|
||||||
| Updated: Sunday, July 01, 2007 03:59 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
العودة إلى البيت القديم تأملت الوردة الذابلة بحزن، وأدركت أن الماء حبس عنها، فمنذ وفاته لم يسقها أحد. بل تجاهلوا هذه الوردة الصامتة بلا مبالاتهم، فلو أحبوه حقاً ما تركوا زهوره تموت بعد رحيله بأيام قليلة. بحثت عن خرطوم الماء، وبدأت أرش الورود الذابلة التي انتعشت بقطرات الماء، وأخذت تنشر فوح أريجها الذي كان يطيب عباءته المنسية على مسمار الجدار الذي أمامي، فدنوت من العباءة وارتديتها، فشعرت بدفء إنساني أيام البرد الطويلة التي قضيتها في بلاد بعيدة تغطيها الثلوج أكثر فصول العام. * * * في الطائرة تذكرت السنين الطويلة التي لم أر فيها أبي. كنت أعلل نفسي بأنني في العام القادم سأزوره في البيت القديم. ولكن السنوات كانت تنثال هاربة من قبضة عمر يوشك على المغيب. فيقتصر اللقاء المرتقب على رسائل والدي المكتوبة بخطه الجميل، والمضمخة بكلماته الطيبة، والمذيلة بدعائه الصادق. * * * في قاعة المطار، كان بانتظاري أخي أحمد الذي زادت تغضنات وجهه المتصل بصلعة كبيرة تشبه صلعة أبي. وأخي جابر الذي بدأ الشيب يقتات شعره الأسود. وأختي سميرة المتشحة بثياب سوداء. ولكن دون أبي هذه المرة. فأدركت قسوة أن يمر العمر بعيداً عمن نحب. تصافحنا بصمت، وتبادلنا القبل والدموع تبلل وجوهنا الشاحبة، بهدوء لم نألفه في زيارات سابقة، حيث كانت الضحكات، وقهقهات والدي تملأ المكان على اتساعه. قطع الصمت الكئيب صوت أختي وهي تبكي وتضمني إلى صدرها، كما كانت تفعل والدتي عندما كانت على قيد الحياة: ـ وهو يسلم الروح.. طالب برؤيتك. جملتها على قصرها، ضاعفت حزني، وشعوري بالذنب تجاه والدي الذي قدم لي كل ما استطاع، ولم أبادله غير الجحود والقسوة. * * * كانت بانتظارنا خارج المطار سيارة يقودها عدنان بن أحمد الذي لم أعرفه إلا عندما قدموه إلي، واستهجنت سلامه البارد، كأنه لا يصافح عمه الذي لم يره منذ سنوات. بل شخصاً غريباً التقاه مصادفة. صوت أحمد الأجش مزق غلالة الصمت الداكنة: ـما مدة عطلتك هذه المرة؟ ـ أسبوع. أجبته، وصمت مفضلاً تأمل الطريق وهو يمضي خلفنا، كأنه العمر الراحل. ولكن أختي سألتني مستنكرة: ـ معقول!.. أسبوع فقط؟ لم يدع لي جابر فرصة للرد. فقال: ـ اليوم تستريح.. وغداً نذهب إلى المحامي. سألت مستغرباً: ـ لماذا المحامي؟! ـ سنبيع منزل أبي.. قال جابر كأنه يتفوه ببديهية لا تقبل الجدل. ثم أردف مستدركاً: ـ ليرحمه الله. بينما تابع عدنان بحماسة: ـ سنبيعه بمبلغ كبير جداً.. فسيشتريه متعهد بناء ليهدمه، ويشيد على أرضه فندقاً سياحياً فخماً. عندما لاحظت سميرة عدم رغبتي في الخوض في أمر بيع منزل والدي الذي لم تمض على وفاته مدة طويلة، قالت مدارية الارتباك: ـ لنؤجل الحديث إلى حينه. * * * عندما وصلنا المدينة. سأل جابر: ـ أين ستقيم؟ ـ في منزل أخيه الكبير بالطبع. قال أحمد. ثم اعترضت سميرة: ـ بل في منزلنا.. فهو أكثر اتساعاً. فقلت حاسماً النقاش: ـ بل في بيت أبي.. مثل كل مرة. فقالت سميرة: ـ لكنه مغلق.. منذ وفاته. فسألتهم مستهجناً: ـ أين تتلقون العزاء إذاً!؟! قال أحمد: ـ في منزلي طبعاً. ـ لماذا؟ أعدت السؤال مستغرباً تصرفهم. فقال عدنان موضحاً صواب رأيهم: ـ أهم المعزين من أصحابي، لهذا فضلت أن يكون العزاء في منزل أبي فهو البكر، وعيادتي في البناء نفسه، أي لن يتوه أحد عن العنوان. نظرت باستغراب إلى أحمد الذي تظاهر بأنه مشغول بإشعال سيجارة، بينما قال جابر: ـ معه حق.. فمنزل أبي في حي شعبي، وأصدقاؤنا كلهم من الطبقة الراقية. فلقد تركنا الحارة منذ زمن بعيد. ـ لن أقيم سوى في منزل أبي. أكدت بإصرار، فصمت الجميع، واتجهت السيارة نحو الحي القديم. * * * وقفت السيارة في أول الشارع لضيقه. فترجلت ماشياً في الزقاق الذي لن أنساه مهما ابتعدت عنه، ففيه قضيت أجمل أيام طفولتي. وخطوت نحو البيت متأملاً واجهته المتواضعة التي لا تدل على جمال ما فيه. هكذا كان أبي صامتاً منزوياً في صومعته. ولكن ما أن يجلس المرء إليه حتى يألف أحاديثه، ويعتبره صديقه الحميم. سبقني إلى الباب الخشبي أحمد ليفتحه، ولكنني طلبت منه المفتاح. فبدا عليه الامتعاض، وناولني المفتاح كارهاً. بعدما دخلنا البيت، تأملته بحزن وقد كساه الغبار الداكن للمرة الأولى. وتنبهت سميرة لذلك فقالت: ـ سأطهو لك بعض الطعام، وسآتي غداً مع ابنتي لننظف البيت. فقلت بجفاء ندمت عليه فيما بعد: ـ لا عليك.. لقد عشت سنوات عديدة وحيداً في الغربة، وأعرف كيف أتدبر أمري. فقالت سميرة: ـ لكن الأمر مختلف الآن. قاطعتها: ـ لا تقلقي.. ثم لا تنسي أنني عشت طفولتي في هذه الحارة. ـ أنا مضطر إلى الذهاب.. فعدنان ينتظرني في السيارة. قال أحمد، ثم سألني جابر: ـ هل تحتاج إلى مساعدة؟ قالت سميرة: ـ اذهبوا أنتم.. سأبقى معه. ـ أفضل أن أبقى وحيداً. قلت، فسألني جابر: ـ متى ستزور الأقارب؟ أكدت بلهجة حاسمة: ـ أنا هنا في هذا البيت.. ومن يريد أن يراني يعرف مكاني. * * * للمرة الأولى أكون في منزل أبي دون أن يستقبلني بقبلاته الطرية، ولحيته البيضاء الناعمة التي تدغدغ خدي. صعدت إلى صومعته، حيث كان يقضي معظم وقته في مجلسه قرب النافذة الكبيرة المطلة على أرض الدار المكشوفة للسماء ليريح بصره من عناء القراءة بتأمل الأزهار التي يبالغ في العناية بها، كما يحرص على صيانة النافورة. أما في فصل الشتاء فيتأمل المطر المنهمر وهو يغسل البيت العتيق. مازالت المكتبة الخشبية مكانها، بزخارفها الشرقية البديعة، والكتب السميكة مجلدة بأغلفة مذهبة مرتبة بعناية خلف الزجاج الذي كساه الغبار. وبقربها مسند الكتب المشغول بالفسيفساء. تأملت صورة أبي، نادماً على ما مضى من سنوات، دونما أن أحادثه في كل ما يخطر في نفسي من هواجس، ويجور في رأسي من أفكار. وأنا أضع يدي على طاولة أبي المزينة بالفسيفساء. عثرت على كتاب مرمي قرب طاولته الصغيرة. فتناولته بقوة، وأنا أخمن أنه آخر كتاب كان يقرأه، ولم يفطن إليه أحد. دهشت عندما اكتشفت أنه مكتوب بالكامل بخطه الجميل. لم أبك عندما سمعت خبر وفاة والدي برغم حزني الشديد لفراقه الأبدي. ولكن عيني فاضتا بالدموع عندما قرأت ما خصني به من مشاعر على صفحة الكتاب الأولى: (أهدي هذا الكتاب إلى ابني ثائر الذي سيرث مكتبتي.. فهو الوحيد من أبنائي الذي رحل عن وطنه وعاش وحيداً كي يبحث عن أشياء جديدة يتعلمها). * * * جلست تحت شجرة الياسمين التي يتساقط منها بين الفينة والأخرى زهرها الأبيض كأنه نداف ثلج رهيف يهطل من ذروة جبل عال. وأنا أشرب كأس (الزهورات) مقلداً أبي في عاداته اليومية التي كان يكررها بشغف لا يمله، وأنا أتأمله، وألعب في فناء الدار الواسع. حالماً بأن أكبر سريعاً، كي أكون مثل والدي. ولكن عندما بلغت سن الشباب، سافرت لأتابع تعليمي. ولم أعد كما كان يحلم أبي رحمه الله. * * * أخذت أقرأ الكتاب الذي اكتشفت عبره أن أبي كان يوثق فيه لبيته الذي ورثه عن جده. عرفت أن البيت يعد من أقدم بيوت المنطقة. وأن المفكر (نور الدين) أحد رواد النهضة في ذاك العصر أقام فيه، ومنه أصدر مجلة (السراج) التي كان أول دورية تصدر باللغة العربية في المدينة آنذاك. * * * قرع باب الدار الخشبي العتيق. فتحت الباب، فرأيت جابراً الذي بادرني قبل التحية بسؤاله: ـ أنت جاهز؟ ـ لن أذهب. اضطرب جابر، ثم نظر صوب السيارة وأشار لهم كي يأتوا. فترجلوا من السيارة، وركضوا صوبي وهم يلغطون فيما بينهم بكلام مبهم. ـ ماذا حدث!؟! سألوا جابراً بصوت واحد. فأجابهم: ـ إنه يرفض الذهاب. تبادلوا النظرات بخشية، وهم يسألوني بحذر: ـ لكننا اتفقنا!.. ـ لماذا غيرت رأيك؟!.. ـ لقد أجمعنا على بيع المنزل وتقاسم ثمنه. لم يسألني أحد عن صحتي، أو اعتلال مزاجي، مما شجعني على الصياح بوجوههم: ـ لن أبيع منزل والدي. فصرخوا معاً: ـ نحن سنبيعه. ـ سأحاول قدر استطاعتي منع هذا الأمر. قلت متحدياً. فعقبت سميرة بلطف: ـ لماذا يا أخي؟! قلت بحزم: ـ سأحول البيت إلى متحف. فصاح أحمد: ـ أنت مجنون! ثم قال عدنان مهدداً: ـ سنبيع البيت رغماً عنك. وأيد الجميع رأيه، بينما اكتفت سميرة بالسكوت. ـ أنا مستعد للدفاع عن البيت. أكدت حاسماً النقاش. ثم أغلقت الباب بوجوههم. وظل صوت قرعهم للباب يتردد صداه في أذني، حتى خلت أن الباب الخشبي سيدك. ثم توقف الضجيج. فعرفت أنهم يئسوا من أن أفتح لهم الباب كي أناقشهم ففضلوا الذهاب، وإن لم يستسلموا لقراري. ومع ذلك شعرت براحة كبيرة وأنا أتأمل بهدوء البيت العريق الذي سأحميه كي يظل صامداً على مر العصور. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |