قراءات في النص المسرحي السوري ـــ جوان جان

دراسة ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق ـــ 2006

Updated: Monday, July 02, 2007 02:02 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

(حال الدنيا) لممدوح عدوان.. عندما تصبح الحياة عبئاً على الحياة

ينحو الكاتب ممدوح عدوان في مونودراما "حال الدنيا" منحى اجتماعياً صرفاً، إذ يطرح على بساط البحث شخصية رجل في حوالي الخمسين من العمر، فقدَ منذ ساعات زوجته إثر مرض لازمها في أيامها الأخيرة وأقعدها طريحة الفراش، ويكشف الكاتب النقاب في هذه المونودراما عن الهرم الاجتماعي -في بعض حالاته- الذي يبدو في الظاهر متماسكاً، بينما يشير الواقع إلى حالة اجتماعية مهلهلة وقابلة للتداعي في مواجهة أول امتحان حقيقي تتعرض لـه .‏

يبدأ نص المسرحية بوصف لمحتويات المكان (البيت) الذي يدور فيه الحدث : "صالون منزل متوسط الحال.. فيه هاتف ومكتبة ومقاعد.. على الجدار صورة امرأة تحدّق في المُشاهد وصورة رجل هو أبو عادل بطل المسرحية، لكن الصورتين تعودان إلى أيام شبابهما.. صورة أخرى لمجموعة من الأولاد متفاوتي الأعمار.. قرب الباب مرآة... إلخ".. من هذا الوصف يمكن لنا أن نستنتج أن الكاتب يقدم لنا حالة إنسانية ليست ذات خصوصية على الإطلاق، وذلك بانتمائها إلى ما يمكن أن نطلق عليه الطبقة الوسطى، بمعنى أن المشكلة التي تواجهها هذه الشخصية لا علاقة لها بوضع اقتصادي مزرٍ أو بالغ الثراء، وبالتالي فإنه بالإمكان القول هنا إننا أمام ظرف اجتماعي-اقتصادي عادي لا علاقة مباشرة لـه برسم طبيعة العلاقة التي كانت قائمة بين هذا الرجل وزوجته قبل رحيلها عن هذا العالم .‏

يبدأ مونولوج الشخصية عندما يلاحظ أبو عادل أنه نسي مرة أخرى وصل سلك الهاتف، إذ يبدو أن فصل سلك الهاتف عادة يومية متبعة في هذا البيت، وسيكون لهذه العادة تداعياتها فيما بعد حسبما سنرى.. بعد وصْلِ سلك الهاتف يتلقى أبو عادل اتصالاً هاتفياً من ابنه عادل يدعوه فيه إلى منزله لمشاركته في جلسة ما بعد تلقي العزاء للتسرية عنه، لكن أبو عادل يرفض هذا العرض مفضلاً البقاء لوحده.. هذه الرغبة في الانفراد لا تنبع من كون أبو عادل يريد أن يتيح لابنه الاختلاء بزوجته بعد يوم طويل من تلقي العزاء -كما يدّعي- بل لترك انطباع عند الجميع أنه ليس بحاجة لأحد من أبنائه وأنه قادر على التأقلم مع كل الظروف، خاصة عندما نعلم فيما بعد المطامح التي تدور في ذهن أبو عادل حول الأسلوب الذي سيقضي به بقية حياته.. وهو أسلوب سيتضح لنا أنه مسبق التخطيط .‏

بعد انتهاء الاتصال الهاتفي بين الرجل وابنه، يبدأ أبو عادل بالتمهيد -لنفسه قبل أي أحد آخر- لما سيتخذه من قرارات أصبحت جاهزة ولم يتبق إلا الإفصاح عنها، وهذا التمهيد يتجلى في وصفه للبيت وكيف أنه فجأة أصبح أكثر اتساعاً عما اعتاده : "يبدو البيت كأنه كبر أو توسع.. يا الله أهذا ما يفعله غياب شخص واحد؟ يغيب عنا فيصبح البيت فراغاً والعالم فراغاً وتصبح الدنيا خاوية.. ألهذا يقولون : أعزب دهر ولا أرمل شهر؟".. من الملاحظ إذن كيف يشير أبو عادل بشكل لا لبس فيه إلى صعوبة الوضع الذي وجد نفسه فجأة فيه، وهو لا ينسى طبعاً في خضم تصويره لهذا الواقع القاسي أن يتذكر كيف كانت زوجته تعتني بالبيت طيلة ثلاثين عاماً دون كلل أو ملل، لكن مسألة كون المنزل أضحى فارغاً وموحشاً لا تغيب عن باله : "البيت الآن دون وجودها خاوٍ وواسع كأنه تحول إلى غابة أو صحراء.. صار موحشاً كالبيوت الأثرية الرطبة".. وفي ضوء ما سيلحق من معطيات يمكننا القول بكل ثقة أنه يقصد أن يقول هنا أن البيت دون شريك يصبح موحشاً وخاوياً، وتركيزه على غياب زوجته ليس أكثر من محاولة لإقناع نفسه أنه يفتقد وجودها هي تحديداً لا وجود المرأة في حياته بشكل عام، وهو الأمر الذي سنكتشف عدم جديته .‏

ويتابع أبو عادل سرده لذكرياته الجميلة مع زوجته، مبيناً مدى اهتمامها به وبشؤونه، وكيف كانت لا تتأخر عليه في موعد طعامه الذي لم يذق ما يماثله في أي مكان آخر، كما يتذكّر حرصها على راحته عندما ينام، ربما كذريعة لتذكير نفسه بأنها كانت أول من لجأ في البيت إلى فصل سلك الهاتف في أوقات الراحة، وهي العادة التي حرص جميع من في البيت على اتباعها فيما بعد .‏

وفي سياق حديثه عن ملابسات مرض زوجته لا ينسى أن يذكّر نفسه باستمرار كيف أنها بعد أن أصيبت بالمرض ضعف جسدها وبدت عجوزاً في الوقت الذي لا يزال هو محتفظاً بشبابه، وبحبه للحياة إلى درجة أنه في آخر خمسة أيام حرص على حلاقة ذقنه بعكس ابنه الذي نسي هذا الأمر في غمرة مرض الأم، لكن أبو عادل لا يعدم الوسيلة في إيجاد المبررات لسلوكه : "منذ خمسة أيام لم يحلق.. كنت أقول لـه كل يوم أن يحلق وهو لا يرضى.. شاب.. ماذا يهمه؟ أنا لا أستطيع.. الشيب في اللحية مقيت.. يبدو الإنسان معه أكبر من عمره الحقيقي".. وعلى الرغم من أن أحداً لم يتهمه بالكذب عندما بكى في الجنازة إلا أنه يدفع عن نفسه هذه التهمة ربما لإحساسه أنه كان يبالغ في إظهار عواطفه وأن أحداً ربما شك بصدق مشاعره التي يظهرها، وهذا التشكيك بمشاعره لـه خلفياته عندما كانت زوجته تشكك بها مرجعة اهتمامه بها إلى العطف لا إلى الحب، وهو الأمر الذي اعتاد أبو عادل على نفيه باستمرار.. أما ما هو الدافع الذي كان يدفع بالزوجة إلى التشكيك بمشاعره فهو أنه كان يظهر من مظاهر الاحترام والإجلال لبعض الناس عكس ما يضمره تجاههم من احتقار، وهي تخاف أن تكون مشاعره التي يبديها لها مجرد كلام مفرغ من محتواه، لكن أبو عادل لا يجد مجالاً للمقارنة بين الحالتين، فهو إنما يظهر من مشاعر مزيفة تجاه البعض نظراً لوجود مصالح لـه معهم، فهم غالباً رؤساؤه في العمل ويهمه أن يبدي تجاههم مظاهر الولاء، وعند هذه النقطة نبدأ بالتعرف على المشاعر الحقيقية التي كان يشعر بها أبو عادل تجاه زوجته عندما يصفها بالعقرب، هذه المشاعر التي ربما تتحمل هي جزءاً من مسؤوليتها بسبب عدم تفهمها -حسب وجهة نظره- لبعض سلوكياته، إذ يبدو أن كلمة "منافق" التي كان يقرؤها في عينيها ما زالت تؤرقه وتكدر عيشه .‏

لا ينسى أبو عادل في غمرة حديثه عن زوجته أن يتذكر سميرة التي كانت تأتي باستمرار لتعتني بأم عادل في الوقت الذي كانت فيها ابنتها (أي ابنة أم عادل) لا تأتي إلا لماماً معتمدة على وجود سميرة الدائم أيام مرض والدتها .‏

والظاهر أن استدعاء سميرة ووجودها في حياة العائلة في الأيام الأخيرة ما هو إلا مقدمة للحديث عن رغبة أبو عادل بالزواج لا لشيء إلا لأن زوجته قد ماتت محملاً إياها مسؤولية إحساسه بهذه الغربة، أولاً لأنها رحلت عن هذه الدنيا وتركته وحيداً، وثانياً لأنها في الفترة الأخيرة لم تكن تتحدث إلا عن الموت : "بدأت أسأل نفسي : ماذا سأفعل بعد موتها؟ أنت كنتِ تريدين ذلك".. هذا التساؤل يبدأ أبو عادل بالإجابة عليه عندما يشير إلى أن صورة زوجته يجب ألا تبقى معلقة في المنزل بل يجب أن تنتقل إلى منزل ابنه حيث العزاء، ولا شك أن التخلص من الصورة هو الخطوة الأولى نحو التخلص من كل ما يمت بصلة إلى زوجته، إذ سيبدأ أبو عادل حياة جديدة لا مكان فيها لصورة زوجته المتوفاة.‏

ترتاد هذه المونودراما أفقاً جديداً عندما يبدأ الكاتب بالتلميح إلى دور ما قام به الزوج في التعجيل بوفاة زوجته المريضة.. الإشارة الأولى على هذا الصعيد تكمن في قيام الزوج قبل يومين من وفاة زوجته بجمع ملابسها تمهيداً للتخلص منها : "أمور كهذه يجب أن يتهيأ لها المرء فلا تفاجئه.. ليس هناك إنسان في الدنيا لا تخطر لـه فكرة أن تموت زوجته.. الإنسان هكذا.. يحلم بفقدان الأعزاء.. لكن هذا لا يعني أن كل من تخطر لـه الفكرة يكون لديه الاستعداد لتنفيذها".. ومثلما نفى قبل قليل تهمة لم يوجهها إليه أحد، ها هو يعود من جديد لنفي تهمة أخرى لم توجه إليه ألا وهي تهمة المساهمة في التعجيل بوفاة زوجته : "أنا لست قاتلاً.. لو كنت أريد القتل لما اهتممتُ حين جاءت النوبة عند منتصف الليل ونحن وحدنا".. الإشارة الثانية التي يرسلها الكاتب في هذا الاتجاه هي حرص أبو عادل ليلة وفاة زوجته ألا يبقى معهما أحد، فلم يضغط على سميرة كي تبقى في تلك الليلة، كما أنه حرص على ذهاب عادل إلى زوجته بعد خمسة أيام بلياليها قضاها إلى جانب أمه.. ثالث الإشارات هي تعمد أبو عادل أن يفاتح زوجته بموضوع زواجه وهي في عز أزمتها الصحية مبرراً ذلك بمعرفتها أنه بإمكانه الزواج متى أراد حتى دون أن تموت، ويستهجن منها اتهامها لـه بقلة الذوق، معتبراً أن اتهامها هذا دليل على توترها الذي لن يكون في مصلحتها وهي في هذا الوضع الصحي السيء، بل وأكثر من ذلك إذ يرد اتهامها لـه باتهام مماثل : "لو كان عندكِ ذوق لطرحتِ الموضوع بنفسِك.. لو كان عندك ذوق لقلتِ يا محمود أنت صبرت معي كثيراً.. لماذا لا تبحث عن بنت حلال تخدمك.. ولتمنيتِ أن أقضي ما تبقى من حياتي بسعادة" .‏

وبعيداً عن ذلك يكشف الكاتب عن تناقض واضح في شخصية أبو عادل المثقف الذي لا يجد حرجاً في أن يعيّر زوجته بجهلها، بل ويتمادى في ذلك إلى حد ضربها وإيجاد الأعذار لهذا السلوك المتناقض مع ما يعتقده في نفسه من سلوك حضاري : "أنتِ ظللتِ كما كنتِ يوم خرجتِ من القرية فلاحة وغشيمة لا تعرفين كيف تلبين لي متطلباتي.. وماذا يعني أن أضربك؟ أنا زوجك وسيدك، أضربك حتى يزرقّ جلدك".. والواقع أن الكاتب هنا يكشف عن بعد جديد من أبعاد شخصية بطله، ألا وهو البعد النفسي وأثره في رسم ملامح هذه الشخصية عندما تعترف أنها إنما تقوم بذلك تنفيساً عما تلاقيه من متاعب وأزمات في العمل وفي الشارع ومع المجتمع بشكل عام، هذا المجتمع الذي تجد الشخصية نفسها غريبة عنه، وهو ليس مجتمع المدينة الكبير بل مجتمع البلدة الصغير الذي لا توجد فيه أية خصوصية للإنسان الذي يتماهى -رغم إرادته- في هذا المجتمع بالغ التعقيد والبساطة في آن .‏

وتبدو علاقة أبو عادل بمجتمعه أكثر تعقيداً عندما يمعن في شرحها وضرب الأمثلة على عدم قدرته على التعايش مع هذا المجتمع الذي لا مكان فيه إلا للقوي، حتى على صعيد التسوق الذي يعبّر أبو عادل عن عدم تمكنه من إنجازه على أكمل وجه، ويحمّل أبو عادل زوجته مسؤولية كل ما يمكن أن يتعرض لـه من إهانات لأنها لو كانت تعرف كيف تتسوق لوفرت عليه التعامل مع البائعين والدخول معهم في شجارات محتملة : "لو كنتِ تستطيعين الخروج إلى السوق ربما كانوا يعاملونك بشكل مختلف، ربما كانوا يحسون بالحرج مع النساء".. كما أن الشكوى الدائمة من قبل الزوجة فيما يتعلق بالأولاد ومشاكلهم تشكل سبباً آخر يسوقه الزوج لتسجيل نقاط لصالحه في طبيعة علاقته مع زوجته وموقفه منها.. وغيرها الكثير من التفاصيل التي يسوقها الكاتب على لسان شخصيته كنوع من أنواع إيجاد التبرير لها في ما أقدمت أو ستقدم عليه، ويترك الكاتب الحكم للقارئ كي يوازن بين ما يسوقه أبو عادل من مبررات وبين موقفه من زوجته ورغبته السابقة واللاحقة في الزواج من امرأة أخرى، وإن كنا نلمس ميلاً من الكاتب لإبراز ضحالة المسوغات التي يدافع بها أبو عادل عن نفسه .‏

ويعود الكاتب مرة أخرى إلى الليلة التي توفيت فيها الزوجة متابعاً سلسلة الإشارات حول مدى إمكانية ضلوع الزوج في التعجيل بوفاة الزوجة، ويأتي دور استثمار الإشارة المتكررة من قبل الزوج إلى اللجوء بشكل مستمر إلى خلع سلك الهاتف من مكانه نشداناً للراحة والهدوء، ففي الوقت الذي اشتدت فيه الأزمة على الزوجة يحاول أبو عادل أن يتصل بالطبيب لكنه ما إن يرفع سماعة الهاتف حتى يُفاجأ بأن لا حرارة في جهاز الهاتف، ناسياً (أو متناسياً) أن السلك قد سُحِب كي لا يتسبب رنين الهاتف بإزعاج المريضة.. فما يكون من أبو عادل إلا الخروج من المنزل قاصداً منزل الطبيب الذي يتردد أبو عادل في طرقه خوفاً من أن يكون الوقت غير مناسب : "تلكأتُ قليلاً عند بيته.. هذه مسألة ذوق.. خطر لي كم سيكون مزعجاً أن أوقظه في هذه الساعة.. قد يستيقظ أبناؤه الصغار مرعوبين.. أنا لست أنانياً".. هذا التلكؤ يعد إشارة خامسة إلى سعي الزوج نحو وضع نهاية لحياة زوجته بشكل غير مباشر .‏

وفي خضم الليلة الليلاء يلمح الكاتب إلى طبيعة شخصية الزوج التي فيها من الغرابة بقدر ما فيها من الطرافة، فهو عندما يطرق باب الطبيب وتفتح لـه زوجة الطبيب الباب لا ينسى أن يلتهم بعينيه جسدها المرئي من وراء قميص النوم الشفاف مبرراً ذلك بعدم استطاعة أي إنسان تجاهل جسد امرأة جميلة تلبس ملابس شفافة .‏

نوايا الزوج في الزواج بامرأة أخرى وضمن ترتيب مدبّر لم تعد مجال شك عندما يأتيه اتصال هاتفي من صديقه أبو ياسين الذي يستفسر منه فيما إذا كان قد فاتح أولاده بأمر رغبته في الزواج.. ومن خلال رد أبو عادل يتضح لنا إصراره على القيام بما يريد دون أن يخاف ردة فعل أحد : "فلينطحوا رؤوسهم بأي جدار يختارونه.. أنا لا أفعل شيئاً خارج الشرع والعادة".. وبالطبع يثابر أبو عادل على تأكيد براءته باستمرار من أية مسؤولية تجاه موت زوجته حتى دون أن يتهمه أحد : "لا يموت الإنسان إلا في ساعته.. كنتِ ستموتين حتى لو وصلتُ مع الطبيب قبل دقائق" محمّلاً مسؤولية ما جرى لله : "هذه أعمار يمنحها الله سبحانه وتعالى لعبيده" متخذاً لنفسه مظهر المتدين المؤمن بقضاء الله وقدره : "نحن لا نستطيع أن ننهي الأعمار إلا بمشيئته، ومشيئة الله هي التي نفذت.. الله سبحانه وتعالى أخذ أمانته فلا تلقي اللوم علي ألقي اللوم على قلبك الضعيف الذي لم يستطع أن يقاوم هذه الدقائق القليلة".. وفي جو محموم من البحث عن مبررات يتذكر الزوج رغبة زوجته الدائمة والمتكررة في التخلص من عذاب وآلام المرض فيتخذ من هذه الرغبة مشجباً ليعلق عليه تلكؤه في طرق باب الطبيب : "عندما تلكأتُ لم أفكر في إزعاج الدكتور وأسرتِه فقط بل فكرت فيك أنت وفي رغبتك في الموت".. وللتدليل على صحة وصوابية تفكيره يستعين بما قرأه في الكتب والصحف عن وجود وجهة نظر طبية تسمح بإنهاء حياة المرضى الميؤوس من شفائهم.. والواقع أن الزوج لا ينفي رغبته في موت زوجته لا بسبب رغبته في التخلص منها وتشكيلها عائقاً أمام طموحاته ولكن بسبب حبه لها وحرصه على راحتها -حسب وجهة نظره- : "أنا كنت أفكر بموتك من باب راحتك.. هذه مسألة حضارية أنا مؤمن بها، لكنني لا أستطيع أن أنفذها" معيداً سبب عدم قدرته على التنفيذ إلى المجتمع الشرقي الذي يرفض هذه الأفكار ولا يتقبلها .‏

الإشارة السادسة ضمن سلسلة الإشارات الدالة على تورط الزوج في التخلص من زوجته هي إرساله للطبيب لوحده إلى المنزل بحجة ذهابه إلى بيت ابنه عادل لإخباره باشتداد المرض على أمه ناسياً -أو متناسياً مرة أخرى- أن زوجته وحدها في البيت ولا تستطيع أن تفتح الباب للطبيب، وبالتالي سينقضي المزيد من الوقت ريثما يصل الطبيب إلى حيث تقبع المريضة.. ولا تلبث الإشارة السابعة أن تلحق بسابقتها عندما يكشف الزوج عن نسيانه لمفتاح المنزل في الداخل، في الوقت الذي تلعب فيه الثانية الواحدة دوراً حاسماً في تقرير مصير الزوجة الذي بات واضحاً -بعد كل الوقت الذي ضاع- أن الموت رفيقها الليلة لا محالة .‏

وباعتبار أن سميرة تشكل الطرف الثالث في مثلث العلاقات الرئيس الذي تطرحه هذه المونودراما فإن العودة إليها بين الحين والآخر تشكل ضرورة لا غنى عنها، فها هو الزوج يبدي خجله من سميرة عندما تعلم أن الليلة الوحيدة التي اضطرت فيها إلى ترك أم عادل فارقت الأخيرة الحياة، ويخشى أبو عادل أن تظن سميرة أن ما حصل كان نتيجة الإهمال.. وفي عودة إلى الزمن الذي كانت فيه سميرة بقرب أم عادل أثناء فترة مرضها يكشف أبو عادل عن ظروف نشوء التقارب بينه وبين سميرة، والمدخل دائماً علاقة سميرة بالزوجة وملازمتها لها طيلة فترة مرضها، وانطلاقاً من رعاية سميرة للزوجة كانت الرعاية تطال أيضاً أبو عادل : "أخيراً صارت تعطف علي لأنها قدرت تعبي معك (موجهاً كلامه إلى صورة زوجته) صارت تعتني بي وبك وصارت جزءاً من البيت.. هي التي تنظف وتطبخ وتغسل..." ويبدو أن أبو عادل هو المبادر إلى التفكير بطريقة خارجة عن نطاق العلاقة الإنسانية الخالصة التي يمكن أن تنشأ في هكذا حالات : "... وأخيراً صارت تغفو على الكرسي، ما الذي يجبرها على أن تنام في بيت رجل غريب؟ وأنت تعرفين (ما زال الحديث موجهاً إلى صورة الزوجة) أن النائم لا يملك من أمر نفسه شيئاً، قد ينحسر الغطاء عنه، قد يظهر جسده عارياً أو شبه عار".. وفي هذا تأكيد جلي على أن الحاجة التي تولدت عند أبو عادل حول ضرورة وجود سميرة في حياته كانت متكاملة العناصر، بمعنى حاجة لها علاقة باستمرارية الحياة من خلال تأمين المتطلبات الأساسية من طبخ وغسيل.. إلخ، وحاجة حسية لها علاقة بشعوره برجولته وبكونه ما زال قادراً أن يكون رجلاً لامرأة .‏

واستكمالاً لسلسلة التبريرات التي لا تنتهي يبرر أبو عادل رؤيته لسميرة وهي نائمة وقد انحسر الغطاء عن جزء من جسدها بأنه لم يكن يعلم أنها نائمة بالقرب من أم عادل، كما يبرر دخوله عليها -خطأ- وهي تستحم ظاناً إياها أنها زوجته، محمّلاً كل هذه الأخطاء -غير المقصودة من وجهة نظره- إلى زوجته : "هذا كله من أجلك" والتبريرات جاهزة دائماً : "عمري لم أرَ جسداً فتياً عارياً إلا في السينما.. والله نحن نستحق الرثاء" ولأنه يؤمن أنه يستحق الرثاء فهو يتخوف من أن يقضي بقية حياته وحيداً ويموت وحيداً : "قد أموت وتخرج الروائح من جثتي قبل أن ينتبه لموتي أحد" ومن أجل ألا يحدث هذا يدرك أبو عادل تماماً مدى ضرورة أن لا يمضي بقية حياته وحيداً، وهو يستبعد تماماً أن يحل ابنه عادل مكان زوجته في رعايته : "ليس من حقي أن ألومه، فهو الآخر لديه بيته ومسؤولياته ولديه زوجته الجميلة الشابة التي يجب أن يظل إلى جانبها خاصة إذا كانت كما تقول تخاف من البقاء وحدها في البيت".. والواقع أنه من خلال ما تقدم سيلوم أبو عادل ابنه بالتأكيد لو كان بإمكانه رعايته والحلول مكان الزوجة لا العكس، لأن حقيقة عدم قدرة الابن على رعاية والده أتت في الاتجاه الذي يقود أبو عادل نفسه إليه.. وفي مقابل عدم اعتراضه على رغبة ابنه في العيش كما يحلو لـه مع زوجته دون قيود أو التزامات تجاه أبيه فإن الأب أيضاً من حقه -كما يرى- أن يعيش ما تبقى لـه من عمر كما يشاء ويشتهي، وهي معادلة يتشبث بها أبو عادل بكل ما أوتي من قوة إلى درجة أنه يرفض استقبال أصدقائه من المعزين في بيته طالباً من عادل استقبالهم في بيته، بل ولا يريد من أحد أن يرسل إليه طعام العشاء، فالرجل قرر التحرر تماماً من كل ما يمكن أن يربطه بعائلته، إنه يريد الانعتاق، والانعتاق لا يكون إلا بالوحدة تمهيداً لتحقيق ما فكر به منذ زمن.. والهدف الذي وضعه أبو عادل أمامه يبدو أنه يلاقي معارضة من قبل الابن، لذلك لا يدخر أبو عادل جهداً لتوجيه سهامه نحو ابنه : "لو كنتَ إنساناً لفكرتَ بأبيك ولحرصتَ عليه، وبالتحديد لأن أمك ماتت لكي لا تفقد أبويك معاً" ويمعن أبو عادل في الهجوم على ابنه، بل واتهامه بأنه لا يريد لأبيه أن يتزوج كي لا يأتيه أخ يقاسمه الميراث.. ولا يفوت أبو عادل مرة أخرى أن يستعين بالدين لدعم موقفه : "ألم يحذرك الله سبحانه وتعالى من غضب الوالدين؟" ويربط طاعة الله بطاعته : "طاعتي جزء من طاعة الله" كما لا ينسى أن يعزز موقفه ببديهيات اجتماعية متعارف عليها بغض النظر عن صوابيتها : "الرجل هو الذي يملك كل شيء : البيت والزوجة والأولاد.. وأنا رجل، أنا رب البيت ومعيل الأسرة وأبو الأولاد".. هذه السيطرة التي يتيحها المجتمع الذكوري صاحب اليد الطولى في الاستقرار الاقتصادي المنزلي يجيّرها أبو عادل لمصلحته بأقصى ما يستطيع : "أنا الذي تفضّل على الجميع، أطعمتهم وربيتهم وأنفقتُ عليهم، ولذلك أنا حر في أن أفعل ما أشاء".. وباعتبار أن أبو عادل ماهر في اختلاق الأعذار فإنه لا يلبث أن يعيد رغبته في الزواج إلى الضرورة لا إلى الرغبة، فهو لن يستطيع كرجل إكمال حياته دون امرأة تعتني به، خاصة وأنه اعتاد على الحياة الزوجية ولن يستطيع العودة إلى سيرته الأولى، كما أنه يعيد اختياره إلى سميرة بالتحديد على أساس أنها لم تعد غريبة عن البيت بعد الأشهر التي قضتها فيه، كما أنها لم تعد غريبة على أبو عادل تحديداً : "سميرة كانت موجودة دائماً وكانت تدخل إلى غرفة نومي لتوقظني أو لتجلب لي القهوة وأنا أقرأ وكانت تغسل لي ملابسي.. من أجل هذا قلتُ إن سميرة امرأة ملائمة للبيت، تعرفه من قبل، وهي ربة منزل بارعة" كما أن عدم زواج سميرة من قبل يبدو سبباً وجيهاً آخر يدعوه لأن يقع اختياره عليها دون غيرها، وبالإضافة إلى ذلك هي متعلمة تعرف القراءة والكتابة عكس زوجته التي يتهمها بأنها لم تتطور منذ أن أتيا من القرية : "نحن في المدينة منذ ثلاثين عاماً، وطوال هذه المدة وأنا أكبر وأتغير وأتعلم وأتطور، وأنت (مخاطباً صورة زوجته) في البيت كما كنتِ يوم جئتِ من القرية".. وتتلاحق المبررات متدافعة، فتارة تكون الشكوى من الزوجة التي تفوح منها رائحة الطبخ وتارة أخرى يكون الخوف من التقدم في العمر والرغبة في استغلال ما تبقّى من سنوات بشكل مجدٍ وفعال، وتارة ثالثة يكون التوق لمعاشرة امرأة "متمدنة ومتعلمة" –حسب تعبيره- لكن الدافع الأهم كما يراه أبو عادل هو أنه قام طيلة السنوات الماضية بكافة واجباته تجاه أسرته وقد آن الأوان لأن يعيش من أجل نفسه بعد أن كان يعيش من أجل الآخرين : "الآن جاء دوري.. أريد أن أعيش.. هذا من حقي" نافياً أن يكون قد عاش حالة من الحب مع زوجته، بل كل ما في الأمر أنه تزوجها لأنه يجب أن يتزوج، وفي نفس الوقت يدرك أبو عادل أن زوجته كانت تبادله نفس مشاعره، فهي –كما يراها- لم تكن تهتم بشؤونه إلا لأنه زوجها ولأنه من واجبها أن تقوم بذلك .‏

وفي عودة إلى سلسلة الإشارات المتعلقة بمسؤوليته عن الإسراع بوفاة زوجته يشير أبو عادل قرب نهاية المونودراما إلى الشرط الذي وضعته سميرة للاقتران به وهو عدم وجود الزوجة الأولى، والحل لا يكون إلا بالطلاق أو الموت، وباعتبار أن عوائق عديدة –منها ما هو اجتماعي ومنها ما هو إنساني- تقف في وجه طلاقه من زوجته لا يبقى إلا الاحتمال الثاني، وهو الاحتمال الذي يدفعه إلى الشعور بالنقمة تجاه زوجته : "حتى صديقتكِ سميرة كانت تريدك أن تموتي.. وجودك كان يقف أمامنا جميعاً ويمنعنا من الحياة، لهذا كان يجب أن تموتي.. لقد أطلتِ مرضك دون مبرر، ولو تركتكِ على هواك لظللتِ مريضة عامين آخرين وربما أكثر".. إذن الإجابة على تساؤلات وتخمينات المتلقي أضحت واضحة تماماً ولا حاجة لشرح أكثر مما يجود به أبو عادل من اعترافات : "من لا يستطيع أن يعيش يجب أن يموت، وإن لم يفعلها بالذوق فعلها الآخرون.. يكفيكِ ما حجبتِه من الحياة عنا.. صار يجب أن تموتي.. وجودك لم يعد لـه مبرر" .‏

وبعد.. ربما يتساءل قارئ هذه المونودراما ومشاهدها على خشبة المسرح عند تنفيذها تُرى ما الذي أراد ممدوح عدوان إيصاله من خلالها؟ هل أراد أن يدين شخصية بطله الأناني الذي نسي بكل بساطة سنوات الزواج بحلوها ومرّها ووصل به الأمر إلى حد قتل زوجته عندما لم تعد قادرة على تلبية متطلباته العديدة؟ أم أن الكاتب أراد أن يطرح وجهة نظر قد تبدو غريبة بعض الشيء لكن التفكير فيها يقود إلى نفس النتيجة التي توصل إليها أبو عادل؟‏

في الواقع لا إجابة محددة في هذه المونودراما، فالكاتب ترك مهمة وضع الإجابة على عاتق قارئه.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244