قراءات في النص المسرحي السوري ـــ جوان جان

دراسة ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق ـــ 2006

Updated: Monday, July 02, 2007 02:02 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الأسطورة الإغريقية في المسرح السوري (وليد إخلاصي ورياض عصمت نموذجان)

تجمع آراء بعض المؤرخين للمسرح على أن العرض المسرحي بعناصره الأساسية (مرسل-رسالة-متلقي) قد نشأ في اليونان القديمة (بلاد الإغريق) في القرن الخامس قبل الميلاد على أيدي الثلاثي التراجيدي أسخيلوس وسوفوكليس ويوربيديس الذين استقوا معظم مواضيع مسرحياتهم من الأساطير اليونانية القديمة، وعندما نقول العرض المسرحي بعناصره الثلاثة سابقة الذكر فإننا نعني العمل الفني التمثيلي الذي تقدمه مجموعة من الناس (كاتب-ممثلون-مشرف أو مخرج فيما بعد) لهدف معين : احتفالي-أخلاقي.. إلخ، إلى مجموعة أخرى من الناس (متفرجون) تدرك أن ما يُقدم لها ما هو إلا لعبة متفق عليها ومعروفة النتائج سلفاً، هدفها إمتاعهم وتسليتهم، وربما تحريضهم ضد.. أو إنذارهم من.. وبمعنى آخر فإن العرض المسرحي اليوناني القديم (الإغريقي) كان العرض المسرحي الأول الواعي لكونه عملاً فنياً يُقدم في مناسبات معينة لجمهور يبادل العرض هذا الوعي ويتفاعل معه على هذا الأساس .‏

هناك نظريات أخرى حول نشأة العرض المسرحي في العالم تتحدث عن أكثر من مكان محتمل لنشوء المسرح، منها : بلاد الشام-بلاد ما بين النهرين-مصر القديمة-الهند-شرق آسيا.. إلخ .‏

ومن المعروف أن الخط البياني للمسرح الإغريقي الذي استمد جل مواضيعه من الأسطورة اليونانية (الإغريقية) أخذ بالانحدار بعد عصر الكاتب المسرحي الكوميدي أرستوفانس، وما وصلَنا من تلك المرحلة من نصوص مسرحية أقل بكثير مما كُتب وتم تقديمه على مسارح ذلك الزمن .‏

في العصور اللاحقة تنبه بعض كتّاب المسرح في العالم إلى ما في الأسطورة الإغريقية من غنى درامي فآثروا العودة إلى النصوص المسرحية التي كُتبت في تلك الفترة ونهلوا منها موضوعات مسرحياتهم بما يتناسب على صعيد المضمون مع الظروف الراهنة المحيطة بكل تجربة على حدة، مع محافظتهم –غالباً- على الشكل الفني للمسرح الإغريقي، ولكن حتى ما بُذل من جهد في التجديد في المضامين لم يلق كبير نجاح، ذلك أن المواضيع والحبكات التي قدمتها الأسطورة الإغريقية كان من الصعب تجاوزها أو التحايل عليها، فغدت المسرحيات التي كُتبت في عصور لاحقة نسخاً طبق الأصل عما كتبه الرواد الإغريق .‏

لم يشذ كتّاب المسرح في سورية عن القاعدة، فقد كانت الأسطورة الإغريقية من خلال المسرح الإغريقي واحدة من المناهل التي نهل منها كتّابنا مواضيع أعمالهم، لكن هذا الأمر لم يصل إلى حد أن يشكل ظاهرة في المسرح السوري كما حصل مثلاً مع حكايات "ألف ليلة وليلة" التي استحوذت على الحصة الأكبر من اهتمامات كتّابنا وبقيت المحاولات التي سعت لأن تستفيد من الأسطورة الإغريقية معدودة ومحدودة، ويمكن اعتبار كل واحدة منها شكلاً من أشكال التجريب والتجديد لا أكثر .‏

ولكن لماذا اتجه بعض كتّابنا المسرحيين إلى الأسطورة الإغريقية من خلال المسرح الإغريقي؟ وكيف؟ وهل وجدوا تقاطعاً بين شخصيات ومضامين تلك الأساطير وما هو راهن؟ وبالتالي أين تكمن نقاط الالتقاء ونقاط الاختلاف بين الأعمال المسرحية التي كتبها كتّابنا وبين النصوص المسرحية الإغريقية المعتمدة جلّها على الأسطورة؟‏

هذه الأسئلة سنحاول أن نجيب عليها أثناء تطرقنا لتجربتين مسرحيتين سوريتين للكاتبين وليد إخلاصي ورياض عصمت استقتا مادتيهما من الأسطورة والمسرح الإغريقيين، ولكن قبل ذلك لا بد من إلقاء نظرة سريعة على الأصل الذي اعتمد عليه كاتبانا إخلاصي وعصمت ألا وهو أسطورة الملك أوديب الممتدة مسرحياً على مدى جزأين هما "أوديب ملكاً" و"أنتيغون" كتبهما الكاتب الإغريقي سوفوكليس (القرن الخامس قبل الميلاد) .‏

في الجزء الأول من الأسطورة المجسد في مسرحية "أوديب ملكاً" يهاجم الوباء مدينة ثيبة فينبري ملكها أوديب للتصدي لهذا الوباء، فيرسل رسولاً طالباً مشورة الآلهة التي تخبره أن سبب الوباء رجس يحل في المدينة ولن يزول هذا الرجس إلا بمعرفة قاتل الملك السابق لايوس، وكان الملك لايوس كما تقول الأسطورة قد قُتل على مشارف المدينة على يدي رجل لم يُعرف من هو.. ثم يرسل أوديب طالباً الكاهن تيريزياس ليستشيره، فيُؤثر الأخير الصمت في البداية ثم لا يلبث تحت ضغط أوديب أن يقول لـه بأنه هو قاتل الملك، فينفجر أوديب غضباً لجرأة الكاهن عليه واتهامه لـه بجريمة قتل الملك السابق، فيرد الكاهن عليه بأن يتنبأ لـه بمصير بائس، ويتابع أوديب البحث عن الحقيقة إلى أن يكتشف في نهاية المطاف أنه هو بالفعل قاتل الملك السابق الذي هو والده في الحقيقة، ذلك أن أوديب أُبعد إلى مدينة أخرى وهو ما زال رضيعاً بعد أن تنبأت آلهة الإغريق لوالد أوديب الحقيقي (الملك لايوس) أن ابنه سيقتله حين سيشب عن الطوق.. وتنتهي المسرحية بأن يفقأ أوديب عينيه بيديه عقاباً على ذنب لم يرتكبه مختاراً ويطلب نفيه من المدينة .‏

الجزء الآخر من الأسطورة جسده سوفوكليس في مسرحيته "أنتيغون" التي يقوم فيها بولينيس باستعداء غرباء على مدينته ثيبة فيتصدى لـه أخوه إيثيوكليس في معركة طاحنة يقتل فيها كل منهما الآخر، فيصدر الحاكم كريون أمراً بتكريم جثة إيثيوكليس ودفنها حسب الشرائع الدينية، بينما يوجه بأن تبقى جثة بولينيس في العراء دون دفن وتكريم عقاباً لـه على قيادته جيشاً ضد مدينته، فتخرق أنتيغون شقيقة القتيلين أوامر كريون وتقوم بمحاولة دفن جثة أخيها المعاقب، فيستشيط كريون غضباً لأن أنتيغون لم تطع أوامره، ويأمر بحبسها فيعارض ذلك ابنه هايمون الذي هو على وشك الزواج من أنتيغون ويهدد أباه بعواقب إصراره على معاقبة أنتيغون، فلا يأبه كريون لوعيد ابنه ويصر على رأيه إلى أن يتدخل الكاهن تيريزياس وينذره أن آلهة الإغريق ستصب جام غضبها إن لم يقم كريون بأداء الواجبات الدينية تجاه جثة بولينيس، فيرضخ كريون بعد جدل ويأمر بدفن جثة بولينيس ولكن بعد أن يكون الأوان قد فات، فقد شنقت أنتيغون نفسها وهي في السجن، وتبعها هايمون انتحاراً حزناً عليها.‏

أوديب-مأساة قديمة معاصرة :‏

من موضوعة النبوءة في أسطورة أوديب ينطلق الكاتب وليد إخلاصي ليطرح وجهة نظر معاصرة في مسرحيته "أوديب-مأساة قديمة معاصرة" ولكن النبوءة عند إخلاصي لا تخرج من فم الكاهن بل عن جهاز كومبيوتر .‏

تدور أحداث المشهد الأول من المسرحية في مركز علمي وتترافق بداية المشهد مع أصوات الجوقة، وهي ليست الجوقة المعروفة في المسرح اليوناني القديم، بل هي عبارة عن أصوات داخلية تمثل أمنيات ومشاعر ورغبات إنسانية.. والواقع أن وجود الجوقة في بداية المشهد الأول يُعتبر الإشارة الأولى التي يطلقها الكاتب باتجاه اليونان القديمة بعد عنوان المسرحية بالطبع .‏

مهمة الجوقة في بداية المشهد تنحصر في تحفيز المشاهد لما سيأتي من أحداث عبر تكرارها عبارة "أما الآتي" ثلاث مرات، بعد ذلك يعرّفنا الكاتب على اثنين من شخصيات مسرحيته هما سفيان الأستاذ الجامعي وسلاف الفتاة التي تعمل سكرتيرة في مركز للكومبيوتر، ومن الواضح وجود علاقة حب بينهما رغم فارق السن .‏

بعد حين من الزمن يدخل الدكتور البهي (ولنلاحظ هنا إصرار الكاتب على إطلاق أسماء عربية قديمة على شخصياته المعاصرة) فيصرف الدكتور سكرتيرته سلاف لينفرد بصديقه سفيان وليدور حوار بينهما حول جهاز الكومبيوتر الذي يعتبره الدكتور إنجازاً عظيماً قادراً على التعامل مع كل نواحي الحياة العملية، لكن سفيان الأستاذ الجامعي يشكك في قدرة الجهاز على التعامل مع أعماق النفس البشرية، وهو الأمر الذي يحاول الدكتور البهي إثباته عن طريق تجربة يريد تطبيقها أولاً على صديقه سفيان بواسطة إدخال بعض المعلومات الشخصية إلى الجهاز ليقوم بتحليلها، وهنا تتدخل الجوقة مرة ثانية، محذرة من دخول تجربة كهذه .‏

يقبل سفيان خوض التجربة ويعطي صديقه معلومات غزيرة عن مختلف جوانب حياته ويقوم صديقه بدوره بإدخالها إلى جهاز الكومبيوتر الذي يقوم بإطلاق نبوءة غريبة تفيد أن سفيان سيقتل أحب الناس إليه وسيتمنى الموت فلا يأتيه وأن ابنته ستحمل منه.. هذه النبوءة هي الإشارة الثانية التي يطلقها الكاتب باتجاه اليونان القديمة، وهذه المرة باتجاه مسرحية "أوديب ملكاً" تحديداً، وفي هذا تبرير لإطلاق اسم أوديب على عنوان المسرحية.. نتيجة النبوءة يُصاب الدكتور بالدهشة، بينما لا تخرج ردة فعل سفيان عن نطاق السخرية من هذه النبوءة، خاصة وأنه لا بنات لـه .‏

في بداية المشهد الثاني الذي تدور أحداثه في منزل سفيان، يحدِّث يزن والده سفيان عن مسرحية سيقدمها وزملاؤه في المدرسة، ويُذهل الأب عندما يعلم أن المسرحية التي سيلعب ابنه بطولتها هي مسرحية "أوديب ملكاً" ويبدي الضيق من ذلك، وهنا يبدو أن نبوءة الكومبيوتر قد بدأت بالتأثير على أعصابه.‏

القسم الثاني من المشهد ينحصر الحديث فيه بين سفيان وزوجته حول مسألتين، أولاهما الخلاف حول طريقة تربية ابنهما والثانية حول الضائقة المالية التي تمر بها الأسرة .‏

المشهد الثالث يدور في نفس الليلة ولكن في منزل سلاف السكرتيرة، وفيه تتبادل سلاف مع سفيان عبارات الحب، وفي نهايته تعبّر سلاف لسفيان عن رغبتها في الحمل منه، وهنا يبدأ الكاتب شيئاً فشيئاً بلفت نظر القارئ أو المشاهد كي يقوم بالربط ما بين نبوءة الكومبيوتر وعلاقة سفيان بسلاف .‏

يبدأ المشهد الرابع بتساؤل الجوقة حول صدق أو كذب نبوءة الكومبيوتر، ويكرس المشهد نفسه لحوار بين سفيان وزوجته تتهمه فيه بعلاقة مع موظفة في الجامعة كما سمعت من هنا وهناك، لكن سفيان ينفي ذلك .‏

في المشهد الخامس يشكو سفيان إلى سلاف همومه ومشاكله مع زوجته، ويدور بينهما حديث عادي حتى اللحظة التي تشير فيها سلاف إلى الشبه بين وجهها ووجه سفيان وهي رسالة يبعثها الكاتب إلى قارئه ينبهه فيها إلى علاقة القرابة التي يمكن أن تربط سفيان بسلاف، وسرعان ما يتبع الكاتب ذلك بدخول والد سلاف الذي يتعرف عليه سفيان بنفس اللحظة التي يطّلع فيها على صورة لوالدة سلاف وهي اللحظة التي تخرج فيها الحقيقة إلى النور، هذه الحقيقة التي تُختصر بثلاث كلمات هي : "سفيان والد سلاف" وبهذا تكون نصف نبوءة الكومبيوتر قد تحققت حرفياً، خاصة بعد أن تكشف سلاف عن أنها حامل .‏

في المشهد السادس يتحقق القسم الثاني من النبوءة والذي يقول أن سفيان سيقتل أحب الناس إلى قلبه، ففي هذا المشهد يقرر سفيان الانتحار فيذيب عشرة أقراص من دواء ما في كأس ماء ويستعد لشربه، لكنه يشعر للحظة أن عليه أن يرى سلاف قبل ذلك، فيضع كأس الماء من يده ويخرج من بيته، في الوقت الذي يظهر فيه ابنه يزن ويتناول كأس الماء كاملاً، ويعود سفيان ليرى ابنه جثة هامدة، فما يكون من الجوقة إلا التأكيد على النبوءة التي تحققت بحذافيرها .‏

على الرغم من البعد الزمني الذي يفصل تاريخ كتابة هذه المسرحية عن الأسطورة الإغريقية إلا أن الكاتب وليد إخلاصي يبدو مصراً على التمسك بالنتيجة نفسها وهي التأكيد على وجود قوى خفية ترسم للإنسان وقائع حياته وأن الإنسان مسيّر لا مخيّر وأن ما كُتب على الجبين لا بد وأن تراه العين، مع وجود اختلافات بسيطة بين كل من شخصيتَي أوديب وسفيان، منها أن أوديب سعى نحو الحقيقة المفجعة بنفسه، بينما أتت الحقيقة المفجعة إلى سفيان دون أن يسعى إليها .‏

لا تبدو عودة وليد إخلاصي إلى الأسطورة الإغريقية بهدف نقض مفاهيمها القائمة على التسليم بما هو مرسوم للإنسان بل بهدف تكريس هذه المفاهيم، وبمعنى آخر قدم إخلاصي مسرحيته هذه في إطار معاصر ولكن بمضمون إغريقي بحت لم يحد عنه قيد أنملة رغم طرحه العديد من القضايا المعاصرة كدور التقدم العلمي المذهل في حياة إنسان القرن العشرين وتراجع حجم العاطفة في حياة الإنسان .‏

الحِداد يليق بأنتيغون :‏

يعود الكاتب رياض عصمت في مسرحيته "الحِداد يليق بأنتيغون" إلى الأسطورة الإغريقية من خلال مسرحية سوفوكليس "أنتيغون" ليقدم معالجة معاصرة تحمل الكثير من ملامح الحاضر .‏

في هذه المسرحية يعود الشاب مأمون ابن زعيم المنطقة من أوربا حيث يدرس هناك، ليجد أباه منخرطاً في حرب أهلية طاحنة كان من نتيجتها قيام كل من أنيس ونبيل ابنَي أخت الزعيم بقتل بعضهما بعد انضمام أنيس إلى المعسكر المعادي للزعيم وبقاء نبيل إلى جانب خاله، ويحاول مأمون كشف النقاب عن حقيقة الأمور فيقف والده في وجهه طالباً منه الكف عن التدخل والعودة من حيث أتى، وفي نفس الوقت نتعرف على الفتاة مجد شقيقة نبيل وأنيس، كما نتعرف على أبيها الموسيقي الأعمى الذي كان فيما سبق واحداً من كبار الكتّاب والمفكرين.. مجد هذه تعيش حالة عداء مع خالها الزعيم بسبب خلافه مع أبيها، وتتفاقم حالة العداء هذه بعد إعلان الزعيم عن رغبته تكريم جثة نبيل عن طريق إقامة الشعائر والتقاليد الخاصة بالدفن باعتبار أن نبيل بقي إلى جانبه، بينما اختار أنيس المعسكر الآخر، ولهذا يأمر الزعيم بعدم دفن جثة أنيس وتركها في العراء مما يدفع مجد إلى تحدي أوامر الزعيم ومحاولتها دفن الجثة، فيلقي الحراس القبض عليها ويأمر الزعيم بحبسها ومن ثم رميها بالرصاص، وعندما تحين لحظة التنفيذ يتسلل مأمون –الذي تربطه علاقة حب بمجد- إلى القرب منها فيتلقى نصيبه من الرصاص، وبذا يكون الزعيم قد قضى على ولده بيده بعد أن صمم على تنفيذ حكم الإعدام بمجد .‏

لم يلتفت رياض عصمت في مسرحيته هذه إلى مسألة النبوءة إلا في أضيق نطاق، وعندما التفت إليها جاءت هذه الالتفاتة منه في غير موضعها كما سنرى، ومن الواضح تماماً أن الكاتب كان همه الأول معالجة مشكلة معاصرة عانت وتعاني منها مجتمعات كثيرة ألا وهي الحرب الأهلية وما يمكن أن تخلفه من كوارث على الجميع، حيث لا منتصر فيها، وما العودة إلى مسرحية "أنتيغون" إلا لخدمة فكرته .‏

عدا قصة المسرحية وتسلسل الأحداث ثمة إشارات واضحة إلى العلاقة الوثيقة التي تربط هذه المسرحية بالأسطورة، وإذا كانت أسماء الشخصيات عربية فإن عنوان المسرحية يشكل الإشارة الأولى التي تنير الدرب أمام المتلقي كي يربطها بالأسطورة، والواقع أن النص يمتلئ بالإشارات المماثلة لا على صعيد تسلسل الأحداث فقط بل على صعيد مشاهد بذاتها يأتي في مقدمتها ذاك المشهد الذي يلقى فيه القبض على مجد وتُساق إلى الزعيم، ومن ثم الحوار الدائر بينهما، ثم إعلان ياسمين أخت مجد أنها تتحمل مع شقيقتها وزر ما فعلت ورفض مجد لهذه المبادرة.. ومن المهم هنا أن نذكر اختلافاً أساسياً بين مسرحية رياض عصمت والأسطورة كما عالجها سوفوكليس في مسرحيته، إذ بينما يذعن كريون عند سوفوكليس لتحذيرات الكاهن من عاقبة التشبث بالرأي يندفع الزعيم عند رياض عصمت في تنفيذ رغباته حتى النهاية، وهذا يقود إلى نقطة خلاف أخرى هي أن المشكلة في الأمر الصادر عن الزعيم القاضي بتكريم جثة أحد الشقيقين وعدم تكريم جثة الآخر لا تكمن في أنه صادر عن بشر في مواجهة أوامر إلهية كما عند سوفوكليس، بل في أن ما يصدره الزعيم من أوامر لا يتمتع بمصداقية لافتقاره إلى موافقة الأغلبية، ومن جانب آخر يحمّل الكاتب شخصية الزعيم مسؤولية مقتل الأخوين عدا عن مسؤوليته في إشعال الحرب الأهلية، فالزعيم هو الذي قتل أنيس في الواقع واتهم نبيل الذي قُتل بدوره فيما بعد، بينما نجد أن كريون عند سوفوكليس لا يتحمل وزر هذا العمل، مما يعني أن رياض عصمت ممعن في تحميل شخصية الزعيم التي تمثل الزعامة المفتقرة إلى النضج والوعي كامل المسؤولية .‏

لا يربط الكاتب تسلسل الأحداث في مسرحيته "الحداد يليق بأنتيغون" بمسألة المصير المرسوم مسبقاً من قبل قوى خفية، بل يربطها بالمواقف التي يتخذها البشر مدفوعين إما من قبل مصالحهم أو من قبل مبادئهم، وعندما يحاول الكاتب أن يستفيد من موضوعة النبوءة والقدر المرسوم مسبقاً لا يحالفه التوفيق، ذلك أن الشخص الذي ينطق بهذه النبوءة غير مؤهل لإطلاق نبوءات تترجمها الأحداث بحرفيتها، فهي تصدر عن مجرد مربٍ لا يدخل ضمن اختصاصه إطلاق النبوءات بينما نجد أن مطلق النبوءة الإغريقي هو الكاهن تيريزياس الذي تسمح لـه مكانته الدينية إطلاق النبوءات .‏

الصراع في هذه المسرحية من وجهة نظر شخصية الزعيم هو صراع مذهبي، والواقع أن الزعيم يوحي بذلك خدمةً لمصالحه، لكن الحقيقة هي أن الصراع هنا هو صراع طبقي حسبما تؤكد مجد، الأمر الذي يميز طبيعة الصراع في هذه المسرحية عن طبيعة الصراع في الأسطورة الإغريقية الذي يتسم بكونه صراعاً بين قوانين بشرية همها خدمة مصالح عامة وقوانين غير بشرية شكلاً، لكنها صادرة في الواقع عن بشر همهم تخويف الناس البسطاء وإرهابهم .‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244