قراءات في النص المسرحي السوري ـــ جوان جان

دراسة ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق ـــ 2006

Updated: Monday, July 02, 2007 02:02 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

(الطريقة المنهجية في تعلّم الوصولية) للؤي عيادة.. رصد لقضية حساسة

ليس من الدارج في مسرحنا السوري طرح المشاكل والقضايا اليومية في حياة المواطنين على بساط البحث إلا فيما ندر، ذلك أن معظم كتاباتنا المسرحية اتجه إما نحو التاريخ أو الأسطورة أو الحكايات الشفهية المتداولة، وإذا ما أراد كتّابنا طرح موضوعات معاصرة لجأوا إما إلى الترميز وعدم طرح المواضيع بشكل مباشر أو إلى انتقاء موضوعات غاية في الخصوصية ولا يمكن تعميمها، أما طرح المضامين التي ترصد حركة تطور المجتمع وما يطرأ عليه من مفاهيم أخلاقية جديدة نتيجة التبدلات الاقتصادية والاجتماعية فكان بعيداً جداً عن أقلام كتّابنا.. ويمكن اعتبار نص مسرحية "الطريقة المنهجية في تعلّم الوصولية" للكاتب لؤي عيادة واحداً من الأمثلة القليلة التي حاولت تلمّس جانب هام من جوانب مجتمعنا، أضحى سمة أساسية من سماته ألا وهو التسلق نحو بلوغ الغايات مهما كان الثمن .‏

في مسرحية "الطريقة المنهجية في تعلم الوصولية" يقدم الكاتب تشخيصاً دقيقاً لحال مجتمع أصبح المعيار الوحيد فيه للصعود نحو القمة هو قدرة الإنسان على التزلف والتملق وانتهاز الفرص والتضحية بأغلى الأشياء في سبيل الوصول إلى الهدف .‏

ترصد المسرحية مسيرة رجل قرر منذ البداية أن أفضل وسيلة لبلوغ مأربه في الحصول على وضع وظيفي واجتماعي جيد هو تقديم التنازلات المستمرة وسلوك طرق التفافية غير مشروعة ولو على حساب الآخرين .‏

تسلط المسرحية الضوء في بدايتها على المحاولات المستمرة التي بذلها بطل المسرحية من أجل نيل وظيفة حكومية دون فائدة، إذ تقدم لأكثر من مسابقة للتوظيف دون أن ينجح في واحدة منها وهو الحاصل على شهادة الحقوق، ثم تأتي الصدفة التي تشكل الخطوة الأولى على طريق الألف ميل عندما يقع أمامه حادث سير يكون ضحيته والد إحدى الشخصيات المهمة التي تتكفل بتأمين وظيفة لـه بأسهل السبل مقابل عمل الرجل على إنقاذ حياة الضحية والتبرع لها بالدم .‏

فور استلام الرجل لوظيفته تبدأ عنده رغبات السيطرة وبلوغ أعلى درجات السلم الوظيفي، وهو في سبيله إلى ذلك يخضع لعدة تجارب تسميها المسرحية دروساً يجب اتباعها لكل من يريد الوصول السريع والمضمون .‏

الدرس الأول الذي عنوانه "الليونة" يتلخص في ضرورة أن يكون المرء مسايراً للجميع دون أن يكسب عداء أحد، فمع المتزمتين على المرء أن يكون متزمتاً، ومع المتحررين لا بد أن يكون متحرراً، وبذلك يكسب ثقة الجميع دون أن يُشَكَّ فيه، وإذا اجتمع الطرفان المتناقضان وكان الرجل بينهما فلا بد من تصرف سريع يجنبه اكتشاف مواقفه المتذبذبة، وقد هيأت هذه السياسة التي يتبعها بطل المسرحية لأن يصبح رئيساً للجنة النقابية وهي الخطوة الثانية بعد خطوة نيل الوظيفة، وفور نجاحه بانتخابات اللجنة النقابية تبدأ الأحلام الكبيرة بالتبلور .‏

الدرس الثاني عنوانه "الطاعة"، والمقصود طاعة الرؤساء في العمل فقط، فبها وحدها يضمن المرء رضاهم، وهم الذين لا يحبون بالتأكيد من يصطدم معهم أو يعاندهم، وكان المكسب الأول من هذه الطاعة صدور قرار بتسمية الرجل رئيساُ للجنة المشتريات التي تعدّ أكبر فروع الشركة التي يعمل بها .‏

وأما الدرس الثالث فهو بعنوان "الرزانة"، ومن يصل إلى درجة ممارسة الرزانة في عمله يجب عليه أن يكون قد قطع المراحل السابقة بإتقان كي يستطيع أن يمارس رزانته وتمنُّعَه في الأوقات المناسبة، على ألا تكون المواجهة مع الرؤساء تمس الأمور الجوهرية في العمل، وبذلك يحافظ الرجل على هامش من حرية التحرك وفرض الرأي .‏

ويأتي الدرس الرابع والمتمثل بـ "ضرورة الاحتكاك مع الرؤساء خارج أوقات الدوام" وهو الدرس الذي طبقه بطل المسرحية بحذافيره عندما عرف المطعم الذي يتردد إليه رئيسه في العمل، ومن خلال تواجده بصدفة مدروسة في نفس المكان تمكن من تعزيز علاقته به ومن التعرف من خلاله على شخصيات هامة أخرى، وباعتبار أن توطيد العلاقة يحتاج إلى التزامات فإن الرجل لا يقصر أبداً، إذ يبادر إلى دعوة مديره إلى أماكن السهر الليلية الأمر الذي يؤهله لأن يصبح رجل المدير الأول في الشركة الذي ينقل لـه ما يدور في كواليسها، بل ويؤلبه على من يعتبره عقبة في طريق وصوله إلى غايته وهو رئيس الديوان الذي سرعان ما يتمكن الرجل من إزاحته والحلول مكانه .‏

وقبيل نهاية المسرحية يأتي الدرس الخامس وهو "ضرورة أن يكون الإنسان بصاصاً" وهو يتلخص بأهمية أن يكون خط الإنسان حلواً ومقروءاً وأن تكون عيونه مفتوحة وكذلك أذناه، وقد عاد هذا الدرس بالفائدة على بطل المسرحية بتخلصه من منافسه الذي أحيل إلى التفتيش .‏

ويأتي الدرس الأخير وهو الدرس الذي يتمكن الرجل بواسطته من الوصول إلى مأربه، وملخص الدرس تنازل الإنسان عن شرفه في مقابل الوصول إلى غايته، إذ يقدم الرجل على الزواج من السكرتيرة المرتبطة بعلاقة مع أحد المتنفذين، حيث يستفيد الرجل من هذه العلاقة ويتغاضى عنها بهدف الوصول إلى منصب المدير العام، وعندما ينال مراده وتضعف شوكة الرجل المتنفذ يطلِّق الرجل زوجته متهماً إياها بالخيانة .‏

في سبيله إلى إيصال مقولة عمله آثر الكاتب اختيار شكل فني يقوم على تقنية المسرح داخل المسرح، وهي تقنية أصبحت من التقنيات المعتادة في نصنا المسرحي السوري، حيث يحرص صاحب العمل على عدم إدخال قرائه ومن ثم مشاهده في لعبة الاندماج الكامل مع الحدث والشخصيات، مبقياً على ذاك الحاجز الذي ينبه المتلقي باستمرار إلى أن ما يشاهده ما هو إلا محاكاة لواقع ما، حاثاً إياه على التعامل مع الحدث من خارجه لا من داخله .‏

يفصح الكاتب منذ المراحل الأولى لمسرحيته عن أن الهدف من هذا النص هو هدف تعليمي بالدرجة الأولى وإمتاعي بالدرجة الثانية :‏

"أيها السادة نحن أتينا الآن لنعلمكم ونسليكم" .‏

وللوهلة الأولى يبدو الإعلان عن رغبة المسرحية بتعليم المتلقي أمراً منفراً وفيه شيء من التعالي، لكن سرعان ما ينقلب الإعلان عن الهدف من المسرحية إلى فضول يمهد لإدخال المتلقي في صلب العمل :‏

"بسبب الأمر الذي نود تعليمكم إياه ستركبون أفخم السيارات وتحتسون أجود الخمور وتصاحبون أجمل النساء وإن أصغيتم إلينا جيداً وحفظتم دروسكم بشكل متقن تظل جيوبكم منفوخة ومركزكم الاجتماعي كبيراً" .‏

وأما السبيل إلى تحقيق هذه الحالات المثالية فهو تعلم السلوك الانتهازي والوصولي –حسب المسرحية- وهو سلوك بقدر ما تمهد المسرحية إليه بشكل آسر ومغرٍ فإنها لا تلبث أن تكشف عن دناءة من يتخذ هذا الطريق سبيلاً ومنهجاً .‏

بالإضافة إلى المَشاهد التمثيلية التي لا تدع مجالاً للمُشاهد للاندماج الكامل معها تعتمد المسرحية على عنصر الروي والسرد في إيصال أفكارها وأحداثها، وهو عنصر لا يقل أهمية وحجماً عن عنصر تجسيد المشاهد بطريقة تمثيلية.. والسرد في هذه المسرحية يأخذ أبعاداً متعددة، فهو بالإضافة إلى مساعدته على إيصال الحدث إلى المشاهد فإن يقوم باستمرار بعملية تحليل لما يجري .‏

ولا يكتفي الكاتب باستخدام عنصر السرد بل يحاول أن يلجأ إلى العديد من العناصر التي تتنوع من كسر الجدار الرابع منذ اللحظات الأولى للعمل إلى إقامة حالة من الاستجواب بين الشخصية الرئيسية في المسرحية والشخصيات الأخرى وذلك بهدف تقديم أكبر كم ممكن من المعلومات عن هذه الشخصية، بالإضافة إلى التأكيد المستمر على الفصل ما بين الممثل والشخصية من خلال تبديل الممثلين لأزياء الشخصيات أمام الجمهور إلى تغيير الديكور وجعله من ضمن الحدث المسرحي وصولاً إلى تبديل الأدوار وتناوبها بين الممثلين .‏

"الطريقة المنهجية في تعلم الوصولية" مسرحية تحاول فضح العلاقات الاجتماعية السائدة والقائمة على أسس هشة سرعان ما تتداعى عند أول عاصفة تواجهها .‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244