ماء ودماء ـــ سامر أنور الشمالي

قصص ـ منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق ـ 2006

Updated: Sunday, July 01, 2007 03:59 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

ميلاد استقلال

بعد منتصف هذه الليلة الدامسة، هدأت المعركة بعض الشيء، وتوقف إطلاق النار المتواصل، باستثناء أصوات بعض الطلقات المتفرقة، وصدى انفجارات بعيدة، فخلد أفراد أسرتي إلى نوم عميق، بعد أكثر من عدة ليال من الأرق المصحوب بالخوف، والاستيقاظ هلعاً من دوي انفجارات قريبة، بينما بقيت مسهداً، ولم أقدر على الاستغراق في النوم، فقمت عن السرير مفكراً فيما يجب علي فعله كي أنقذ أسرتي الصغيرة من الدمار الكبير الذي يحيق بها من جميع الجهات.‏

كنت قد اتخذت بعض الاحتياطات الوقائية في منزلي الصغير الذي رجوت من الله ألا ينكشف أمره ويضيع في متاهات الأبنية المزدحمة في الشارع المقفر. فلم أشعل الضوء في الغرب التي يتسرب نورها إلى الشارع، كي يعتقد الجنود بأنه مهجور، فلا يفكرون في اقتحامه. كما حولت الغرفة الداخلية إلى غرفة معيشة لا يغادرها أحد، إلا للضرورة، زحفاً على ركبهم، لكيلا تصيبهم رصاصة طائشة، قد تدخل من النافذة التي تعرضت منذ أسبوع للرصاص الذي اخترق زجاجها، وارتطم بالجدران، وبصورة جدي التي علقها المرحوم أبي بنفسه عندما انتقل إلى هذا البيت أثناء التحضير لزواجه من أمي.‏

كما طلبت من زوجتي وأولادي الاقتصاد بالماء، وقصر استعمالها على الشرب، لأن المياه قطعت منذ عدة أيام، ولم يبق لدينا سوى ما في زجاجات البراد والخزان الاحتياطي. وخشيت أن أصل إلى مرحلة آمرهم فيها بالاقتصاد بالطعام، فلم يعد لدينا غير أكياس المؤونة، وبعض المعلبات. فأخذ شبح الخوف يتسرب من أن يجتاحنا العطش، والجوع، كما اجتاح المدينة الجنود، على حين غرة.‏

هذه الإجراءات أخافت أسرتي، فلم تكن باعثاً على بث الاطمئنان في نفوسهم الجزعة، لكنني اضطررت لذلك، كيلا أرى أحد أفراد أسرتي يموت أمامي دونما القدرة على فعل أي شيء لإنقاذه.‏

* * *‏

مشيت بمحاذاة الجدران الغارقة في الظلمة، وأطللتُ بحذر على الشارع، حيث ينتشر الجنود على تقاطع الشارع، والزوايا، وحول سياراتهم العسكرية، باحثين بعيونهم الحادة عن أي شيء يتحرك ليطلقوا عليه النار من بنادقهم المهيأة لقتل مظاهر الحياة بوابل من رصاص كثيف.‏

كلما شاهدت جندياً، تمنيت أن أراه يموت، كما قتل أحد رفاقه بالأمس. إذ أطلق أحد المحاصَرين من مسدسه بضعة رصاصات باتجاه دورية عسكرية، فقتل جندياً، وأصاب من معه بجراح. عندئذ سرعان ما اختبأ الجنود خلف سياراتهم المصفحة وهم يطلقون النار، ولم يجرءوا على الظهور، إلا بعدما تأكدوا من نفاذ ذخيرة المحاصر.‏

طوقوا البناء الذي توقعوا إطلاق النار منه، وقصفوه بضراوة حتى دمروه على من فيه من أبرياء، لإرهاب أي شخص يحاول التصدي والمقاومة، فإذا لم يخش المواطن على نفسه، فيشفق على عائلته، وجيرانه.‏

كان من المستحيل أن آخذها بالسيارة إلى المشفى، أو أن أستدعي سيارة الإسعاف، أو الطبيب، لأن الجنود منعوا التجول، وكانوا يطلقون النار حتى على سيارات الإسعاف التي تحاول اختراق الحصار لإسعاف الجرحى، أو نقل الموتى.‏

وسيلتي الوحيدة التي كانت تربطني بالعالم الخارجي هي الهاتف الذي نسوا على الأرجح أن يقطعوه. فاتصلت بالطبيب، وشرحت لـه الأمر، فاقترح الطبيب أن أبقي الخط مفتوحاً، وأن أقوم بمساعدة زوجتي على الولادة.‏

سألت الطبيب، مشفقاً:‏

ـ وإذا حدث أمر طارئ أثناء الوضع؟‏

قال الطبيب، بأسف:‏

ـ ليس أمامنا خيار آخر.‏

توكلت على الله، وشرعت في تنفيذ تعليمات الطبيب بكل ما أستطيعه من دقة.‏

عندما تلقيت طفلتي بين يدي شعرت بحب كبير لم أشعر به أثناء ولادة أطفالي السابقين، ربما لأنني كنت هذه المرة الأب، والمولد أيضاً. وربما لفرحتي بنجاح الولادة بسهولة لم أتوقعها.‏

اجتمع أولادي حولي ابتهاجاً بأختهم الصغيرة. وبفرح غامر سألوني بصوت واحد:‏

ـ ماذا سنسمي أختنا الصغيرة؟‏

ـ استقلال.‏

قلت بعفوية، وقد وضمت فكرة جميلة في رأسي الذي رفعته نحو النافذة المحطمة، عسى أن أرى ضوء فجر قريب، يلوح من بعيد.‏

* * *‏

قبلت وجنات أولادي، وجبين طفلتي الصغيرة التي قد لا أراها ثانية، وعيون زوجتي التي شيعتني بصمت، وأمل.‏

وضعت سكين المطبخ الكبير في حزامي، فلم يكن لدي سلاح سواه. ثم خرجت إلى الشارع متلفعاً بالكوفية، تحت جنح ظلام ليل تدحره نجوم مشعة تهدي الضال، وقمر ينير بضوئه الدرب الطويل.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244