|
||||||
| Updated: Sunday, July 01, 2007 03:59 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الأوسمة قالت وهي تهرب من النظر إليه، بالتظاهر أنها تبدل فوطة طفلها الصغير. ـ لم يبق لدينا غير الأوسمة. نظر إليها بغضب لم يعهده في نفسه تجاهها، وتأكد لـه أنها لو لم تكن زوجته وبيدها طفلها الذي غفا منذ قليل لارتكب جريمة قتل دونما تردد. وقد تولدت لديه رغبة عارمة في صفعها على وجهها حتى ينزف الدم من فمها، وبشتمها ببعض الكلمات النابية، ولكنه لم يفعل، لقد عذرها، فالفقر لا يرحم، والجوع لا يقتنع بأية أعذار. فصمت، وقد زاد غضبه لأنه كان لديه رغبة عارمة في التدخين ولكنه وفر ثمن علبة التبغ لشراء الطعام لأطفاله. قالت زوجته،وهي تمسح دمعة جرت رغماً عنها على خدها الشاحب: ـ أعرف كم تفخر بأوسمتك.. ولكن لم يعد لدينا شيء نبيعه لنطعم أطفالنا. صمتت، وأخذت تنشج، فاستيقظ طفلها الذي بحضنها وأخذ يبكي، فوضعت في فمه ثديها الناضب، فعاد الطفل للبكاء، وانتقل البكاء كالعدوى إلى أخوته. وثب قائماً كأنه ينزع نفسه عن الأرض، فتش في صندوق قديم في زاوية الحجرة الوحيدة التي فيها كل متاعهم، ثم أخرج قطعة قماش بيضاء، تأملها فأشرق وجهه وزال العبوس. وضع الصرة على الأرض العارية، ثم فكها وهو يقول، وشبح ابتسامة باهتة يقتات وجهه الضيق: ـ هذا وسام الشجرة المباركة.. نلته عقب مهرجان التشجير الوطني. ثم أخذ بيده من بين الأوسمة وساماً لـه شكل مربع وقال باسماً: ـ هذا وسام الرجل الحديدي.. نلته عندما شاركت ببطولة الرياضة السنوية لألعاب القوى. ثم تناول وساماً مدوراً يبرق كالذهب، وقال وهو يهز رأسه: ـ هذا وسام الدرجة الأولى.. وقد نلته عندما خطبت لمدة ثلاث ساعات متواصلة.. فلقد تأخر وفد المهندسين لتعطل السيارة.. فظللت أرتجل الخطابات حتى وصولهم. ثم أخذ وساماً رسم عليه أدوات كهربائية، وقال: ـ هذا الوسام نلته لأنني كنت أكثر العمال إنتاجاً في المصنع. ثم تناول وساماً عليه ثلاثة أعلام متصالبة، وقال وقد ارتفعت نبرة صوته: ـ هذا الوسام نلته عقب رفع العلم فوق المصنع الجديد الذي كان من المفترض أن أنتقل إليه واستلم رئيس ورشة. أخذ يتحدث بسعادة، بينما أولاده وزوجته ينصتون إليه باهتمام اعتادوه منذ سنوات، كأنهم يسمعون هذا الحديث للمرة الأولى. عندما لم يبق أي وسام يتحدث عنه أعاد الأوسمة إلى قطعة القماش البيضاء النظيفة، ثم وضعها في جيبه واتجه نحو الباب المتهالك. كانت زوجته تريد أن تقول لـه (لا تبع الأوسمة، سنصبر على الجوع كما صبرنا على البرد الشتاء الماضي) ولكنها تراجعت عن ذلك وهي تتأمل وجوه أولادها الشاحبة، وأجسامهم النحيلة. ـ حقاً ستبيع الأوسمة؟ سأله ابنه الكبير بدهشة، وهو يتخيل والده أعزل من دون أوسمته التي يعرضها لكل من يزورهم. لم يجب والده، بل أسرع بالخروج. كانت زوجته متأكدة من أن زوجها سيبكي بمرارة لأول مرة بعدما أصبح رجلاً، برغم أنه قاوم الدمع حتى عندما دفن طفلته التي لم تكمل شهرها الثاني لأنه لم يستطع شراء الدواء لها. * * * وضع على الطاولة الزجاجية وساماً واحداً. ـ ما هذا؟ سأله الصائغ مستغرباً. فشعر بالإهانة، ومع ذلك قال بتهذيب: ـ أريد بيع هذا الوسام. تناول الصائغ الوسام قائلاً: ـ هذه الأوسمة من المعادن الرخيصة. رمى كل أوسمته على طاولة الصائغ قائلاً بغضب: ـ انظر جيداً إلى الأوسمة.. إنها ثمينة ولا تقدر قيمتها بالمال.. بل أثمن من كل الذهب والأحجار الكريمة التي لديك. تناول الصائغ وساماً آخر، وهو يبتسم بسخرية: ـ هذه الأوسمة غير قابلة للبيع.. إنها للذكرى لا غير. أعاد أوسمته إلى جيوبه بحرص، وكأنه يعتذر للأوسمة من كلام رجل جاهل. ثم خرج وهو يشتم الصائغ ويقول في سره: ـ يريد خداعي.. يظنني جاهلاً.. إنه مجرد لص وضيع. ولكن عندما تكرر الأمر في محلات الصاغة جميعها تأكد لـه أن ذكرياته التي يعتد بها غير قابلة للبيع. * * * استرعى انتباهه صوت خشن يصيح: ـ أوسمة.. أوسمة. التفت صوب الصوت، فرأى رجلاً يقف خلف صندوق خشبي عتيق فيه كمية كبيرة من الأوسمة المختلفة الأشكال والألوان. اقترب منه وسأله بعجب: ـ من أين حصلت على كل هذه الأوسمة؟! قال بائع الأوسمة ضاحكاً: ـ من حاويات القمامة. ـ كذب! صرخ بوجهه، وهوى بيده يصفعه على وجهه. نظر بائع الأوسمة إليه، وقال بتشف وهو يمسح بقفا يده شفته المدماة: ـ ربما أنت الوحيد الذي لم يرم بأوسمته في القمامة حتى الآن. كان يريد أن يصفع بائع الأوسمة بقوة أكبر هذه المرة، ولكن اقتراب طفل منه جعله يقلع عن استخدام العنف. وضع الطفل في يد بائع الأوسمة قطعة نقدية. فسأله بائع الأوسمة بصوت مرتفع نكاية بالذي صفعه: ـ تريد وساماً كبيراً؟.. أم ثلاثة أوسمة صغيرة..؟ ضحك الطفل، وقال: ـ ليست الأوسمة لي.. إنها لأجل كلبي. ضحك بائع الأوسمة، وأعطى للطفل وساماً كبيراً وهو يقول بصوت عال: ـ علقه في طوقه... سيبدو مهيباً عندئذ. * * * ركض مبتعداً عن بائع الأوسمة دون أن يرى شيئاً. توقف ليستريح، نظر إلى أوسمته، ولكنه لم ير غير السواد الدامس، ومع ذلك لم يدرك أنه فقد بصره تماماً! |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |