ماء ودماء ـــ سامر أنور الشمالي

قصص ـ منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق ـ 2006

Updated: Sunday, July 01, 2007 03:59 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الطاولة

(1)‏

الطاولة التي تتوسط الردهة تقع وسط المنزل الصغير، لهذا كان الزوجان يدوران حولها كلما انتقلا من حجرة لأخرى، أو ذهبا إلى الحمام، أو المطبخ، دونما أن يخطر في ذهنهما أن يغيرا مكانها، مما جعلها ثابتة كركن لا يتزعزع، مثل كل الجدران، والأبواب، و...‏

* * *‏

سطح الطاولة الأملس فقد بريقه ونعومته لكثرة الخدوش البسيطة التي شكلت أشكالاً مبهمة لا ترى بوضوح، فتعكس صوراً غائمة لملامح باهتة تدور في فلكها الجامد.‏

* * *‏

في الصباح، وضع على الطاولة صحن السجائر بهدوء، وقذف بعلبة تبغ رسم على ورقها المجعد حصان لا يركض، وقداحة شفافة تظهر سائلاً أوشك على النفاذ. ثم اتكأ بمرفقه المتلوي قليلاً من أثر كسر قديم في عظم العضد.‏

وضعت صينية فقدت ألوانها الزاهية من كثرة غسلها، فلم يبق من صور محي بعضها، غير أشلاء فراشات ملونة دون أجنحة، وزهور انفرطت أكثر أوراقها، وثمار ناقصة. ثم وضعت أمامه فنجان قهوة شكل بقعة تسربت إلى خشب الطاولة البارد. كما وضعت قربها فنجان قهوة يهرب منه البخار على شكل خطوط واهنة تشبه أنفاساً أخيرة لمحتضر لا يأسف على موته أحد.‏

ككل يوم يُختتم الطقس الصباحي بمحس الطاولة بقطعة قماش قديمة، لتمتص قطرات صغيرة من القهوة السوداء، ولتعلق برطوبتها بقايا رماد السجائر الذي سقط بعضه عن الطاولة نحو الأسفل.‏

* * *‏

بعد خروجهما لم يدن من الطاولة غير خيط رفيع لنور واهن تسلل من سماء بعيدة، دون أن يتقصد الانتقال على مساحة الطاولة التي يمتص لونها الداكن النور أكثر مما يعكسه.‏

ثم حطت على الطاولة ذبابة سوداء، مشت بخطوات قصيرة مشكلة درباً ملتوية، ثم طارت مخلفة أزيزاً أخرق تلاشى بسرعة فوق سطح الطاولة التي ثبتت عليها صور جامدة لساعات طويلة.‏

* * *‏

قطع السكون وقع خطوتين، ثم تبعه وقع خطوتين أخريين، ثم تنقلت أقدام الزوجين حول الطاولة التي اتسعت لأطباق طعام معدنية ذات لون فضي دونما بريق يعكس لون طلاء الطاولة الذي تقشر في أماكن كثيرة ليكشف عن لون الخشب العتيق.‏

بعدما رفعت صحون الطعام مسحت تحت آثار دوائر الزيت بسائل تنظيف تخلف بعضه، مشكلاً بقعاً ذات أشكال مبهمة.‏

* * *‏

فرش على الطاولة أوراقاً كبيرة قسمت إلى جداول، ووزعت عليها أرقام كثيرة. أخذ يدون في خانات فارغة أرقاماً بقلم جاف يخلف أثلاماً لا ترى على سطح الطاولة الذي بدأ يفقد صقله. بينما وضعت على الطاولة كرة من الصوف ذات لون غامق، أخذت تتدحرج بتؤدة وهي تصغر مع انسلال الخيوط منها.‏

* * *‏

تحلق حول الطاولة مجموعة من الأشخاص دخلوا المنزل مما جعل السيقان تكثر تحتها، والأيدي المتعبة تتكئ فوقها. ثم وزعت أوراق اللعب التي أخذت تهوي بقوة مع ضربات الأيدي على الطاولة التي أخذت تهتز قليلاً، وتصدر أصواتاً خافتة لا تسمع. حتى انتهت السهرة التي امتدت إلى ما بعد منتصف الليل، قبل أن ترتفع الأيدي عن الطاولة، وتنسحب من تحتها الأرجل، لتعود إلى سكونها الثابت.‏

(2)‏

ـ لماذا لا نبيع الطاولة؟!‏

لم تسأله عن أي طاولة يقصد، طالما تأكد لها أنه لن يتكلم عن غير هذه الطاولة، فتساءلت بلا مبالاة:‏

ـ نبيعها؟‏

ـ أجل.‏

قال مؤكداً. فرمشت بعينيها، كأنها تنبهت لوجود الطاولة المباغت. ثم قالت بعد تردد كي تستنكر الفكرة دون أن تعرف السبب:‏

ـ لن يشتريها أحد.‏

ـ لنهبها لأحدهم.‏

ـ من سيقبل هدية لا قيمة لها؟‏

ـ لنرميها في مكب القمامة.‏

قال بجدية أفزعتها. فنظرت بقلق إلى زوجها، ثم إلى الطاولة. فعادت بها الذاكرة حين كان جسدها نحيلاً، حيث كانت تجلس على الطاولة ـ دون أن تكترث للأوراق التي تهوي عنها ـ كي تداعب زوجها الذي يبدأ غزله الذي أصبح مجرد ذكرى منسية.‏

ـ كل قطع الأثاث قديمة في منزلنا.. ليست هذه الطاولة فقط!‏

قالت بحسرة. وقال بنبرة احتجاج:‏

ـ لا ينقصنا شيء لنشتريه.. ولكننا نحتاج إلى طاولة جديدة فقط.‏

قالت بضيق:‏

ـ هذه ليست فكرتك.. بل فكرة صاحبة الشعر الأشقر.. يبدو أن طاولتنا لم تعجبها.‏

شعر بالارتباك فصمت. بينما استرسلت كأنها تبوح لذاتها بما يثقل كاهلها، أكثر من رغبتها بمخاطبته:‏

ـ الطاولات كلها متشابهة.‏

لم يعلق على كلامها. فانقطع سيل التداعيات. ثم اختلج الدمع في عينيها، وسقطت دمعة كبيرة على الطاولة التي كثيراً ما بقعتها دموعها المالحة، دون أن يفطن لذلك أحد.‏

تعمد أن لا ينظر إلى زوجته كيلا يحرجها، أو يحرج نفسه. فلقد خمن أنه لو كان ثمة أشخاص يعيشون معهما لكسروا هذه الطاولة، ولاشترى غيرها منذ سنوات.‏

وهي كانت تفكر أن هذه الطاولة مسكينة مثلها، فلم يحتم بها طفل خائف، أو يركض حولها طفل وهو يضحك.‏

الطاولة.. لم تكن مجرد طاولة وحسب.‏

فقد كانا متأكدين أنهما إذا اشتريا طاولة جديدة، فسيضطرب نظام حياتهما، وسيعيشان في فوضى. أما إذا أخرجا الطاولة من المنزل فلن يستطيعا العيش معاً.‏

بسبب هذه الهواجس وتداعياتها، فضلا الصمت، كيلا يثيرا ما ركد في النفس منذ سنوات طويلة.‏

انطفأ ضوء الردهة. وذهبا للنوم دون إحساس بالنعاس. بينما ظلت الطاولة مكانها، حيث يتجمع عليها بهدوء طبقة شفافة من غبار يتراكم منذ زمن بعيد.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244