ماء ودماء ـــ سامر أنور الشمالي

قصص ـ منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق ـ 2006

Updated: Sunday, July 01, 2007 03:59 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

مفاجأة المسابقة

(1)‏

وهو يتصفح الجريدة اليومية، قرأ إعلاناً عن مسابقة أدبية للقصة القصيرة سيقيمها نادي القصة لهذا العام في مدينته، فقرر الاشتراك، على الرغم من أنه لم يكتب قصة واحدة من قبل!‏

ولكنه كان مدمناً على قراءة القصص.‏

ومع كل قصة يقرؤها كان يزيد إعجابه، ويتساءل بحيرة:‏

ـ "كيف كتب ذاك القاص مثل هذه القصة؟! كي اختار الكلمات؟! كيف انتقى الموضوع؟! بل كيف خطرت لـه هذه القصة؟!".‏

* * *‏

إذا اجتمع مع أصدقائه المقربين في الجلسات الحميمية، كان يفرض عليهم موضوعه المفضل الذي يدور حول طرق قراءة القصة القصيرة، وأساليب كتابتها. ويعيد تكرار جملة بذاتها، وهو يضحك:‏

ـ في كل قصة أقرأها أتعرف على أصدقاء جدد.‏

* * *‏

قيمة الجائزة المادية كانت مناسبة لأوضاعه المادية، وتكفي لسداد ديونه جميعها، بالرغم من أن الجائزة لم تكن هي الحافز الرئيسي لقراره بالمشاركة، فالمعاناة التي عاشها كانت أكبر من أي تعويض مادي قد يفوز به.‏

لقد أراد أن يقرأ لـه القاصون ولو قصة واحدة، فهو طالما قرأ قصصهم على كثرتها.‏

وأن تتهافت دور النشر على طبع كتبه، وأن تنشر صوره في المجلات، والصحف. وأن تتسابق الإذاعات، والتلفزيونات لإجراء مقابلات معه، وأن تتحول قصصه إلى أفلام سينمائية. وأن يرى كل ذلك من يعرفهم، لاسيما النساء اللواتي يحاول لفت نظرهن متى اجتمع بهن.‏

* * *‏

كان يذرع أرض الغرفة بخطواته، ليقف بين الفينة والأخرى أمام المرآة الكبيرة المثبتة على خزانتها القديمة، ليخاطب نفسه، وهو ينفخ الدخان من أنفه وفمه:‏

ـ "من المعيب بعد هذه السنوات كلها من النضال الأدبي أن أفوز بالمركز الثاني.. فكيف بالثالث.. هذا لا يليق بمركزي الأدبي الذي نذرت لـه نفسي منذ زمن بعيد.. ولاشك أنني سأصاب بأزمة قلبية إذا فزت بالمركز الثاني.. أما الثالث فالانتحار فوراً دونما تردد".‏

(2)‏

بعد محاولات شاقة، ومجهدة، ومضنية، تأكد لـه أنه لن يستطيع كتابة قصة قصيرة:‏

ـ "في الوقت الراهن.. طبعاً".‏

كان يؤكد لنفسه بثقة. ويعلل ذلك بأن المدة المتاحة للاشتراك في المسابقة غير كافية لإبداع قصة قصيرة لا تنافسها أية قصة في المركز الأول!.‏

* * *‏

ـ "سأضطر رغماً عني.. إلى أن أنتقي قصة مختلفة لا تشبه باقي القصص.. والأفضل أن تكون لكاتب أجنبي لم يترجم لـه إلى العربية حتى كتاب واحد.. وأن تكون القصة لمترجم غير مشهور.. والمجلة قديمة كي لا يذكرها أحد.. أما أحداث القصة فيمكن أن تقع في أي مكان وزمان.. عندئذ سأبدل الأسماء بأسماء عربية.. أما أسماء الأماكن فأبدلها بأسماء مشهورة من مدينتي كي أضفي على القصة نوعاً من المحلية وكي أبعد أية شكوك محتملة".‏

بعدما وضع تصوره هذا لمشروعه الأدبي. شرع يبحث عن غايته لدى بائعي المجلات القديمة المستعملة.‏

* * *‏

أخذ إجازة من عمله، وعكف في حجرته يقرأ القصص المطابقة لشروطه، ويصنفها بدقة إلى مجموعات.‏

في نهاية المطاف وقع اختياره بعد طول تردد على قصة قصيرة منشورة في مجلة توقفت عن الصدور منذ أكثر من ربع قرن، لكاتب أجنبي مغمور، ولمترجم لم يسمع عنه من قبل، فهتف فرحاً مصفقاً بقوة:‏

ـ "لاشك أيضاً أن من اطلعوا عليها في عداد الأموات.. أما إذا كان أحدهم لا يزال على قيد الحياة فمن المحال أن يذكرها".‏

* * *‏

أخذ يعد الأيام بفارغ الصبر.‏

وهو يطمئن نفسه بان خطته ستنجح حتماً، لأنها لم تخط في رأس يماثله عبقرية!.‏

(3)‏

وقف وسط القاعة في نادي القصة، مرتبكاً، ومتحاشياً من أن يلتقي مع أحد الكتاب، أو الصحفيين، الذين أتوا لحضور الأمسية التي ستقرأ فيها القصص الفائزة، وسيعقبها توزيع الجوائز. وربما جزعا من سؤال لا يتوقعه قد يطرح عليه.‏

* * *‏

عندما رأى قاد شرطة المحافظة يدخل من باب القاعة، ويترك بعض رجاله الذين يرافقونه عند الباب. خيل لـه أن أمره قد انكشف، وإن قائد شرطة المحافظة قد أتى ليلقي القبض عليه، وقد أوقف عناصر الشرطة بالباب ليمنعوه من الفرار من وجه العدالة.‏

تتالت الأفكار متسارعة في ذهنه:‏

ـ "لاشك أن السرقة الأدبية عقوبتها شديدة والدليل أن قائد شرطة المحافظة قدم شخصياً لتوقيفي برفقة دورية مسلحة.. وربما أقضي كل حياتي في السجن.. بل قد أعدم أمام نادي القصة كي أكون عبرة لكل سارقي القصص في العالم".‏

* * *‏

قرر أن يهرب مهما كانت الأسباب، لأنه الخيار الوحيد المتاح.‏

تأمل القاعة فلم يجد سوى الباب الذي لا يستطيع الخروج منه لوقوف رجال الشرطة، وصعوبة الركض بسرعة على الدرج.‏

اقترب من النافذة الكبيرة المطلة على حديقة نادي القصة، وحاول فتحها، فلم يقدر، ربما لأنها كانت معطلة حقاً، أو لارتباكه الشديد.‏

أمسك بأحد الكراسي المصفوفة في القاعة، وضرب بها النافذة فتكسر الزجاج، ودوت أصوات الارتطام، والتحطيم!.‏

التفت جمهور الأمسية صوب مصدر الضجيج، وملامح الاستغراب، والاستهجان، تعلو وجوههم!.‏

فأدرك أنه لا مجال للتردد الآن.‏

فتراجع بضع خطوات إلى الوراء، ثم صرخ بأعلى صوته، واندفع قافزاً من النافذة إلى شجرة كبيرة تحاذيها، وهو يحاول التشبث بأغصانها التي مزقت ثيابه، ولحمه. ثم قفز إلى الأرض فوقع في بركة موحلة، ثم نهض بصعوبة، وانطلق راكضاً لائذاً بالفرار.‏

* * *‏

كل من في القاعة تجمعوا قرب النافذة المحطمة ليراقبوه بذهول وهو يركض تحت المطر الغزير خارج حديقة نادي القصة، ثم وهو يهرول في الشارع، بين السيارات التي كادت تدهسه. حتى غاب عن مدى نظرهم.‏

* * *‏

قطع أحدهم الصمت الذي خيم على الجميع بسؤال ما، فتتالت الأسئلة دونما جواب:‏

ـ من ذاك المجنون؟‏

ـ أليس هو الفائز بمسابقة القصة القصيرة؟‏

لماذا تصرف بهذه الطريقة الغريبة؟‏

ـ هنا قائد شرطة المحافظة.. اسألوه.‏

كأن الجميع كانوا غافلين عن هذه الحقيقة على أهميتها، فالتفتوا نحو قائد شرطة المحافظة، مقدرين رأيه، بصفته الأقدر على حل جميع المعضلات المطروحة، ومستغربين في الوقت نفسه عدم تدخله لحل هذا اللغز الغريب!.‏

عندئذٍ تنحنح قائد شرطة المحافظة، وقال مؤكداً:‏

ـ لقد فرغت نفسي لبضع ساعات كي أحضر هذه الأمسية.. فأنا من المغرمين بقراءة القصص القصيرة وسماعها.. ولقد كانت لدي عدة محاولات في كتابة القصة القصيرة قبل أن التحق بسلك الشرطة..‏

وأردف ضاحكاً:‏

ـ أما سبب هذا التصرف الذي قد يبدو غريباً لعامة الناس.. فكاتب القصة كما يبدو من العباقرة.. والدليل فوزه بالمركز الأول بهذه المسألة التي شارك فيها الآلاف من الكتاب في بلدنا.. وكما هو معروف للجميع تصرفات العباقرة لا تقبل التأويل لأسباب مجهولة!.‏

ثم أشعل سيجارته، وأحكم معطفه الأسود على جسده الضخم، وسار ببطء خارجاً من القاعة.‏

* * *‏

عندئذ تأكد لجمهور الأمسية الأدبية أنهم اكتشفوا في مدينتهم قاصاً عبقرياً، لديه الكثير من الطباع الغريبة!‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244