|
||||||
| Updated: Monday, July 02, 2007 02:02 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
(يوم من زماننا) لسعد الله ونوس.. أقدم الحكايات.. وأحدثها!! يعتقد أرسطو أن البطل التراجيدي هو شخص فاضل وصادق عموماً ويمتاز بأخلاق وسجايا رفيعة، تقوده الأقدار ليقترف إثماً دون أن يتعمد ذلك، وفي سبيل محاولته إماطة اللثام عن الحقائق يقود نفسه بيده شيئاً فشيئاً وخطوة خطوة نحو نهايته المأساوية التي لا مفر منها . أورد هذا التعريف المختصر عن البطل التراجيدي في سياق الحديث عن نص مسرحية "يوم من زماننا" للكاتب سعد الله ونوس وهي واحدة من مجموعة أعماله المسرحية التي كتبها في سنواته الأخيرة . تقدم المسرحية شخصية الأستاذ فاروق المدرّس في مدرسة ثانوية للبنات يمر بسلسلة من التجارب خلال مدة زمنية قصيرة تفتح عينيه على حال الخراب الذي آل إليه المجتمع، وفي كل مرحلة من مراحل هذه السلسلة يتعرض الأستاذ فاروق لموقف يشكل صفعة لم يكن يتوقعها من جهة، وخطوة على درب وصوله للحقيقة التي يبحث عنها من جهة أخرى . يمر بطل المسرحية الأستاذ فاروق خلال مدة لا تتجاوز الاثنتي عشرة ساعة بعدد من المحطات التي توصله في نهاية المطاف إلى حقيقة مدمرة، ففي المشهد الأول يكتشف الأستاذ فاروق أن بعض طالباته يترددن إلى بيت الست فدوى وهي صاحبة دار للدعارة فيقوم من فوره بإخبار مدير المدرسة الذي نراه مشغولاً بمتابعة قضية أخرى مختلفة تماماً وهي قيام طالبات مجهولات بكتابة عبارات سياسية تمس الرمز الأكبر للدولة، وعندما يخبره الأستاذ فاروق بأمر البنات اللواتي يترددن إلى بيت الدعارة يبدي المدير لامبالاة كاملة تجاه الموضوع على اعتبار أنه لا يشكل خطراً على وظيفته وأن ما يجري خارج حدود المدرسة لا يدخل ضمن نطاق اختصاصه وأن مهمته الأولى كمدير للمدرسة هي تخليصها من جرثومة السياسة على حد تعبيره : "المدير : واجبي الفعلي هو أن أحمي المدرسة من جرثومة السياسة وأن أربي الطلاب على الولاء والطاعة" . هذا الموقف من المدير يشكل الصفعة الأولى التي يتلقاها الأستاذ فاروق ضمن سلسلة الصفعات التي ستؤدي في النهاية إلى وصوله إلى معرفة الواقع على حقيقته بعيداً عن الصورة المثالية المرسومة في ذهنه عن واقع هو في الحقيقة غير موجود . الصفعة الثانية تأتي في المشهد الثاني من المسرحية عندما يلجأ فاروق –بعد أن لمس عدم رغبة مدير المدرسة بالتجاوب مع الموضوع- إلى إمام الجامع الذي لا يختلف موقفه كثيراً عن موقف مدير المدرسة بل هو يزيد على ذلك بتوبيخه لفاروق على اتهامه لفدوى بإدارة بيت للدعارة دون دليل، شارحاً فداحة خطأ من يتهم الآخرين في شرفهم، مبدياً إعجابه بفدوى التي تتبرع للجامع باستمرار . والواقع أن موقف إمام الجامع يمهد لـه الكاتب بمطولة على لسان الإمام تتعلق بتعليمات بعض الطقوس التي لها علاقة بقشور الدين لا جوهره في إشارة إلى الفهم المغلوط لموضوعة التعاليم الدينية التي يتم عادة التمسك بقشورها والتغاضي عن لبّها . في ضوء موقف إمام الجامع لا يكون أمام فاروق من بد سوى اللجوء لمدير المنطقة الذي لا يكتفي بإبراز عدم اكتراثه بل إنه يوجه إليه صفعة أقوى من كل الصفعات التي تلقاها عند مدير المدرسة وإمام الجامع عندما يخبره أن ابنته (أي ابنة مدير المنطقة) تلتقي زوجته (أي زوجة فاروق) باستمرار في بيت فدوى بعد أن يدلي بوجهة نظر تمهد لهذا الموقف عندما يتحدث عن عدم التكيف كمشكلة أساسية في هذا الزمن، داعياً إلى التغيير وعدم الوقوف عند الثوابت، وبذلك لا يكون أمام فاروق إلا الانتقال إلى بيت فدوى للتأكد من صحة ما قاله مدير المنطقة، وبالفعل وبنتيجة مواجهته لفدوى يتأكد من أن زوجته تتردد إلى هذا البيت، وبذلك يتلقى فاروق رصاصة الرحمة، ومعها يكون قد وصل إلى المحطة قبل الأخيرة . في المشهد الأخير من المسرحية يواجه فاروق زوجته بالموضوع فلا تنكر الأمر، وتبادر إلى إبراز دوافعها التي حملتها على سلوك الطريق التي سلكت . من الواضح أن الكاتب في نصه هذا لا يبغي إدانة أشخاص محددين بقدر ما يريد إدانة الآلية التي تحكم المجتمع، هذه الآلية القائمة على أن الكبير لن يعيش إلا إذا أكل الصغير، وأن الصغير لا يعيش إلا إذا طأطأ رأسه وقبِل أن يكون لقمة سائغة في فم الكبير، كما لا ينسى الكاتب أن يحمّل الوضع الاقتصادي المسؤولية الأولى عن حالة التفسخ الاجتماعي التي قد يصل إليها مجتمع من المجتمعات وذلك عندما يضع التسويغات المنطقية التي دفعت الزوجة لأن تعمل في بيت للدعارة . لا شك أن قارئ المسرحية سيلاحظ تأثر الكاتب ونوص بمسرحية "أوديب ملكاً" للكاتب اليوناني القديم سوفوكليس من خلال ذاك التقاطع ما بين البنية الدرامية في المسرحيتين، وهذا التقاطع يتجاوز البنية ليصل إلى التفاصيل عندما يسعى بطلا المسرحيتين إلى الكشف عن حقيقة الدنس في "أوديب ملكاً" والخطيئة في "يوم من زماننا" فإذا الدنس والخطيئة سببهما غير المباشر بطلا المسرحيتين، أوديب الذي كان السبب بتفشي الطاعون في المدينة لأنه تزوج –دون أن يدري- من أمه، والأستاذ فاروق الذي دفع –دون قصد منه وبسبب عجزه عن تأمين حياة اقتصادية كريمة ولائقة- زوجته لأن تصبح عاهرة . لا شك أن الكاتب نجح نجاحاً باهراً في مسرحيته هذه في تصوير مدى تفسخ المجتمعات عندما تكون عاجزة عن إعالة أفرادها والأخذ بيدهم، هؤلاء الأفراد الذين لن يطول بهم الحال قبل أن تنزلق أقدامهم في هوة قد لا يستطيعون الخروج منها . إن الحل الذي يضعه الكاتب في النهاية المتمثل في القرار الذي يتخذه الزوجان بوضع حد لحياتهما قد يبدو انهزامياً بنظر البعض، لكن مما لا شك فيه أن المجتمع الذي لا يعرف كيف يحرص على أبنائه الشرفاء سيدفعهم إلى أن يكونوا لا انهزاميين فحسب بل أقصى وأسوأ ما يمكن أن يُنعَتوا به من أوصاف |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |