قراءات في النص المسرحي السوري ـــ جوان جان

دراسة ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق ـــ 2006

Updated: Monday, July 02, 2007 02:02 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

(مكيال الشيطان) لمحمد جهاد الكاتب.. نماذج متعددة لمقولة واحدة

تنتمي مسرحية "مكيال الشيطان" للكاتب محمد جهاد الكاتب لذاك النوع من النصوص المسرحية الذي لا يكلف قارئه عناء كبيراً لسبر أغواره واستكشاف مراميه، فنص المسرحية يفصح منذ البداية عن الهدف الذي يريد الوصول إليه وهو مقولة ترد في مراحل المسرحية الأولى ومتلخصة في عبارة "العدل ميزان الله، والجور مكيال الشيطان" وبذلك يكشف الكاتب مبكراً عن مغزى عنوان مسرحيته ويمهد الطريق أمام المتلقي كي يكون دربه سالكاً وهو يمضي في قراءة النص والتعرف على شخصياته وأحداثه .‏

يبدأ الكاتب مسرحيته بدخول "مجموعة من الرجال والنساء تشكل حلقة تدور عكس عقارب الساعة وتردد ما يقوله أحدهم" ثم تبدأ بترديد عبارات ومقولات ذات طابع ديني يتمحور حول موضوعة الظلم التي تشكل الأرضية التي تنطلق منها المسرحية، ويشكل وجود المجموعة وما تطرحه من مفاهيم مرتبطة بموضوع واحد تمهيداً للمشاهد المتتالية التي تدور جميعها حول موضوعة الظلم مع اختلاف زمانها ومكانها وشخوصها وأحداثها .‏

النموذج الأول الذي تقدمه المسرحية سلطان يقصد بابه وفدان متخاصمان قادمان من إحدى ولاياته البعيدة يطلبان الإنصاف، وكلاهما يعتقد أنه يمثل جانب الحق، وعندما يطلب الوفدان مقابلة السلطان أولاً يختار السلطان مقابلة الوفد الذي يمثل أشراف المدينة وتجارها المتسلحين بالهدايا التي يستطيعون بواسطتها كسب تعاطف السلطان وانحيازه ضد (الرعاع) الذين جاؤوا ليقدموا شكوى ضد ممثل السلطان في المدينة والذي يعتبرونه منحازاً ضدهم، فيستمع السلطان مُكرَهاً إلى ممثلهم الذي يرفع من سقف انتقاده لممثل السلطان لجوره وظلمه فيأمر السلطان بقطع لسان المتحدث ويرد الوفد خائباً، مفضلاً أن يكون إلى جانب طبقة الأشراف التي أغدقت عليه الهدايا، صاماً أذنيه عن نداءات مواطنيه الذين كان ملجأهم الأخير فخيب أملهم وعادوا كما جاؤوا يجرّون أذيال الهوان .‏

في الواقع أنه باكتمال هذا المشهد تكون المسرحية قد استكملت ما تود إيصاله من تجسيد لحالة الظلم وتصوير لمدى المرارة التي يخلّفها، وتأكيد على أن الحاكم العادل والمحبوب لا يمكن أن يكون على شاكلة النموذج الذي قدمته في مشهدها السابق، ويبقى رهان المسرحية محصوراً في القدرة على تقديم نماذج مختلفة من حيث المضمون بعد استيفاء الفكرة العامة لأهدافها، فتمضي المسرحية قُدماً في عرضها لنماذج أخرى لا تضيف شيئاً جوهرياً على النص سوى أنها تشكل تنويعات على موضوعة الظلم وتقدمها بأكثر من شكل ووجه، مستخدمة المجموعة التي ظهرت في المشهد الأول بقيادة الرجل الذي قطع السلطان لسانه كصلة وصل بين المشاهد التي تنتقل عبر الزمان والمكان لتقدم في النموذج الثاني الذي يفصله عن النموذج الأول مئات السنين لكنه لا يختلف عنه من حيث استمرار حالة التسلط التي تمارسها الزعامات ضد شعوبها، فها هي المجموعة في سعيها للبحث عن مصير أحفادها وما آل إليه حالهم تصل إلى أرض يحكمها سيد لا يعرف قلبه الرحمة، ومن الواضح من خلال العبارات والمصطلحات المستخدمة في هذا المشهد الذي يقدم النموذج الثاني أن الزمن انتقل إلى الوقت الراهن حيث لم يتغير مفهوم الظلم عما كان عليه قبل مئات السنين، بل ربما عظم بأسه واشتد عوده وتطورت وتنوعت أساليب بطشه بتطور التقنيات المستخدمة في عقاب الخارجين عن طاعة الحكّام، فها هو سيد المدينة يخيّر الرجل مقطوع اللسان بين عدد من أنواع العقاب المؤدي إلى الموت المحتّم :‏

"أيها الرجل لك الحرية الآن في اختيار الميتة التي تفضّلها : الشنق-الحرق-الخازوق-الزيت المغلي-المقصلة-الصعق بالكهرباء-غرفة الغاز" .‏

في المحطة الثالثة من رحلة المجموعة الباحثة عن العدالة دون أن تجدها تحط رحالها في مكان يُحاكَم فيه شاعر لأنه كتب قصيدة يحرض فيها الناس ضد السلطان، وفي هذا إشارة إلى حالة الريبة والحذر القائمة على مر الزمن بين المبدعين والحكام الذين يرون في أصحاب القلم خطراً محدقاً بسلطانهم وتسلطهم إلا في حالة واحدة تكون عندما يكون القلم مطواعاً واليد مرتجفة .‏

وينتقل الحدث بشكل سلس إلى نموذج رابع يتمثل بمحاكمة أحد قادة الثورة السورية وهو ابراهيم هنانو الذي يستغل الكاتب مشهد محاكمته لإدانة نوع آخر من الظلم يمثله هذه المرة ظلم المستعمِر، ويفرد الكاتب لمشهد محاكمة هنانو حيزاً واسعاً من نصه مفسحاً المجال لمناقشة موضوع مقاومة المستعمِر من كافة أوجهه، طارحاً وجهات نظر المستعمِر الذي يرى في مقاوميه حفنة من المجرمين الخارجين على القانون، في الوقت الذي يتشبث فيه المقاومون بحقهم في الدفاع عن أرضهم وبلدهم .‏

وأما خاتمة التطواف فتكون في زمن الاحتلال العثماني للأرض العربية، وذلك من خلال نموذج شاب تزوج حديثاً يُساق إلى حروب السلطنة العثمانية ويُقتل فيها، وتفترض المسرحية عودة هذا الشاب بعد سنوات طويلة من الغياب ليلتقي عروسه التي أصبحت عجوزاً .‏

بنهاية النموذج الخامس تضع المسرحية حداً لبحث المجموعة عن العدالة، منتهية إلى أن مفهوم العدالة على مدى الزمان والمكان لم يكن لـه وجود رغم تعدد وجوهه وأنواعه .‏

إن النماذج التي قدمتها المسرحية دون التقيد بالتتابع الزمني قابلة لأن يضاف إليها المزيد من الأمثلة أو استبدالها بأمثلة أخرى دون أن يؤثر ذلك على جوهر المسرحية وبنائها القائم لا على التصاعد في الحدث بل على تجاوره وهو أسلوب في الكتابة لـه محاذيره لافتقاده لعنصر هام من عناصر العمل المسرحي ألا وهو القدرة على إبقاء المتلقي في حالة دائمة من التحفّز والترقب‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244