قراءات في النص المسرحي السوري ـــ جوان جان

دراسة ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق ـــ 2006

Updated: Monday, July 02, 2007 02:02 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

المرأة في النص المسرحي عند علي عقلة عرسان

من بين العديد من الخصائص التي تميز مسرح علي عقلة عرسان يبرز الاهتمام بالإنسان كأحد أهم وأبرز هذه الخصائص، وعندما نقول الإنسان في مسرح علي عقلة عرسان فنحن لا نخص فئة محددة أو مجموعة معينة من الأشخاص، بل الإنسان على مختلف مستوياته واتجاهاته وانتماءاته وجنسه، وإن كان عرسان قد ركّز في أعماله على الجانب الإيجابي في شخصياته فإن الجانب السلبي لم يكن مختفياً تماماً، بل كان يطل برأسه لا لإدانة الشخصية حاملة الجانب السلبي بقدر ما يكون الهدف هو إبراز الدور الإيجابي الذي يمكن أن يلعبه الإنسان في محيطه ومجتمعه.. وباعتبار أن المرأة هي نصف المجتمع حسب التعبير التقليدي السائد، وباعتبار أن الدائرة الإنسانية لا يمكن لها أن تُغلق بدونها فقد كان لها نصيب كبير في مسرح علي عقلة عرسان.. فهي عنده المناضلة في سبيل حريتها وحرية وطنها، والمحرضة على المضي قُدماً حينما تخر العزائم وتثبط الهمم، وهي أم الشهيد التي تدافع عما مات ولدها من أجله.. إلى آخر ما هنالك من جوانب إيجابية يمكن أن تتحلى بها المرأة، دون أن يعني ذلك أن عرسان أغفل الوجه الآخر للمرأة كإنسان، فكثيراً ما ظهرت المرأة في مسرح عرسان بجوانبها السلبية، لكن هذه الجوانب سرعان ما كانت تتقزم أمام عملقة الجوانب الإيجابية للمرأة كما قدمها في معظم مسرحياته .‏

في مسرحية "عراضة الخصوم" التي من الواضح أنها كُتِبَت في أواخر السبعينيات يقدم علي عقلة عرسان المرأة كنموذج لمقاومة المحاولات التي تريد تصفية القضية الفلسطينية والقضاء على النتائج الإيجابية التي أفرزتها حرب تشرين الأول 1973 على الصعيد الوطني والإنساني .‏

في هذه المسرحية يقدم الكاتب لنا شخصية أم سليم التي استشهد ولدها في حرب تشرين الأول 1973 والتي تقرر أن تشحذ همم الرجال وتقود حركة معارضة للمحاولات التي تجري لتصفية القضية، ولكن قبل تقديم هذه الشخصية وإظهارها على خشبة المسرح يمهد الكاتب لها بتصوير حالة المجتمع السائدة (المكان الذي تجري فيه أحداث المسرحية) والتي يختصرها بـ "ساحة عامة صغيرة تطل عليها مداخل عدد من الشوارع الفرعية، وعلى الناحية الرئيسية مقهى واسع تنتشر مقاعد الزبائن وطاولاتهم في داخله، وأمامه على الرصيف وعلى الجهة المقابلة من الساحة يظهر جانب من مقهى آخر. مجموعة من الناس يجلسون.. بعضهم يلعب الورق وآخرون يلعبون الطاولة، وهناك بعض الأشخاص من الذين جلسوا على المقاعد القريبة من الرصيف يشربون الشاي ويراقبون المارة ولا يفوتهم أن يعلقوا على النساء المارات ويسمعونهن بعض كلمات الإطراء فيحظون أحياناً بابتسامة وأحياناً بكلمة تُطلق على عجل دون أن تتبين مخارج حروفها بوضوح".. وبذلك يرسم عرسان صورة المجتمع بطابعها الذكوري من خلال وجود مقهيين في حيز جغرافي صغير، وهو مجتمع ذكوري راكد –كما يصوره- لا شيء عنده يفعله إلا الجلوس في المقاهي والتدخين ولعب الطاولة والتحرش بالنساء.‏

ويمضي الكاتب أكثر في الغوص في العالم الذكوري المُدان، فيقدم بدايةً شخصية أبو علي النادل في المقهى، المستعد لتقديم كافة أنواع الخدمات للزبائن دون أن يصعب عليه شيء، ابتداء من كأس الشاي، مروراً بكافة أنواع السكائر، وانتهاء بليلة حمراء؟! كما يقدم الكاتب شخصيتَي ظافر وأحمد وهما زبونان في أحد المقهيين، وكل ما يصلنا من معلومات عن أبو علي يَرِدُ على لسان ظافر الذي يبدو أنه يعرف الكثير عنه .‏

بعد تقديمه للجانب الاجتماعي (الذكوري) من خلال الشخصيات الثلاث المذكورة (أبو علي-ظافر-أحمد) يبدأ الكاتب بالتطرق إلى الجانب السياسي من خلال قيام أبو علي بنقل ما يجري من حديث بين حسان (وهو أبرز زبائن المقهى الآخر) ومجموعة من الأشخاص يجلسون معه، وفحوى الحديث أن "خائناً قد أهدى القدس للأحبار وأن الباغي يجتاح الدار وأن سيناء المسكينة راحت".. الأمر الذي يؤدي إلى غضب ظافر غضبة مفاجئة للقارئ قبل أن تكون مفاجئة لبقية الشخصيات، وسبب الغضب هو ما نقله أبو علي على لسان حسان.. والأمر المفاجئ أكثر أن غضب ظافر ينصب على أبو علي متهماً إياه بالترويج لهذه "الأقوال المرسومة والمدسوسة" وهو غضب كان الأَولى به أن يتوجه مباشرة باتجاه مصدر الخبر (حسان) لا باتجاه ناقل الخبر (أبو علي).. وبكل الأحوال يكشف ظافر هنا عن وجه إيجابي –في ظاهره- لموقفه كرجل مما يجري خارج حدود المقهى، فهو يرفض رفضاً قاطعاً مجرد التفكير في التنازل عن أي حق من الحقوق، لكن هذا الموقف لا يخلو من ضيق أفق حينما يربط كوارث التنازل عن الحقوق بشخص حسان وكأن ما ينقله حسان من أخبار أو إشاعات هي قرارات يصدرها لا أشياء يسمعها وينقلها، ووصفُ ظافر لحسان بالجاسوس والمأجور والخائن ما هو إلا دليل على إفلاس هذه الشخصية وتعويض هذا الإفلاس بـ (الهوبرة) الفارغة.. والواقع أن التناقض في شخصية ظافر ما بين الجلوس في المقهى ومراقبة النساء من جهة، والتمسك بالمواقف الوطنية من جهة أخرى سرعان ما يفضحه -وإن بشكل لطيف- صديقه أحمد حينما يقول :‏

"يا وهّاب العقل اهدني.. أعطني شيئاً من صبر، من فهم، من عقل أكبر.. كي أفهم ما يعني ظافر.. كان الساعة مثل الثعلب.. لا يترك أنثى من شره.. عين ترعى شرق الساحة.. والأخرى تجتاح الغرب.. أما الآن : فالأنثى صارت مكروهة.. والدنيا تكويها النار.. فهِّمني يا سيد ظافر.. ماذا تخفي في زنارك؟ ماذا تحت الجلد اللامع من أسرار؟.. شارٍ.. أم بائع؟ عقلي حار" .‏

في هذا الجو من التوتر يرى الكاتب اللحظة المناسبة لزجِّ شخصية أم سليم في الحدث.. وهو منذ دخولها الأول يحرص على إظهارها امرأة قوية جسورة.. يقول :‏

"نرى مشعلاً ترفعه امرأة ترتدي السواد، والناس يحفون بها من كل جانب، وبينهم بعض الصبية، ومعها بعض النساء.. ونتبين في المرأة أم سليم وهي في العقد الخامس، قوية البنية، تبدو على وجهها مرارة الأيام ونتيجة التمرس بالحياة.. وخلف هذا الموكب القادم وضجيجه الذي يطغى على ضجيج المقهى يتصاعد حداء أليم يتعالى شيئاً فشيئاً كخلفية لصوت أم سليم حتى يطغى على كل ما سواه من لغط.. وعندما تتكلم أم سليم يتلاشى اللغط تماماً ويتراجع الحداء رويداً رويداً حتى يختفي" .‏

ومباشرة تطرح أم سليم نفسها كأم لشهيد أولاً، وكامرأة حاملة لرسالة تريد إيصالها ثانياً : "يا أهل البلد.. يا ناس.. يا شباب الأمة.. اسمعوني.. أنا أم شهيد.. اسمعوني".. ويكون الاصطدام غير المباشر الأول مع ظافر الذي يسارع –بدافع من ذكوريته المستفحلة إلى درجة المرض- إلى إبداء استهجانه من هكذا تصرف من قبل أم الشهيد.. وتكمل أم سليم نداءها الذي نقرأ فيه دعوة إلى إكمال الطريق الذي بدأه الشهداء، كما نقرأ فيه استشعاراً لما يتم التحضير لـه من تصفية للقضية التي استشهد من استشهد من أجلها .‏

مواجهة أم سليم الثانية مع ظافر تأتي بشكل مباشر هذه المرة عندما يتصدى لها مستهزئاً بما تقول، مناقضاً نفسه لحظة انتفض فور سماعه لأبو علي وهو ينقل أخباراً سمعها من حسان بشأن تصفية القضية.. هذه المواجهة تصل إلى درجة قيام أم سليم بصفع ظافر على وجهه، مستفيضة بشرح أسباب قيامها بتحريض الناس وإيقاظهم وتنبيههم لما يُحاك لهم، ويعمد الكاتب هنا إلى تعزيز موقف الأم عن طريق استرجاع صوت ولدها الشهيد وهو يصف أجواء الحرب والبطولات التي خاضها مع رفاقه، ومن ثم تخوفه من المساومات التي تدور بغية إجهاض كل النتائج التي أسفرت عنها بطولاتهم وتضحياتهم، وتأكيده على أن الموت الحقيقي لم يكن أثناء الحرب بل الآن عندما بدأت سُحُب المساومات تتجمع في الأفق.. ومن الواضح أن زج صوت الشهيد هنا لم يكن بهدف تعزيز وجهة نظر الأم أمام شخوص المسرحية بقدر ما كان تعزيزاً لوجهة نظرها أمام القارئ الذي لا شك سيجد في ذلك تنويعاً لكسر نمطية المواجهة بين أم سليم وظافر الذي لم تمنعه الصفعة التي تلقاها من أم سليم من أن يمعن في التقليل من أهمية ما تقوم به، بل والتشكيك به واتهامها بالخروج عن طبيعة المرأة، وفي هذا نظرة ذكورية واضحة تجاه دور المرأة في المجتمع.. ولا ينسى الكاتب هنا طرح مقولات على أكثر من صعيد (كالصعيد الديني مثلاً) حول الدور المرجو أن تلعبه المرأة بعيداً عن واقعها الذليل الذي هو واقع مجتمع بأسره يعاني من الإذلال.. تقول أم سليم موجهة كلامها إلى ظافر :‏

"آه لو عرفت أنت وأمثالك الدين لما رأيتم المرأة فيه دابة للشغل وضجيعة في الفراش.. ولكن نسي أمثالك أصلهم ودينهم.. أولئك نساء الذل والانحطاط اللواتي ترسم صورهن في دماغك على هذا النحو".‏

ولا شك أن طرح البعد الديني في الموضوع لـه أهمية قصوى بسبب ما يعانيه عالمنا الإسلامي من فهم مغلوط للعديد من تعاليم الدين الإسلامي الذي تبتعد نظرياته عن التطبيق العملي في كل الدول الإسلامية، وقد توازى طرح البعد الديني عند الرجل ومفهومه لـه مع طرح البعد الاجتماعي ومفهوم أم سليم له.. تقول أم سليم مخاطبة جمهرة من النساء :‏

"ليس من المعيب أن ننظر إلى الرجل وجهاً لوجه ولا أن نحتقره عندما يكون جباناً.. صحيح أننا نساء.. حليتنا الخجل وزينتنا السكوت.. ولكن إذا لم نجد من يصون حلانا وحياتنا فماذا نفعل؟" .‏

بعد مجموعة من الحقائق الفاقعة التي توردها أم سليم على الملأ يبدأ تأثير كلامها بالظهور، فيبادر النادل أبو علي –في تطور سريع يطرأ على شخصيته- إلى استكمال ما بدأته أم سليم من تعرية لزبائن المقهى متهماً إياهم بالعنترية الفارغة وادعاء الرجولة، ومعلناً أنه لن يخضع بعد اليوم لأوامرهم لأنه تبين لـه أنهم ليسوا رجالاً، وبذلك قطفت شخصية المرأة في هذه المسرحية أولى الثمار من خلال قدرتها على اختراق الحاجز ونجاحها في تحقيق جزء من مسعاها الذي يهدف إلى تنشيط همة رجال البلد ودعوتهم إلى عدم نسيان القضية التي استشهد من أجلها الآلاف .‏

بعد قطفها الثمرة الأولى (تحول أبو علي) تقطف أم سليم في مرحلة لاحقة من المسرحية ثمرتها الثانية عندما يكبر الموكب الذي يسير خلفها بانضمام مجموعة من الرجال إليه، في إشارة إلى أن دعوة أم سليم لا تقتصر على النساء، وبالتالي فهي دعوة شاملة لكل شرائح المجتمع الذي أصبح كل من ظافر وحسان –على تناقضهما- يشكلان نسبة قليلة منه، وهنا تنتفي الحالة النسوية-الذكورية لتنقلب إلى حالة وطنية ولا وطنية .‏

في مسرحية "أمومة" يطرح الكاتب فكرة طريفة هي استدعاء شخصية الكاتب المسرحي اليوناني القديم سوفوكليس الذي اشتهر بأعماله التراجيدية : "أوديب ملكاً-أنتيجونا".. وغيرهما، ومناقشته حول دور المرأة-الأم في أعماله المسرحية عن طريق استحضار أبرز شخصياته النسائية المسرحية وإفساح المجال أمامها لطرح وجهة نظرها .‏

وفي سبيل تفعيل الحوار بين سوفوكليس وشخصياته يلجأ المؤلف إلى رسم شخصية أسماها "المقدِّم" وهي بمثابة صلة الوصل بين سوفوكليس وشخصياته ومشاهدي المسرحية .‏

يبدأ المؤلف طرح القضية الأساسية في المسرحية باتهام يوجهه المقدم لضيفه (سوفوكليس) مفجراً النقاش-محور المسرحية.. الاتهام هو : "لقد ارتكبتَ أنت يا سيد سوفوكليس ما لم يجرؤ على ارتكابه أحد من الأولين أو الآخرين بحق الأمومة والمرأة الأم".. ومن الطبيعي أن تفجر قسوة السؤال رد فعل معاكس وموازٍ في القوة عند سوفوكليس الذي يتفاجأ في البداية من هذا الطرح الهجومي الصاعق مستفسراً عن السبب الذي حدا بالمقدم إلى توجيه هذا الاتهام له، فيكون الجواب أن السبب هو كتابته لمسرحية "أوديب ملكاً".. وهنا لا يتيح المؤلف لسوفوكليس مجالاً للدفاع عن نفسه، بل يسارع إلى زج شخصية يوكاستا مستحضراً إياها من ذروة مأساة المسرحية، وهي تبدو في أشد النقمة على مبدعها والتي يجد فيها المقدم تأكيداً على اتهامه لسوفوكليس بالإساءة إلى شخصية المرأة-الأم قائلاً : "أرأيتَ يا سيدي.. إنها تلاحقك بدموعها إلى هنا.. لمَ فعلتَ ذلك؟.. لم َ جعلتَ شخوصك تمارس ما مارسته من إثم؟".. ويبدو أن الفارق الزمني ولّد حالة من اختلاف المفاهيم بين القرن العشرين والقرن الخامس قبل الميلاد، الأمر الذي يتجلى باستهجان سوفوكليس أن يكون ما جرى بشكل عام في مسرحية "أوديب ملكاً" إثماً، مع اعترافه أن واحداً من الأحداث المفجعة في المسرحية وهو زواج أوديب من أمه –دون أن يدري أنها أمه- يشكل إثماً كبيراً، لكنه بنفس الوقت يؤكد أن أوديب بريء من تهمة ارتكاب الإثم، كما أنه يبرِّئ يوكاستا من هذه التهمة، لكن هذا الدفاع المستميت عن شخصياته لا يشفع لـه عند المقدم الذي يعاجله بسؤال عن سبب عدم بحثه عن وسيلة أخرى ناجعة لإثبات قوة القضاء والقدر بدل جعل أوديب يرتكب "جريمة اهتزت لبشاعتها الأجيال على مدى تاريخ الإنسان المتمدن".. ويحار سوفوكليس في الإجابة معترفاً أن "الصورة بشعة، وممارسة الفعل أبشع بكثير".. وبما أن الحديث يدور بمجمله عن أوديب كان لا بد من استحضار شخصيته التي تبدو وكأنها ما زالت تحاول جاهدة التكفير عما ارتكبته من إثم –غير مقصود- باحثاً عن إجابة شافية لكيفية مقابلته لأمه وأبيه في (دار الموتى) وهو الذي ارتكب بحقهما إثماً لا يغتفر (قتل أباه وتزوج من أمه) طالباً أن يُلقى في البحر جزاء ما ارتكب من آثام يؤكد سوفوكليس على براءة أوديب منها محمّلاً الكهنة مسؤوليتها حفاظاً على مصالحهم واستمراريتها وصوناً لها من الاندثار، مستشهداً بقصة أخناتون الذي تزوج من أمه وأنجب منها أربعة أبناء وكيف كان للكهنة الدور الأكبر في تحطيمه، مستبعداً تماماً تفسير فرويد ونظريته التي تقول "إن أوديب عشق أمه في الصغر وكره أباه لأنه الخصم الذي ينافسه في حب الأم ولهذا قتله وأخذ مكانه".. بل وساخراً منها عندما يشير إلى أن "أوديب لم يعش مع أمه سوى يوم أو يومين، فمتى عشقها عشق الذكور وشعر نحوها بشعور الرجل؟ متى حصل كل ذلك؟ في يوم أو يومين كانت فيهما يوكاستا في حالة النفاس؟ ما هذا التخريف؟".. ومستغرباً كيف أن الدارسين ذهبوا "في تفسير هذه المسرحية مذاهب عديدة" متناسين "واقع أثينا" حينذاك بتفرعاته "السياسية والاجتماعية وحالة الحصار والطاعون والحرب".‏

ودون الوصول إلى أجوبة قاطعة على الأسئلة التي طرحها المقدم على سوفوكليس نظراً لاختلاف المفاهيم والقيم الأخلاقية وظروف زمنَي الشخصيتين ينتقل المؤلف -على لسان المقدم- ليطرح قضية شخصية جديدة من شخصيات سوفوكليس النسائية التراجيدية ألا وهي زوجة كريون ووالدة هيمون في مسرحية "أنتيجونا" فنسمع صوت الرسول وهو يعلن أنها "ضربت نفسها بحديدة قاطعة عند المذبح ثم أغمضت عينيها اللتين كانتا تظلمان شيئاً فشيئاً بعد أن ندبت ذلك الحظ المجيد الذي قُدِّر لابنها ميجاريوس الذي مات قبل أخيه وبعد أن بكت موت هيمون وبعد أن استنزلت عليك (يقصد سوفوكليس) المصائب كلها لأنك قاتل ابنها".. وسرعان ما يتبع ذلك ظهور شخصية أنتيجونا بطلة المسرحية وهي توجه إصبع الاتهام لسوفوكليس لأنه حرمها من طفولتها وشبابها ونعمة الأمومة، فيدافع الأخير عن نفسه : "لقد كانت الفرصة سانحة أمامك ولكنك رفضتِ" مذكِّراً إياها كيف فضّلت "المجد ومقاومة السلطة الغاشمة والوقوف إلى جانب الحق والعدل".. فترد أنها غير نادمة على اتخاذها هذا الموقف بنفس الوقف الذي تجدد اتهامها لـه بأنه هو الذي حكم عليها أن تتخذ ما اتخذته من موقف يعتبره مغايراً للمواقف التي يمكن أن تتخذها المخلوقات الضعيفة، مبيناً أن المصلحة العامة يمكن أن تفرض أحياناً على المرء أن يقدم التضحيات الكبرى "عندما يتعلق الأمر بالدفاع عن أقدس حقوق الحياة" وأن أنتيجونا "خُلِقَت لتقول كلمة حق في وجه غاشم ولتقول لا في وجه الظلم والطغيان والاستبداد".. وهنا تلتقي طروحات سوفوكليس مع قناعة شخصيته أنتيجونا التي تؤكد أنها فخورة بنفسها وبالدور الذي قامت به، دون أن تنسى التعبير عن انزعاجها كونها لم يُكتَب لها أن تكون أماً في يوم من الأيام : "إنني خُلِقت أيضاً لأحب لا لأبغض" .‏

ينتقل المؤلف بعد ذلك إلى شخصية كلوتمنسترا التي ضحى زوجها بابنتها : "ذبحها ذبح الخراف أمام معبد أرتميس تزلفاً وكبرياء أمام جيوش اليونان".. متوجهة بإصبع الاتهام لسوفوكليس : "أنا التي كشفت عن ثديَي لذلك الولد العاق وقابلتُه بهما مسترحمة جاثية فلم يرق لي وتركتَه أنت (مخاطبة سوفوكليس) يواجهني ببلطته كالوحوش.. تركته يقتلني.. أي عار أشد من قتل الابن لأمه؟.. أنت جعلته يفعل بي ذلك".. ويفاجئنا سوفوكليس بموقفه المتشدد تجاه كلوتمنسترا بالمقارنة مع موقفه المهادن تجاه أنتيجونا : "أهذا أنت؟.. أما زلتِ تجرّين آلامك ونقائصك إلى هذا القرن وتتبعينني إلى هنا؟.. ألا تخجلين؟".. ولا يلبث أن يجد لـه نصيراً في موقفه من خلال شخصية الكترا التي تتدخل إلى جانبه غامزة من قناة كلوتمنسترا : "إن الصمت حيلة المرأة العفيفة الطاهرة.. المرأة التي تحترم نفسها وبيتها وزوجها وشرفها وتشعر بعاطفة نبيلة تجيش بين ضلوعها تجاه أقرب الناس إليها على الأقل.. أما هذه المرأة (تقصد كلوتمنسترا) التي بلغت من الوقاحة والفجور ما بلغت...".. ولتأجيج الصراع بين الشخصيتين يدخلهما المؤلف في حوار يتيح فيه لكلتيهما أن تعبّر عن موقفها وتدافع عنه، وأهم ما يعنينا من هذا الجدال هو اتهام الكترا لوالدتها بأنها قتلت زوجها (والد الكترا) لا انتقاماً لشقيقتها (شقيقة الكترا) التي قتلها أبوها طلباً لرضى الآلهة، بل حباً لـ "ذاك المجرم الذي تعيشين معه.. عشيقك الذي أجلستِه على عرش أبي وشاركتِه فراشه.. قتلتِه تكليلاً للفسق والفجور".. والواقع أن نموذج كلوتمنسترا-الكترا يُعتبر كنموذج درامي لعلاقة الأمهات بالأبناء غنياً بطبيعته غير المعتادة، بل وغير الطبيعية لتجردها من أي شكل من أشكال العاطفة لا على صعيد علاقة كلوتمنسترا بابنتها الكترا فقط بل وبابنها أورست أيضاً، ولا يشفع لشخصية الأم هنا توجهها بالحديث إلى سوفوكليس : "أهذا عدل يا سيد؟ تجعل الابن يقتل أمه.. يذبحها.. أهذه هي القيم التي تحملها وتقدمها للأجيال؟".. ولكن يبدو أن الأمور محسومة عند المؤلف تماماً في إطلاق الحكم على هذا النموذج سواء على لسان سوفوكليس أو ألسنة شخصياته-أبناء كلوتمنسترا : "أم فاجرة.. تعاونت مع عشيقها على قتل زوجها.. وأثمت في فراشه واستمرت في تعاطي الإثم واستخدمت ابنتها كالعبيد وأذلتها وأرادت أن تقتل ابنها.. هذه هي أنت.. أتسمين هذا تصرف أم وتطلبين أن تعاملي على أنك أم وتخرجين من حفرتك المقيتة لتتكلمي عن القيم؟".. ولكي يزيل المؤلف أي التباس حول مفهومه لشخصية الأم يسارع بعد خروج الكترا وكلوتمنسترا من دائرة الضوء إلى محو الصورة السيئة التي من الممكن أن تكون شخصية كلوتمنسترا قد أوجدتها عند المتلقي عبر ما تعلِّق به شخصية سوفوكليس : "الأمومة شيء مقدس.. الأمومة أطهر أنفاس جادت بها الخليقة وأعظم حلية إنسانية حلّى بها الخالق المرأة فزيّن بها جيد الإنسانية على مر العصور، وهي عطاء خالص وحب خالص وتضحية خالصة لا تعرف الحدود، عاطفة سامية خالدة، ولكن هناك بعض المخلوقات الشاذة تنفث أنفاسها النتنة في بعض آنية الطهارة وتوسخ أينما حلّت وهذا يهزني ويجرحني.. يستفز فيّ الإنسان فأرغب في أن أخرج شاهراً سيفي على الرذيلة عبر الزمن".. ولا ينسى المؤلف أن يمرر على لسان بطله سوفوكليس اعترافاً بتحمّل جزء من مسؤولية الصورة السلبية للمرأة التي وصلتْنا عبر المسرح الإغريقي : "ربما كان علينا بعض الحق.. أقصد نحن الرجال.. رجال القرن الخامس قبل الميلاد في أثينا الرائعة.. كانت لنا أخطاؤنا نحن أيضاً.. كانت أنانية الرجل منا مستفحلة وسلطته واسعة وقوته نافذة فلم نعطِ للمرأة حقها ولا حريتها، فنشأت ضعيفة الروح، قليلة المعارف، كائن محصور بين أربعة جدران".. ومن الواضح أن هذا الطرح الذي ارتآه المؤلف فيه الكثير من الإنصاف لشخصية المرأة التي يحرص المؤلف على ألا تصلنا مشوهة ومنتقصة، حتى ولو كانت النماذج المنتقاة فيها من السلبية ما فيها، لكنها تبقى دائماً في إطار الاستثناء لا القاعدة.. والواقع أن التشكيك بصورة المرأة وإدانة الرجل في المرحلة التي عاش فيها سوفوكليس يتعدى كونه إدانة لطبيعة ذاك المجتمع ليتحول إلى إدانة لجوهر الحضارة اليونانية برمته الذي يصوره المؤلف على لسان سوفوكليس : "في العصر الذهبي للحضارة اليونانية كان انحطاط المرأة الأدبي والجسمي كبيراً وهو النتيجة المباشرة لحياتها المكبوتة".. ولكي لا يكون كلام المؤلف على لسان شخصياته مجرد وجهة نظر يستعين –على لسان سوفوكليس- برأي في المرأة من ذاك الزمن لديموستين لا يمكن أن نستشف منه سوى رغبة المؤلف في أن يخفف قدر ما يستطيع من وطأة صورة المرأة كما وردت في الدراما المسرحية اليونانية القديمة، ويعزز ذلك ما تبوح به شخصية سوفوكليس من معلومات عن طبيعة المجتمع اليوناني في ذاك الوقت، ولا شك أن المعلومات الواردة على لسان سوفوكليس تستند إلى مراجع تاريخية موثوقة.. فإن لم تكن وردت على لسان سوفوكليس الحقيقي في نص مسرحي وصَلَنا منذ ذلك الوقت فإنها بالتأكيد وردت في مرجع ما يعود إلى تلك الفترة.‏

وفي ضوء النماذج النسائية المقدمة في هذه المسرحية والتي تتصف عموماً بالسلبية في أقصى تطرفها يطرح المقدم على سوفوكليس سؤالاً جوهرياً قرب نهاية المسرحية : "ألا تذكر أنك أنصفت المرأة-الأم في مسرحية من مسرحياتك؟".. فيكون جواب سوفوكليس أنه فعل ذلك في بعض المسرحيات التي لم يتح لها الزمن أن تصل إلينا فضاعت في زحمة ما ضاع من الزمن الغابر (ومن المعروف أن ما ضاع من نصوص سوفوكليس المسرحية وأقرانه في ذاك الوقت أكثر بكثير مما وصَلَنا) ولا يتردد سوفوكليس هنا أن يشير إلى إلكترا كنموذج إيجابي للمرأة-الأم على الرغم من أنها لم تكن أماً بمعنى الكلمة، ويشرح سوفوكليس دوافع اختياره لالكترا كي تكون نموذجاً مقبولاً لشخصية الأم : "لقد كانت كالأم بالنسبة لأخيها.. حرصت عليه وربته صغيراً وأبعدته لتصونه من الغدر، وأثناء غيابه ذرفت عليه الدموع حنيناً إليه وشفقة عليه وأملاً في عودته سالماً، وعندما أبلغت بوفاته المزعومة قالت فيه أصدق الكلام وأحلاه".. وينفي سوفوكليس أن تكون الأم في مسرحه عكس ما منحتها الطبيعة من فطرة الحب والحنان والتضحية : "الأم معطاء حنون في مسرحي ولكن ما ذنبي إذا لم تصلكم من مسرحياتي إلا نماذج الأمهات مشوهات النفوس؟" .‏

في مسرحية "الأقنعة" يكون الظهور الأول للمرأة في بداية المسرحية وذلك في سياق وصف الكاتب للمكان الذي يتميز بوجود "أبواب ذات طرز معمارية عربية" و"صور وملصقات جدارية متراكمة تبرز بينها ملصقات تشير إلى الحرب" و"ظهور معالم التآكل في البناء".. أما ظهور المرأة فيصوره الكاتب على النحو التالي : "تسترعي الانتباه امرأة بزيّ عربي أصيل لها حركة رشيقة، تشعر بغربتها بعض الشيء عن المحيط، على وجهها مسحة ألم، تصافح نظراتها الناس، ولكنهم يقابلونها بشيء من الاستهجان، تسير مبتعدة عن المجموعات البشرية آناً وتقترب منها بحزم آناً آخر، وكأنها تتلمس طريقها إلى صلب حياة أولئك الناس بتردد ملحوظ".. ويمكن أن نلاحظ من خلال وصف الكاتب لهذه المرأة وجود احتمال قوي لنية الكاتب أن يستخدمها استخداماً رمزياً ذا منحى إيجابي.. ولا يمهل الكاتب قارئه طويلاً حتى يطلع عليه بنموذج آخر للمرأة لكنه نموذج سلبي، وذلك من خلال حوار يدور بين شخصيتي نديم ووليد، إذ يتحدث وليد عن علاقته بامرأة تستقبله في فراش زوجها، لكننا لا يمكننا الوثوق تماماً من هذا النموذج واعتباره نموذجاً حقيقياً لأحد وجوه المرأة في هذه المسرحية باعتبار أننا لم نرَ هذا النموذج بل سمعنا عنه كلاماً قد يكون نوعاً من أنواع التباهي الذكوري ليس إلا .‏

تعاود المرأة التي ترتدي الزي العربي ظهورها وهي "تحمل إبريقاً من القهوة المرة وفنجاناً" وتقف أمام رجل يحمل تمثالاً لامرأة، وهو (أي الرجل) تحيط به هالة من الغموض لا يقدم الكاتب لها تفسيراً سريعاً، وتقوم بتقديم فنجان لـه "فلا يأخذه.. يقف أمامها مبهوتاً للحظة، ثم يتحرك مبتعداً نحو الباب حيث وضع التمثال ويتسمر هناك ناظراً إلى المرأة بشك وهي تنظر إليه بعجب".. في الوقت الذي يكون فيه صاحب التمثال قد اقترب من بيت امرأة عجوز تتضح تماماً علاقته بها، إذ أن كل ما يفعله هو أن يستعجلها للخروج من بيتها والذهاب معه باتجاه بيته، الأمر الذي يثير انتباه نديم ووليد، فيعلق أحدهما أن الرجل يخاف على امرأته من امرأة لأن المرأة مفتاح المرأة للرجل، إلا أن هذا التعليل لسلوك الرجل صاحب التمثال والعجوز لا يبدو مقنعاً، وعلى الأرجح فإن عدم إيجاد المبررات الكافية لسلوك الرجل والعجوز هو نوع من أنواع شد انتباه المتلقي ورسم إشارة استفهام في مخيلته.. وبذلك تكون شخصية المرأة في هذه المسرحية قد تم تقديمها بأكثر من وسيلة، وهو ما سيتضح أكثر في سياق العمل .‏

يتابع الكاتب رصده لتحركات المرأة التي ترتدي الثياب العربية ويطلق عليها اسم نهى.. يتابعها وهي تقترب من كل من نديم ووليد وتقدم لهما من قهوتها "فيعرضان عنها".. لكن أنيس لا يجاريهما حينما يقبل القهوة منها فيُقابَل بنظرات "الرجلين وسواهما من الناس في المقهى، الأمر الذي يمنعه من أخذ الفنجان" لكن ابتسامة نهى تمنحه الثقة فيسارع إلى أخذ الفنجان من يدها طالباً منها أن تعطي الآخرين من قهوتها لكنها ترفض بسبب رفضهم السابق لقهوتها مبدية استغرابها من تصرفهم : "أعجب لهم كيف يتوارون من أمامي كأنني هولة، كأنهم منومون، أقدم لهم قهوتي فيرفضونها كأنما أقدم لهم السم".. وهنا تحديداً يبدأ الهدف من استخدام هذه الشخصية بالتبلور حينما يبدأ الكاتب برسم علاقتها بالمكان ومكوناته، وبشكل خاص الأقنعة التي تأخذ طابعاً رمزياً بعيداً عن أي بعد واقعي، وما تشكيل علاقة بين نهى والأقنعة إلا تأكيد على أن التعامل مع هذه الشخصية يجب أن يكون مختلفاً عن أسلوب التعامل مع الشخصيات الأخرى ذات الطابع الواقعي، ويعزز هذا التوجه ما تنطق به نهى من عبارات ذات طابع رمزي : "هنا يشمخ العقم، يتناهى في العملقة ويتجسد فراغاً وجموداً ورهبة باردة.. تغيب من الوجوه ملامحها، تهاجر القسمات، والرمادي سيد الساحة.. لا لون ولا طعم ولا ملمس لشيء.. هنا يشمخ العقم ويتناهى في العملقة لكن لا يمكن الاستسلام لهذا العقم، لا يمكن قبوله".. هذا الشكل الرمزي لطبيعة خطاب شخصية نهى يأخذ أحياناً منحى فكرياً واضحاً حين يتعلق الأمر بشرح وجهة نظر معينة أو إيصال رسالة محددة إلى المتلقي : "عندما يُمنح الكائن الحياة يُمنح الحرية، وتتلازمان معاً، الحياة والحرية وتمعنان في التلازم حتى ليسبب ذلك الضيق والألم أحياناً نذرف الدموع من أجل إحداهما أو من أجل الاثنتين معاً".. وإذا حاولنا تناول المونولوجات الرمزية-الفكرية التي ألقتها نهى في المسرحية من وجهة نظر مسرحية بحتة لوجدنا أنها ضعيفة فنياً وفقيرة مسرحياً، ولا يمكن لغنى مضمونها أن يعوض هذا الخلل فيها، ومن أجل ذلك يسارع الكاتب إلى كسر حدة المونولوجات باستخدام الأقنعة ذات الطابع رمزي الاستخدام أيضاً .‏

نموذج نسائي آخر تقدمه المسرحية في إطار حرصها الجلي على تقديم نماذج متعددة للمرأة وذلك من خلال شخصية سهام بتماسها المباشر مع نهى وحوارها الذي يبدو كحوار الطرشان نظراً للفرق الشاسع بينهما على كافة الصعد، إذ يكفي أن نعرف أن سهام تدير بيتاً للدعارة حتى نتعرف على طبيعة الحوار الذي يمكن أن ينشأ بين الطرفين عندما طرقت نهى باب سهام باحثة عن بقعة ضوء في عالم مظلم في الوقت الذي ظنت فيه سهام أن نهى جاءت باحثة عن زوجها .‏

نهى كشخصية رمزية تتعدد مهماتها كلما أوغلنا في النص المسرحي، فها هي تحاول القيام بدور المنقذ لأنيس عندما يغرق في لجة السكر والضياع، وهي إذ تكتفي بالكلام حيناً في محاولتها إنقاذ أنيس فإنها لا تمتلك –في معظم الأحيان- من الوسائل غير الكلمة سبيلاً لتحقيق أهدافها التي تبدو بعيدة المنال في مجتمع غارق في عبثيته وضياعه، هذه الكلمة التي كانت فيما مضى دافعاً وحافزاً لأنيس عندما كان يخوض المعركة ويتذكر صوت أمه وأخته وهما تحثانه على التماسك فيندفع إلى الأمام، وفي هذا إشارة إضافية من قبل الكاتب إلى دور المرأة الذي يمكن أن يكون إيجابياً متى أراد ذلك، وإذا كانت الكلمة هي الوسيلة الأساسية عند نهى فإن للكلمة المرئية (الصورة) دوراً مهماً أيضاً عندما تعمد نهى إلى عرض صور تجسد وقائع تاريخية محددة ومثيرة للاشمئزاز كمصافحة السادات وبيغن على سبيل المثال، وهي محاولة من قبل نهى لشحذ عزيمة أنيس المُضاعة في خضم ما جرى من تراجعات على مختلف المستويات، بما فيها المستوى الاجتماعي حيث يُعامَل أنيس من قبل زوجته سهام –التي سبق أن تعرّفنا عليها من خلال حوار قصير لها مع نهى- بطريقة أقل ما يُقال فيها أنها غير إنسانية، وباعتبار أن سهام تمثل الوجه الآخر للمرأة في هذه المسرحية ندرك الهدف من رسم الكاتب لملامحها كشخصية واقعية لا علاقة لها سوى بما هو راهن من انحطاط أخلاقي وغير أخلاقي، وعلى الرغم من تحذير نهى لأنيس من الاحتكاك مع سهام (زوجته) إلا أنه لا يعير تحذيرها اهتماماً في سياق عدم اكتراثه لها وعدم وعيه لما تمثله بسبب ما آلت إليه حالته من بؤس وعدم اتزان، ومن خلال حوار يدور بينه وبين سهام تتضح تماماً طبيعة شخصية سهام كنموذج نسائي أصبح سائداً في ظل ظروف غير طبيعية من الانهيار الشامل، ومن أجل رسم صورة أوضح لهذا النموذج النسائي السلبي يذهب به الكاتب إلى أقصى حدود السلبية عندما يقيم علاقة بين سهام وسجّان زوجها.‏

ولكي تكتمل الصورة تظهر شخصية المرأة العجوز التي تمثل جانباً آخر من الجوانب السلبية لطبيعة المجتمع الجديد –إذا صح التعبير- فهذه العجوز التي تشارك والدة سهام في جلب (الزبائن) لسهام تقول موجهة كلامها لأنيس : "كنت أنا وأمها نقطع الطرقات، نتصيد الرجال، ونخوّفهم بزوجها إن فتحوا أفواههم".. وبهذه النماذج السلبية المتعددة لامرأة المجتمع الجديد تمسي نهى نموذجاً أسطورياً لا وجود لـه إلا في عقول (السذّج) الذين لا يعرفون كيف يعيشون حياتهم وكيف يتقولبون حسب القالب المعلّبين فيه .‏

وكي لا تكون وجهة النظر المقدمة أحادية الجانب، وكذا الانطباع المتولد عند المتلقي، يفسح الكاتب المجال أمام سهام كي تشرح لماذا أشاحت بوجهها عن زوجها ويترك لنا الحكم فيما إذا كانت على حق أم لا : "كرهتُ نفسي بسببه.. كيف أعيش معه؟ ينهض في أنصاف الليالي مذعوراً يصرخ بالثأر، يجأر بالشكوى كَثَوْر، يسب جميع الناس، ثم يتأبط زجاجته وينام".. وبالإضافة إلى ذلك تتخذ وجهة نظرها أحياناً طابعاً فلسفياً عندما تحاول أن تدافع عن نفسها وعن سلوكها المتحرر من أية قيمة أخلاقية، إذ تعتبر أن كل ما تقوم به إنما صنعه المجتمع لا هي.. تقول : "ما حولي يصنعني".. ولا يقتصر الأمر على سهام، بل إن العجوز أيضاً يُتاح لها أن تشرح موقفها : "كنتُ صبية ولي مُثُل وأحلام سحقوها جميعاً وأضاعوا علي فرصة الحياة.. رأيتُ في حياتي رجلاً وعدني أن يتزوجني، أخذ مني ما يريد وتركني بعد ذلك أتصيد الرجال.. أنا عذبة كالفرات، وقلبي باتساع البحر.. زحفتُ على مرفقي وراء حياة نظيفة وبيت، ولكنني حُرِمتُ من ذلك بقسوة.. سأسقي الناس جميعاً من الكأس التي سقوني منها".. ولا ريب في أن الجملة الأخيرة تقدم مسوغاً لكل ما يقوم به هذا النموذج من سلوك عدائي تجاه أنيس كرجل : "سأساويكم بي، سأسقيكم من الكأس ذاتها" .‏

في الوقت الذي ترفض فيه سهام إدخال أنيس إلى بيته يكون قد شارف على الانهيار التام : "كل شيء ينهار.. حتى في داخلي كل شيء ينهار".. هنا تتدخل نهى من جديد ولكن هذه المرة بزخم أقوى وبمنطق أعمق، موضحة لأنيس أنها لا تريد أن تبعده عن الواقع وأنها تحتاج إليه مثلما يحتاج هو إليها، وتشرح لـه كيف تعرف عنه كل شيء، كما تنقل لـه اعتقادها بأن ما حدث قد حدث وأن المواجهة الكبرى تبدأ من المواجهة الصغرى، مواجهة الذات في أعماق الأعماق –حسب تعبيرها- داعية إياه إلى مواجهة نفسه قبل مواجهة الآخرين، ويبدو أن جهود نهى قد بدأت تثمر عندما يبدأ أنيس بالشعور بأن أملاً جديداً قد بدأ يدخل إلى حياته : "هي أمل.. أمل.. أحسستُ كأنما أشرق في ليلي ضوء، كأنما أمسكت حبل نجاة.. إنها كائن تضع يدك عليه باطمئنان، تمسكه وتحس رغم شفافيته بصلابته وبأنك يمكن أن تركن إليه".. وهذا الأمل (نهى) الذي يتحدث عنه أنيس يجيّره الكاتب في نهاية المسرحية كوسيلة تحريض وحثٍّ للمشاهدين كي يتخذوا موقفاً إيجابياً ويبعدوا عنهم المواقف السلبية والحيادية وهي المرة الأولى في المسرحية التي يتوجه فيها خطاب النص إلى المشاهدين بشكل مباشر، داعياً إياهم إلى عدم الاستكانة إلى الأمر الواقع، وبذلك يؤكد الكاتب على الدور الفعال الذي يمكن أن تقوم به المرأة، على الرغم من أنها هنا في هذه المسرحية (شخصية نهى تحديداً) أقرب ما تكون إلى الفكرة-الرمز المجردة من كونها ذكراً أو أنثى .‏

في مسرحية "زوّار الليل" تظهر المرأة منذ بداية المسرحية من خلال شخصية سعاد زوجة أحمد الشخصية الأساسية في المسرحية عندما تمر مروراً عابراً في الوقت الذي يكون فيه أحمد يقدم نفسه للجمهور، ومن ضمن ذلك يقدم تقديماً سريعاً لطبيعة علاقته بها : "هذه سعاد زوجتي التي كنت سبباً في شقائها".. يلي مرور سعاد مرور هند : "وهذه المرأة التي تمر كنسمة عاطرة حزينة كانت حبيبتي وماتت بسببي".. وبذلك يكون الكاتب قد قدّم لنموذجين نسائيين بشكل سريع وكما يراهما أحمد الذي تربطه بهما علاقتين مختلفتين، وسوف نتعرّف في سياق المسرحية على هاتين الشخصيتين بشكل أوسع عندما ينتقل خطاب العرض من الأسلوب المباشر إلى الأسلوب التقليدي الذي تكون بدايته مشهداً يجمع أحمد مع صديقيه محسن وسعيد حيث يدور بينهم حديث يتبجح كل واحد منهم فيه بطريقة معاملته القاسية لزوجته :‏

"محسن (لسعيد) : البارحة كنتَ تضرب زوجتك بالعصا وأنا خلصتُها من بين يديك .‏

سعيد : ضربتُها لأنها لم تهيء لي الطعام .‏

محسن : وأنا ضربتُها لأنني لم أجد من أضربه سواها .‏

أحمد : وأنا أضرب زوجتي لأنني أكرهها" .‏

إذاً نحن في البداية أمام نموذج واحد للمرأة –وإن تعددت الأسماء والحالات- وهو نموذج خانع مستكين، يعيش في جو من العنف المستمر الذي لا معنى لـه سوى إرضاء رغبة الرجل في فرض ذكوريته في المكان الخطأ والطريقة الخطأ.. وبعيداً عن هذه العلاقة غير الإنسانية يحاول النص ومن خلال الحوار بين الشخصيات الثلاث أن يطرح بشكل عابر أسئلة جوهرية لها علاقة بمحاولة الإجابة عن السبب الذي يدفع العلاقة بين الرجل والمرأة إلى أن تنحو منحى غير طبيعي :‏

"سعيد : أتساءل إذا كنا نعامل النساء بهذا الشكل فلماذا نحبهن كل هذا الحب؟‏

أحمد : لأننا نحب المسرة فقط" .‏

وبانسياب الحوار بشكل تلقائي تتعدد النماذج النسائية التي يربط فيما بينها رابط القهر، فها هو محسن يُحرَم من الفتاة التي يحبها وتحبه بداعي رغبة أهلها في تزويجها من ابن عمها، وهنا لا تأبه نظرة المجتمع وتقييمه بأية اعتبارات إنسانية أو حتى أخلاقية، نظرة المجتمع هذه التي يمثلها قول أحمد:‏

"إن أي امرأة تصلح زوجة لأي رجل" .‏

أي أن عامل الحب المقدس أضحى في هذا العرف شيئاً لا قيمة لـه طالما أن المهم هو عملية الزواج بحد ذاتها .‏

في هذه المسرحية لا تتوقف النظرة الذكورية المهيمنة عند حد، بل تصل أحياناً إلى حدود التطرف في الاستعلاء وهو تطرف يحمل بذور الضعف كما سنلاحظ :‏

"أحمد : أنا لا أهتم بالنساء مطلقاً.. إنني أعاملهن وأشياء المنزل سواء بسواء.. أحس أن امرأتي تكرهني كرهاً شديداً، ومع ذلك فهي تعيش معي وتمنحني كل ما أريد وتخدمني وتخشاني.. ماذا يريد الرجل غير ذلك من المرأة؟ وما الفرق بين امرأتي هذه وامرأة أحبها؟".. نلاحظ أن القوة المغلِّفة لهذا الكلام تنضح بالضعف النابع من إدراك أحمد أنه مكروه من قبل زوجته وغير قادر على امتلاك قلبها على الرغم من قدرته على امتلاك جسدها، وأنه مهما أظهر من سمات الرجولة الشكلية فإنه لن يكون رجلاً بنظرها، لذلك فإن لجوءه إلى أسلوب العنف معها ليس أكثر من تعويض عن نقص يشعر به، وقد لا يدرك هو ذاته سبباً لهذا الشعور نظراً لأن البيئة والمجتمع والتحصيل العلمي كلها عوامل تلعب دوراً سلبياً في تكوين نظرة الرجل نحو المرأة سواء أكانت أماً أم زوجة أم أختاً أم زميلة عمل.. إلخ .‏

إن النظرة الدونية التي تنظر بها شخصيات المسرحية الذكورية نحو المرأة لا تسير على منوال واحد، إذ قد تخرج من هنا أو هناك جملة أو إشارة ترفع قليلاً من قدر المرأة من وجهة نظر شخصيات المسرحية، فعندما يتحدث محسن عن الليل والأحاسيس التي يولّدها عنده يبادر محسن إلى تذكّر حبيبته دون إساءة مقصودة أو غير مقصودة : "في الليل كنت أدور حول بيت حبيبتي وكانت تنظر إلي من النافذة فأقبّلها أحياناً، وفي الليالي المقمرة أبتعد عن البيت ونتبادل الإشارات".. وعلى الرغم من عدم وجود إساءة إلى المرأة في هذه العبارة إلا أنه من الواضح أن المرأة ليست الشيء الأساسي فيها بل إن الشيء الأساسي عملياً هو الرجل الذي تدور المرأة في فلكه، فيمنحها قبلة ساعة يشاء وإيماءة ساعة يختار .‏

ويستمر الكاتب بإماطة اللثام عن نماذج نسائية يرد ذكرها في الحوار الدائر بين الرجال الثلاثة، وفي هذا الإطار يتم الحديث عن هند الفتاة التي قتلها شقيقها لأنها حملت من دون زواج، وتتعدد رؤية الرجال الثلاثة للموضوع، كل من زاويته، فسعيد يرى فيها زانية ومحسن يحمّل المسؤولية للشخص الذي تسبّب بهذا الوضع، أما أحمد فيتخذ موقفاً ضبابياًَ، وهذا الاختلاف في النظر إلى الأمر لا يعكس اختلافاً جوهرياً بين الرجال الثلاثة، إذ أنهم ثلاثتهم لا تنقصهم الرؤية القاصرة والعاجزة عن تصوير المرأة والنظر إليها بما تستحق، وبكل الأحوال فإن الموقف الذي يتخذه أحمد يجد لـه تفسيراً فيما بعد حينما تكشف المسرحية عن أنه هو المتسبب الحقيقي لما جرى لهند دون أن يمتلك الوسائل التي تمكّنه من مساعدتها، إلى درجة أنه يبدو عاجزاً تماماً عن اتخاذ أي موقف مكتفياً بالقول : "لم يكن بإمكاني أن أفعل شيئاً".. ولا تشفع كل المبررات التي يقدمها أحمد لتشذيب موقفه، كسفره يوم مقتلها بحثاً عن المال من أجل أن يتمكن من الاقتران بها وعدم توقعه أن يتم افتضاح الأمر بهذه السرعة، كما أنه لا يتمكن من تقديم مسوّغ مقنع لزواجه السريع بعدها.. ويمكن القول أنه اعتباراً من هذه اللحظة أخذت المسرحية تسحب البساط من أيدي (الذكوريين) وتفضح سلوكياتهم البعيدة تماماً عن أية علاقة بالمعنى الحقيقي للرجولة، ويتجلى ذلك بأن يبدأ تأنيب الضمير يفعل فعله عند أحمد : "إنني لا أحتمل شبحها المرعب ولا ذكرى زواجي الأليمة.. لا أستطيع أن أنسى.. إن كل شيء تجسم أمامي ويلاحقني.. كلما عدتُ إلى البيت ورأيتُ الأخرى تبكي أحس أن ذنباً آخر يكبر في قلبي".. وإمعاناً في مفاقمة عملية تأنيب الضمير عند أحمد يأتي الكاتب بشبح هند حاملاً إلى أحمد ريحانة مضمخة برائحة الدم المسفوح، وهو موقف إدانة واضحة لأحمد الذي قوبل تخليه عن هند وتعريضها للقتل بوردة يقدمها القتيل للمتسبب بقتله .‏

لقد استطاع الكاتب من خلال الزج بشبح هند بهذا الشكل الشفاف والمتسامح أن يقتص تماماً من كل ما ورد على ألسنة رجال المسرحية من مواقف متشنجة تجاه المرأة، وبذا يكون الكاتب قد أنصف المرأة تماماً في مسرحيته هذه على الرغم من أنها كانت عموماً على هامش الحدث.. هذا الإنصاف يتجلى أيضاً في اعتراف أحمد أمام زوجته سعاد بظلمه لها وقسوته عليها عندما أجبرها على الزواج منه في محاولة لنسيان تجربته الأولى .‏

يشكل انسحاب أحمد في نهاية المسرحية من حياة سعاد اعترافاً أخيراً منه بأن خياراته كانت خاطئة في مجملها، وفي هذا دعوة كي يكون الإنسان إنساناً قبل أية اعتبارات أخرى .‏

في مسرحية "السجين 95" يشكل ظهور زهرة في بداية المسرحية إلى جانب زوجها عودة وهي تحثه على التفكير بمستقبل أسرتهما إشارة أولى من قبل الكاتب إلى وجود حالة من الانسجام بين الزوج وزوجته كنموذجين إيجابيين يفهمان الحياة كما يجب أن تُفهم ويعيشانها كما يجب أن تُعاش، رغم كل ما يتعرضان لـه من ظروف صعبة يشرحها الزوج-الفلاح بدايةً عبر مونولوج طويل يشير فيه إلى علاقته الوثيقة بالأرض وكيف أنه أعطاها عمره وجهده –كما فعل أبوه وجدّه من قبل- دون أن يجد مقابلاً معقولاً، مستعرضاً مسيرته في مقاومة المحتل ومن ثم الإقطاع والتجار والسياسيين، وصولاً إلى مرحلة الاشتراكية التي لا يجد فيها عودة في نهاية مونولوجه شيئاً مختلفاً عما سبق : "ومر اليوم بعد اليوم لم أشبع".. تؤازره في هذا الموقف زوجته التي تنظر إلى الأمور نظرة أكثر واقعية كامرأة تعنى بما هو واقع أكثر من عنايتها بما يؤمَل أن يكون.. تقول : "مضى عمري.. ولم نحصل على غرفة.. متى نرتاح يا عودة؟ عمِلْنا أربعين سنة، بعز القيظ والبرد، ألا يكفي؟ متى نرتاح يا عودة؟".. ويبدو هذا الطرح المختصر للمشكلة من قبل الزوجة أكثر شمولاً من أكثر من أربع صفحات يكرسها عودة للحديث عن مسيرته ومسيرة آبائه وأجداده، وبذا يمكن القول أن النموذج الأول للمرأة في هذه المسرحية يبدو قادراً على توصيف الأزمة المطروحة، خاصة وأنها تدرك مدى الوهم الذي يعيشه زوجها وتفاؤله المفرط في موازاة إحساسها بضبابية الواقع وعدم وجود ما يشير إلى الانتقال من ظرفهم السيء إلى ظرف جيد .‏

من خلال الموقف الثاني الذي تبديه الزوجة تبدأ إشارات أولى بالظهور حول اختلاف رؤية الأمور بينها وبين زوجها، إذ بينما يساهم زوجها في بناء سجن نزولاً عند رغبة مروان الذي يمثل النهج الجديد بعد مرحلة الإقطاع تتخذ هي موقفاً معارضاً، مفنِّدة أن تكون السجون طريقاً نحو بناء المجتمع الحر والاشتراكي الذي يسوده العدل.. تسأله : "متى أصبحتَ سجاناً؟ وهل تُبنى بظل السجن حرية؟ وعدل واشتراكية؟.. تذكّر أننا جئنا لنحمي حرمة الإنسان، نبني الاشتراكية.. تذكّر أننا كنا نجرع من كؤوس الظلم، نحيا في العبودية".. هذه الدعوة للتخلي عن بناء السجن ومن ثم حراسته والإقامة فيه مع زوجته لا تجد صدى عند عودة لا لاقتناعه بجدوى السجن وضرورته بل لعدم قدرته على اتخاذ مثل هذا القرار، وبذا تكون المرأة-الزوجة هنا أكثر قدرة على اتخاذ قرار والقيام بفعل من الرجل-زوجها الذي يبدو لا حول لـه ولا قوة وهو الذي عانى من جور الاستعمار والإقطاع يعود ليعاني في ظل الحرية والاشتراكية.. وعلى فترات متباعدة تتوالى المواقف المتناقضة بين زهرة وزوجها، فعندما يشتد الصراع بين المسؤول المباشر عن السجن وأحد المتنفذين كنايةً عن الصراع الذي يمكن أن يقوم بين مراكز القوى تطلب زهرة من زوجها الابتعاد عن مسرح الصراع والعودة مباشرة إلى المنزل لكنه يأبى لا بسبب موقف محدد ومبدئي يريد الدفاع عنه، بل خوفاً من تحمّل مسؤولية الانسحاب في الوقت الذي يُفتَرض فيه أن يكون حيث هو مهما كانت الظروف .‏

النموذج الثاني للمرأة الذي تقدمه المسرحية هو شخصية سمر المرأة التي يتم إيقافها مع مجموعة الرجال الذين لا يعلمون لماذا هم موقوفون، وبعد إطلاق الأحكام الجائرة عليهم تبدو المعاملة التي تلقاها من قبل السجانين مختلفة تماماً، خاصة وأنها تبدي استعدادها لفعل كل ما يُطلب منها لقاء الإفراج عنها، ولا تجد صعوبة في الإعلان عن استعدادها لفعل أي شيء، خاصة وأنها -كما تقول- تعمل في الشارع، وهذا الاستعداد تترجمه إلى طاعة عمياء عندما يطلب منها المسؤول الأول عن السجن أن تتبعه، ومن الواضح أن هذا النموذج للمرأة يمثل الطرف النقيض الذي تَعرَّفنا عليه في زهرة .‏

أما النموذج الثالث من النساء فهو شخصية مساعدة المسؤول عن السجن الذي نعرف فيها عملها مع هذا المسؤول وكونها موضع ثقته، إلى درجة أنه يوكل إليها القيام بمهمات صعبة وذات طبيعة خاصة : "إذهبي فوراً إلى الشخص الذي كلفتك بالذهاب إليه.. إشغليه طويلاً.. أقصى ما تستطيعين.. لك عندي أخبار سارّة بعد أن تنجزي مهمتك.. إنني أعتمد عليك كالعادة".. ويشير كلام المسؤول في جزء خفي منه إلى وجود علاقة خاصة بينه وبينها حينما يطلب منها وهو يحادثها على الهاتف ويزودها بأوامره ألا تكف عن المزاح معه لأن الوقت غير مناسب، وبكل الأحوال فإن هذه الشخصية تُقدَّم من خلال جانب واحد ولا يمكن الحكم عليها أو تصنيفها .‏

في مسرحية "فلسطينيات" تبدو الشخصيات النسائية هي الأكثر جذباً للانتباه بدءاً من العنوان الذي يمهد الطريق أمام المتلقي كي يتعامل مع المسرحية من منطلق التأكيد على الدور المحوري للمرأة التي يفتتح من خلالها الكاتب المسرحية بمونولوج تلقيه مجموعة من النساء :‏

"عشرون عاماً‏

مرت الأعوام، أيقظت النيام‏

عشرون عاماً والخيام على الخيام‏

ومعابر الحارات والأمصار تغفو في الظلام‏

ويمر عام بعد عام‏

وتهب موجات فتزداد الخيام‏

هذا ابن عاملة بلا مأوى، وذاك..‏

هذا ابن فلاح أجير‏

هذا ابن عاملة بلا مأوى، وذاك..‏

من فلسطين السليبة‏

مرت الأعوام عاماً بعد عام‏

عشرون عاماً والحطام على الحطام‏

مرت الأعوام، أيقظت النيام" .‏

هذا المونولوج لا يدخل في صلب العمل المسرحي على صعيد الحدث والزمان والمكان، فأحداث المسرحية تبدأ عملياً منذ ما قبل نكبة 1948 حينما تبدأ أفواج اليهود بالقدوم إلى فلسطين تحت سمع وبصر قوة الانتداب (بريطانيا) بل وتواطئها، بينما يشير المونولوج إلى مرور عشرين سنة على النكبة، وهو لا يعدو أن يقوم بدوره كمدخل نحو العمل المسرحي بأجوائه وطبيعة مضمونه ليس إلا، وهي تقنية مسرحية مطروقة ومشروعة، وأما صلب العمل المسرحي فيبدأ بمشهد يدور بين مجموعة من الرجال الفلسطينيين يتم الكشف فيه عن تهريب الأسلحة سراً إلى اليهود في فلسطين تحت سمع وبصر الإنكليز، ويقرر الرجال في ضوء ما وصلهم من معلومات حول هذا الأمر الدعوة إلى ثورة عارمة تشمل كل فلسطين .‏

في المشهد التالي تظهر سلمى زوجة مسعود الذي شكل في المشهد السابق رأس الحربة في الدعوة إلى مقاومة اليهود، ونراها وقد تجاوبت مع حماس زوجها في الدفاع عن فلسطين مشككة في البداية بالقدرة على مقاومة اليهود والإنكليز معاً، لكنها لا تلبث أن تجمع النساء وتخبرهم بأمر الدعوة إلى الجهاد، كما تشكل عامل تحريض بدعوتها –نيابة عن النساء- الرجال للجهاد وحثهم على المقاومة :‏

"يا رجال‏

أوقفوا زحف الغزاة‏

ادفعوا الظلم عنا‏

طهروا الشطآن.. ثوروا‏

أوقفوا الحقد القديم‏

أوقفوا زحف الغزاة‏

احفظونا واحفظوا أمن الصغار" .‏

وتفعل هذه الدعوة فعلها عند الرجال فيزدادون شجاعة وإقداماً :‏

"نحن باسم العرب نحيا‏

وفِدا العرب نموت‏

نحن نحمي أرضنا من حقد غاصب‏

في سبيل الأرض نحيا أو نموت" .‏

وبتوالي المشاهد القصيرة يبرز دور سلمى كصمام أمان بالنسبة لقريباتها ولنساء الحي من خلال وقوفها إلى جانبنهن في مصائبهن التي تتعدد نتيجة اندلاع القتال الذي ترينا المسرحية انعكاسه على النساء باعتبارهن أكثر المتضررين من ويلاته التي لم تستطع أن تثني النساء عن عزمهن على الصمود، فها هي فاطمة التي استشهد زوجها ترفض مغادرة أرضها رغم الوعد بالعودة إليها متى ما استقرت الأحوال :‏

"لن أغادر‏

دم زوجي بقعة حمراء في إحدى الزوايا‏

وبأرضي مات آلاف الضحايا‏

كل هذا كي نهاجر؟‏

لن أغادر‏

مات زوجي كي يغوص الجذر في أرض الوطن‏

كي يضوع الزهر في أرض الحدائق‏

كي ينام الطير في حضن الصغار‏

قاتل الغازي لكي تبقى الديار‏

لا لكي تُخلى الديار" .‏

وينسحب هذا الموقف على جميع النساء اللواتي ترفضن المغادرة تحت أي ظرف من الظروف، الأمر الذي يجد صداه في موقف الرجال الذين يتمسكون بدورهم بالبقاء أسوة بنسائهم :‏

"مسعود : لن نغادر‏

جاهد الأبطال، ماتوا في الشوارع‏

كيف نعطيهم ظهوراً فوقها ذل وعار؟‏

سوف نبقى‏

إن نمُت فالموت أولى بالرجال" .‏

لكن موقف الرجال هذا سرعان ما يتضعضع نتيجة ضغوط الضابط الذي أتى ممثلاً الدول العربية ومطالباً النساء بالرحيل المؤقت حقناً للدماء، لكن موقف النساء يحافظ على صلابته وقوته فترة أطول :‏

"فاطمة : قطّعونا إن أردتم فوق أعتاب البيوت‏

لن نهاجر‏

أرضنا فيها سنبقى أو نموت" .‏

وبعد لأيٍ ترضخ النسوة للأمر الواقع بعد ما أظهرن من ثبات وشجاعة الشيء الكثير، لكن يبدو أن الواقع أقوى من الأحلام، وما هو متاح أقوى مما يمكن أن يتحقق .‏

إن قوة النساء وبأسهن التي ظهرت في النصف الأول من المسرحية قبل خروجهن من أرضهن سرعان ما تنقلب إلى حالة من اليأس في بداية النصف الثاني وهنّ يعشن حياة المخيمات على ما فيها من فقر وبؤس، وهذا الانقلاب من حالة القوة إلى حالة الضعف لا يعني أنهن تخلين عما كنّ يؤمنَّ به بل يمكن اعتباره احتجاجاً ضمنياً وغير مباشر على كل ما جرى من هزائم ونكسات، وأضحت الشكوى عزاءهن الوحيد في عالم لا يسمع صوتاً لضعيف :‏

"نحن الحيارى على طرف الخيام بتنا، همٌّ يؤرقنا، جرح يدمّينا‏

أعناقنا في زنازين مصفدة‏

وبعضنا في رصيف الذل يدعونا‏

هذا الركام من الآهات يسمعه؟‏

حقاً أيسمعه مَن حاكم فينا؟‏

ضاق الرصيف بنا ما ضقت يا بشر‏

إن الرصيف على الإنسان يبكينا" .‏

وضمن هذا الجو المسيطر من اليأس تبرز دعوة سلمى لولدها نعمان بألا يستسلم لليأس :‏

"لستَ مني إن نسيتَ الثأر يوما".. الأمر الذي يدعو مجموعة النساء إلى اتخاذ موقف مؤازر:‏

"أذكروا الماضي وليل الرعب، والأطفال جرحى.. أذكروا الدرب الذي سرناه.. أذكروا القتلى ضحايا دير ياسين.. أذكروا الأرض التي ضمت صبانا وثرى الآباء والأجداد والقدس الأمين".. وبذلك يمكن القول إن حالة اليأس التي سيطرت على مجموعة النساء الفلسطينيات كانت حالة مؤقتة ضمن الشرط المسرحي وهي لا يمكن أن يطرأ عليها تحول مماثل على أرض الواقع إلا على المدى الطويل.. دعوة النساء هذه يبدأ صداها بالتبلور عندما يتنادى نعمان وصديقه حسان إلى التحرك قبل فوات الأوان، لكن ماهية هذا التحرك تبقى مبهمة إلى حين :‏

"حسان : يا رفيقي، قم بنا‏

نعمان : أين نمضي؟‏

حسان : للرفاق.. إنه وضع أليم لا يطاق.. يا رفيقي قم بنا آن الأوان" .‏

وفي مشهد لاحق يتبلور صدى دعوة التحرك بشكل أكبر عندما يجتمع ثلاثة من الشباب المتحمس ويقررون أن الوقت قد حان للقيام بفعل إيجابي ما :‏

"شاب1 : مزقوا وامضوا‏

شاب2 : أين نمضي؟‏

شاب1 : للربى، للتين، للأرض الحبيبة .‏

شاب3 : هات زندك . ‏

الثلاثة معاً : قسماً بالقدس، بالليمون أن أحفظ عهدك" .‏

في خضم هذه التطورات تقدم المسرحية عبر مشهد قصير ولكنه معبّر نموذجاً يتصف بالعمومية عن حالة الأم الفلسطينية عندما يتوجه ابن لها أو أكثر إلى ساحة القتال، واللافت للنظر هنا أن المشهد على قصره جمع بين مشاعر الخوف الطبيعية التي يمكن أن تظهرها أي أم تعرف أن ابنها قد يذهب في مهمته ولا يعود، وبين إظهار الرضى التام عن قرار الأبناء بالتوجه إلى ساحات القتال :‏

"الفتى الأول : أمي نعود، غداً نعود‏

الفتى الثاني : صدقاً.. نمر بخالتي ونزور أشجار الكروم‏

الأم : لكنني..‏

الفتى الأول : يا أم أرضاً زرتها، ربيتها، طوّعتها أجيال‏

الفتى الثاني : يا أم نعرف كل شبر من ثراها.. لا تخافي‏

الفتى الأول : أمي نعود.. غداً نعود‏

الأم : لكن إذا (تغرورق عيناها بالدموع)‏

الفتى الأول : لا ترهبي شيئاً فإنّا عائدون‏

الأم : يرعاكم الله القدير.. يرعاكم الله الودود" .‏

وثمة نموذج آخر للنساء يقدمه مشهد تبدو فيه امرأة فلسطينية أقل حماساً من نظيراتها لفكرة الذهاب إلى القتال، دافعها حرصها على عدم تعريض أولادها إلى تجربة اليتم المرة :‏

"عمار : أنا ماض‏

الزوجة : وحق الله يا عمار أخشى‏

عمار : ما الذي تخشين؟‏

الزوجة : أخشى‏

عمار : أن أروح ولا أعود؟‏

الزوجة : تعرف الأطفال إن عاشوا يتامى‏

عمار : علّمي الأطفال إن عاشوا يتامى أنني شوق إلى أرض الجدود.. علميهم أن ظل اليتم ينمو إن هم عاشوا هنا خلف الحدود‏

الزوجة : كيف أحيا دون أن تبقى معي؟‏

عمار : حين أمضي، حين أروي أرضنا بالدم نحيا.. إننا موتى تحاشتنا اللحود.. سوف أمضي أغرس السكين في أرضي وأحيا فوق أرضي أو أموت".‏

ولا شك أن هذا التباين البسيط في مواقف النسوة يغني النماذج المقدمة ويبعد عنها تهمة التماثل، كما أن هذا التنوع في المواقف يجعل النماذج المقدمة أكثر حيوية وحياة وقرباً من الواقع الذي لا يتشابه أفراده إلى درجة التماثل .‏

دور المرأة التحريضي في هذه المسرحية لا يتوقف منذ بدايتها وحتى نهايتها، وإن كان يشكو في بعض مراحلها من ترهل فهو بسبب الظروف غير الطبيعية التي عاشتها المرأة الفلسطينية في حياة المخيمات من فقر وتشرد وبؤس وقهر، وهو ترهل شكّل دائماً تمهيداً لمواقف أكثر قوة وصلابة، وها هو الكاتب يختم مسرحيته بدعوة جديدة تطلقها نساء المسرحية، دعوة لا تعرف اليأس ولا الهزيمة :‏

"فلتضع يا ساكن الخيمة في كفي كفك ولنناضل" .‏

كانت هذه نماذج منتقاة لشخصيات نسائية من مسرح علي عقلة عرسان، وهي نماذج غنية درامياً، شكّلت محاور أساسية عند عرسان الذي لم يقدمها جميعها على نسق واحد، بل مايز بينها وقدم مختلف أوجهها، لكنه عموماً كان نصيراً لها ومؤيداً لمواقفها التي غلب عليها الطابع الإنساني والوطني، كركن أساسي من أركان المجتمع في تمظهراته المختلفة والمتعددة .‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244