ماء ودماء ـــ سامر أنور الشمالي

قصص ـ منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق ـ 2006

Updated: Sunday, July 01, 2007 03:59 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

من أسرارها

في حضورها تحوطه سعادة غامضة، يجهل كنهها، ويتوق إليها.‏

كأنه ما زال ذلك الطفل الذي يدخل صومعة جده، فلا يرى صاحبها للوهلة الأولى بوضوح، لأن غمامة البخور تملأ فضاء المكان، فيطيل النظر والوقوف، حتى يعتاد النظر، ويألف الرائحة، فيقترب من الشيخ الجليل، ويقبل يده التي لها طعم البخور، ورائحته. ثم يجلس إليه منصتاً إلى ترتيله، وهو يظن أن رائحة البخور هي رائحة جده.‏

لهذا ظلت رائحة البخور تذكره بجده المتوفى في كل مرة يشتمه فيه، حتى أن طيف جده الحبيب إلى قلبه يمثل في خياله كلما شم عبق البخور الثقيل، حتى أنه يسمع صوت مسبحته ذات الرائحة الثقيلة، مع ترتيله المضمخ برائحة مبهمة.‏

عندما أخبروه أن جده انتقل إلى السماء، تخيله يجلس بفيء شجرة بان ضخمة، مثقلة بثمار بخورية مشتعلة لا تحرق، وأن الغيوم الزرقاء الداكنة ناتجة عن دخان بخور جامد، أما الغيوم البيضاء فهي رائحة بخور خفيف. لهذا كان كلما نظر إلى السماء والغيوم يشم رائحة البخور، فكان يقف في العراء إذا هطل المطر ليتبلل بالماء، فيشعر برائحة بخور رطبة ترافقه حتى يبدل ثيابه ويجفف شعره.‏

لكن كل ما جرى أصبح مجرد ذكريات أخذ ينسى تفاصيلها مع مرور الأيام، كما أخذت روائح تلك الأيام تتبخر من ذاكرته ببطء.‏

* * *‏

إذ جلس إليها، يشعر أنه ينسحق تحت وطأة حضورها الطاغي، كأنه تلك البذور التي تهرسها أمه في الجرن النحاسي ذي الرائحة المعدنية الحادة كنصل سكين مرهف، جرحه ذات يوم في يده، فمص إصبعه لعل الألم يخف، فوجد أن للطعم ملوحة حاذقة، وللألم رائحة واخزة، فكأنه يتنفس إبراً من نار.‏

لكن تلك الرائحة الحامضية، الباعثة على الإقياء، سرعان ما تلاشت في الفضاء الرحب، إذ أعقبتها من المطبخ ذاته رائحة ساخنة طازجة، يسيل لها لعابه، فكان يجرض بريقه، ويتلمظ بلسانه، وهو يهرع إلى المطبخ، لينتظر بشهية الحلويات التي ترسل رائحة نشطة لا تلبث في المكان طويلاً، لأن الأنوف تلتهمها فلا يبقى منها شيء، حتى أنها لخفتها لا تلتصق بجدران المطبخ لمدة طويلة.‏

* * *‏

في عينيها يرى عشباً طرياً لـه رائحة غضة، وبريقاً جذاباً، كأنه ورد نرجس تختلط لألأته وعبقه بنضرة الأخضر.‏

فتنجذب نظراته إلى عينيها، كفراشات باحثة عن ضوع الرحيق.‏

حتى ليخال أن من بين رموشها تتساقط الزهور كلما رمشت، حتى خيل لـه مرة أن الطاولة امتلأت بالورد، وفاضت حتى غمرتها، فلم يعرف مكان فنجان قهوته، حتى من رائحته التي لم يخطئها أنفه قط، لأن عبق الورد طغى على كل ما سواه من روائح.‏

يرى فمها وردة يجري فيها الدم، فغدت أوراقها حمراء، لها رائحة مالحة بعض الشيء، برغم حلاوتها التي تصيب الرأس بالدوار، وهذا ما يزيد في طيبها. بل كان يحس بطراوة لسانها وهي تتكلم، فيشعر أن كلامها لـه سيولة الماء، فيشربه بأذنيه، كما تشرب عيناه ألوانها، وأنفه فوح جسدها.‏

كلما التفتت يتنشق بعمق رائحة شعرها الطويل الأسود ذي الرائحة الثقيلة، لهذا بالكاد يحملها الهواء، فكانت تصل إليه متأخرة، وإذا وصلت فلها نعومتها الخاصة، فيشعر أن شعرها يتسلل من بين أصابعه، وإن لم يلمسه، ورائحة شعرها كانت آخر ما تتلاشى عن الطاولة، حيث يسقط الكثير من تلك الرائحة عليها لثقلها، كما يسقط القسم الباقي من رائحة شعرها على الكراسي، وعلى الأرضية المبلطة أيضاً، لهذا كانت الرائحة تختلط مع رائحة الأحذية، وتهرب لأن قوامها الرائق تفتت بروائح بغيضة.‏

يحس بدفء صدرها اللدن ذي الراحة اللزجة الدبقة، وإن كان بعيداً عنه، تحجبه الثياب عنه، ولكن رائحته تتجاوز كل الحواجز لتصل إليه بسخونتها، حتى أن رائحة صدرها تحمل معها بعض دقات قلبها، فيحس وجيبها في أنفه، فكان يحكه بإصبعه ضاحكاً، دون أن يقول لها لماذا، كي لا تسيء الظن به.‏

في غمرة حضورها الذي تستثير ذكرياته، فيعبق أنفه بروائح قديمة يخف شذاها مع مرور الزمن، ولكنها تبقى عالقة في الذاكرة، كخلاصة ماء الورد الذي يقطرها عطار في أوعيته، ثم يخلطها فيما بينها بعناية وذوق، فتتشكل روائح طيبة تبعث البهجة في النفس، كما هي الذكريات دائماً، وإن كانت حزينة.‏

* * *‏

لم يكن يكذب أو يبالغ في الوصف إذ قال لها وهو يدنو بوجهه منها حتى اختلطت الأنفاس:‏

ـ دونك لا أشعر بأن للعالم طعماً أو رائحة.‏

فكانت تضحك، وتعقب قائلة بين العتب المشاكس والتأنيب المحبب:‏

ـ غزلك يذكرني بالحلويات التي تصنعها أمك، لأنك تسهب في وصف طعمها ورائحتها كثيراً.‏

وتردف سريعاً قبل أن تنسى:‏

ـ أيضاً بجدك الذي أهديتني بعض إرثه من البخور.‏

فكان يقول بمرح سرعان ما يتلاشى في الهواء إذا ابتعدت عنه:‏

ـ هذا عندما كنت صغيراً.. أما الآن فأنت لا غير.‏

* * *‏

عقب مغادرتها، ينظر إلى يديه بحسرة، فالأصابع لا تحتفظ بشيء منها، فلا يبقى منها غير رائحتها التي تتلاشى ببطء من رئتيه، فكان يتنفس ببطء حتى يكاد يختنق، كي تبقى رائحتها في صدره لأطول مدة ممكنة، بل يحس أن بعضها ذاب في رائحتها وسال في دمه، لهذا فإن رائحتها ستظل عالقة بقلبه، لتظل أكثر رسوخاً من أي شيء في العالم بالنسبة إليه.‏

بعد ذهابها، يدخن النرجيلة التي تكره رائحتها، فيحار في نفسه، حيث يجد أنها فتاة عادية، بل تفتقر إلى الجمال الخارق الذي يحلم به، ونبرة صوتها عادية بل كلامها ثرثرة لا معنى لها.‏

كان كل مرة يقرر في نفسه أن ينظر إليها بموضوعية، ويحل ما تقوله بحياد. وإذا نجح في فعل ذلك فلا بد أن يقول لها دون تردد:‏

ـ علاقتنا يجب أن تنتهي.‏

وقد يضيف إذا وجد ثمة ضرورة لذلك:‏

ـ كلانا غير مناسب للآخر.‏

وفي حال بكت، وهو متأكد أنها ستفعل ذلك حتماً، فسيقدم لها منديلاً مطرزاً بزهور ذهبية كي تمسح به دموعها، وهو لن يشعر بالأسف إذا تمخطت به، فهو لن يسترجعه ليحتفظ برائحتها فيه. بل اشتراه لها ليقدمها لها كذكرى وداع لا غير.‏

كان كلما فكر بالأمر، أخرج المنديل من جيبه، وقلبه بين أصابعه بأسف، لأنه فقد حلته القشيبة، ورائحته العطرة، فلقد اكتسب رائحته هو بعدما ظل يقبع في جيبه أكثر من سنة وثلاثة أشهر ويومين. لقد كان يحسب علاقته معها بتاريخ شراء المنديل الذي كان يريد أن يقدمه لها لحظة الفراق التي لم يشك في غيابها بحصولها، وإن نسيها تماماً وهي أمامه.‏

* * *‏

مع ذلك لم يستطع أن يفسر السر الغريب الذي يجعله مسحوراً بها في حضورها البهي، وسر نفوره منها في غيابها الرتيب.‏

كي يخلص من إرباكه، وقلقه، أخذ قراره الذي أعلنه لأمه التي مازالت تذكره برائحة الحليب حتى بعد فطامه بأكثر من ثلاثة عقود:‏

ـ طالما أغرم بها وهي بجانبي.. فلن أندم على زواجي منها.‏

* * *‏

في ليلته الأولى وجدها أكثر فتنة، فتضاعفت سعادته، أما في الصباح فكان إغواؤها أقل بدرجة ملحوظة، برغم أنها لم تفقد من جاذبيتها كثيراً بعدما استحمت بالصابون المعطر.‏

لقد عرف كل شيء وقتها، وأصابه الذهول عندما أدرك سر جاذبيتها الغريب، حتى أنه لم ينتبه إليه وهي تعانقه من الخلف، فحتى أنفه كان في حالة لا يقبل إثارة الروائح.‏

..اكتشف أنه تخرج من مسامات جسدها، مع حبات العرق، لتنتشر حولها كغمامة، فتشده إليها حين يكون في محيطها، حيث تدخل إلى صدره.. تلك هي رائحتها التي كانت هي سر حبه لا غير!‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244