نساء جميلات... نساء كالأحلام ـــ باسل عبد الله

شعر ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق ـ 2006

Updated: Sunday, July 01, 2007 03:35 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

سيدة المهازل

1‏

جرس.. جرس.. جرس‏

لمهازل الأمنيات‏

للحمقى.. لأنصاف الحمقى‏

للمساكين..‏

لا شيء خارج هذي الظلال‏

لا عجوز لبيع الياسمين‏

إنها حدائق الرماد‏

وما تبقى للرماد من السنين!‏

2‏

لمدينة السراب والذهب‏

شارع طويل‏

حوانيت وبغايا‏

أرصفة عتيقة‏

ظلال النواح!‏

3‏

سيدة المهازل تبتاع حقيبتها‏

من أصدأ المرايا‏

وكل ما في الحقيبة سلالة فاخر المتاع‏

ستائر معتق السنين،‏

رياح الليالي،‏

مطر العتمة،‏

أساور خريفها،‏

إنها تقترب من حقيقتها‏

تضع في شرفة الحلكة‏

ألف زهرة من يابس الجذور‏

تبتعد في شحوب الدموع‏

4‏

لسيدة المهازل كبرياء الخرافة‏

وظلال الرماد‏

ها هي في قناع الشحوب‏

وبياض بارد الشموع‏

تتبع أعطيات مساءاتها في أزقتنا الضيقة‏

لماذا كلما دلفنا في الدروب العتيمة الصغيرة‏

/هنا حفرة لوحل الهباب‏

هناك نتوء قاس وأبواب الحديد/‏

إلى منزلك الواطئ يا سيدة المهازل‏

/تهبط إليه سبع درجات صوب القاع‏

تروح تصعد السلم الحلزوني من آجر التهدم/‏

يغلفنا الصمت وينثر فوقنا‏

يابس الزهور؟‏

هذا انهيار البطء في حياتنا‏

فلم لا أفتأ يا سيدة المهازل استغيث بصمتك اليابس؟‏

كل شيء خارج دارنا الواطئ بالغرف السبع المعتم‏

تغلفه ظلال الموت والذكريات؟‏

نعم.. لم أغادر أزقة السراب‏

لم أر شلال المدن‏

رأيت زعيق الشتاء‏

عدت إلى جدار الكلمات‏

ألصقت على حائط القنوط باهت الأمنيات‏

وسيدة المهازل تفتح حقائبها‏

تضع في كيس الملح صدأ الذاكرة‏

حيث الأب قبل الذهاب رمى ماسة البريق‏

لكنه ملح..! كل ما في كيس السنين ملح!!‏

فملح على الدموع والجدار!‏

5‏

سيدة المهازل‏

تتبع خيط الدماء إلى آخر المنازل‏

تقرع الباب في آخر الليل‏

آخر الشارع القديم‏

هذا منزل عتيق لطخه سخام الدم‏

تقرع ولا من مجيب‏

وكأنما النحيب‏

وهوهة الرياح في المقابر القريبة!‏

سيدة المهازل لا تخاف ظلال الأشباح والموتى‏

أصابع الفولاذ‏

تقرع باب الدار‏

حتى قبل الصباح‏

ولا من مجيب!!‏

لن يلمسها ضوء النهار‏

وإلا فار التنور‏

ووقع المحذور‏

نار بلا نور..‏

هي تغادر صدى الدقات‏

تقفل قبل قارب الزمن‏

تخطو في المدينة الظليمة‏

مدينتنا.. مدينة الذهب!‏

تدخل غرفتها، تسدل الستائر الثقيلة‏

وكما في المنازل‏

قبل أن يطلع النهار‏

تزيح الغطاء عن تابوتها المختار‏

تتمدد بوجه الشمع‏

بأصابع الانطفاء‏

تجذب عليها الغطاء‏

صمت للنهار‏

لكن النهارات غادرت منذ السحيق‏

مدينة الذهب‏

إلاّ أن الحذر وجب‏

وإلاّ وقع المحذور‏

وفار التنور!‏

6‏

ألا ترى سيد الموت يأبى‏

أن يعزي أمنا الكبيرة‏

بشلالها من اللآلئ السوداء‏

والنواح؟‏

ألا ترى ضباع السهوب‏

بعوائها للقمر؟‏

مطر على الأرض‏

مطر..‏

لا مطر..‏

أنّى لمدينة السراب‏

والذهب والذهاب‏

من مطر..؟!‏

7‏

هناك عبر حافة الغبار‏

هل تفتح سيدة المهازل بابها الثالث؟‏

ها هي بأصابع التردد تدني من القفل‏

المفتاح، تديره مرتين‏

وتدفع.. يرتد الباب بصرير ثقيل:‏

بخار أعجف،‏

كلاب عمياء سائبة تجول على‏

غير هدى في مستنقع السنين هذا..‏

ـ هل أمطرت قبل قليل؟‏

سيدة المهازل اندفعت واثقة‏

تطأ الرماد‏

هناك سراديب متاهات،‏

ضوء شحيح المدى!‏

هل غادروا؟‏

هنا لا أحد‏

إلا صرير الجنادب وعواء الكلاب!‏

بإصبع تشير للسيد الزمن‏

ثم تسحب ظلال الأصابع‏

يمحى كل شيء في أهواج الدوامات‏

وكعاصفة تبكي وتستدير‏

تسقط حقول، مبان،‏

أرصفة ومدارس، مقاه،‏

جنود صامتون!‏

ها هي تقرع كفيها‏

يأتي النادل الشاحب، ينحني هامساً:‏

ـ أخذوا كل شيء، لم يعد هنا ما يستحق‏

العناء.. انصرفي أو اجلسي، سيان!‏

لا أبغي نقوداً فميعاد نومي الآن!‏

وهي التي تدرك ما يجري‏

ترقب فتى وفتاة يمضيان إلى البعيد‏

تنادي: هيه.. أنتما!‏

لكنهما اختفيا وراء منازل الشمع‏

خلّفا أبواب الكنائس البيضاء‏

(كان السيد "ب" النحيل وحدَهُ‏

قد نجح في مغادرة المدينة‏

بعد أن دفع تذكرة للخروج‏

فتاته البدينة)‏

ـ الوحيد الذي خرج!؟‏

تمر ثلة من الجنود‏

ـ هيه.. أنتم الذاهبون إلى الخلود‏

قبلاتي، لا أملك زهرا أنثره فمعذرة!‏

يستدير جندي ويمضي إليها‏

يضع بين الأصابع الهرمة رصاصة النسيان،‏

فارغ الابتسامات ويومئ‏

يتحلق الجنذ حول سيدة المهازل‏

يصوبون بدقة: يطلقون..‏

يسقطون.. /واحداً بعد الآخر/‏

يسقطون‏

تنحني محيية وتجني خامد الرعشات‏

تحاول أن تمضي إلى الجنود‏

ـ قرع الجرس! قال السيد الزمن‏

تنكفئ عائدة إلى مستنقع السنين‏

وعاد كل شيء نائماً في الطين‏

قالت للدهر:‏

ـ نم هنا!‏

وأغلقتْ وراءه باب هوة النسيان‏

خرجت إلى قارس الأمان‏

باهت الحدائق‏

ها هنا صمت،‏

جليد نعيب،‏

ظلام ودخان!‏

وهكذا فالحذر قد وجب‏

وإلاّ وقع المحذور‏

وفار التنور!‏

8‏

تنفتح الأصابع جناحي صرصار‏

وتستدير الرياح صوب الأجراس المهجورة‏

يهبط ابن قلابه سنين الفراغ‏

تمور عواصف الدموع‏

فتاة عبر خابي النظر‏

تهمي عبر كامد الحقول‏

هنا لا مطر في مدينة الذهب‏

سيدة المهازل تشحذ صدأ شموعها‏

توقظ أغبى الفكاهات‏

تلتفت إلى باهت القوانين‏

تحوك اخطبوط القنوط:‏

(اصطففنا في الساحة العامة‏

في ليلة بلا قمر‏

حطمنا مرايانا الصغيرة والكبيرة‏

جززنا شعر أطفالنا‏

وانكفأنا في رقص هرم‏

غطتنا سحابة غربان)!‏

9‏

آخر الليل‏

قبل أن يستيقظ وهم نجمة الفجر‏

يخرج الهرم من حانة الوصايا‏

متباطئاً بعينين كليلتين‏

ـ عمتم مساء سيدي!‏

يخرج صوت النادل الشاحب:‏

ـ عمتم مساء.. عمتم مساء..!‏

يرد الباب في بطء‏

ينثني يذرع طوار أقصى المدينة‏

لا الصمت غريب‏

ولا رائحة لعشب البحر البعيد!‏

10‏

أنا كل ليلة أنتظر رجالاً قصيين‏

ونجمة على رمال بعيدة‏

هو لا مطر في مدينة الذهب‏

لكني اقتربت من سراب غيمة‏

فإذ يغفو ظل شبح قمر شتاء‏

أسعى في الطرقات القديمة‏

يسير الرجال العمي حولي‏

لا ضجيج هنالك ولا نشيج‏

إلا ولولة السيد الزمن يهمي صوب‏

عجائز ودودات في جبال الذكريات:‏

هل أرى سيدا منيعا هذا الناحل‏

بسبع قبرات يبيسة في القلب‏

حيث كان أو لم يك هناك قلب‏

بعيني أسى رقيق‏

بلا رمشة جفن أو خفقة قلب‏

بوجه شاحب؟!‏

11‏

سيدة المهازل خرافة امرأة كانت تعشق المرايا‏

عانس في منتصف حلقة رجال جامدين‏

قرب عجائز في عويل وحدة آخر‏

ما تتحطم عليه الروح:‏

توجس النهاية،‏

نحيب اللقالق في فجر قصي بمدينتي العتيقة،‏

إغفاءة الصغيرة..‏

(شبح الصغيرة)‏

في دامس الليل‏

قرب جد ثمل لعين‏

(شبح جد)‏

رعب قبل حالك/ منتصف الشتاء!‏

12‏

هي تغادر الآن آخر المسافات‏

تحوك بين كفيها شباك العناكب‏

وتدفع باب الذكريات:‏

شاحب هذا الصبي‏

فما بال الراكض في يابس المروج‏

يقعي قرب دخان مدفأة قديمة‏

وتنشر الليالي العتيقة‏

سحر السنين الخوالي،‏

ظلال همس الجواري،‏

رائحة البخور والغمغمات العجيبة!‏

آه.. نافورة الباحة مهجورة‏

شجر خريف، بائس الأمنيات!!‏

13‏

كنا نسير على نبض الرجال‏

الخامد‏

الذين هم هناك‏

دونما أمل بالعودة!‏

(أيها الجندي تحت قمر جبل الثلج‏

اسمع اسمع اسمع‏

أغاني النجوم!)‏

قال: دع لديها رسالة‏

ولا تنتظر الجواب!‏

فعلت ذلك ولم يك ثمة جواب..‏

(أيها المحكوم بالإعدام هناك في الغرفة الحمراء‏

اسمع اسمع اسمع‏

أغاني النجوم!)‏

ذاك أنا رجال السراب‏

لا نعرف إلا بعضنا‏

ولا يرانا أحد‏

لم نعد من هنا‏

لم نعد من هناك‏

عندما أرادوا الاقتراب منا‏

أغلقنا ليل الصحراء علينا‏

فما أتوا‏

بل زادوا على الأقفال قفلاً ومضوا‏

ها أنا وحدي قبل النسيان‏

أتيت.. ولكني سأعود!‏

14‏

هي تفتح أدراج الخرافة‏

تفتش عما ليس فيها‏

ريح القنوط.. ظلال يأس واستسلام..‏

هي لا يهمها ما فينا‏

لكنها ترى وتخفي هزيل ابتسامها..‏

قوافل صبية عور‏

تمخر ليل صحراء القنوط والسراب‏

وهو الرماد ينهض فينا‏

فنقفل باب الدار علينا‏

روح غريبة عبر حائط الظلام‏

جميزة يابس السنين‏

ولا خدش على وجه رخام النوم والأمنيات‏

سحناتنا حيواتنا‏

لا رعشة في بارد الأمسيات‏

حجر أيامنا‏

في مدينة الذهب‏

يابس هواؤنا‏

ناحل عشب البحر البعيد..‏

15‏

(ـ عد من جديد‏

غص في قرارة اللاعودة‏

اذهب إلى حيث ذهبوا‏

لن تكون هنا‏

هذا ليس مكاناً لأحد‏

هذا باب نهاية‏

باب يأس وذكريات‏

وبعد، أنت مجرد شبح،‏

جندي جنوب،‏

قبعة في تابوت،‏

دموع سوداء فوق أرض صامتة بعيدة!!‏

يشيل يده صوب ماء‏

يستقل قارب الوداع‏

ـ أليس ثمة فلس لي؟‏

لا يجيب..‏

يخطو على موج ليل قارس‏

بكاء شحاذين‏

صمت سجين أبد...‏

..................‏

.................‏

نسيم يأتيه من بعيد‏

حفيف أشجار أرز...)‏

16‏

(أيها الشهيد في عراء ليل الجنوب‏

اسمع اسمع اسمع‏

أغاني النجوم!)‏

17‏

أوز في غابة الثلج والنخيل‏

مطر مساءات رجال خوذ وحراب‏

للصمت، آخر العزلة،‏

خبز قنوط!‏

هو آخر ما قبل بحر الصحراء‏

آخر صحراء قبل بحر‏

آخر بحر قبل نهاية كامد الأماني‏

(جرس.. جرس.. جرس)‏

آخر أمنية نسيان‏

قلعة هرمين/ مدينة‏

الذهب‏

معقل سيدة المهازل!!‏

1985‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244