خلال الجنس، من خلال المرأة وطالما ظلّت الحصون والتقاليد قائمة بيننا وبين الحياة الحقة، سنظل معقدين مفككي الشخصيات، أرواحنا سقيمة نتصرف دائماً بارتباك حتى نصل إلى ما وصلت إليه أنا وما ستصل إليه أنت مع (براءة).‏

ـ براءة حبيبتي وليست محطة عابرة في حياتي.‏

ـ لا تصدق هذا إنك تخدع نفسك.. أنت تعيش في جحيم لو لامس الصخر لتفتت من الأنين.‏

أحياناً يستطيع (أنور) الولوج إلى أعماقي إلى حد لا يصدق، تمنيت في تلك اللحظة أن أقول لـه (إن براءة لم تعد حبيبتي، أصبحت الغول الذي يريد أن يفترس العنقاء. أجل إن الأمور معها مقلوبة لكنني لن أبقى قابعاً في مكاني كالأبله، سأهرب من طريقها، لقد حمّلتها من الآلام أكثر مما تستطيع احتماله، لم أقصد أن أفعل ذلك بها، لكنها تعتقد أنني أهنتها ولا تبرر لي أي تصرف من تصرفاتي، سوف تشحذ أظافرها قريباً، لكن عنقي لن تنام تحت أي مخلب)‏

في تلك اللحظة أحسست أن ذهني أصبح قاطعاً كحد السكين، أحسست بتوثب في أعماقي تمنيت أن أصارع، أن أتحرك، أن أفعل أي شيء غير هذا السكون المقيت بيننا:‏

ـ أتدري (أنور).. هذه ليلة طيبة.. في مثل هذه الليلة يخيل للإنسان أن الصعود إلى السماء شيء ممكن.‏

ـ لست مهتماً بالذهاب إلى هناك.‏

ـ أنا لا أريد أن أفقد إحساسي بأن الأمل شيء ممكن، يجب أن نخضع الحياة لإرادتنا بطريقة أو بأخرى، يجب أن نهزم الفقر والقهر ونتخلص من أحاسيس الجبن والارتباك أمام المرأة، وأعتقد أنه من واجبنا أن نضع قوانين جديدة للنضال والأخلاق.. قل لي أنور، هل تستطيع؟‏

ـ لم أفكر بذلك من قبل، إن الأمر لا يعنيني،أريد أن أعيش حياتي بطريقتي ووفق قناعاتي دعك من هذا.. من يستمع إلى حديثك سيؤكد أنه لا تنقصك غير الجبة واللحية والصوت الهادئ حتى تكون نبياً.. قل لي هل هذا يسليك؟‏

ـ يسليني؟ أتدري أنور؟ في هذه اللحظة أتمنى أن أموت. كل المبررات التي أعيش من أجلها انهارت فجأة. لم يعد ثمة شيء يستحق أن أتعب من أجله.. علاقتنا مع هذه المدينة لم تعد علاقة إنسانية، ووجودنا هنا نوع من العهر الاجتماعي، ماذا تريد أن تثبت ولمن؟‏

ـ لماذا لا تنتحر؟‏

ـ أنتحر؟ أنا أجبن من أن أفعل ذلك.‏

ـ عليك أن تسكت إذن.. منذ نيف وعامين ونحن نفلسف الأمور بشكل رديء. لا نستطيع أن نعيش وحيدين، ولا نستطيع أن نعيش مع الآخرين، ماذا تريد؟ كنا في القرية نؤمن بالله، لكن الوحدة كانت تطحننا.. وفي المدينة نسينا الله وما زلنا نحس الوحدة والانسحاق..‏

في القرية كان الكبت والشوق إلى المرأة يذبحنا.. وهنا، من خلال الفجور الجنسي والانفلات القطيعي أصبحنا أسرى المجتمع ورقابته ومقاييسه.‏

هربنا من القرية، وسنهرب من المدينة، ولكن إلى أين؟‏

ليس هناك جنة ولا جحيم هناك دائماً الآخرون، والآخرون ليس أنت أو أنا، والجدار قائم دائماً والتعاسة قدرنا.. دعني، أريد أن أنام..‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244