|
||||||
| Updated: Sunday, July 01, 2007 03:58 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
لم يعد ضيفاً (1) أكد لي الضيف منذ جلسته الأولى أنه يعرف أبي جيداً، وأن جدتي أرضعته من حليبها وهو صغير في المهد. وقد قصد من هذا الحديث ـ الذي يزعم صحته ـ أنني وإياه أقرباء بالرضاعة. لهذا لم أجد من اللائق أن أسأله عن سبب زيارته المفاجأة دون سابق موعد، برغم أنني أجهله تماماً. فعاداتنا العريقة علمتنا إكرام الضيف لمجرد كونه ضيفاً، بغض النظر عن أية اعتبارات أخرى. وصادف أن وقت زيارته كان ظهراً، فدعوته إلى الطعام، فتقاسمنا الخبز والملح. ولأن جلسته طالت دعوته لتناول العشاء. وبعدما طالت السهرة ـ استحييت أن أقول لـه إن الزيارة طالت أكثر مما يجب ـ فدعوته أيضاً للبيات في منزلي، وجهزت لـه فراشاً وثيراً، وأغطية من النوع الفاخر. وكنت متأكداً تلك الليلة أنه سيغادرنا صباحاً، فتعود مسيرة منزلي كسابق عهدها. (2) شكت زوجتي المتذمرة، وأولادي المتأففون، من الضيف. فهم لم يعودوا قادرين على التصرف بحرية في المنزل. ولم أكن أقل منهم ضيقاً، فلم أعد أستطيع مغادرة المنزل كي لا أترك الضيف الغريب مع أفراد أسرتي. فلجأت إلى طرده بطرق غير مباشرة، كأن أعبس بوجهه، أو أتجاهل حديثه، وأيضاً لم أعد ألح في دعوته للطعام. ولكنه لم يعر الأمر الأهمية التي كنت أفترضها، فلم يعبأ بذلك؛ بل استمر كعادته في الضحك بصوت عال ولو لم نشاركه، أو الاستفاضة في الكلام حتى لو لم نحادثه، أو الجلوس إلى مائدة الطعام دون أن ندعوه. (3) انتهت إجازتي فلم أجد بداً من العودة إلى العمل وترك الضيف مع أسرتي طوال النهار. وبمرور الزمن ألفت أسرتي وجود الضيف. حتى أن الأطفال صاروا يلعبون معه ـ كأنه أحد الأقارب ـ وقد يطالبونه بأن يقص عليهم من حكاياته التي لا تنفد، أو يساعدهم في إعداد فروضهم المدرسية. كما اعتادت زوجتي أن تظهر أمامه بثياب النوم، وتقوم بالأعمال المنزلية على مرأى منه دون حرج، حتى أنها بدأت تطلب منه أن يساعدها في ترتيب المنزل، أو تقشير البصل. بل كان يقوم ببعض الأعمال المنزلية أو يعتني بالأطفال أثناء غيابها عن المنزل. وقد تنبهت أن أولادي أخذوا يشكون بعضهم إليه ليفصل في خلافاتهم الصغيرة. بل عندما حدثت مشكلة طارئة بيني وبين زوجتي شكتني إليه، فاستدعاني وسمع وجهة نظري، ثم سوى الخلاف بمهارة حسدته عليها. ودهشت حينذاك أن للضيف فوائد لا يمكن إنكارها. (4) تنبهت أن الضيف أخذ يقضي معظم وقته في إحدى حجرات المنزل، حيث وزع محتويات حقيبته. بل إن مصطلح (حجرة الضيف) دخلت في قاموس أفراد أسرتي لا شعورياً. فهذا الاصطلاح الجديد صار يتردد في كلام أسرتي اليومي كبدهية لا تقبل المناقشة، وهذا لم ألحظه إلاَّ متأخراً. وأكثر ما أزعجني أنه أخذ يستعمل معجون أسناني، وفرشاة حلاقتي، ثم منامتي. فطلبت منه بحزم ألا يستعمل أشيائي مرة أخرى. ورجحت عندئذ أنه سيرحل بعدما شعر أنه ضيف غير مرغوب فيه. ولكنني فوجئت بأنه اشترى كل ما يحتاجه، ووضعه في غرفته، حتى أنه اشترى سخاناً صغيرةً ليعمل الشاي والقهوة في غرفته. (5) لم أعد أطيق هذا الضيف، لاسيما بعدما فرض نفسه على أسرتي باعتباره أحد أفرادها، بل خشيت على زوجتي وأولادي من تأثير رجل لا أعرف عنه شيئاً. لهذا لم أجد أمامي من خيار سوى أن أصارحه بأنه ضيف غير مرغوب فيه: ـ إلى متى ستظل ضيفاً؟ قلت لـه دون أن أستطيع أن أتخلص من الخجل أمامه، ولكنه لم يتأثر كما توقعت، بل سألني ببساطة: ـ ماذا تعني؟!.. لم أفهمك تماماً؟! ـ زيارتك طالت أكثر مما يجب. قلت، فقال وقد بدا الحزن عليه: ـ وإلى أين تريدني أن أرحل؟.. ليس لي سواكم في هذا العالم. ـ هذا ليس من شأني.. الضيف لا تستمر زيارته لأجل غير محدود. بعدما قلت هذه الجملة تغيرت ملامح وجهه، وأردف بثقة: ـ أنا لم أعد ضيفاً! ـ ماذا تعني!؟! ـ أنا أصبحت واحداً منكم.. أنتم أهلي. صرخت بوجهه، وقد ذهب الخجل مني إلى غير رجعة: ـ لكنني لا أعتبرك من أ÷لي.. لهذا لا أريد رؤيتك بعد اليوم. ـ إن لم ترد أن تراني.. سألزم غرفتي. قال وقد اختلجت دمعة في عينيه. فحاولت أن أظل رابط الجأش، فتابعت قولي: ـ غرفتك جزء من منزلي.. وأنا أطردك من منزلي كله. عندئذ صرخ بوجهي: ـ ليس هذا المنزل ملكك وحدك.. هذا منزلنا جميعاً. وأدار لي ظهره، ودخل غرفته بعدما أغلق الباب بقوة علامة احتجاجه على موقفي. خرجت زوجتي وأولادي على صوت الضجيج، وسألوني عما جرى، فقلت لهم ما حدث بيننا بإسهاب. فقال أصغر أولادي: ـ حكاياته حلوة وأنا أحبه. فصفعت ولدي، فاحتضنته أمه قائلة: ـ أنت قاسي القلب. وصمت أولادي بحزن وهم يحدقون بوجهي الغاضب بحيرة لم يفهموها. * * * استمرت المقاطعة بيني وبين الضيف. وقد وقفت أسرتي إلى جانبي بعدما بينت لهم خطره المحدق بنا جميعاً، وإن كنت غير متأكداً من مشاعرهم تجاهه آنذاك. ولكن الضيف لم يحفل بذلك، فكان يقضي كل يومه في غرفته، وقد يخرج إلى الحمام لقضاء حاجته، أو إلى المطبخ ليأكل من طعامنا. بعدما فقدت الأمل بسلاح المقاطعة قررت دخول المواجهة مهما كانت عنيفة. وفي أول مصادفة جمعتنا وجهاً لوجه ـ وهو يخرج من المطبخ وبيده صحن مملوء بالطعام الذي طهته زوجتي ـ اعترضت طريقه صارخاً بوجهه بكل طاقتي: ـ بأي حق تأكل من طعامنا؟! ـ هل تريدني أن أموت من الجوع؟! ـ هذا ليس من شأني. ـ أنت مجرم ولن أجعلك تقتلني من الجوع. صرخ بوجهي متحدياً. فرددت على تحديه الصريح بأن أمسكت بحذائي وضربته على وجهه. فرماني بسكين كان في صحن الطعام، فجرحني، وكاد يقتلني. وبرغم ذلك لم أغضب كثيراً، بل فرحت لأنني حققت بعض الانتصار في معركتي معه، إذ تأكد لي أن أسرتي ستآزرني حتماً. * * * بعد مدة قررت اقتحام غرفته ليلاً كي أفاجئه وهو نائم، فأحقق انتصاراً سريعاً. ولكنني وجدت باب الغرفة مغلقاً من الداخل، فباءت محاولتي بالفشل. عدلت خطتي وكمنت لـه في الحمام، وعندما دخل فاجأته بلكمة من قبضتي على فمه، ولكنه ردها سريعاً. وبدأت بيننا معركة انتقلت إلى جميع حجرات المنزل. ولم تسفر المعركة عن هزيمته أو انتصاري برغم كل الدمار الذي أحدثناه في المنزل، لأن كل واحد منا استعمل ما تقع عليه يداه كسلاح يضرب به خصمه كيفما اتفق. (6) لم يبق أمامي سوى أن أستدعي الجوار، ولكنهم تنصلوا من نصرتي، فلكل سببه الخاص. فاكتشفت عندئذ أنه أقام معهم علاقات طيبة دون علمي. ودهشت عندما قال أحدهم: ـ رفضت صداقته.. ولكنني أخشى إذا خرج من منزلك أن يحل ضيفاً عندي! (7) وجدت بأن أسلم طريقة هي أن أشكوه إلى الشرطة، كي يأخذ القانون مجراه، فينتصر الحق. وبعد شكواي، أتى رجال الشرطة للمنزل، وأخذوا إفادة أسرتي، وإفادة الضيف أيضاً، ثم رسموا مخططاً تفصيلياً للمنزل. * * * بعد أيام قلائل استدعته المحكمة، فخمنت أن نصري بات قريباً. ولكنه وكل محامياً مشهوراً يدافع عنه، فلم يبت بالدعوى من الجلسة الأولى كما توقعت. * * * عقب شهور من الجلسات في المحكمة صدر القرار الذي لم أتوقعه في أسوأ احتمالاتي. فلقد نص قرار المحكمة أن نتقاسم المنزل! (8) قررت عدم الاستسلام، فعزمت على التفكير في طريقة ما أطرده فيها من منزلي. وأول خطوات معركتي ـ التي تأكد لي أنها ستكون طويلة وشاقة ـ كانت في أن أكثر من عدد أولادي. لهذا اعتبرت خبر زوجتي بأنها حامل، بشرى السير في طريق الانتصارات. وفي غمرة انشغالي بالتفكير في حياكة خطة محكمة لطرده استدعتني المحكمة نتيجة دعوى أقامها ضدي. ذهبت للمحكمة متعجباً من وقاحته، ومتحيراً في طبيعة الشكوى التي أقامها ضدي وأنا صاحب الحق، هو اللص الذي قام بفعلته الشائنة في وضح النهار دون أن ينال القصاص العادل. * * * قال القاضي بصرامته المعهودة: ـ المدعي يتهمك بأنك تريد أن تكون وحدك الزوج والأب في الأسرة.. مع أنه يشاطرك المنزل على قدم المساواة. عندئذ لم أستطع ضبط أعصابي، فصرخت بوجه القاضي: ـ الأولاد من صُلبي أنا فما علاقته بهم..؟ وإذا شاركني زوجتي فلمن سينتسب الأطفال الذين ستلدهم!؟! رد القاضي بوجه محايد التعبير: ـ لا تستعجل الأمر.. القانون سيبت في هذا الموضوع في الوقت المناسب!!! |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |