قراءات في النص المسرحي السوري ـــ جوان جان

دراسة ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق ـــ 2006

Updated: Monday, July 02, 2007 02:01 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

مسرحيات وليد فاضل القصيرة بين الواقع والترميز

المسرحية القصيرة جنس مسرحي لا يلقى –غالباً- الإقبال من قبل كتّاب المسرح، ارتباطاً بتفضيل المخرجين المسرحيين للمسرحية الواحدة الممتدة على مدى ساعة من الزمن على الأقل، بالإضافة إلى كون المسرحية القصيرة لا تحظى بنفس الاهتمام النقدي الذي قد تحظى به المسرحية بحجمها المتعارف .‏

تقدم المسرحية القصيرة لمحة أو حدثاً واحداً بشخصيات محدودة، غالباً ما يُكتفى بتقديم جانب واحد من جوانبها، على أساس أن مدة المسرحية لا تسمح بتقديم أكثر من جانب .‏

من كتّابنا المسرحيين الذين تطرقوا إلى هذا النوع من المسرح يبرز اسم وليد فاضل الذي جمع عشراً من مسرحياته القصيرة في مجموعة مسرحية تحت عنوان "رجل وامرأة في حوض السمك" وهو عنوان واحدة من هذه المسرحيات التي يجنح كاتبها فيها نحو استخدام الرمز في إيصال الفكرة، باستثناءات قليلة تنحصر في ثلاث نصوص هي "الساكن المتحرك" و"ليلة الطيران" و"امرأتان وقبر واحد" بينما يركز في مسرحياته الأخرى على الترميز كركن أساس من أركان نصه المسرحي، وهذا الترميز كان في معظم الحالات يخدم الفكرة المطروحة ويعزز من قوتها وقدرتها على الوصول، بينما في حالات قليلة يكون الترميز عبئاً على النص ولا يعدو أن يكون زخرفة كلامية لا تقدم، بل قد تؤخر.‏

في مسرحيات "الساكن المتحرك" و"ليلة الطيران" و"امرأتان وقبر واحد" ثمة هاجس إنساني اجتماعي يسيطر على الكاتب وشخوصه، وهذا الهاجس لا يقتصر على هذه المسرحيات بل يمتد ليشمل المسرحيات الأخرى، ولكن باعتبار أنه في هذه المسرحيات الثلاث تحديداً لا يلجأ إلى الترميز في طرح أفكاره فإن الهاجس الاجتماعي الإنساني يبدو في أقصى حالاته وتجلياته، فمسرحية "الساكن المتحرك" عبارة عن لقطة إنسانية شفافة، تقطر أسى ولوعة، بطلها رجل عجوز "يسير ببطء شديد.. في الدقيقة الواحدة يمكن أن يقطع متراً واحداً فقط.. إنه في السبعين من عمره.. ثيابه رثة بشكل غير اعتيادي" .‏

تركز المسرحية على جانب واحد من جوانب الشخصية وهو حالة العجز التي وصلت إليها والتي تتخذ عدة أشكال، أولها الحالة المادية المزرية التي وصل إليها الرجل والتي وصلت إلى درجة أنه لم يعد يملك ثمن أجرة سيارة يستقلها للعودة إلى بيته، كما أنه لم يعد قادراً على إطعام قطته وهي الكائن الوحيد الذي تربطه به علاقة قوية بعد أن أصبح وحيداً لا سند له، أما هو فيبدو أنه يعيش على ما يتصدق به الآخرون عليه، ومن هؤلاء الآخرين أخته التي تشكل دعوتها لـه لتعطيه بعض الطعام سبباً في تواجده في الشارع لحظة بدء الحدث المسرحي، وبالإضافة إلى ما سبق من معلومات عن وضعه المادي تصلنا من خلاله يمكننا أن نذكر أن شكل الرجل قد أضحى يستدعي العطف من المارة ويشير بشكل صريح إلى حالته المادية إلى درجة أن إحدى النساء العابرات لا تتردد في أن تضع في يده قطعة من النقود، لذلك يبدو خارج السياق طلب إحدى النساء المارات منه أن يعطيها صدقة إلا إذا كانت هذه المرأة غير ممتلكة لقدرات عقلية معقولة تجعلها قادرة على التمييز، وهو الأمر الذي لا يشير إليه المشهد الذي ظهرت به .‏

الشكل الثاني من أشكال العجز هو عدم قدرة الرجل على الاستمرار في ممارسة خصلة الكرم التي يبدو أنه يتحلى بها، فعدا عن عنايته بحيوان أليف منذ ولادته نراه يقدم إلى المرأة التي تطلب صدقة منه ما يحمله في جعبته من طعام قليل تصدقت عليه به شقيقته رغم حاجته الماسة لـه لإشباع جوعه المزمن، وكذلك الأمر بالنسبة لإعطائه مبلغ المئة ليرة التي وضعتها في يده إحدى المارات لعاملة المطعم الذي يقف كل يوم أمام بابه ويستعرض لائحة الطعام دون أن يتمكن من تذوق أي شيء منه، مكتفياً بطلب عدة أصناف من عاملة المطعم والاكتفاء بالطلب دون تناول شيء مما يطلبه، والعاملة من جهتها فهمت الرجل تماماً في عدم قدرته على دفع ثمن صنف طعام واحد مما يطلب فعرفت اللعبة وأصبحت في كل مرة يمر بها الرجل من أمام المطعم تكتب على ورقة ما يشتهيه من طعام، لا بل إنها اندغمت باللعبة تماماً عندما أصبحت تقترح على الرجل أصنافاً من الحلوى والفواكه لتناولها بعد الطعام، وباعتبار أن الرجل يتصف بالكرم الشديد فإنه في المرة الأخيرة ينقدها المئة ليرة التي أعطته إياها المرأة العابرة مما يثير دهشة عاملة المطعم على دفعه البقشيش لها دون أن يتناول شيئاً من الطعام، إلى درجة لا تفطن في لحظتها إلى أهمية أن تعيد إليه المبلغ لإدراكها حاجته الماسة له.. إن عجز الرجل عن ممارسة عادة الكرم المتأصلة فيه بسبب الوضع المالي السيء الذي آل إليه لا يمنعه من محاولة اختراق هذا العجز عند أول فرصة، وهذا ما كان .‏

وأما الشكل الثالث من أشكال عجز الرجل فهو العجز بمعناه المباشر-الجسدي الذي يظهر جلياً من لحظات المسرحية الأولى، وهو العجز الذي لا بد وأنه استتبع أنواع العجز الأخرى سابقة الذكر .‏

ويبقى العجز الاجتماعي الذي لا علاقة لـه في كل مراحله بالعجز الجسدي، فعجز الرجل الاجتماعي يتبدى في فشله في الحصول على حبيبته زهية التي ما إن شك أهلها بترددها إليه حتى بقيت في غرفتها إلى أن ماتت، دون أن يتمكن من صنع شيء من أجلها، وهذا النوع من أنواع العجز انسحب فيما بعد على علاقته بشقيقته وهي علاقة سرية بكل معنى الكلمة بسبب عدم رضا زوج الأخت عن الرجل الذي لا ذنب لـه سوى وصوله إلى مرحلة لم يعد فيها قادراً على إعالة نفسه .‏

على الرغم من قصر زمن المسرحية التي لا تتجاوز صفحاتها الرقم ثمانية إلا أنها قدمت لنا حالة اجتماعية ونفسية متقدمة، أسهم في نجاحها عدم لجوء الكاتب إلى إدخال العنصر الترميزي الذي يجنح نحو الغرائبية في كثير من الأحيان.‏

وتقدم مسرحية "ليلة الطيران" نموذجاً آخر من نماذج الشخصيات الإنسانية المعذبة والمنسية التي –كمثيلتها مسرحية "الساكن المتحرك"- تنأى بنفسها عن طرح الفكرة بأسلوب ترميزي وتنحو باتجاه الواقع بفجاجته وفجائعيته .‏

تبدأ المسرحية بدخول رضية وهي "تحمل كيساً كبيراً على ظهرها.. ملامحها قذرة وتدل على سوقية تامة" وتبدأ بمخاطبة شخص يدعى عبد الفتاح مستعرضة (غنائمها) مما استطاعت أن تجمع من القمامة من أشياء قد تجدها في غاية الأهمية بعد أن تخلص منها أصحابها.. وتكون المفاجأة عندما تعثر رضية على مغلف يحتوي على مجموعة من الدولارات التي تتعرف عليها فور مشاهدتها دون أن تقدم لنا المسرحية سبباً مقنعاً لتعرف متسولة كرضية على الدولارات بمجرد مشاهدتها إياها.. وبمجرد ظهور الدولارات تخرج فتحية وهي متسولة صديقة لرضية وتنازعها على الدولارات فتحتكم المتسولتان إلى "قاضي الزبالة المحترم" –حسب تعبير رضية- الذي يحكم بينهما دون أن ينسى حصته بالطبع، فتأتمران لأمره وتصنعان لنفسيهما وجبة عشاء مما جلبته رضية معها من أطعمة فاسدة ويكون الموت مصيرهما نتيجة تناولهما لهذه الوجبة .‏

المسرحية تقدم فكرتها وشخصياتها دون تعقيد.. إنه العالم الذي لا أحد يسمع به أو يعرفه، وبالأحرى العالم الذي لا أحد يريد أن يسمع به أو يعرفه .‏

هذه المسرحية من مسرحيات الكاتب القليلة التي تقدم نفسها بنفسها دون حاجة لشرح أو اجتهادات لتفسيرها، وإن كنا نستطيع إلى حد ما أن نتحدث عن شخصيات المسرحية والعالم الذي تتحرك في محيطه كشخصيات تشكل نماذج لعالم أوسع وأكثر رحابة مما شاهدنا.. أليس تسول لقمة الخبز كتسول الكرامة والمأوى والعمل وما إلى هنالك من أساسيات الحياة؟‏

وتأتي مسرحية "امرأتان وقبر واحد" لتقدم موضوعة الخيانة الزوجية التي كثيراً ما تناولتها الدراما من مسرحية وغيرها، ولكن من النادر أن يتم تناول هذه الموضوعة بشكل ساخر قائم على مفارقة معينة يُبنى عليها الحدث.. في مسرحية "امرأتان وقبر واحد" يحاكي الكاتب مسألة الخيانة الزوجية من خلال امرأتين تجتمعان على قبر رجل واحد وتكتشفان أن الرجل كان زوجاً لهما بنفس الوقت، فتصبان لعنتهما عليه وتنسحبان بعد أن تستعيدا كل ما كانتا قد جلبتاه لـه من أطعمة.. وإذا كانت الزوجة الثانية قد تصرفت هذا التصرف بسبب معرفتها للموضوع فإن الزوجة الأولى كانت تمتلك من الموجبات ما يجعلها تقدم على هذا التصرف أو على تصرف مشابه باعتبار أن حياتها معه لم تكن حياة مثالية، فلطالما تذمر على سبيل المثال من طريقة طهوها للطعام، ولطالما تعذبت من إهماله لها ومغامراته التي لا تنتهي : "دعني أستمتع بعذابك الطويل الجميل، فطالما عذبتني يا أبا أحمد" .‏

فكرة المسرحية غاية في واقعيتها، وكذلك كانت المعالجة باستثناءات بسيطة تطل برأسها بين الحين والآخر دون أن تضيف شيئاً ذا بال إلى النص المسرحي.‏

في مسرحيات المجموعة المتبقية لا يوفر الكاتب جهداً في إلباس نصوصه قالباً رمزياً يكرسه في التعبير عن أفكاره، وهذا القالب ساعد في العديد من هذه النصوص في إعانة الكاتب على ما يريد، مع بعض الاستثناءات كما سنرى :‏

ففي مسرحيته "الديناميت" يلجأ وليد فاضل إلى الشكل الاجتماعي والمضمون الرمزي والمقولة السياسية في طرح موضوعته.. تبدأ المسرحية بظهور الزوجة وهي تستقبل زوجها الآتي من الخارج وهي في حالة من القلق والترقب وتخبره أن شخصاً اسمه "الديناميت" قد عاود الاتصال من جديد، ولنلاحظ هنا كيف أن الكاتب قد قدم شخوصه وحدثه بشكل واقعي-اجتماعي من خلال شخصيتَي الزوج والزوجة، ورمزي من خلال الشخص المجهول المسمى "الديناميت" وهي تسمية تقودنا مباشرة إلى التفكير بمدلولات هذه الشخصية وما قد ترمز إليه، ولا يعاني القارئ كبير عناء ليكتشف أنه أمام عمل مسرحي يصور واقع الأمة العربية المتخاذل أمام الآخر-الأميركي الذي لا يتورع عن إرسال أوامره بالوسيلة التي تناسبه دون أن يتوقع أية مقاومة من الطرف الآخر، وهو الأمر الذي يتجسد عند أول ردة فعل من قبل الزوج على طلبات "الديناميت" المحصورة في الحصول على الزوجة في تمام الساعة العاشرة مساء، ومن الجملة الأولى التي يتلفظ بها الزوج رداً على هذا الطلب نستنتج موقفه المهادن بالكامل إذ يقول : "أمامنا نصف ساعة كي ندرس الأمر بجدية ونرى ما هي الحلول" ذلك أن مجرد التفكير بالبحث عن حلول لمشكلة من هذا النوع من قبل الزوج كافٍ كي تصل مقولة المسرحية بالكامل وهي المقولة المتعلقة بما يدور في هذه المنطقة من نزعة أميركية نحو التسلط وفرض الإرادة عن طريق القوة بمختلف أشكالها، وما يقابلها من خنوع عربي يصل إلى حد التسليم الكامل بالطلبات الأميركية .‏

في المقابل لا يترك الكاتب شخصية الزوجة تواجه مصيرها دون مقاومة أو على أقل تقدير دون محاولة لإبداء نوع من أنواع المقاومة، فبينما تقترح الزوجة الاعتماد على القوة التي تصل حسب وجهة نظرها إلى درجة قتل الديناميت-العدو يتخذ الزوج موقفاً مغايراً عندما يبادر إلى إبداء مرونة لا تفيد في حالات كهذه بحجة وجودهم في مجتمع متمدن يصون حقوق الجميع عبر القانون، كما أن الزوج يعلن عن استعداده لاستقبال "الديناميت" ومناقشة الأمر معه طالباً من زوجته الاستعداد لهذه (المواجهة) عن طريق ارتدائها لأجمل فستان سهرة عندها شرط أن يكون بلا أكمام؟!!.. والواقع أن هذه الإشارات كلها من قبل الزوج تصب في هدف واحد هو التأكيد على الفكرة الأساسية التي وصلت منذ لحظات المسرحية الأولى، وبالطبع فإن وسائل الزوج في التصدي لهذا الوضع لا تخلو من طرافة يتعمدها الكاتب للإمعان في تصوير حالة الإذلال التي يتسم بها موقف الزوج (الأمة العربية) فهو لا يفتأ أن يتلفّظ بعبارات قوية، لكنه يفرِّغها من محتواها عندما يطلب من زوجته طلبات غاية في الانهزامية، فهو كي يقارع هذا العدو مقارعة الند للند –حسب تعبيره- يطلب من زوجته أن تضع العطر الذي يفضّله هذا العدو كي يبقى هذا العدو سعيداً مبتهجاً وكأنه في بيته! وقِس على ذلك من أمثلة عديدة تتكرر حتى اللحظة الحاسمة التي يعلن فيها الزوج أنه على استعداد للمفاوضات –وهو تعبير سياسي كما نلاحظ- الأمر الذي يثير استغراب الزوجة التي اعتقدت أن زوجها يستعد لمنازلة شرسة في الوقت الذي كان يلهو فيه بتناول الطعام والشراب بحجة الاستعداد لـ (المواجهة) التي تبدأ بدخول الديناميت بمظهره الذي لا يوحي بطبيعة الفكرة التي تكونت عنه، فهو "شاب مراهق مخنث في منتهى الجمال والأناقة والذكاء والدهاء" في إشارة إلى أن الشكل الحديث للقوة قد لا يعتمد في كثير من الأحيان على القوة العضلية (العسكرية) بقدر ما يعتمد على وسائل الإقناع التي تبدأ الشخصية بطرحها تباعاً مبتدئة بوجبة من الهمبرغر من مطاعم ماكدونالد الأميركية الشهيرة المعتمدة على الوجبات السريعة والموجودة في معظم أنحاء العالم والتي تُعتبَر رمزاً للسيطرة الأميركية.. وتكون الخطوة التالية "هدم البيت وبنائه من جديد حتى ليبدو وكأنه بيت أميركي"، والثمن توقيع فقط، وأما الخطوة الثالثة فهي الاقتراح بتغيير الزوج، و"البديل صديق وسيم على الطريقة الأميركية" مع ما يتطلبه ذلك من إعادة تأهيل الشكل الخارجي للزوجة.. والواقع أن شكل طرح هذه الاقتراحات-الأوامر لا يمت بصلة إلى ما تكوّن من انطباع حول شخصية "الديناميت" الذي جاء –كما وصل إلينا منذ بداية المسرحية- كي يستولي على الزوجة فقط، فإذا كان "الديناميت" على هذا القدر من الدهاء كي يصل إلى مراده الذي هو أبعد بكثير من الحصول على الزوجة فكيف يمكن أن يلجأ أولاً إلى سياسة فرض الرأي بالقوة مع ما يمكن أن يشكله ذلك من إمكانية تشكل مقاومة ما لهذا الأسلوب في التعامل في الوقت الذي تتوفر فيه إمكانية تحقيق الطلبات دون أدنى مقاومة؟ ونحن نعرف في مبادئ الأدبيات السياسية أن الأقوى يلجأ إلى أسلوب الترغيب أولاً، فإن لم يجدِ يكون الترهيب.. لا العكس .‏

تنتهي المسرحية بخروج الجميع باستثناء الزوج الذي يتم نسف البيت فوق رأسه لرفضه الخروج بحجة عدم قدرته على التحرك بسبب الوجبة الثقيلة التي تناولها قبل دخول الديناميت استعداداً لملاقاته.. والواقع أنه منذ دخول الديناميت يطرأ تحول واضح على شخصيتي الزوج والزوجة وبشكل خاص الزوجة التي لا تفتأ قبل دخول الديناميت أن تحض زوجها على التحضير للمواجهة، ثم لا تلبث أن تغير موقفها فور دخول الديناميت دون أبسط مقدمات منطقية لهذا التغيير في الموقف، كما أن وصف الزوج من قبل الديناميت بالرجل "ثقيل الحركة بطيء التأقلم مع الحياة" لا يتناسب مع موقف الزوج المعلن منذ البداية باستعداده للتفاوض مع الديناميت على كل شيء بما في ذلك زوجته، وهذا التغيير في موقف الزوجين لا يتناسب مع المقدمات التي ترسم شخصيتيهما، وهذا الأمر ليس الشيء الوحيد الذي لم يسوغ الكاتب التحول الذي طرأ عليه، إذ أن طلب "الديناميت" بالحصول على الزوجة في تمام العاشرة مساء أمر لا يقرب ذكره "الديناميت" منذ دخوله وحتى خروجه وكأنه ليس هو الذي تلفّظ به، بل يكاد لا يعير اهتماماً يُذكَر للزوجة سوى إشارته إلى ضرورة تحسين شكلها كي تجد لها صديقاً على الطريقة الأميركية، وهنا يمكننا الإشارة إلى أن الحديث عن كون "الديناميت" يمثل الأميركيين بهذا الشكل المباشر عبر ذكر كلمة أميركا أو الأميركيين أكثر من مرة قد حوّل مسار المسرحية وذهب بها بعيداً عن مضمونها الرمزي الذي يصل بسهولة ودون تعقيد، إلى مضمون مباشر دون الأخذ بعين الاعتبار ترك مجال للمتلقي بالتفكير بمدى صواب الفكرة التي كوّنها عن شخصية "الديناميت" وما يمكن أن ترمز إليه، ودون الأخذ بعين الاعتبار أيضاً أهمية الوفاء للأسلوب الذي اختاره الكاتب لمسرحيته حتى لا يقع في مطب الثنائية في أسلوب الطرح، هذا المطب الذي وقعت به هذه المسرحية .‏

من جهة أخرى يقدم الكاتب في مسرحية "المانيكان" لقطة فوتوغرافية مغرقة في مأساويتها، وهل هناك مأساة أكثر من أن يضطر الإنسان أن يتحول إلى جماد من أجل لقمة الخبز؟!!‏

تدور أحداث المسرحية في "متجر لبيع الملابس الجاهزة النسائية" وهو مخصص كما تشير فخامة ديكوراته ونوعية البضاعة الموجودة فيه للطبقات الراقية.. صاحبة المتجر امرأة في الخمسين من عمرها .‏

وعلى اعتبار أن طبيعة يوميات مكان راقٍ وأنيق كهذا لا يمكن أن تتيح مجالاً لحدث مؤثر ذي أبعاد إنسانية عميقة فإن الطريقة الوحيدة المنطقية لخلق الحدث لا يكون إلا بإيجاد عنصر غريب عن المكان، بل ومتناقض معه .‏

سحر الفتاة البسيطة التي لم تتجاوز الثامنة عشر عاماً، يصفها الكاتب بأنها "ممشوقة القوام، نحيلة، ملامح جمال حزين يغلّفها بمسحة رومانسية" تخترق المكان بحثاً عن عمل، لكن صاحبة المتجر السيدة اعتدال لا تفطن إلى ذلك بل تعتبرها زبونة كأية زبونة في الوقت الذي من المفترض بها وهي صاحبة الخبرة الواسعة في هذا المجال أن تنتبه إلى أن (مخترقة المكان) بملابسها العادية لا يمكن أن تكون زبونة في متجر يبلغ ثمن أقل القطع فيه الآلاف، ولكن رغبة الكاتب في إيجاد موقف يقوم على سوء التفاهم (وهو وسيلة ناجعة غالباً يستخدمها الكتّاب المسرحيون لدعم عملهم بشيء من التشويق) كانت العامل الحاسم في عدم قدرة صاحبة المتجر السيدة اعتدال على تمييز سحر عن غيرها من زبوناتها المنتميات إلى الطبقات (الراقية) .‏

في الوقت الذي تدخل فيه سحر وتستقبلها السيدة اعتدال كاستقبالها لأية زبونة تبرز مشكلة تتعلق بالمانيكان (المجسم الذي يُلبَس الثياب ويوضع في واجهة متاجر الملابس) إذ كُسِرت رجله في وقت غير مناسب نظراً لوجود موديل جديد تريد السيدة اعتدال من خلال طرحه بأكبر سرعة ممكنة أن تسبق منافسيها، وبينما يغيب مساعد السيدة اعتدال خارج المتجر للبحث عن حل للمشكلة تكون السيدة اعتدال قد أقنعت سحر أن تجرب قطعة من الملابس باعتبارها زبونة جديدة، ولكن سحر لا تتمكن حتى الآن من مجرد الإفصاح عن هدف مجيئها إلى هذا المكان ألا وهو البحث عن عمل.. في الوقت الذي تغيب فيه سحر لتجريب قطعة الملابس يعود مساعد السيدة اعتدال من الخارج معلناً فشله في استعارة مانيكان من المحلات المجاورة، وللصدفة تكون سحر قد جربت ارتداء قطعة الملابس التي تريد من خلالها السيدة اعتدال أن (تضرب) السوق، ومن حسن حظ سحر –أو ربما من سوء حظها- تأتي القطعة على مقاسها تماماً وكأنها صُنِعت خصيصاً لها.. يقول عبد القادر مساعد السيدة اعتدال واصفاً قطعة الملابس على جسد سحر : "إنه مذهل، إنه صرعة، إنه ضربة، بل خبطة تحطم الرأس بل أعني الرؤوس"، وهكذا شيئاً فشيئاً وجدت سحر نفسها على وشك التورط بشراء قطعة ملابس غالية الثمن ربما لا تملك في جيبها أكثر من جزء بسيط جداً من سعرها، وعند هذا الحد لا بد من الصراحة وإلا الورطة التي لا تعادلها ورطة : "في الحقيقة أتيت لعلّي أجد عندكِ عملاً هنا في المحل" وكانت هذه هي الكلمات التي أنقذت سحر نفسها من خلالها من الورطة التي كانت ستقع فيها، ولا يهم بعد ذلك إن قبلت السيدة اعتدال أن تشغِّلها أم لا، وهذا ما حصل إذ رفضت صاحبة المتجر طلبها بحجة أن عبد القادر يقوم بواجبه الكامل كبائع ومساعد، والمتجر لا يتحمل أكثر من شخصين لإدارته والقيام بواجباته، لكن تدخل عبد القادر –الذي يبدو أنه يمتلك عقلاً أكثر عملية من سيدته- بفكرة لا تخطر على بال يدفع الأمور بأن تبدأ سحر عملها على الفور، وفحوى الفكرة أن تقف سحر بدل المانيكان ساعة في الفترة الصباحية ومثلها في الفترة المسائية، فتقبل سحر بالعرض على الفور، والواقع أن موافقة سحر على أن تقوم بدور المانيكان تبدو أمراً خارجاً عن المألوف، لكن الفكرة الأساسية في المسرحية التي تقول أن قيمة الإنسان أضحت في عصرنا الاستهلاكي شيئاً تافهاً ولا قيمة لـه تدفع الكاتب بهذا الاتجاه الذي لا يمكن لنا أن نقول عنه أنه خروج عن الإطار الواقعي الذي تبدو عليه هذه المسرحية، فإذا كان مكان الحدث وشخوصه شديد الالتصاق بالواقع فإن اللجوء إلى بعض المطعّمات خارج إطار الحدث الواقعي يبدو أمراً مطلوباً، وهذه المطعِّمات هنا تشكل جوهر العرض المسرحي دون أن تتوقف عند حد وقوف سحر مكان المانيكان كما سنرى .‏

في القسم الثاني من المسرحية تدخل السيدة نوال زوجة المليونير المعروف كي تشتري لنفسها قطعة من الملابس، والمفارقة هنا أن من يحدد القطعة المراد شراؤها هو الكلب الذي بصحبتها والذي تتركه سيدته كي يختار لها القطعة التي تعجبه، فهو سرعان ما ينبح عندما يقف أمام القطعة التي تعجبه وبالتالي تعجب سيدته، لكن الكلب في هذه المرة يأبى أن يتوقف عند أية قطعة إذ يبدو أن شيئاً لم يعجبه، وعندما تهم السيدة نوال بمغادرة المتجر يتوقف الكلب أمام المانيكان-سحر ويبدأ بالنباح فتسارع السيدة نوال إلى السؤال عن قطع الملابس الموضوعة على المانيكان وتسارع إلى شرائها، لكن نباح الكلب لا يتوقف، فتعتقد السيدة نوال أن في الأمر خدعة ما، ولكن عندما تلمس تعلق الكلب بالمانيكان بحد ذاته تسارع إلى طلب شراء المانيكان وتدفع مقابلاً لـه ستة آلاف دولار وهو مبلغ مغرٍ لا يدع مجالاً للسيدة اعتدال إلا الموافقة على الصفقة، فتقبل بها، ولشدة المفاجأة وعند إنزال المانيكان لتسليمه للسيدة نوال يكون المانيكان قد تحول بالفعل إلى قطعة من شمع وفقد أي ملمح إنساني، وهنا يكون الكاتب قد بلغ نهاية مسرحيته التي أراد من خلالها إن يقول أن عصرنا الحالي أضحت فيه القيمة الكبرى لكل الأشياء باستثناء الإنسان الذي دفعته حاجته المادية إلى أن يتحول إلى شيء يباع ويُشترى، وهذا ما كان .‏

لقد كان قبول سحر الوقوف مكان المانيكان خطوة أولى باتجاه التحول الذي لا رجعة عنه، وتأتي الخطوة التالية –شراء السيدة نوال للمانيكان حسب رغبة الكلب- الخطوة الثانية والأخيرة التي لا عودة عنها، وبذلك يكون الكاتب قد نجح في إيصال أشد الأفكار واقعية وسوداوية بأكثر الأشكال رمزية وابتعاداً عن المنطق، وهنا يكمن نجاح هذا النص المسرحي في الوصول إلى المتلقي .‏

في مسرحية "رجل وامرأة في حوض السمك" لا يبدو الكاتب معنياً بالرموز أو الإسقاطات لمواضيع سياسية واجتماعية كبرى.. حسبه أنه يعرض لدقائق من حياة زوجين عجوزين سئما تكاليف الحياة .‏

الزوجة التي تبلغ من العمر ستين عاماً "أستاذة كيمياء متقاعدة لا تزال فيها مسحة من جمال" تبدو في صحة ذهنية أفضل مما يبدو زوجها الذي يكبرها بعشرة أعوام والذي منذ بداية المسرحية يعلن تراجع تفاؤله بالحياة، خاصة في ظل حياة الوحدة التي يشعر أنه يعيشها على الرغم من وجود زوجته إلى جانبه، لكنه باعتباره رجلاً متدفق العواطف كما يمكننا أن نستنتج فإنه لا يكتفي بتواجد زوجته، فهو دائم السؤال عن ولديه فيما إذا تناولا عشاءهما أم أنهما خلدا إلى النوم، وكأنهما يعيشان معه على الرغم من يقينه أن أحدهما تزوج، والآخر سافر، ولا يمكن التعامل مع إحساسه بتواجدهم في البيت من منطلق تدهور في القدرة العقلية بل لكونه يشعر بحاجة إلى جو أسروي اجتماعي ينعكس على سلوكه اليومي وسؤاله الدائم عن صحة أصدقائه ممن هم في مثل عمره، دافعه إلى ذلك الاطمئنان إلى أن أصدقاءه لم يموتوا بعد، وحتى من مات منهم فإن الرجل لا يتوانى عن المرور بشكل دائم من أمام منزله للاطمئنان عليه وكأنه ما زال على قيد الحياة!‏

في المقابل تبدو حياة الرجل داخل بيته رتيبة –بعكس زوجته- فما أن تشير الساعة إلى الثامنة مساء حتى يحين موعد نومه، الأمر الذي يستدعي اعتراض زوجته : "لا يوجد عندكَ سوى اليقظة والنوم.. لنسهر ليلة واحدة في السنة" لكنه يسارع إلى الإشارة إلى أنهم ليسوا أطفالاً أو مراهقين حتى يسهروا؟! كما أن حياة الراحة التي اعتادها الرجل في بيته على مدى سنوات تقاعده جعلت من فكرة العمل بالنسبة إليه أمراً غير وارد على الإطلاق .‏

أما بالنسبة للزوجة فإنها في حياتها المنزلية تسير بالاتجاه المعاكس، فهي تدرك تماماً أن ابنيها غير موجودين إلى جانبها وتتعامل مع هذا الواقع بكل أريحية وتتكيف معه وتحاول أن تقنع زوجها بأن يحذو حذوها ويكف عن إيهام نفسه أن ابنيه ما زالا إلى جانبه، إلا أنها بنفس الوقت تمتلك القدرة على المسايرة وعدم المواجهة حفاظاً على مشاعر الزوج، فهي لا تتردد -نزولاً عند رغبة الزوج- في تفقد غرف الأبناء والاطمئنان إلى ترتيبها، ومن جهة أخرى تؤمن الزوجة أن على زوجها أن يبحث عن عمل وألا يظل حبيس جدران البيت، غير آخذة بعين الاعتبار تقدمه بالسن على أساس أنه ما زال يتمتع بصحة جيدة وقادراً على العطاء، ولكي تبرهن على صوابية وجهة نظرها تعمد إلى جلب حوض سمك صغير دائري الحجم يحتوي على سمكتين صغيرتين دائمتي الحركة على الرغم من صغر حجم الحوض، لكن الزوج يحاول أن يتجاهل الموضوع متسلحاً باقتراب موعد نومه .‏

يتشعب حوار المسرحية حين يأخذ شكلاً جدلياً متعلقاً بدراسة كل من الزوجين، ففي الوقت الذي يؤكد فيه الزوج على تفسير الأمور بشكل فلسفي تصر الزوجة على طرحها بشكل علمي، وهذا التناقض يدفعهما إلى الكشف عن أحلامهما الضائعة منذ زمن بعيد عندما كان الزوج يحلم بالزواج من شاعرة أو رسّامة أو عارضة أزياء، بينما كانت الزوجة تحلم برياضي يمتلك مهارات عظيمة في مجاله، ويقود هذا البوح الزوجين إلى التطرق إلى موضوعة الخيانة الزوجية، فعدم خيانة الزوج لزوجته كانت مأساة بالنسبة لـه بعد أن بلغ من العمر ما بلغ، أما عدم خيانة الزوجة لزوجها فبالنسبة إليها أمر لا يدعو للأسف على الرغم من الفرص التي كانت متاحة أيام الشباب .‏

لا يأتي تحطيم حوض السمك في نهاية المسرحية من قبل الزوج بأي حل كما كان يأمل : "كسرتُه كي أنقذكِ من حوض السمك ووهم السمك" لكن الموضوع بالنسبة للزوجة ليس بهذه البساطة فهي تعتقد أنهما يعيشان في حوض سمك كبير هو البيت و"أن النجاة تكمن في تحطيم أسر المكان" وهذا الموقف إن دل على شيء فهو يدل على نظرة الزوج المباشرة والبسيطة بل والفجة في حل المشكلة، بينما لا تنظر الزوجة إلى المشكلة بهذه البساطة، فهي بالنسبة إليها أكبر من ذلك بكثير، المشكلة بالنسبة إليها طريقة عيش لم تعد مقبولة ضمن جدران أربعة تضفي على الحياة رتابة مقيتة، وللمرة الأولى يبادر الزوج بإيجاد حل مؤقت يتمثل بالذهاب في رحلة سياحية بالسفينة، وكان مجرد هذا الطرح بالنسبة للزوجة كحبل نجاة ينقذها مما هي فيه من حياة مفرغة من كل معانيها .‏

قد تبدو المسرحية للوهلة الأولى منتمية إلى عالم العبث، لكن حواراتها ومواقف شخصيتيها تقودنا للتعامل مع هذا النص المسرحي كنص مغرق في واقعيته على صعيد المضمون، وحائر على صعيد الشكل بين الواقعية والعبثية، وهذه ليست مثلبة بالتأكيد بقدر ما هو أسلوب يحاول الكاتب أن يسبغه على نصوصه المسرحية .‏

مسرحية "الخروج من المرآة" مونولوج مقسم على شخصيتين هما في الواقع شخصية واحدة : امرأة تتحدث إلى خيالها في المرآة، طارحة مأساتها ووجهة نظر الخيال في وضع نهاية لهذه المأساة .‏

تقدم المسرحية شخصيتها (ناديا) في جانب محدد منها، وهو الجانب المعاني من التقدم في العمر والوصول إلى مرحلة العنوسة بعد تجربة فاشلة انتهت بتقاعس الحبيب عن الوفاء بالتزاماته وظهوره بعد فترة برفقة امرأة أخرى.‏

وبطبيعة الحال فإن حالة الوقوف أمام المرآة لا يتم طرحها في هذه المسرحية من منطلق وجود خلل عقلي بل هو وسيلة درامية ارتآها الكاتب لطرح معاناة الشخصية وعذاباتها التي تتمحور حول الرجل والأهل والمجتمع، بمعنى أن الكاتب اختار –كعادته- المزج بين الشكل اللاواقعي والمضمون المغرق في واقعتيه لتقديم فكرته .‏

الزمان الثالثة فجراً.. ها هي ناديا تقف أمام المرآة مخاطبة صورتها بكلمة "أتعبتِني" وهي كلمة مفتاحية تعطي انطباعاً محدداً لطبيعة علاقة ناديا مع نفسها، كما أنه اعتراف من ناديا أنها بتصرفاتها ومواقفها وطريقة تفكيرها قد سببت لنفسها العديد من المتاعب، والكلمة من جهة ثالثة قد تقودنا إلى أن ناديا على وشك اتخاذ موقف حاسم من نفسها تعيد من خلاله النظر في حياتها.. ويقترن هذا الاتهام لانعكاس الصورة-النفس باعتراف واعٍ بأن كل من يقف أمام المرآة ويحادث صورته المنعكسة فيها إنما هو كل "مشطور النفس، معذب الأهواء، مضطرب المصير، يتلمس الطريق لنفسه ولا يراه" وهذا الاعتراف يشير بحد ذاته إلى وجود إمكانية لمعالجة الخلل –إن وُجِد- وهو موجود حتماً، وإلا فما معنى هذا البوح الذي يمتد على مدى النص المسرحي بكامله؟‏

المفصل الأساسي في مأساة ناديا يبدأ التطرق إليه عندما خاطبت صورتها : "أنتِ تحبين الرجال يا ناديا أما أنا فأحتقرهم، أكرههم كما أكرهك أنت وكل من تسعى خلف ذلك الحيوان الغابيّ القاسي الغادر الماكر الذي يسمى الرجل".. إن هذا الخطاب الموجه إلى انعكاس الصورة ليس إلا خطاباً موجهاً إلى الذات، وهو محاولة للهروب من الاعتراف بأن من يحب الرجال هو ناديا نفسها، وما احتقارها لهم إلا بسبب تجربة فاشلة من أحدهم امتدت لتشمل الرجال جميعاً.. وفي البحث عن سبب فشل التجربة نجد أن السبب هو الوقوع في براثن رجل اعتاد الكذب وتقديم الوعود التي يعرف تماماً أنه غير قادر على الوفاء بها، ولا تتردد ناديا في وضع انعكاس صورتها أمام تحدٍ في أن تقوم باستخراج الرجل الكامن في انعكاس الصورة كي ترى "أي وحش يلتهم روحك، جسدك صباحَ مساء".. لكن هذا التحدي لا يجدي لأنه يمر دون أية ردة فعل من الطرف المقابل الذي لا تبدر منه ردة فعل إلا عندما تطرح ناديا فكرة الاتحاد بينها وبين صورتها المعكوسة فما يكون من الصورة إلا أن تعلن استحالة هذا الاتحاد بسبب وجود المرأة كحاجز لا يمكن تجاوزه، فتعلن ناديا عن عزمها على كسر كل المرايا كي يتسنى لها الاتحاد مع انعكاس صورتها لاعتقادها أن هذا الانعكاس مختلف عنها .‏

إن صورة ناديا المعكوسة في المرآة تتخذ لنفسها أبعاداً وأدواراً أكثر من كونها متلقية دائمة لرد الفعل، فها هي الصورة تعرّي المنظومة العائلية التي أودت بناديا إلى هذا المصير : "أمك غرست فيك حب الغرور، وأبوك غطّاه برداء الكبرياء فصرتِ تشعرين بالتفوق والعلو على أمثالك من البنات، أنت الفائقة الحسن والجمال نُبِذتِ من الجميع لأنك كنت فوق الجميع، استعصت عليك المناجل لأن جذرك لم يكن في الأرض بل في الفضاء".. هذه التعرية للمنظومة الاجتماعية، والإدانة لناديا وتحميلها مسؤولية ما آلت إليه أوضاعها ليست أكثر من اعتراف من ناديا ذاتها بهذا الواقع ولكن بشكل غير مباشر على اعتبار أن صورة الشخصية في المرآة لا يمكن التعامل معها ومع ما تقوله خارج إطار التعامل مع ناديا التي لا تقبل بالسكوت عن هذه الاتهامات فتسارع إلى إعلان رغبتها بالاتحاد مع صورتها، وفي سبيلها إلى ذلك تجلب صندوقاً كبيراً يسير على عجلات صغيرة وهو عبارة عن صندوق قديم للثياب لكن ناديا تصر على أن تسميه تابوتاً، وللمفارقة فإن التابوت الذي هو رمز نهاية الحياة يُعتبَر بالنسبة لناديا رمزاً للخلاص.. ربما كانت ناديا على قناعة أن الموت هو الحل الأمثل لمعضلتها .‏

لعبة الخلاص عن طريق الإبحار بواسطة التابوت الذي تحوله ناديا إلى زورق بينما تتخذ من ثوب زفافها الأبيض الذي لم تلبسه شراعاً، هذه اللعبة سرعان ما تنخرط فيها صورة ناديا في المرآة التي تعتبر أن الليلة هي ليلة تحررهما معاً الذي لن يكون إلا عبر كسر جميع مرايا البيت، وهي المهمة التي تأخذها ناديا على عاتقها، رابطة إياها بخروجها عن أسر أسرتها التي تعيد الكرّة ولكن بشكل مباشر هذه المرة بتوجيه النقد لها، وكلما كسرت مرآة اعتبرت نفسها أنها تحررت من أحد قيود أسرتها : "هذه لحياتي المحطمة، وهذه لنظرات أبي القاسية، وهذه لنظرات أمي المرتابة، وهذه لحماقات أخي البطولية، وهذه لتفاهات أختي الحسودة، وهذه لي أنا، أنا التي آمنت بكل تلك الأكاذيب والأوهام القاتلة".. وبهذا فإن ناديا لا تكتفي بإلقاء كامل المسؤولية على أسرتها، بل إنها وبسبب من وعي بحالتها والظروف التي أوصلتها إلى ما وصلت إليه فإنها تحمّل نفسها جزءاً من المسؤولية عن طريق إيمانها –حسب تعبيرها- بالأكاذيب والأوهام القاتلة .‏

وتكون في النهاية رحلة ناديا عبر الصندوق الذي تجلس داخله وفيه تكتشف أن انعكاس صورتها قد قادها إلى هذا الطريق الذي لا رجعة منه وأنه سيتخلى عنها، لكن الإرادة التي تحلت بها في اللحظات الأخيرة قادتها إلى الخلاص ولكن بالاتجاه المعاكس، اتجاه الحياة لا الموت، الأمل لا اليأس، الغد لا الأمس : "سأعيد تنظيف البيت وسأحيا بلا مرايا" وبذلك تنتصر الإرادة على القدر، والحياة على الموت، وبذلك تكون هذه المسرحية صرخة من أجل الأمل والحياة.‏

الحب هو العنوان الأساسي لمسرحية "زهور سوداء في عيد الحب".. وموضوعة الحب التي شكلت عنواناً عريضاً للعديد من الأعمال الدرامية يطرحها الكاتب هنا بأسلوبه الخاص المعتمد على المزج ما بين الفكرة الواقعية والشكل الغرائبي من خلال شخصية الرجل الذي يدخل الحديقة حاملاً وردة سوداء وهي أول إشارة من قبل الكاتب إلى طبيعة النص وأسلوبه الذي يقبل بكل الاحتمالات أولاً، وإلى المعنى الذي تشكله الوردة وارتباطها بمعاني الحب السامي والصادق ثانياً، هذه المعاني التي تتشكل حولها أكثر من إشارة استفهام حينما تكون الوردة التي يحملها الرجل سوداء .‏

الإشارة الثانية تكون من شخصية عامل الحديقة حينما ينبه الرجل الجالس على مقعد في الحديقة إلى أنه ربما سقطت منه بعض الكآبة على الأرض .‏

تواجد الرجل في الحديقة وحمله لوردته السوداء أمران مرتبطان بعيد الحب الذي وبمناسبته أتى إلى هنا بناء على موعد مع حبيبته التي من المنتظر أن تتصل به على هاتف الحديقة في تمام الساعة السابعة والربع.. وبانتظار الموعد يدور حوار بين الرجل وعامل الحديقة، يتيح هذا الحوار أمام الرجل البوح بأفكاره عن الحب والحياة والطموح .‏

حوار الرجلين يقطعه دخول شاب يحمل وردة سوداء أيضاً، وهو بدوره على موعد مع اتصال من حبيبته في نفس المكان والتوقيت، وفي الواقع فإن حبيبة الشاب تكون السبّاقة في الاتصال، مما يدفع الرجل إلى التفكير بأنها ربما تكون نفسها حبيبته، لكن اتصالاً مماثلاً يأتيه من الفتاة المنتظرة ولو بعد حين يبعد عنه وساوسه .‏

ثمة أكثر من إشارة تحاول حرف المتلقي عن السير الطبيعي للحدث من خلال التلميح إلى أن هذا العالم والظروف والشخصيات التي تدور في فلك شخصية الرجل ما هي إلا نتاج خياله، وربما كان دخول رجل الشرطة وتأكيده للرجل أنه ما من هاتف عمومي في المكان يستطيع أن يتلقى اتصالاً بواسطته، وأن عامل الحديقة لا وجود لـه في هذا الوقت تأكيداً على هذه الفكرة.. هذا التحول في اتجاه النص لا يلبث أن يتعرض لاهتزاز شديد في نهاية المسرحية عندما يخلد الرجل إلى النوم مع دخول شخصين عابرين يريان في الرجل النائم صيداً سهلاً عسى أن يكون بحوزته بعض النقود، وباعتبار أن الشخصين لا يمكن أن ينتميا إلى عالم الرجل الخاص به –في حال وجوده- باعتبارهما ظهرا أثناء نومه فإن رؤيتهما لوردة سوداء بيده يُفتَرَض أنها تنتمي لعالمه يشد المتلقي مرة أخرى باتجاه مغاير، الأمر الذي يعكس عدم دقة الكاتب في هذا النص في تحديد ماهية شخصيته الرئيسية وعوالمها، ذلك أن المعطيات المقدمة من قبل الكاتب تتناقض مع ذاتها بشكل لا يمكن أن يكون في مصلحة هذا العمل المسرحي الذي أعتقد أنه بحاجة إلى إعادة كتابة جذرية وتحديد لماهية الشخصية والحدث وثبات على أسلوب محدد حتى يصل العمل إلى مرحلة النضج.‏

تبنى مسرحية "تداعيات محتضر" على مفارقة تتمحور حول اللحظات الأخيرة من حياة رجل يحتضر ولا يوجد إلى جانبه إلا خادمه عبد البصير الذي لا يعنيه من الأمر سوى أنه لا يخشى موت سيده بحد ذاته بل يخشى ما سيفعله بعد موت السيد وإلى أين سيصير أمره؟‏

من جهته يبدو السيد متحسباً لهذا الأمر فيطمئن خادمه إلى أنه قد أوصى بأن يبقى البيت للخادم طالما الأخير على قيد الحياة .‏

الأمر الآخر الذي يؤرق الخادم هو أنه بعد موت سيده لن يعود خادماً وبالتالي سيفقد جوهر كينونته –حسب تعبيره- وهي العبارة التي من المستغرب أن ترد على لسان خادم والتي تستدعي تعليقاً عليها من السيد الذي يعرب بدوره عن بحثه لتحقيق "جوهر كينونته".. وإذا كان السيد على وشك المغادرة ولن يعنيه أن يحقق جوهر كينونته فيما تبقّى لـه من وقت فإن الخادم لن يجد ما يبحث عنه إلا عندما يصبح خادماً لرجل آخر : "أمضيتُ حياتي في خدمتك.. خادم من سأكون بعدك؟" ولكن يبدو أن هذا الهاجس لا يشكل أمراً ذا بال عند السيد الذي يبدو منشرحاً –أو هذا ما يحاول أن يوهم به نفسه على الأقل- لفكرة الموت : "التخلص من هذه الحياة يولّد الغبطة والفرح، وأخيراً سنرمي الهم والغم والحزن والجنون عن كاهلنا ونغدو خفيفين كريشة في مهب الريح" .‏

حتى هذه النقطة من الواضح أن المسرحية تنحو منحى واقعياً صرفاً بخلاف معظم نصوص المجموعة التي تفصح عن عدم واقعيتها منذ لحظاتها الأولى، لكن هذا الأمر لا يستمر طويلاً، إذ سرعان ما سيطلب السيد من خادمه أن يجلب لـه ريشة الكتابة ودواة حبر ممتلئة كي يصطحبها السيد معه إلى دار الآخرة لأن أمامه هناك "مرافعات كثيرة وأفكار وآراء ومشاعر وخيالات وعواطف وتسجيل لمشاهد حياتية"؟!! وسنجد كيف أن إقحام جانب بعيد عن الواقع سيوهن الفكرة الأساس في هذا العمل ولن يدفع بها إلى الأمام وسيضعف من تأثيرها وجديتها ومصداقيتها، بل وسيجعل من شخصيتي المسرحية كائنين ساذجين إلى درجة الظن أن الحوار بينهما يدور بين شخصين يقبعان في مشفى للأمراض العقلية، في الوقت الذي بدأت فيه المسرحية بداية قوية عندما طرحت شخصية الخادم حالة حياتية نادرة الرصد في الدراما وهي ماذا يمكن أن يفعل خادم عندما يموت سيده وهل سيستطيع التخلص من أسر هذه الشخصية أم سيبقى متشبثاً لأنها أصبحت جزءاً لا يتجزأ منه؟‏

وعلى الرغم من تعمد الكاتب خلق حوار يحمل أفكاراً فلسفية هامة إلا أن الظرف الذي وضع الكاتب شخصياته فيه قد أفرغ هذا الحوار من محتواه وجعله بتواجده إلى جانب الطروحات اللامنطقية من قبل الشخصيتين لا يعدو أن يكون تطريزاً لغوياً لا أكثر : "هناك (يقصد في الدار الآخرة) سيكون العقل الكامل في أبهى حلله وأسمى صفاته.. التحرر من جاذبية المكان وغطرسة الزمان".. لنتأمل هذه العبارة ومدى عمقها ولنرى كيف ستفقد أي معنى لها عندما توضع بالقرب من عبارة لا تفيد النص ولا الشخصية من قبيل : "ماؤنا غير ماء الجيران.. لا تخلط ماءنا بماء الجيران ليبقى نقياً صرفاً" .‏

إن وجود شخصيتين في الظرف الذي تفترضه المسرحية قد يدفع إلى القول إننا أمام شخصيتين استثنائيتين منعزلتين تعانيان مرضاً نفسياً ما وقد اعتادتاه، أو قد يدفع إلى القول إن إحدى الشخصيتين –شخصية الخادم مثلاً- تساير الشخصية الأخرى لظروف صحية ونفسية غير طبيعية تمر بها، ولو ركز الكاتب على هذه الاحتمالات لربما استطاع أن ينشل عمله مما هو فيه، لكن الضربة القاضية على كل هذه الاحتمالات تكون بدخول مجموعة من النسوة إلى الحدث المسرحي وهنّ يحملن رسائل يردن إرسالها إلى رجالهن في العالم الآخر!!‏

وتنتهي المسرحية بأن يأخذ الرجل رسائل النسوة ويغمض عينيه بعد أن تراءى لـه أن مضيفة قد وصلت وأخذت بيده إلى باب الطائرة!!‏

وليد فاضل في مسرحياته هذه حاول أن يحلِّق بخياله عالياً لكن قدميه بقيتا مثبتتين بالأرض، مرتكزاً عليها كقاعدة صلبة، محاولاً بتحليقه استكشاف عوالم نعرفها ولا نعرفها، نعيشها ولا نعيشها، وهنا يكمن سر هذه النصوص برغم ما على بعضها من ملاحظات .‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244