قراءات في النص المسرحي السوري ـــ جوان جان

دراسة ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق ـــ 2006

Updated: Monday, July 02, 2007 02:02 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

إطلالة على أربعة نصوص مسرحية قصيرة لوليد إخلاصي

للكاتب وليد إخلاصي العشرات من النصوص المسرحية، كتبها في فترات عطائه الأدبي المتنوع، وكان لبعض هذه المسرحيات صدى لدى جمهور القراء، وجمهور المشاهدين عندما كانت تُنقَل إلى خشبة المسرح، وبعضها الآخر لم يتمتع بذاك الصدى، فكان تأثير حضوره محدوداً وعابراً .‏

في هذه الوقفة عند مسرح وليد إخلاصي سنلقي الضوء على أربعة من نصوصه المسرحية القصيرة تطرح قضايا هامة وراهنة، وهذه المسرحيات هي : "أيها الحضور الكريم-قريباً من ساحة الإعدام-إيقاع بلا نهاية-من يسمع الصمت" .‏

أيها الحضور الكريم :‏

مونودراما، بطلها اسماعيل، العامل المختص بالأعمال الكهربائية والفنية في مسرح صغير تابع لإحدى المؤسسات الثقافية العامة .‏

تبدأ المسرحية بدخول اسماعيل إلى خشبة المسرح المفترضة المعدّة لإقامة المحاضرات والندوات والأمسيات الثقافية والحفلات الفنية.. على خشبة المسرح تناثرت آلات موسيقية غربية، وكراسٍ وسلال زهور ذابلة، الأمر الذي يدل على أن المكان كان مسرحاً لحفل أقيم منذ وقت قريب جداً، وفور دخول اسماعيل يرسل إشارات تدل على مدى ارتباطه بهذا المكان كجزء منه، فهو أولاً يتأمل فوضى المكان بنظرات حانية، ثم يعاين المنبر، ثم يستريح على كرسي في صدر المكان ويخرج لفافة تبغ ويضعها خلف أذنه دون أن يشعلها، ثم وفي خطوة تالية يتفحص الشريط الممتد من مكبّر الصوت نحو الداخل، فيتبين فيه خللاً فيقوم من فوره بإصلاحه .‏

بعد هذه المقدمة التي تشرح طبيعة حركة الشخصية على المسرح وعلاقتها الحميمة بالمكان يبدأ اسماعيل مونولوجه طارحاً إشكاليات عديدة، منها ما لـه علاقة بالسلبيات السائدة في الحياة الثقافية، ومنها ما يأخذ طابعاً شخصياً قابلاً للتعميم .‏

من الإشكاليات الثقافية التي يطرحها العمل سيطرة علاقات المجاملة على الأوساط الثقافية، وعدم التمييز بين الصالح والطالح مما يقدم من أعمال أدبية .‏

وعلى صعيد الهم الخاص يطرح اسماعيل مآسيه مع أبنائه الذين تركوه واحداً بعد الآخر، حيث يغادره أحدهم للعمل في الخليج ميكانيكياً بعد أن يئس من العمل في المهنة التي يحبها (الموسيقا) بسبب ضيق ذات اليد، أما ابنه الآخر فيغادره للالتحاق بالمقاومة، وهي الحالة الإيجابية الوحيدة، إذ تقضي ابنته انتحاراً بعد أن نال منها شاعر مفوّه وقعت تحت تأثير عباراته المنمقة .‏

لا شك أن اسماعيل يعيش حالة من حالات الفصام بين ما يسمعه في مكان عمله من محاضرات وأمسيات أدبية، وبين الواقع القاسي الذي لا يعترف بكل الأشعار والمواعظ والحِكَم والخطب، ففي الوقت الذي تموت فيه زوجته على باب إحدى المستشفيات لأنه لا يملك ما يكفي من المال لقبولها يتشدق أحد المحاضرين بشعار "الطب للجميع" .‏

قرب ساحة الإعدام :‏

تدور حوارات مسرحية "قرب ساحة الإعدام" في حديقة عامة بين رجلين يلتقيان مصادفة دون سابق معرفة.. أحدهما في الخامسة والعشرين من العمر، والآخر فوق الخمسين.. لكل منهما مأساته التي دفعت به إلى التسكع في الحدائق .‏

الشاب متخرج من الجامعة ويبحث عن عمل منذ تخرجه دون أن يوفق في ذلك، أما الرجل الآخر فمطرود من عمله بسبب ضميره الحي وعدم سكوته عن الأخطاء التي تُرتَكَب .‏

تطرح هاتان الشخصيتان مسألتين في غاية الخطورة : الأولى هي المستقبل الغامض الذي يحيق بجيل بأكمله تسلح بالعلم دون أن يستطيع تحمّل مسؤولياته الشخصية.. والثانية انهزام قوى الخير والحق أمام قوى الشر والباطل .‏

شخصيتا المسرحية منهزمتان من الداخل وغير قادرتين على مواجهة الواقع الذي يضغط بكلتا يديه على عنقيهما، لا كفردين بل كنموذجين يمثلان شريحة واسعة، وهما في نفس الوقت لا تخلوان من سلبية تتجلى عند الشاب باستعداده لدفع أي ثمن من أجل الحصول على وظيفة، وهو مستعد للسباحة مع التيار عملاً بالمثل القائل "عندما تكون في روما فيجب أن تتصرف كالرومان" أما سلبية الآخر فتأخذ طابعها الانهزامي بعيداً عن أي شكل من أشكال المواجهة.. وسلبية هاتين الشخصيتين كما تطرحهما المسرحية ستغدو مسوغة نظراً للضغوط الهائلة التي تتعرضان لها .‏

يربط الكاتب بين الواقع الأليم لشخصيتيه والذي يصل حد الاختناق وواقع رجل آخر لا يظهر على خشبة المسرح، محكوم عليه بالإعدام دون أن نعلم السبب، ومعرفتنا للسبب مسألة غير جوهرية بطبيعة الحال، إذ أن الأمر الجوهري هنا هو الربط بين واقع عملية الإعدام الفعلي التي يتعرض لها هذا الرجل، وواقع الحصار الخانق الذي تتعرض لـه شخصيتا المسرحية الشبيه بعملية إعدام الرجل ولكن بشكل آخر .‏

إيقاع بلا نهاية :‏

تضع هذه المسرحية على بساط البحث موضوعة المجتمعات المعاصرة ذات النمط الاستهلاكي الذي نحّى جانباً العلاقات الإنسانية الحميمة المتسمة بالدفء والتعاضد .‏

أسرتان.. إحداهما فتيّة، يقترب الزوج فيها من الثلاثين من العمر، يعمل مساعداً فنياً في مكتب هندسي حكومي، وزوجته تجاوزت العشرين من عمرها، وهما بانتظار مولودهما الأول.. أما الأسرة الثانية فقد تجاوز الزوج فيها السبعين من العمر، والزوجة دون ذلك بقليل، ولهما ثلاثة أبناء .‏

المسرحية تقدَّم في أحد عشر مشهداً، تتناوب فيها الأسرتان الظهور بين مشهد وآخر، ولكل أسرة من الأسرتين مأساتها الخاصة بها، إذ بينما تكمن مأساة الأسرة الشابة في عدم توفر ما يكفي من الدخل لإعالة المولود القادم تتجه مأساة الأسرة العجوز باتجاه آخر يتمثل بابتعاد أبنائها عنها نتيجة ضغوطات الحياة اليومية ومشاكلها ومشاغلها .‏

يخصص الكاتب لكل مشهد من المشاهد المخصصة لكل أسرة محوراً يركز عليه، فمشهد الأسرة الشابة الأول يكرسه لرصد حالة الترقب المشوب بالسعادة للزوجين وهما بانتظار مولودهما الأول، ويبدأ في المشهد الثاني طرح المسألة الاقتصادية على بساط البحث من خلال التفكير بتوسيع آفاق العمل كي تتوفر القدرة على تأمين حياة رغيدة للضيف القادم، وفي المشهدين الثالث والرابع هناك استكمال لبحث المشكلة الاقتصادية والتفكير بعمل إضافي، ويبرز خلاف بين الزوجين، فالزوجة تصبو إلى تغيير جذري في حياتها وحياة أسرتها، بينما يفضل الزوج سياسة الخطوة خطوة.. ويختم المشهد الرابع بنظرة مستقبلية متفائلة عند الزوج، ومتشائمة عند الزوجة.. وفي المشهد الخامس يكون الزوج قد استعان بجارته الممرضة العجوز بعد أن داهمت آلام المخاض زوجته فجأة .‏

في مشاهد الأسرة العجوز نلمس حرص الكاتب على طبع هذه المشاهد بطابع من اليأس والبؤس والاستسلام للأمر الواقع المتمثل بانتظار الموت بالنسبة للزوج السبعيني المريض، كما نلمس حرص الكاتب على الحديث عن موضوعية الزمن ووطأة قرب نهايته على الأشخاص الذين تمتعوا فيما سبق بحياة حافلة، فمنذ المشهد الأول هناك تركيز على موضوعة الزمن ومروره السريع.. يقول الزوج : "نصف قرن مر هكذا.. ومضة زمن".. ويرصد المشهد الأول أيضاً حالة الترقب عند الزوجين بانتظار أولادهما .‏

في المشهد الثاني يعود الزوجان إلى الماضي لاستعادة الذكريات الجميلة المشتركة في محاول لتعزية النفس عن جحود الحاضر.. ولنلاحظ هنا أن عالم هذه الأسرة منحصر في ماضيها، بينما ينحصر عالم الأسرة الشابة في مستقبلها.‏

ويستمر الحديث عن الماضي وذكرياته في المشهد الثالث ليعود في نهايته ويتركز مرة أخرى على الأبناء وترقب قدومهم.. في هذا المشهد يأخذ الحديث بين الزوجين طابعاً فلسفياً عن الحياة والموت والزمن.. والواقع فإن مشاهد العجوزين لا تخلو من هذا التوجه الذي يتبلور تماماً في المشهد الرابع، وأعتقد هنا أن التوفيق جانب الكاتب في هذا التوجه، ذلك أن مستوى اللغة العالي الذي يتخاطب به الزوجان العجوزان لا يتناسب مع حقيقة كونهما مدرس رياضيات سابق وممرضة سابقة، بل مع كونهما فيلسوفين، وهذا غير صحيح، ولغة مشاهد العجوزين الراقية هي في الواقع لغة الكاتب وأفكاره التي وضعها على لسانَي هاتين الشخصيتين دون أن تتناسب وإياها، خاصة وأن المستوى اللغوي في مشاهد الأسرة الشابة كان مختلفاً تماماً ومتناسباً مع الشخصيات رغم أنها بدورها شخصيات متعلمة ومثقفة أيضاً، وعندما يتم الانتقال من مشهد للأسرة العجوز إلى مشهد للأسرة الفتية أو بالعكس يمكن تلمس هذا الاختلاف الذي يزعزع ركائز البنية اللغوية الواحدة .‏

في نهاية المشهد الرابع يستنجد الزوج الشاب بجارته الممرضة المتقاعدة فتهب لتلبية النداء .‏

وفي المشهد الخامس يتجه الزوج العجوز (بعد أن بقي وحيداً) نحو النافذة علّه يلمح طيف أحد أبنائه قادماً لزيارته في نفس اللحظة التي يفارق فيها الحياة.‏

وفي المشهد الأخير من المسرحية يقدم الكاتب مزجاً بين مأساة موت الرجل العجوز وحيداً وحزيناً، وسعادة الزوجين الشابين بمولودهما، في إشارة واضحة إلى أن الحياة ستبقى مستمرة ولا يمكن أن تتوقف .‏

من يسمع الصمت :‏

يتعرض حميد بطل هذه المسرحية لموقف لا يُحسَد عليه عندما يقتحم مكان إقامته إثنان من الملتحين.. ولحميد قصة طويلة تبدأ من معاناته مع زوجته قمر عندما كانا يعيشان معاً، ومعانته بعد رحيلها عنه، مروراً بالمرض الغريب الذي يعاني منه وهو "فرط السمع" الذي يجعله يسمع الأصوات من مسافات بعيدة لا تستطيع الأذن البشرية العادية التقاطها .‏

يمكن تقسيم هذه المسرحية إلى قسمين (رغم أنها تقدَّم في مشهد واحد).. الأول عبارة عن مونولوج يلقيه حميد يبين فيه طبيعة مشاكله مع زوجته، هذه الزوجة التي تشكل بالنسبة إليه دنيا مفعمة بالمحبة والمودة، يشوبها بعض التوترات بسبب الوضع الاقتصادي السيء لهذه الأسرة الصغيرة، فحميد موظف بسيط في شركة الكهرباء، لا تلبي الليرات القليلة التي يتقاضاها أول كل شهر المتطلبات المعيشية الضرورية.. هذه التوترات أدت في النهاية إلى رحيل زوجته عنه وطلبها الطلاق منه .‏

نتعرف في هذا القسم على معاناة حميد من أذنيه اللتين تسمعان أشياء لا شأن لهما بها، ولكن خطورة هذه الحالة تبدأ عندما يسمع عن طريق المصادفة حديثاً بين اثنين من الملتحين يخططان لنسف مبنى بريد، فيستفز طاقاته الفكرية من أجل إخبار المعنيين ومنع وقوع كارثة بشرية، ولم ينسَ في غمرة تفكيره بكيفية إنقاذ أرواح الأبرياء زوجته وكيف أن سيتعملق في عينيها بعد أن يغدو بطلاً أسهم في إنقاذ أرواح مواطنين .‏

في القسم الثاني من المسرحية يظهر الملتحيان فيسحبهما حميد من رجال الشرطة ويسارع إلى إخبارهما بما عرفه من معلومات عن عملية التفجير، لكنه ما يلبث أن يدرك الخطأ الذي ارتكبه عندما يعرف أنهما المكلفان بتنفيذ هذه العملية، أما هما فلا يتمكنان من النيل منه بسبب رباطة جأشه أولاً، ومحاصرة رجال الشرطة للمبنى ثانياً.. وتنتهي المسرحية بعملية تبادل لإطلاق النار، يعبّر حميد أثناءها وبعدها عن خوفه من أن يكون الخاسر الوحيد .‏

يتميز حوار القسم الثاني من المسرحية الدائر في جزء منه بين حميد وأحد الملتحين بتطرقه إلى مواضيع غاية في الأهمية، يكشف فيها الكاتب النقاب عن مدى الهشاشة الفكرية التي تتستر وراء الفئات التي تدّعي حماية المبادئ والقيم الأخلاقية والدينية، في الوقت الذي تنتهك فيه هذه الفئات هذه المبادئ والقيم بشكل فظ، وهم في الوقت الذي يعلنون فيه محاربة الكفر والإلحاد إنما يرتكبون ما هو أشد مقتاً من الكفر والإلحاد .‏

مسرح وليد إخلاصي :‏

وليد إخلاصي كاتب مسرحي يضع الملح على الجرح.. مواضيعه حارّة وشخصياته حية نابضة، نراها حولنا وفي أنفسنا .‏

إنه لا يأبه بالأشكال والأطر الفنية بقدر ما يأبه بالمضامين، ومسرحياته وإن كانت تعاني أحياناً من هيمنة الجانب الحواري القريب مما هو يومي وعادي إلا أنها ولا بد في النهاية من أن تقدم فكرة ما أو مقولة راهنة وملحّة، إما أن تكون على صلة بالبعض أو بالكل .‏

هيمنة الجانب الفكري وعدم الاهتمام بالشكل الفني ربما دفع مخرجينا (في دمشق خصوصاً) إلى عدم الاهتمام بنصوص وليد إخلاصي، ولكن وإن كان حظ جمهور دمشق قليلاً في هذا الإطار فإن جمهور بقية المدن السورية قد أخذ نصيباً معقولاً من نصوصه التي عُرِض الكثير منها من قِبل العديد من الفرق، كما أن العديد من المهرجانات التي تقام سنوياً في المحافظات حفلت بعروض عن نصوص وليد إخلاصي، وبكل الأحوال يبقى وليد إخلاصي صوتاً مسرحياً هاماً يستحق مسرحه المزيد من التأمل .‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244