ماء ودماء ـــ سامر أنور الشمالي

قصص ـ منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق ـ 2006

Updated: Sunday, July 01, 2007 03:58 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

لدينا جميع أنواع اللحوم

(1)‏

لم أكن أحس بالجوع، ولكنني دخلت المطعم كي أبدد الضجر الذي ينتابني، وذلك بعدما استرعى انتباهي جملة جديدة فوق مطعم (قمة القمم).‏

قرأت (نقدم جميع أنواع اللحوم). فأمرت السائق بالتوقف في مرآب المطعم.‏

* * *‏

بعد جلوسي إلى طاولة شاغرة، اقترب مني النادل بتهذيب مبالغ فيه، ينتشر عادة في المطاعم الباذخة.‏

ـ أمرك سيدي.‏

قال، فسألته وأنا أشعل سيجارتي:‏

ـ أحقاً تقدمون جميع أنواع اللحوم؟‏

ـ بالطبع يا سيدي.‏

ـ أريد قطعة لحم مشوية من ذنب ديناصور!‏

قلت مازحاً، لكن النادل لم يدهش كما توقعت، بل قال بهدوء:‏

ـ عن إذنك لثوان.‏

بعد قليل. عاد النادل ومعه المسؤول عن الوجبات الخاصة، انحنى الأخير قائلاً باحترام:‏

ـ طلبك موجود سيدي.‏

قلت متأففاً:‏

ـ ماذا تنتظرون؟! ‏

قال المسؤول عن المطبخ بجدية شككت فيها:‏

ـ ثمن هذا الصحن مرتفع جداً.‏

ـ منذ متى ناقشتكم بالأسعار!؟‏

قلت صارخاً، مدعياً الغضب. فقال المسؤول عن الوجبات الخاصة:‏

ـ أرجو المعذرة يا سيدي.. فطلبك هذا خاص جداً.‏

قلت متابعاً التحدي:‏

ـ احضر لي طلبي حالاً.. ولا تهتم بالمال.. فلدي أموال تكفي لشراء قطيع كامل من الديناصورات.‏

ابتسم المسؤول عن المطبخ بخبث، وقال بثقة لم ترق لي:‏

ـ أيمكن الانتظار لمدة نصف ساعة.. فلحم الديناصور يأخذ وقتاً طويلاً حتى ينضج.‏

ـ حسناً.‏

ابتعدا وهما يتباريان بالابتسام.‏

* * *‏

أحسست بأنني قد أوقعت نفسي بمأزق يمكن الخروج منه، فلا شك أنهم سيحضرون لي أي قطعة لحم ويدعون أنها لحم ديناصور كي يسلبوني الكثير من المال.‏

* * *‏

عاد النادل بعد نصف ساعة بالضبط، وبيده صحن مغطى، وعندما وضع الصحن على طاولتي نزع الغطاء الذهبي فبانت قطعة لحم سوداء قاسية.‏

ـ أهذا لحم الديناصور؟!‏

تساءلت بدهشة. فأكد النادل بثقة:‏

ـ أجل سيدي:‏

وأردف باسماً:‏

ـ بإمكانك أن تتأكد من طعمه المميز.‏

فقلت مدارياً إحساسي بالخيبة:‏

ـ انصرف.‏

ـ أرجو لك شهية ممتازة.‏

أضاف النادل، وهو يتراجع بظهره ويبتعد.‏

* * *‏

تناولت السكين والشوكة، وبصعوبة قطعت قطعة لحم صغيرة وضعتها في فمي. كان مضغها يحتاج إلى اللوك كثيراً، ومع ذلك تناولت كل ما في الصحن من لحم الديناصور، فلقد كان طعمه لذيذاً بالفعل. وهذا استغرق أطول وقت قضيته في حياتي في أكل ما في صحن واحد.‏

* * *‏

استدعيت النادل، وطلبت الحساب، فناولني ورقة تحوي رقماً أمامه ستة أصفار، ولم أكن بالطبع أحمل هذا المبلغ الكبير، فحررت لـه شيكاً، وانصرفت غير نادم، فالأمر طريف جداً.‏

(2)‏

في اليوم التالي عدت للمطعم. اقترب النادل مني بابتسامته الرتيبة، وقال هازاً رأسه:‏

ـ لا شك أن لحم الديناصور نال رضاك.. وتريد صحناً آخر.‏

قلت متحدياً:‏

ـ بل أريد لحماً من نوع أكثر ندرة.‏

تساءل النادل ببساطة:‏

ـ تريد لحم حيوان انقرض قبل الديناصور بألف سنة على الأقل؟‏

قلت بخبث، وقد برقت في ذهني فكرة خبيثة:‏

ـ بل لم ينقرض بعد.‏

اتسعت ابتسامة النادل وهو يغمزني بعينه:‏

ـ إذا كان الأمر كذلك فالأمر أبسط مما تتخيل.‏

قلت لمجرد أن أفاجئه:‏

ـ أريد رأس إنسان.. بل وفتاة جميلة.‏

طلبت الرأس لأنه لا يمكن أن أخدع.‏

استغربت من النادل لم يصعق لطلبي، أو يستدعي الشرطة، بل همس قائلاً:‏

ـ سأعود بعد قليل.‏

ـ هل تريد استدعاء مدير المطعم؟‏

سألته، فقال النادل:‏

ـ لا سيدي.. فلقد أصبحت منذ الأمس زبوناً خاصاً.‏

* * *‏

عاد النادل بعد قليل وهو يحمل صحناً مغطى وضعها على المائدة متعمداً إظهار الحرص، ثم نزع الغطاء الذهبي، فظهر رأس مطبوخ بشكل جيد، حتى أنه لم يفقد جمال تقاطيعها، خاصة أن الماكياج من الكريمة، ومزين بالخضار والفواكه.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244