|
||||||
| Updated: Monday, July 02, 2007 02:02 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
(صناعة الأعداد) لعبد الفتاح قلعه جي.. التاريخ يعيد نفسه في الفترة التي ظهرت فيها مسرحية "صناعة الأعداد" للكاتب عبد الفتاح قلعه جي كان المسرح العربي مازال مشغولاً بالبحث عن شكل خاص به ومميز لـه عن غيره من مسارح العالم، ففي ذلك الوقت (1980) وخلال السنوات التي سبقت ذلك التاريخ ظهر الكثير من الدراسات والمقالات والنظريات التي تحاول أن تؤطر المسرح العربي داخل تعريفات محددة وتوصيفات معينة دون أن تنجح في الاتفاق فيما بينها حول النقاط المثارة والقضايا العالقة في كل تلك الاجتهادات . وبالإضافة إلى تنظيرات النقاد والباحثين اهتم الكتّاب المسرحيون العرب من جهتهم بترجمة تلك الاجتهادات في نصوصهم المسرحية فحاولوا أن يوجدوا شكلاً عربياً خالصاً ونقياً، فلجأوا حيناً إلى شكل الحكاية المتبع في "ألف ليلة وليلة" على سبيل المثال، وحيناً إلى شكل الملاحم العربية المتداولة والشخصيات الأسطورية (أو ربما الحقيقية التي أُسبِغ عليها الطابع الأسطوري) كـ "الزير سالم" و"أبو زيد الهلالي" و"الظاهر بيبرس".. إلخ، كما لجأوا إلى شخصية الحكواتي كي تكون إطاراً لتقديم الحكاية الشعبية ذات المقولة المعاصرة، كما كان لشخصيتَي كراكوز وعيواظ المعروفتين في فصول خيال الظل التي تُقدَّم في المقاهي دورهما في محاولات إيجاد شكل عربي للمسرح المقدَّم في البلاد العربية.. ومجمل هذه المحاولات لم يخرج عن إطار المحاولة لتصبح منهجاً بحد ذاتها، إذ يبدو أن كل كاتب من كتّاب المسرح العربي كان مقتنعاً بالشكل المسرحي الذي يقدمه، هذا إذا اعتبرنا أن لكل كاتب مسرحي عربي منهجاً محدداً وشكلاً خاصاً به يقدم من خلاله أعماله المسرحية، إذ غالباً ما لجأ الكتّاب المسرحيون إلى تغيير أساليبهم تبعاً لمضامين أعمالهم، حيث يؤكد معظمهم أن مضمون المسرحية هو الذي يفرض شكلها وليس العكس، كما أن درجة تقبّل جمهور المسرح من قرّاء ومشاهدين لهذه الأشكال المختلفة تلعب دوراً كبيراً في تحديد الأشكال والأساليب المسرحية . ومثلما انخرطت مسرحية "صناعة الأعداد" في قوانين لعبة الشكل انخرطت أيضاً في قوانين لعبة المضمون، إذ لم تخرج عن المضامين السائدة في المسرح العربي عامة، والسوري خاصة، تلك المضامين التي وضعت نصب عينيها موضوعتين أساسيتين : 1-تصوير الصراع العربي-الإسرائيلي 2-محاربة القمع والظلم اللذين فرضتهما الأنظمة الاستبدادية على الشعب العربي، وغالباً ما كانت معالجة هاتين الموضوعتين تتم بشكل رمزي غير مباشر، وخاصة فيما يتعلق بالموضوعة الثانية التي يندر أن تتم معالجتها بطريقة مباشرة أو معاصرة، فكان اللجوء إلى الحكاية سبيلاً شبه وحيد لتقديم (أو تمرير) مضامين ومقولات وأفكار ووجهات نظر معاصرة . وإذا كانت مسرحية "صناعة الأعداد" قد قدمت مضموناً واحداً ضمن رسالة واضحة الأهداف فإنها لجأت على مستوى الشكل إلى أكثر من أسلوب، أبرزها الجمع بين المعاصَرة والتقليد، إلا أن عبد الفتاح قلعه جي يفضّل أن يمهد لمسرحيته بمقدمة شبه عبثية بكافة عناصرها من شخصيات وديكور وإضاءة وزمان ومكان، فالإضاءة في مشهد المقدمة "خافتة توحي بمكان غير محدد المعالم، والزمن مبهم، وظرفه غريب موحش أشبه بأجواء الحلم، أما الشخصيات فهم مجموعة من الراقدين المتخفين بإزار أخضر كريه" (حسب وصف الكاتب) وهم "أشبه بصخور بارزة في مستنقع آسن، يبرز منهم رجل شرس مبتور الرجل، عيناه حادتان تبرزان من خلال قناع أسود".. يبدأ الرجل خطابه تجاه مجموعة الأشخاص الموجودين في المشهد داعياً إياهم إلى ممارسة حريتهم وتقاليدهم الاجتماعية والنقد الذاتي، ويمضي المشهد بشكله العبثي إلى أن يفصح المعلم عن وجود كومبيوتر ضخم يقوم المعلم بتغذيته بما يتيسر بين يديه من أوراق وجرائد وأسلحة وكتب ولوحات وقمامة ومعلومات تاريخية واجتماعية وسياسية كي يعمل ويعطي معلومات صحيحة وينبئ عن الطقس في المستقبل، ثم تبدأ النتائج بالظهور ليبدأ الفصل الأول بعد مقدمة سوف تعود بشكلها ومضمونها لتظهر قرب نهاية النص. مع بداية الفصل الأول تتغير طبيعة المكان بشكل جلي ليتخذ العمل شكله الأساسي الذي يجمع كما سبق أن ذكرنا بين ما هو معاصر وما هو تقليدي، فالمكان عبارة عن "قاعة عرش تجمع بين القديم التاريخي والحديث، وتوحي للناظر بأنها مكتب فخم لشخصية هامة، تحتوي على عدة أجهزة هاتفية وجهاز تلفزيون ومذياع وهي مزينة باللوحات ومفروشة بالسجاد، وعلى الجانبين كراسٍ فاخرة من الطراز القديم، وعلى جانبي العرش أريكتان، وسائدهما من الريش، وفي صدر القاعة يتوضع العرش السلطاني العاجي القديم، ومن البعيد تظهر صورة لصلاح الدين الأيوبي" . أما القسم الأيسر من المسرح فهو عبارة عن "غرفة مراقبة لاستديو إذاعي"، وكما هو ملاحَظ فإن طبيعة مفردات الديكور في هذا النص تلعب دوراً محورياً في رسم طبيعة التلقي عند المشاهد وكيفية تعامله مع الحدث والشخصيات بعد مشهد مقدمة افتقر لعناصر الزمان والمكان . يبدأ المشهد من غرفة الاستديو الإذاعي الذي يقوم فيه المتحدث أو القاضي الفاضل الثاني وهما اسمان لشخصية واحدة هي شخصية المذيع بتغطية إعلامية لنشاطات السلطان بشكل مبالَغ به وفيه الكثير من الكذب المتمثل بوضع مسامع صوتية لأصوات هتاف وتصفيق الشعب، ومن المفيد هنا أن نذكر أن تقديم هذه الشخصية مع ما تمثله بهذا الشكل فيه إدانة واضحة من قبل الكاتب لأسلوب إعلامي دعائي طالما عانى منه المواطن العربي وسوف نرى كيف أن هذا الأسلوب سوف ينقلب وبالاً على شخصية السلطان فيما بعد، ويبرز التناقض بين ما يذيعه المذيع (أو المتحدث) وما يجري على أرض الواقع فور دخول السلطان صلاح الدين إلى قاعة العرش وهو يتأفف من عدم استقبال الشعب لـه كما ينبغي، فيحاول صاحب الشرطة تقديم بعض التفسيرات غير المقنعة في الوقت الذي تكون فيه زوجة السلطان أكثر جرأة وواقعية حينما تقول إن الشعب أصبح مشغولاً عن إبراز العواطف بتأمين لقمة العيش ودفع الضرائب والبحث عن عمل ثانٍ وثالث.. والزوجة هنا تمثل وجهة نظر الآخر المغيَّب (الشعب) بينما يمثل صاحب الشرطة البطانة الفاسدة التي تحاول أن تقنع السلطان أن كل الأمور تجري على خير ما يرام، ولكي يبرهن صاحب الشرطة على صحة موقفه نراه يدعو أبو علي الخليلاتي لاعب خيال الظل كي يقدم فصلاً من فصوله التمثيلية يبرهن فيها أن كل الأمور تسير على خير ما يشتهي السلطان، ولا ينسى صاحب الشرطة هنا طبعاً أن يهدد الخليلاتي أنه إذا لم يكن الفصل التمثيلي (نظيفاً) فسيصلبه على باب المدينة، لكن المشهد يأتي بما لا يتمنى صاحب الشرطة عندما يقدم شخصية كراكوز وهو يبحث عن عمل، مخبراً عيواظ عما يعانيه من شظف العيش وكيف أنه عمل في عدة مهن لكنه لم يوفق بأي منها، فعندما عمل فرّاناً تسلط عليه موظفو التموين، وعندما عمل بائع خضار جوالاً صادرت لـه البلدية العربة والميزان، وعندما عمل معلماً في مدرسة لم يكفه الراتب ثمن الخبز.. وفي النهاية وبعد أن يدلي كراكوز بكل ما في جعبته يفصح عيواظ عن شخصيته الحقيقية كمخبر ويقوم بالقبض على كراكوز.. هنا يتوقف المشهد التمثيلي ليعلن السلطان عن غضبه طالباً التحقيق فيما جرى، في الوقت الذي يعلن فيه الخليلاتي لصاحب الشرطة أن ما جرى كان خارجاً عن إرادته وأن شخصياته اتجهت إلى غير الوجهة المرسومة.. والواقع أن فشل صاحب الشرطة في استخدام فن المسرح لتحقيق هدف معين يذكّر بما حصل في مسرحية "هاملت" لشكسبير عندما لجأ أمير الدانمارك هاملت إلى فرقة مسرحية جوالة كي تقدم مشهداً يتحدث عن قتل رجل لأخيه الملك كي يحل محله، لكن نجاح هاملت في ذاك الاستخدام يقابله فشل صاحب الشرطة هنا، بينما لا ترى زوجة السلطان فشلاً بقدر ما ترى أن الكلمة لا بد لها أن تجد وسيلة للظهور وأن تمثيلية الدمى التي شاهدها السلطان ليست إلا تجسيداً لواقع حقيقي . بعد إلقاء القبض على الخليلاتي يستبشر السلطان خيراً بالشيخ أبو زاهد محضّر الأرواح الذي يطلب منه السلطان استحضار روح الخليفة هارون الرشيد، لكن الروح التي تظهر ليست روح الرشيد بل روح شاعره أبو العتاهية الذي يظهر ليتحدث عن غلاء الأسعار والفقر وثوب الحق الذي لا يبلى وكلمة الحق التي لا يُقطَع رأسها، فيطلب السلطان إلقاء القبض عليه فيختفي لأنه ليس أكثر من روح.. ومن الملاحظ أن تعاقب ظهور الحقائق على لسان لاعب خيال الظل أولاً، والشاعر ثانياً وعدم خوفهما من السلطان يكرسه الكاتب للتأكيد أولاً على الدور الريادي الذي يجب أن يلعبه الفن والأدب للدفاع عن حقوق الناس وكشف الحقائق، وثانياً لإظهار الوجه الآخر من العمل الدعائي الذي ظهر بصورته السلبية في بداية المشهد بواسطة المذيع الذي يكرس أهم وسيلة إعلامية لتزييف الحقائق . بعد اختفاء أبو العتاهية يتابع الكاتب الاعتماد على نفس تقنية إدخال شخصيات حقيقية كالشاعر ابن سناء الذي يمثل بوقاً لا يُسمع السلطان إلا ما يريد السلطان ويشتهي، أو شخصيات شبحية كشخصية العز الذي يمثل الفقراء والكادحين دون أن ينسى أن يطالب الملك بمعاقبة ابن سناء على تملقه، ويعمد الكاتب إلى استغلال ظهور هذه الشخصيات في سكب العبارات القوية والمؤثرة كالتي يقولها العز موجهاً كلامه للسلطان : "لم تأكل يوماً في طبق الذل، لم تشعر بالجوع ولا بالبرد، لم تُحبَس في الأقبية السوداء الرطبة، لم تشرب من ماء الخوف أو تُضرِب بعصا الأسياد، لم تربض في خندق حرب فتحس على شفتيك مذاق الحرية" أو العبارات الجادة ولكنها الطافحة بالسخرية مثل ما يأتي على لسان المتحدث (المذيع) : "قام مولانا السلطان بجولة تفقدية في المدينة، تأكد فيها من توفر الأمن والرخاء واطمأن إلى مراقبة الأسعار ولاحظ توفر المواد الأولية في الأسواق، هذا وقد استقبل اليوم السفير فوق العادة مولانا الرشيد ودار الحديث حول دعم النضال ضد العدو وأكد الطرفان أن لا سلام إلا بعد تحرير الأراضي المغتصبة وإعادة الحقوق المشروعة" . تحمل نهاية الفصل الأول تحولاً في شخصية السلطان حينما يصاب بشيء من الخوف، لكن هذه الإصابة تبدو انتقائية، فهو لم ينسَ أنه السلطان لكنه نسي زوجته وأخذ يعاملها كأمه، ولم ينسَ تجارته وقوافله وقصوره ونساءه، لكنه نسي أنه لا توجد فرقة ثالثة في جيشه.. وأهم ما حملته نهاية الفصل الأول هو ذاك الحوار الذي يدور بين السلطان بعد أن أعلن التعبئة العامة وشبح شخصية العز التي تظهر ثانية، ففي هذا الحوار يدور جدل بين الإثنين حول شرعية خوض حرب معروفة النتيجة وهي الهزيمة التي تتوفر كل شروطها كما يقول العز الذي نلمح في كلامه تصويراً دقيقاً لما جرى بعد ثلاثة وعشرين عاماً من نشر المسرحية وكأنني بالكاتب كان يرى في ذاك الزمن ما جرى اليوم.. تقول شخصية العز متوجهة بكلامها إلى السلطان : "نصف شعبك مصاب بالتخمة، والنصف الآخر بالهزال وفقر الدم، السجون ملأى بمعارضيك وعندما تندلع الحرب يتخلى الشعب عنك ويتركك وحيداً تواجه مصيرك.. سلبتَه كل شيء فلم يعد يملك شيئاً يقاتل من أجله.. السيوف صدئت، والأيدي التي تعودت قبض الدنانير ما عادت قادرة على قبض السيوف" أليس هذا ما حصل في بلد عربي عندما امتنعت الضحية عن الدفاع عن جلادها حتى ولو كان الثمن احتلال هذا البلد؟ مع بداية الفصل الثاني يتابع الكاتب التركيز على تلك الثنائية ذات الطابع المتناقض والمتمثلة في رصد ما يصرح به المتحدث (المذيع) من جهة، وما هو واقع من جهة أخرى، إذ بينما يتبجح المتحدث باشتراك السلطان في الحرب على رأس الجيش نرى السلطان يرفل في قصره بين الراقصات، كما يتابع الكاتب إماطة اللثام عن التركيبة غير الطبيعية السائدة والقائمة على ذاك الفارق الشاسع بين الشعب والحكم، بين ما يعتقده الحاكم وما يعاني منه الشعب.. هذه الفكرة يجسدها الكاتب في مشهد قصير يقتحم فيه مواطن القصر كي ينقل للسلطان معاناة الشعب متحدثاً عن الجوع والفقر والاستغلال في الوقت الذي يعتقد فيه السلطان أنه قضى على كل هذه الأمور بقراراته التي بقيت حبراً على ورق. وبتتابع مشاهد الفصل الثاني التي ينتقل فيها الكاتب بين الحين والآخر إلى الركن المخصص لغرفة استديو الإذاعة كفواصل بين المشاهد ولتمرير أزمنة محددة.. بتتابع هذه المشاهد يتاح للكاتب أن يدلي بدلوه في العديد من القضايا من خلال شخصيات موظفة لتعزيز وتكريس الانطباع العام حول شخصية السلطان، فمع دخول شهبندر التجار نكتشف ذاك التواطؤ القائم بينه وبين الطبقة الحاكمة بما فيها السلطان حول احتكار قوت الشعب ورفع أسعار المواد التموينية في إشارة واضحة إلى ذاك التلاحم التاريخي بين رأس المال ورؤوس السلطة للمحافظة على مصالح الطرفين واستمرارية هذه المصالح . إن الظروف الجديدة التي وضع فيها الكاتب السلطان في الفصل الثاني من المسرحية وما أثير حول إصابته بنوع من الخرف لم تمنعه من أن يزج بالسلطان في مشهد مشترك مع المتحدث (المذيع) ومعدّة برامج إذاعية حينما يقتحم عليهما الاستديو في جولة تفتيشية، فيعجب بالمعدّة معتبراً إياها جارية ومستغرباً من عدم قيام النخاس بعرضها عليه ولا يتوانى في أن يطلبها إلى القصر، ومن الملاحظ في هذا المشهد وجود لغتين مختلفتين تماماً على صعيد المفردات والتعابير بين السلطان من جهة، والمتحدث والمعدّة من جهة أخرى في إشارة واضحة إلى لعبة الزمن المتداخل في هذه المسرحية . مع انتقال المعدّة إلى قصر السلطان كجارية تبدأ المسرحية شيئاً فشيئاً بالتخلص من وهج أفكارها وتشرع باجترار ما سبق تقديمه ولكن بأشكال أخرى تتجلى بحوار بين لا وعي السلطان وزوجته وشخصية العز التي سبق أن ظهرت في الفصل الأول، وينضم إليهم لاحقاً المتحدث وصاحب الشرطة والوزير (الابن غير الشرعي للملك) ويستمر هذا المشهد الذي لا يقدم جديداً لا على صعيد الشكل ولا على صعيد المضمون إلى أن تجدد أحداث المسرحية نفسها مرة أخرى مع دخول شخصية الأحدب التي يأتي بها صاحب الشرطة على أساس أنها شخصية ملك أسير بينما هو لا يعدو أن يكون ممثلاً جوالاً يقنعه صاحب الشرطة أنه بصدد تمثيل دور ملك الأعداء حتى يوهم السلطان أن الجيش قام بالفعل بأسر ملك.. والواقع أن هذا المشهد من أكثر مشاهد المسرحية حيوية وإتقاناً وإن لم يكن أهمها . المقدمات سابقة الذكر كانت طريقاً سالكاً لبلوغ النهاية المتوقعة عندما يأتي رسول من قِبل الأعداء طالباً من السلطان دفع جزية سنوية وتخفيض عدد أفراد الجيش والحد من الأسلحة والاعتراف الكامل وملاحقة المخربين وتعديل الحدود.. ولنلاحظ هنا تلك الصبغة المعاصرة للمفردات المختارة وكأن الكاتب لم يكتفِ من كل ما سبق في التأكيد على معاصرة الفكرة فأراد أن يدعم جهوده السابقة ببعض المفردات المعاصرة والتي كثيراً ما تستخدم في وسائل الإعلام.. هذا الزج بهذه المفردات يأتي في سياق فائض عن الحاجة، إذ طالما وصلتنا إشارات سابقة في المسرحية تؤكد على فكرة التعامل مع أحداث هذا العمل وشخصياته بطريقة معاصرة وعدم الاستكانة للإطار التاريخي . عندما يسمع السلطان بهذه الشروط يبدي استغرابه لاعتقاده أنه هو الطرف المنتصر وليس الطرف المهزوم، وفي هذا محاولة في غير محلها (قد تكون محاولة غير مقصودة) للتقليل من حجم مسؤولية السلطان عن الهزيمة التي لحقت بالدولة، فإذا كان السلطان لا يدرك حجم الهزيمة ولم يسمع بها فهذا يعني أن مسؤولية كبيرة تقع على الآخرين، في الوقت الذي يتعين فيه على الراعي أن يكون ملماً بكل شاردة وواردة فيما يتعلق بشؤون رعيته ومتحملاً لكامل المسؤولية، وما محاولة تخفيف هذه المسؤولية في هذا العمل إلا إضعاف لقوة طروحاته وإفقار لغنى أفكاره، مع الإدراك التام أن الكاتب هنا لا يقدم نموذج القائد المثالي وهو ليس مطالباً بذلك، بل ما هو مطالب به عدم البحث عن مبررات لا تساعد في إكمال الصورة الجميلة للمسرحية . مشهد ما قبل النهاية يحمل معه عودة إلى مشهد المقدمة حيث المعلم وتلاميذه والكومبيوتر الذي قدم إلينا هذه الحكاية المنسوجة من وحي الخيال والعلم معاً، كما يحمل هذا المشهد من خلال الحوار الدائر بين المعلم وتلاميذه دفاعاً عن شخصيات المسرحية لا من ناحية مواقفها بل بنائها ودورها في العمل، ولا شك هنا أن شخصية المعلم إنما تتكلم بلسان الكاتب الذي يحاول إيضاح ما غمض فيما يتعلق بالشخصيات وتركيبتها ووظيفة كل منها . نهاية المسرحية تعود بنا إلى السلطان حيث نراه وقد أصيب بالمرض وهو على فراش الموت، في الوقت الذي لا يزال فيه إعلام السلطة يمارس دوره التضليلي حينما يلقي ببيانات إيجابية حول حالة السلطان الصحية، بينما يتلاشى السلطان شيئاً فشيئاً ويرمى به خارجاً بعد أن تعرض لحالة من التورم غير طبيعية ويصبح جسده نهباً للرائح والغادي، بينما تختصر زوجته كل ما قرأه القارئ أو شاهده المشاهد حين تقول : "صلاح الدين لا يموت.. الثاني يموت.. الثالث يموت.. وهكذا.. هذه السلسلة الظالمة التي تصنعها الحاسبات الأجنبية لا بد أن تتلاشى ليعود صلاح الدين الأول" الذي نسمع صوته في نهاية المسرحية وهو يقول : "نشدت السلام فلم أجد إلا السيف طريقاً لـه وكنت أتمنى غير ذلك، ابحثوا عني في نفوسكم قبل أن يصدأ سيفي وتبلى ثيابي، فأنا مازلت حياً". |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |