ماء ودماء ـــ سامر أنور الشمالي

قصص ـ منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق ـ 2006

Updated: Sunday, July 01, 2007 03:59 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

المدينة ذات الرائحة الكريهة

(وباء مختلف)‏

بدأت الرائحة تنتشر ببطء في الأزقة الضيقة، والشوارع المتربة، لاسيما في الأحياء غير المخدمة بشكل جيد، تلك الواقعة في أطراف المدينة.‏

ربما لهذا السبب لم تكترث وسائل الإعلام بالرائحة التي أخذت تسبب الغثيان، والإقياء، وقد تودي بحياة ضعاف البنية، لاسيما الأطفال.‏

ولكن عندما أخذت الرائحة العفنة تتسلل إلى وسط المدينة، حيث تقع الحدائق، والمطاعم، ودور السينما، والملاعب، والمصانع، والشركات، والمؤسسات الرسمية والخاصة، تدخلت وسائل الإعلام جميعها، وأخذ يتبارى كبار العلماء، والأطباء، على شاشات القنوات التلفزيونية، لتحليل هذه الظاهرة غير المسبوقة. وامتلأت الصحف بتحليلات السياسيين الذين لم يتفقوا على رأي واحد، فمنهم من عزا الأمر إلى مؤامرة خارجية، وبعضهم اتهم المعارضة، وقسم أكد أن الأمر عبارة عن محنة تاريخية ستنتهي بالنصر الحتمي دون ريب.‏

كما امتلأت الشوارع بسكان وسط المدينة الذين يطالبون الحكومة بحل الأمر دون تباطؤ، وبأسرع وقت ممكن.‏

كما رفعوا لافتات ملونة، كتب عليها بخطوط متقنة:‏

(لا للروائح الكريهة).‏

(نعم لهواء نظيف).‏

(نريد أن نتنفس بحرية).‏

(تسويق الهواء تجارياً)‏

كبريات الشركات الأجنبية لم تفوت الفرصة السانحة، إذ سرعان ما طرحت في الأسواق العالمية هواء نقياً للتصدير إلى المدينة التي تلوث هواؤها وفسد، أو إلى غيرها من المدن التي قد يمتد إليها الوباء الذي قد يجتاح مدناً أخرى، ويتجاوز الحدود.‏

كان الاختراع الجديد عبارة عن عبوات بلاستيكية محكمة الإغلاق، تحوي هواء نقياً.‏

وعندما احتدت المنافسة في البورصة الهوائية، ظهرت أشكال جديدة لتلك العبوات، فلقد تعددت أحجامها، وأنواعها، وأصنافها.‏

كما ظهرت عبوات هوائية عبئت بهواء جبلي تم شفطه عن قمم الجبال، وعبوات أخرى شُفط هواؤها من السهول. ثم ظهرت عبوات لها روائح ورود معينة حسب الطلب.‏

كما تم صناعة عبوات ذات مواصفات طبية، فمنها خاصة بالأطفال، وأخرى للذين لديهم أمراض في القلب، أو أمراض في الجهاز التنفسي. بل إن بعض تلك العبوات تم تزويدها بروائح مركبة خاصة تشعر من يشمها بالاسترخاء.‏

* * *‏

المدينة المنكوبة لم توفر الهواء المستورد لكافة سكانها كما توقعت منظمة حقوق الإنسان. وعزا المجلس الطارئ للمدينة المنكوبة أن العبوات الهوائية مرتفعة الأثمان، إضافة إلى أن أجور شحنه بالقطع الأجنبي، وهذا غير متوفر في الوقت الراهن، وإن هذا لا يعني أن لا يتم توفير العبوات الهوائية مستقبلاً.‏

* * *‏

الحل الوقائي الذي تم الاتفاق عليه في الأحياء المترفة هو:‏

1. عدم فتح الأبواب الخارجية والخروج من المنازل إلا في الحالات الاستثنائية.‏

2. إغلاق النوافذ بإحكام لمنع تسرب الرائحة من الخارج.‏

3. الاعتماد على أجهزة التكييف في تعديل حرارة المنازل.‏

4. استخدام عبوات الهواء المستوردة حسب النشرة المرفقة.‏

(نزوحات في المدينة المنكوبة)‏

تلك الحلول كانت مؤقتة، ولم تجد نفعاً على المدى الطويل، لهذا أخذ الأثرياء يرحلون تباعاً عن المدينة المنكوبة.‏

بعضهم استأجر شقة مفروشة، أو سكن الفنادق لظنهم أن الأمر طارئ ولن يدوم طويلاً. أما أكثرهم فاشتروا منازل جديدة في مدن لم يصلها وباء الرائحة المقززة، وطرحوا منازلهم للبيع بأسعار متدنية لعدم رغبتهم في العودة لتلك المدينة المنكوبة.‏

وهذا أتاح فرصة ذهبية لسكان أطراف المدينة لشراء منازل فخمة بأسعار زهيدة في وسط المدينة، وهم يأملون بان تزول الرائحة فيحققوا بذلك نصراً غير متوقع.‏

* * *‏

لكن أكثر الناس فقراً لم يكن لديهم من خيار سوى أن يتحملوا هذه الرائحة، أو يرحلوا ويسكنوا في العراء خارج المدينة، وهذا ما فعله قلة منهم، لاسيما من يشكون أمراضاً في الجهاز التنفسي.‏

* * *‏

الكثير من الفقراء اقتحموا أحياء الأثرياء، وكسروا الأقفال، وتنعموا للمرة الأولى بأشياء لم يعهدوها من قبل، لقد أكلوا بشهية اللحوم بأنواعها، وشربوا الخمور المعتقة، ومشوا على السجاد، وجلسوا على الأرائك، وناموا على الأسرة الوثيرة. وكثير منهم عدوا تلك المنازل المباحة منازلهم، فأخذوا يدافعون عنها ضد اللصوص.‏

الشرطة لم تتدخل لأنه لم يكن أحد من أصحاب المنازل ليشتكي، وهذا ما أراح الشرطة من مغبة السير في الشوارع التي أخذ الناس يقعون صرعى من شدة الرائحة البغيضة.‏

بل إن الشرطة رحلت فيما بعد عن المدينة المنكوبة.‏

(حلول مقترحة من خارج المدينة)‏

الهيئة العامة للمحافظة على البيئة في الكرة الأرضية أرسلت وفداً من المختصين لدراسة أسباب انتشار الروائح الغريبة.‏

المختصون قاموا بالدراسة على عجل لأنهم لم يستطيعوا تحمل الرائحة طويلاً، وسرعان ما رحلوا عن المدينة المنكوبة بعدما عزوا الروائح لأسباب مناخية لا يمكن تغييرها، أو تبديلها، أو معالجتها.‏

* * *‏

أرسلت منظمة التضامن الدولي كمامات إلى سكان المدينة المنكوبة للتخفيف من إحساسهم بالروائح الكريهة.‏

ولكن استعمال الكمامات لم يكن ناجعاً، لأن الإنسان لا يستطيع استخدامها طوال الوقت، لاسيما إذا أراد تناول الطعام والشراب، أو رغب بتدخين السجائر، أو الكلام.‏

(عمليات جراحية)‏

منظمة أطباء بلاد حدود اقترحت كحل أخير إجراء عملية لاستئصال الغدد المسؤولة عن حاسة الشم لسكان المدينة التي لم تعد رائحتها تحتمل.‏

وبالفعل تم افتتاح مشفى متخصص لمثل تلك العمليات غير المسبوقة في تاريخ البشرية.‏

ولكن سرعان ما اعترض مصنعو وبائعو العطور، ولجنة الدفاع عن حقوق المرأة، لأن المرأة لا تستطيع أن تستعمل العطور، وبذلك تفقد أحد أسباب جاذبيتها كأنثى.‏

وسرعان ما أتى الرد من منظمة أطباء بلا حدود، مفاده: إن هذه المدينة لن تستعمل هذه المواد أصلاً لأن الروائح الكريهة تطغى على الروائح الطيبة، لاسيما أنه لم يبق في المدينة غير الفقراء الذين لا يعرفون رفاهية شراء العطور.‏

* * *‏

ولكن هذا المشروع الإنساني الذي شاركت بدعمه الدول المتطورة فشل تماماً. فنادرون أولئك الذين أجروا تلك العمليات الجراحية في المدينة المنكوبة. فغالبيتهم العظمى اعتادوا على تلك الروائح المقززة، حتى كادوا يألفونها.‏

إضافة إلى أن الكادر الطبي لم يتحمل تلك الرائحة فعادوا إلى بلادهم، ولكنهم ظلوا يواصلون نصائحهم الاختصاصية للحد من التأثير السلبي للروائح الكريهة.‏

(نسيان المدينة المنكوبة)‏

انقطعت أخبار المدينة ذات الرائحة الكريهة عن العالم الخارجي.‏

لم يعد يأتي إليها حتى العاملون في وسائل الإعلام، لأن الرائحة لم تعد محتملة بعد استخدام أحدث أنواع الكمامات.‏

كما رفضت كل المدن استقبال أحد من المدينة المنكوبة، لأن رائحة سكانها صارت كرائحة مدينتهم تماماً.‏

(ما قيل حول المدينة المنكوبة)‏

إنها مؤامرة حاكها بعض الفقراء كي يتخلصوا من الأغنياء ويستولوا على أملاكهم.‏

عاد سكانها إلى حياة بدائية لاسيما بعد انقطاع الكهرباء، وتعطل خطوط الهاتف.‏

تحول سكانها إلى وحوش يأكلون بعضهم حتى مات الجميع.‏

تحولت تلك المدينة إلى مكان للمساواة والعدل بعد ما تخلصوا من تبعات العولمة والاقتصاد الأجنبي.‏

لم يعد للرائحة الكريهة وجود، ولكن سكانها لم يعودوا يريدون أن يتواصلوا مع الآخرين لأهم تخلوا عنهم.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244