قراءات في النص المسرحي السوري ـــ جوان جان

دراسة ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق ـــ 2006

Updated: Monday, July 02, 2007 02:02 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

(التقاطع) لمحمد قارصلي.. نموذج دراما المصادفات

يمكن إدراج نص مسرحية "التقاطع" للكاتب محمد قارصلي ضمن ما يمكن أن نطلق عليه عبارة دراما المصادفات التي تقوم على حشد مجموعة من الأشخاص في مكان محدد وعام (حديقة مثلاً أو بهو مشفى) ونسج علاقات بين هذه المجموعة التي ستتألف بالتأكيد من نماذج بشرية مختلفة الأشكال والمشارب.. وغالباً ما تنتهي هذه الدراما كما ابتدأت، أي انصراف الشخصيات فيما بعد إلى حالها دون تأثير يُذكَر لما حدث من حوارات وتبادل للمعلومات والمواقف خلال فترة محدودة من الزمن، وهي الفترة التي قد لا تكفي لبناء علاقات ذات امتدادات .‏

في مسرحية "التقاطع" يختار الكاتب أحد المطارات الأوربية مكاناً لتجميع شخصياته المنتقاة، والتي تبرز منها شخصيتان على حساب باقي الشخصيات هما عمر المواطن الطيب الوقور والهادئ الذي أمضى جل حياته في خدمة وطنه وهو في طريقه الآن إلى الولايات المتحدة لزيارة ابنته التي تعيش هناك، وسالم المرح المتأنق والحيوي الذي سبق لـه وأن هاجر من وطنه قبل عشرات السنوات إلى الولايات المتحدة ووجد أخيراً أنه من الأنسب لـه أن يعود إلى بلده بعد أن أمضى حياة اجتماعية واقتصادية صاخبة ومتعثرة على أكثر من صعيد.. بالإضافة إلى بعض الشخصيات الثانوية (من ركاب الترانزيت) التي تظهر وتختفي بين الحين والآخر تبعاً لحركة الطيران في المطار .‏

من الواضح أن الهدف الأساسي للكاتب من خلال نصه هذا (وبالتحديد من خلال شخصيتيه الرئيسيتين) هو تسليط الضوء على جانب هام من حياتنا الاجتماعية يتمثل بالرغبة الدائمة الموجودة عند العديدين من الأفراد لمغادرة الوطن لأسباب مختلفة، منها ما لـه علاقة بعدم توفر العمل المناسب أو للدراسة أو بسبب الإحساس بعدم وجود من يقدِّر المواهب والقدرات والإمكانيات التي يتمتع بها الكثيرون.. ومن خلال الشخصيتين الرئيسيتين يقدم الكاتب نموذجين مختلفين ومتناقضين تمام التناقض فيما يتعلق بخياراتهما في البقاء أو المغادرة، فسالم الذي غادر الوطن شاباً غادره لسبب أساسي هو البحث عن عمل :‏

"سالم : حال تخرجي تفتحت عيناي على حقيقة ما يجري حولي.. انحصر المستقبل بطريقين اثنين إن بقيت في الوطن.. الأول أن أفتح مكتباً هندسياً.. والثاني أن أدخل السلك الوظيفي وأصبح مهندساً موظفاً في مؤسسة أو شركة ما" .‏

وباعتبار أن ما يقدمه الكاتب من معطيات حول طبيعة شخصية سالم التواقة إلى الحرية والانعتاق والمغامرة فإن البقاء في الوطن والخضوع لنمط حياة روتيني قاتل لم يكن ليستطيع احتماله، فكان من الطبيعي أن يكون خياره الوحيد هو السفر في الوقت الذي اختار فيه عمر (الذي ينحاز الكاتب لمواقفه وخياراته بشكل واضح) هو البقاء للقيام بدور بنّاء :‏

"عمر : ..أُعلِن عن الحاجة لمهندسين للعمل في بناء السد.. كنت من أوائل المتقدمين .‏

سالم : وكانت دوافعك وطنية، تقدمية، نضالية بالطبع .‏

عمر : لا تسخر.. كانت الأجواء كلها توحي بأننا سنعوض ببناء السد ما خسره العسكر في الحرب.. سننجز انتصاراً" .‏

ويبدو عمر مقتنعاً تماماً بخياراته في الوقت الذي يقترب فيه سالم من حافة الندم دون أن يصرِّح بذلك بشكل مباشر وصريح فها هو يقول عن تجربته في الولايات المتحدة :‏

"سالم : لم يتحقق أي شيء.. تهاوت الأحلام.. الحلم تلو الحلم.. وحتى الوهم بأنني أعيش بكرامتي ولي حقوق اكتشفتُ تدريجياً أنها كذبة كبرى .‏

عمر : يبدو أن أميركا لم تضحك لك .‏

سالم : هي لا تضحك أصلاً.. إنها تقسو.. تجعلك تشعر بأنك صغير، أصغر بكثير مما تتصور" .‏

والواقع أن هذا الاختلاف في ملابسات حياة كل من عمر وسالم ينعكس على مواقفهما من العديد من الأمور التي تلامسها المسرحية دون أن تدخل في تفاصيلها كالموقف من التعامل مع أفراد يمكن أن يحملوا الجنسية الإسرائيلية أو أن يكونوا يهوداً على أقل تقدير، فعندما تطلب فتاة من عمر أن يشعل لها سيكارتها يلاحظ أنها تضع على صدرها نجمة داوود فيشيح ببصره عنها وهو الموقف الذي لا يتفهمه سالم الذي قضى ردحاً من عمره في أميركا ويرى فيه نوعاً من أنواع الانكماش على الذات :‏

"سالم : (لعمر) تنكمشون على أنفسكم وتعطونهم مجالاً كي يصولوا ويجولوا، وفوقها يقولون للعالم: أنظروا.. هذا دليل على إرهابهم.. نحن نتودد إلى العرب وهم يقابلوننا بعدوانية، بل ويرفضون حتى محادثتنا أو مد أيديهم لأيدينا" .‏

وعلى الرغم من التعاطف الواضح الذي يبديه الكاتب تجاه عمر ومواقفه إلا أنه لم يتح لـه مجالاً للرد على سالم بل يجعله يكتفي بطلب إقفال الموضوع وكأنه استسلم لوجهة نظر سالم دون مقاومة تُذكَر، مع أن الرد على طروحات سالم يبدو أمراً سهلاً وبديهياً وفي متناول أي شخص متوسط الثقافة.‏

وينسحب اختلاف المواقف بين الشخصيتين على العديد من الأمور كالخلاف في الموقف من زوجة أحد المسؤولين الهامين التي تصطدم مع سالم في المطار، كذلك فيما يتعلق بقدرة سالم على إقامة علاقات مودة مع الجنس الآخر باستمرار وهو أمر عائد إلى الجرأة التي اكتسبها من إقامته الطويلة في الولايات المتحدة، بالإضافة إلى العديد من المواقف المتناقضة التي لا تفسد للود قضية بين الرجلين اللذين التقيا مصادفة في هذا المكان وقد لا يلتقيان أبداً فيما بعد .‏

هناك العديد من الشخصيات الأخرى التي حفل بها النص لكنها شخصيات هامشية وثانوية لا دور لها إلا إغناء نص الحوار بين الشخصيتين الرئيسيتين عبر ما تولّده عندهما من أفكار ومواقف وأحكام وتعليقات .‏

لا يأخذ الكاتب على عاتقه في نهاية المطاف وضع اقتراحات حلول لما طرحه في مسرحيته، بل اكتفى بتسليط الضوء على بعض القضايا الهامة التي قد لا ينتبه إلى أهميتها الكثيرون .‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244