اتحاد المغرب العربي بين الإحياء والتأجيل ـــ توفيق المديني

دراسة تاريخية سياسية ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2006

Updated: Sunday, July 01, 2007 04:42 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

ـ الفصل الثالث انفجار قضية البربر في الجزائر .. الخلفيات والآفاق

بعد أن كانت " حرب الصحراء المجيدة " تشكل بؤرة الصراع في المغرب العربي، المرتبطة بقضايا الحدود والمطالب الإقليمية تمثلت أساساً في الخلاف على الحدود بين المغرب والجزائر، والمطالبة المغربية باعتبار الصحراء الغربية مسألة وطنية، ترتبط الآن بإثارة قضية البربر في المغرب العربي، وتحديداً في الجزائر، بالأزمة البنيوية التي يعيشها هذا البلد العربي منذ ما يزيد عن عقد من الزمن، أي منذ اشتعال المواجهة مع الإسلام السياسي المسلح المتناثر، وحرب العصابات، والاغتيالات، والمجازر الجماعية، وفرق الموت، والجنرالات المخيفين، والفساد السياسي والاقتصادي والعسكري، والبطالة، وصعوبات الإصلاح الاقتصادي.‏

ولا زالت الجزائر تدفع ثمناً تاريخياً باهضاً نتاج خيانة روح ثورتها التحررية الوطنية العالم ثالثية، عندما ضربت هذه الثورة في نقطتي ارتكازها الجوهريتين، أي الديمقراطية الاجتماعية، واحترام جميع الحريات الأساسية، أي الديمقراطية السياسية. وفضلا ً عن ذلك فإن الجزائر متكونة من مكونات هوية متقاطعة، متداخلة، محمولة على تناقض تاريخي الأمازيغية والعروبة، وكليهما محمولة على الرافعة الإسلامية الجائعة. ومع خضوع منطقة المغرب العربي للاستعمار الفرنسي، حرصت السياسة الاستعمارية الاستيطانية في الجزائر على جعل المجتمع الجزائري يعيش في انشطار دائم كي لا يعرف الانصهار، وعملت على اختراق هذه المكونات الآنفة الذكر بالفرانكوفونية لغة وثقافة، وبالفرانكوفونية ( محبة فرنسا ) اقتصاداً وسياسة ً.‏

ليست هذه هي المرة الأولى التي ينتفض فيها البربر في بلاد القبائل في الجزائر مطالبين بحقوق ثقافية، كما أنه ليست هذه هي المرة الأولى التي تصطدم فيها الدولة الجزائرية المركزية بالاحتجاج الأمازيغي. إذ إن الدارس للتاريخ الجزائري الحديث يرى بوضوح أنه على الرغم من طبيعة الحكم الشمولي للجزائر في عهدي بن بله وبومدين، الذي قمع طبيعة الخلافات الاجتماعية، وجمد التناقضات، ومنعها من التعبير عن أطروحاتها ومنطوقاتها، شهدت منطقة القبائل أول تمرد عسكري أمازيغي عام 1964، كما عرفت المرحلة ما بعد البو مدينية، أبرز استهداف عنيف للمطالبة الأمازيغية، الذي عرف بأحداث الربيع البربري في نيسان 1980، إذ إن الحركة الأمازيغية تحينت فرصة التعبير عن رفضها وغضبها وعنفها عندما انفرط عهد بومدين الموحد الصارم، وجاء بعده عهد الشاذلي بن جديد الرمادي الباهت المحمول على اقتصاد وطني متهدم، منخور بالتضخم والبطالة والفساد والحكرة.‏

في عام 1980، أصدر الكاتب مولود معمري، الأب الروحي للأمازيغية كتابا ً بفرنسا حول الشعر البربري القديم، وتكريما ً لـه دعاه طلبة جامعة تيزي أوزو لإلقاء محاضرة حول الكتاب، لكن الجامعة رفضت المحاضرة.غير أن هذا الرفض لم يمنع مولود معمري من الانتقال من الجزائر العاصمة نحو تيزي أوزو، وكان لهذا الانتقال في حد ذاته أثر كبير في تفجير أحداث نيسان /أبريل 1980 ـ أو ما سمي بالربيع البربري ـ إذ أوقفت قوات الأمن مولود معمري بمنطقة تابعة لمنطقة القبائل تسمى "ذراع بن خده"، الأمر الذي فجر احتجاجا بجامعة حسناوة بتيزي أوزو. وبعد يومين أطلق سراحه. لكن على الرغم من ذلك لم تقم المحاضرة.‏

و هنا كان "حماس الطلبة الأمازيغ" قد بلغ مداه، كما كان كذلك أيضا ً حال طلبة معمري في السبعينيات، فكان أن نشر في تيزي أوزو نداء لإضراب عام يوم 16 نيسان /أبريل 1980، أمضاه طالب عند معمري، وهو سعيد سعدي الذي كان يعمل طبيبا في مستشفى تيزي أوزو. وقد جاء هذا النداء بعد أن كان سعيد سعدي وفرحات مهني والروائي كاتب ياسين قد شاركوا في 7 نيسان /أبريل في تجمع بإحدى ساحات العاصمة – ساحة أول أيار/مايو ـ ولكنه فرق من طرف قوات الأمن، كما كان قبله لقاء بالجامعة المركزية من قبل أقطاب الحركة لاتخاذ إجراءات معينة. ولذلك، جاء النداء للإضراب العام، فما كان على الجماهير التي عبثت بشكل لم يسبق لـه مثيل إلا أن تلبي نداء الإضراب، لاسيما التجار.فكانت مدينة تيزي أوزومدينة ميتة، وهذا ما فسر من طرف أقطاب الحركة "بنضج الوعي".‏

وشمل الإضراب أيضا ً الطلبة مما أجبر قوات الأمن على التدخل يوم 20 نيسان /أبريل صباحا ً وتبعهم عمال المستشفى الذين كان سعيد سعدي قد عبأهم ـ تعاطفا مع الطلبة، ثم أضربت عدة مؤسسات أخرى..و تشكلت خارج تيزي أوزو لجان مساندة، خاصة في بومرداس وعدة جامعات وطنية.و حدثت اشتباكات مع قوات الأمن. فألقت هذه الأخيرة القبض على 24 شخصا ً في كل من الجزائر وتيزي أوزو، من بينهم سعيد سعدي. وتصاعدت الحركة الاحتجاجية لإطلاق سراحهم، وخرج الاحتجاج من الجامعة والمستشفى إلى الشارع، فنظمت عدة مظاهرات كما ظهرت لجان مساندة في الخارج:فرنسا، ألمانيا، كندا، الولايات المتحدة الأمريكية. أثناء استنطاق سعيد سعدي من قبل قوات الأمن وجه إليه السؤال التالي: إلى أي حزب تنتمي؟ فأجابهم أنتمي إلى الحركة الثقافية البربرية. وهكذا ظهر لأول مرة هذا الاسم على لسان سعيد سعدي.‏

وبعد أن هدأت تيزي أوزو، وعادت إليها الحركة الطبيعية، نظمت الحركة البربرية ملتقاها الأول بين تموز / يوليو وآب/أغسطس 1980 بمنطقة سياحية وغابية (أعكوران) شرق مدينة تيزي أوزو، وخلال هذا الملتقى تمت صياغة مطالب الحركة على الوجه التالي:‏

1 ـ الاعتراف بالهوية المازيغية.‏

2 ـ الاعتراف باللغة الأمازيغية كلغة وطنية.‏

3 ـ إدخال اللغةالأمازيغية إلى المدرسة والتلفزة والمؤسسات(1).‏

ومع تراكم التناقضات الاجتماعية والسياسية والثقافية وتخمرها وتعفنها في عهد الشاذلي بن جديد، حصل أول انفجار شعبي جزائري كبير في أكتوبر عام 1988، عندما طفحت المكونات الاجتماعية الثقافية المتناقضة للاجتماع الجزائري تدفع بالحراك السياسي وبالشعب الجزائري على التمرد من أجل تحقيق مطالب معيشية وسياسية، إذ كان الهدف آنذاك استثمار الانتفاضة الشعبية للإطاحة بالرئيس ( الأسبق ) الشاذلي بن جديد، وبجبهة التحرير الوطني الجزائري كحزب حاكم.‏

ولما فازت الجبهة الإسلامية للإنقاذ في أول انتخابات ديمقراطية عامة في الجزائر عام 1991، ارتكبت المؤسسة العسكرية خطأ ً جسيما ً بإلغاء نتائج تلك الانتخابات، لأن السلطة الخفية ـ الشريرة مطلقة السطوة غير المحدودة القدرة، وغير متناهية الخبث، والتي عادة ما يطلق عليها " أصحاب القرار " أو " الجنرالات " أو " المافيا السياسية – المالية " – ارتعبت من فكرة انكشاف الملفات السرية لنهب الثروة الجزائرية. وأصبح عنف الدولة التسلطية الجزائرية هو العامل الرئيس في توليد العنف المضاد في العلاقات السياسية الداخلية، في ظل غياب السياسة الواقعية الراديكالية الحقة في التعامل مع الأزمة الجزائرية.‏

ولم تترك الدولة الجزائرية من خيار سياسي بعد فشل محاولات الحوار سوى الحرب الأهلية في الجزائر، وهي التي أعطت المبررات الموضوعية والمنطقية لعودة الإسلاميين إلى العمل السري، والاعتقاد بشرعية استخدام العنف المسلح من جانب الجماعة الإسلامية المسلحة في مواجهة الحكم العسكري، الذي لم يحترم إرادة الشعب التي عبر عنها في صناديق الانتخابات.‏

وفي عقد التسعينيات دخلت الجزائر في خضم حرب أهلية أتون، وفي هذه الأثناء كانت السلطة العسكرية الخفية تنصب وتخلع الرؤساء الشكليين لجمهورية شكلية. فتم إرغام اثنان على الاستقالة هما الشاذلي بن جديد واليمين زروال، وتم قتل الرئيس محمد بوضياف. وظلت السلطة العسكرية الخفية تلعب بالجيش في ملعب السياسة، إلى أن جاءت بالرئيس بوتفليقة في انتخابات عام 1999، التي شابه تبخيسا ً في شرعيته.‏

1 ـ الإخفاق السياسي والاقتصادي للرئيس بوتفليقة :‏

منذ اندلاع الحرب الأهلية في الجزائر تحركت فرنسا باتجاه دعم الدولة الجزائرية التي تواجه الإسلام السياسي المسلح، خشية على الطبقة الفرانكوفونية الحاكمة. كما دعمت فرنسا لبوتفليقة، وكان دعمها عملاً مهماً في نجاحه في توحيد هذه الطبقة الفرانكوفونية، ونيل تأييدها في الانتخابات الرئاسية. وسارع بوتفليقة بعد فوزه في الانتخابات إلى رد جميل فرنسا الذي اتسم بالفعالية والسرية، فقام بزيارة رسمية لباريس تجاوز فيها ما كان فرضه الرئيس الجزائري الراحل هواري بومدين. كما أعاد الحضور الجزائري داخل هيئات ومنظمات الأمم الناطقة بالفرنسية بعد مقاطعة لها استمرت نحو 40عاماً. إلى جانب ذلك جمد بوتفليقة سياسات التوقف عن استخدام الفرنسية كلغة رسمية في الجزائر، وبعث بإشارات مصالحة عديدة لأفراد بين مزدوجين الأقدام السوداء " من أبناء المستوطنين الأوروبيين السابقين في الجزائر، والتقى ممثلي يهود فرنسا والمنظمات الصهيونية، وصافح ايهود باراك في المغرب.‏

ولم تقتصر سياسة بوتفليقة المؤيدة لفرنسا على الكلام، بل إن كل العقود التجارية الكبرى العشرين التي وقعتها الجزائر مع شركات أجنبية خلال العامين المقبلين كانت من نصيب شركات أوروبية كبرى ذات إدارة فرنسية، عدا واحد من بينها وقع مع شركات أمريكية لشراء طائرات بوينغ. لقد ذهب الرئيس الجزائري مع الفرانكوفونيين ( العسكريين والمدنيين ) إلى أبعد مدى ممكن، ولم يحصد من ذلك غير المزيد من الضغط باتجاه رهن مصالح الجزائر اقتصادياً بمصالح فرنسا، واتباع سياسة خارجية عنوانها الأكبر الإسراع في التطبيع مع الكيان الصهيوني.‏

كان الرئيس بوتفليقة يطمح أن يكون " ديغول الجزائر "، وكان يعتقد أنه الرجل المرسل من العناية الإلهية لكي يقهر كل العقبات وينقذ بلاده من الحرب التي تعيش فيها منذ عشر سنوات. غيرأن الانفجار الشعبي في القبائل المستمر منذ ربيع 2001، كان مصدره التقاء بين مركبين حارقين لا يقع التقاءهما سوى انفجار العنف، ناهيك عن أن الوحدة دون الآخر يمثل لغما في ذاته، وهما الغبن الثقافي والغبن الاجتماعي، وكذلك المظاهرة الضخمة التي جرت في الجزائر يوم 14 حزيران /يونيو من العام عينه، والتي شارك فيها أكثر من مليون شخص، معظمهم من الشباب كرّد على الأحداث الدموية التي شهدتها منطقة القبائل، قد وضع من دون شك حداً نهائياً لحلم الرئيس بوتفليقة، الذي لم يحضر على ركح الأحداث سوى ظل محتشم لم يملك غير الأسف. فالانفجار الشعبي في القبائل أضاف إلى مأزق بوتفليقة أرقاما ً جديدة ً في المعادلة المطروحة أمامه.‏

إن زوال الحظوة والنفوذ الحالي للرئيس الجزائري هو على مستوى الأمل الذي كان نجح في إظهاره في بداية ولايته الرئاسية سواء في داخل الجزائر أم في الخارج. فالرئيس بوتفليقة الذي وصل إلى رئاسة الدولة بوساطة العسكر – الانتخابات الشعبية كانت شكلية – بدأ منذ الأسابيع الأولى لتوليه رئاسة الجزائر في فتح بعض الملفات المقفلة التي طال انتظار فتحها. فبادر إلى تحريك ملف الهدنة بين الجيش الجزائري وتنظيم " الجيش الإسلامي للإنقاذ "، وفتح ملف الفساد وأطال الحديث في ضرورة مقاومة هذه الظاهرة الخطيرة التي وصفها بأنها صنو الارهاب. وهاجم شبكات المافيا المالية والسياسية التي تمارسها " النومونكلاتوراة " المحلية من جنرالات الجيش والمخابرات في موانئ البلاد، والتي اعتبرها سبب خراب الجزائر، وخواء خزائنها. وجاب أنحاء الجزائر مشرقا ً ومغربا ً، مشنعا ًعلى الفساد والمفسدين، ومن يرعاهم من السياسيين وجنرالات العسكر النافذين.‏

وأتم بوتفليقة هجومه الكاسح على الجميع معارضة ومؤسسة عسكرية، بتنظيم استفتاء شعبي يوم16 أيلول 1999، أي بعد 6 أشهر فقط من وصوله إلى السلطة، حصد فيه تأييدا ً واسعا ً، وخرج بذلك من عقدة نقص الشرعية الشعبية والانتخابية، إذ نال تأييدا ً كاسحا ً من الشعب " لمسعى الرئيس في حل أزمة البلاد " كما جاء ذلك في نص الاستفتاء. وأنجز بذلك استحقاق الوئام المدني ( قانونيا ً ) وفك البنية العسكرية لـ " الجبهة الإسلامية للإنقاذ " سلمياً، بنزول جماعة مدني مزراق من الجبال وتسليم أسلحتهم إلى الدولة.‏

وهكذا نجح بوتفليقة في تحييد ما بين 5 آلاف و7ألاف مسلح أنزلهم من الجبال من أعضاء الجماعات الإسلامية المسلحة، ومن أعضاء الجيش الإسلامي للإنقاذ، بخطابه ومبادراته. وكان بوتفليقة في تلك الفترة مثل " البلدوزر " لا يقف في وجهه أحد من الحلفاء والخصوم، انتزع خطاب المعارضة وتقمص مطالبها، فقطع بذلك لسانها، واستحوذ منها على المشهد الإعلامي والسياسي بل استحوذ منها حتى على قواعدها ومشروعية وجودها.‏

الرئيس بوتفليقة الذي كان رئيس الدبلوماسية الجزائرية في عهد الرئيس الأسبق هواري بومدين، في مرحلة السبعينيات، والذي كان متشبعا ًبالأفكار الاشتراكية، نجده اليوم يعتنق فضائل الليبرالية الأمريكية، ويتحمس للخصخصة الرأسمالية. كما بادر بوتفليقة إلى تغيير مواقف الجزائر الخارجية فيما يتعلق بالموقف المشار إليه آنفا من الفرانكوفونية، والصراع العربي الصهيوني. وكانت مصافحته لباراك أكبر " محرمات " السياسة الخارجية الجزائرية و"طابوهاتها " التي كسرها الرئيس من دون تردد كبير. وقد كتبت عدة افتتاحيات لصحف فرنسية آنذاك عن أن الرئيس بوتفليقة هو " غوربتشوف جزائري ".‏

غير أن كل هذه الحركية السياسية والدبلوماسية التي كانت تستهدف التقارب مع الولايات المتحدة الأمريكية وتحسين صورة الجزائر خارجيا ً، من أجل إقناع المستثمرين الأجانب بالعودة إلى الاستثمار فيها، باءت بالفشل. لكن فشل الرئيس بوتفليقة لم يقف عند هذه النقطة، بل إنه أخفق في حل المعضلة الأمنية التي تعاني منها الجزائر منذ عام 1992، لأن هناك نواة صلبة من الجماعة الإسلامية المسلحة، التي أصبحت كما هو معروف لدى الذين درسوا علم الاختراقات، مخترقة وموجهة من قبل المخابرات العسكرية الجزائرية ويحكمها فكراً تكفيريا ً. وقد تمكنت المخابرات من استخدام هذا الفكر لإحداث الانقلابات داخل بعض الجماعات الإسلامية، لأن الفكر التكفيري فيما بعد يتوازى ويخدم أهداف هذه المخابرات، والحال هذه أضحت الجماعة الإسلامية المسلحة تابعة للمخابرات، ويراد لها أن تبقى تبرر العنف الرسمي للنظام، وتبرر المجازر التي يقترفها في حق الشعب، ويتم اتهام الإسلاميين بها لاحقا ً.‏

ففي عهد بوتفليقة قتل أكثر من 10 آلاف جزائري حسب ما يذكر تقرير أمني فرنسي، والنظام العسكري الجزائري يريد أن يقول أن هناك من يعارض الوئام المدني، في حين أن هذا النظام هو مجموعة من الأجنحة المتصارعة، فيما بينها حول الثروة ومراكز النفوذ، ولكنها متحالفة في الوقت عينه من أجل البقاء في السلطة. من هنا يمكن القول أن قانون الوئام المدني أخفق إخفاقا ً ذريعا ً، لأنه اكتفى بالمعالجة الأمنية بخطاب سياسي يقوم على الوعود، من دون معالجة جذرية وسياسية للأزمة الجزائرية. والحال هذه لم يتوقف الإرهاب وإن خف، والسبب الرئيس في لب الأزمة يعود إلى رفض السلطة العسكرية الخفية سحب الجيش من الحياة السياسية أي ترك السياسة للسياسيين، وبالتالي إطلاق حرية الرئيس الرهينة عندها لكي يمارس صلاحياته الدستورية الواسعة لصالح المصلحة العليا للبلاد والشعب، وليس لصالح مصالح المافيا العسكرية – السياسية – الاقتصادية الضيقة.‏

من هنا نشهد من حين لآخر بروز صراعات على السطح بين مجموعة الجنرالات والرئيس بوتقليقة، وهي صراعات قوية للغاية،تحدث اهتزازات مكشوفة ومعلنة داخل النظام. وقد رأينا في الفترة الماضية حين دخل جناح الجنرالات في صراع قوي مع بوتفليقة ومن يدعمه من العسكر، كيف أن جناح المخابرات والجيش يتهم عن طريق جرائده،وعن طريق أحزابه، لأن لهم أحزاباً ولهم جرائد ولهم ممثلون مدنيون، يتهم بوتفليقة بأنه أخفق إخفاقا ذريعاً وأن عليه أن يرحل. وهناك أدلة على وجود الصراع بين مجموعة الجنرالات وبوتفليقة، منها الجرائد الاستئصالية التي يقف وراء كل واحد منها جنرال، وهي لا تستطيع أن تذهب في تهجماتها على بوتفليقة، والتي بلغت مبالغ عظيمة في القدح والنقد والتهجم، إلا إذا كانت قد أعطيت لها الضوء الأخضر من قيادات المخابرات والجيش.‏

كما قام " حزب فرنسا " من العسكر بإنقلابات ناجحة داخل الأحزاب التي ساندت انتخاب بوتفليقة رئيساً، وجرى تركيز رجال موالين للعسكر على مستوى قيادات هذه الأحزاب، وبالتالي ضغط العسكر باتجاه تشكيل حكومة جديدة من هذه الأحزاب، بذريعة أنها ساندت بوتفليقة و" الوئام المدني " الذي دعا إليه. وفي نطاق عملية الشد والجذب مع العسكر، قام بوتفليقة بخطوة ثانية إلى الوراء توازي خطوته الأولى وتنقذها في آن معا ً، حين عين علي بن فليس على رأس الحكومة الجديدة التي أسندت فيها وزارة الخارجية إلى عبد العزيز بلخادم، المعروف بميوله الإسلامية المحافظة، والمؤسس والرئيس لـ "اللجنة الوطنية المناهضة للتطبيع".‏

إن بوتفليقة بهذه الخطوة نحو " جبهة التحرير الوطني " والإرث الثوري – خصوصا ً عندما عين محيي الدين عميمور المستشار الإعلامي الأسبق لهواري بومدين، على رأس وزارة الإعلام والثقافة – والشارع الإسلامي والرأي العربي – الإسلامي المناهض للتطبيع مع الكيان الصهيوني، بقدر ما أصلح من الصورة القاتمة التي خلقها اندفاعه الفرانكوفوني، بقدر ما وضع نفسه في مواجهة مباشرة مع صفوة القيادة العسكرية القبائلية " البربرية " التي يقودها العقل المدبر الجنرال محمد التواتي الملقب بـ " المخ ".‏

إن هذا الصراع مع " حزب فرنسا " من العسكر والمدنيين أفضى ببوتفليقة تلقائيا ً إلى التوجه نحو الولايات المتحدة الأمريكية بشكل خاص لطلب الحماية، وذلك عندما ذهب في زيارات متعددة للخارج. وهكذا تكون الجزائر قد انتقلت من رهن مصالحها بمصالح فرنسا إلى ربطها بمصالح الولايات المتحدة. وبذلك يكون بوتفليقة وفياً لعلاقاته القديمة مع واشنطن التي كان جناح بومدين يعيّره بها لأن مقاومة التطبيع مع الكيان الصهيوني والحس العروبي لا ينسجمان مع توجه بوتفليقة الأمريكي الهوى والمصالح، والذي يشمل المغرب العربي بأقطاره كافة، ولا يتفرد بوتفليقة به.‏

فالرئيس الجديد معروف في واشنطن بعدما شغل منصب وزير الخارجية في عهد بومدين بين 1963 و1978. وقلائل في واشنطن كانوا ينظرون إليه نظرة إيجابية إذ بدا عدائيا متعجرفا ومناهضا على وجه العموم للولايات المتحدة. لكن الأزمنة تغيرت وبات السيد بوتفليقة يتمتع بضمان المسؤولين العرب المعتدلين الذين يعتبرونه رئيسا عاقلا ً.. بيد أن الرئيس كلينتون سيخيب آمال المسؤولين الجزائريين كونه لم يدعُ السيد بوتفليقة لزيارة واشنطن. ومع وصول السيد جورج دبليو بوش إلى البيت الأبيض في كانون الثاني/يناير 2001 حرصت الجزائر على نسيان الصدمة الأميركية بأن أعطت اقتراحها بالشراكة الاستراتيجية معنى جديدا. وبالفعل سيلتقي الرئيس الجزائري بوتفليقه مرتين الرئيس بوش في تموز/يوليو 2001 ومن ثم في كانون الأول/ديسمبر من العام نفسه. كيف نفهم هذا التطور؟‏

هناك وراء هذا التحول مسألتان محوريتان هما النفط و"الحرب ضد الإرهاب". ويجدر التذكير بالعلاقات التي يقيمها الرئيس بوش مع الشركات البترولية منذ كان حاكما لولاية تكساس. وقد قامت إحدى هذه الشركات، انداركو، ومركزها في هيوستن، باستثمارات كبيرة في الجزائر واكتشفت حقول نفط جديدة فيها (12 حقلاً منذ 1991 بحسب آخر محصلة لما مجموعه 2،8 مليارات برميل). وقد انطلق الإنتاج في العام 1998 ويمكن أن يصل إلى 500 ألف برميل يوميا مطلع العام 2003. بالطبع إنها أرقام متواضعة قياسا على إنتاج بلدان الخليج لكنه حجم نشاط لا يستهان به بالنسبة إلى شركة نفط أميركية مستقلة.‏

كذلك إن للحرب ضد الإرهاب دورا ً في التحسن الراهن الذي تشهده العلاقات. فمباشرة بعد الحادي عشر من أيلول/سبتمبر قدم الرئيس بوتفليقة خدماته على غرار العديد من رؤساء الدول الأخرى. وهو يأمل بالطبع في المقابل أن توافق الولايات المتحدة على أن حرب الجزائر ضد المناضلين الإسلاميين وحرب واشنطن ضد تنظيم "القاعدة" من طبيعة واحدة. منذ فترة طويلة والسلطات الجزائرية تشير إلى رابط بين "الأفغان العرب" والشبكات الإرهابية في الجزائر، وإذا باتت الحكومتان على الخط نفسه فلا وجود لتعاون فعلي بين البلدين في هذا المجال(2).‏

الرئيس بوتفليقة الذي اعتقد الجميع أنه يحمل رؤية سياسية لحل أزمات الجزائر، تبين بالمكشوف أنه لا يمتلك أي مشروع سياسي، وأغرق نفسه في بالوعة الخطاب الشعبوي الذي صاغه في سياق حملته التي أطلقها بهدف استعادة هيبة الدولة من خلال المنطوق المفحم و"البروباغندا السلسة " في قطيعة مع الجزائر الحقيقية أي جزائر المجتمع. فقد بالغ في قوته، وأفرط في الإعجاب بنفسه، وظل سجيناً لنظام من التفكير السياسي المتخلف المتغاضي عن الإصلاح الجوهري الحقيقي، الذي يعني للجزائريين لقمة العيش والشغل.‏

وبالرغم من كل المبادرات الكبيرة وما لفها من جدل، وبالرغم من الكثير من المحاولات التي اشترحها بوتفليقة طوال حكمه، وبالرغم من سفره الطويل بحثا في كل مكان عن دواء لمرض بلاده المستفحل، فإن الرئيس بوتفليقة أصبح عاجزاً عن تفكيك مؤسسات اقتصاد المافيا، وإخضاع المؤسسة العسكرية للسياسة الحكومية، وعزل وتعيين كبار رجال الدولة. فقد صرح بوتفليقة في عام 2000أن سبعة عشر جنرالاً يحتكرون التجارة الخارجية للبلاد وأن مدير الجمارك وموظفيه غارقون بالرشاوي إلى ذقونهم. ويعرف أن الرشوة كلفت الجزائر أكثر من 36 مليار دولار حسب صحيفة الوطن القريبة من المؤسسة العسكرية، وأن هذه الأموال المسروقة ذهبت إلى الحسابات الخاصة بالجنرالات السبعة عشر في الخارج وبالتالي فإن أي حديث عن الإصلاحات سيكون غير ذي قيمة في ظل موازين القوى التي لم تمكن بوتفليقة من تغيير مدير الجمارك العامة الذي اتهمه علنا ًبالرشوة. فالرئيس بوتفليقة مقيد بأغلال من السلطة العسكرية الخفية بحيث يبدو وكأنه زعيم معارضة لا زعيم دولة.‏

ولم تشهد الجزائر منذ استقلالها دخولا ًمرتفعة في عائداتها النفطية كالتي دخلتها في السنة 2000، فنتيجة ارتفاع أسعار النفط دخل إلى خزينة الدولة أكثر من 22 مليار دولار، ورغم ذلك فإن هذه الأموال لم تفلح في إنقاذ الوضع الاقتصادي والاجتماعي الذي انتشر فيه الفقر بشكل مخيف، إذ تفيد تقارير رسمية أن عدد الفقراء في الجزائر يقدر بنحو 12 مليون فقير وهو ما يعادل 40 بالمئة من إجمالي السكان. فالدولة لديها الأموال، لكنها لا تستثمر أبداً، ومشاريع الخصخصة تراوح مكانها ورؤوس الأموال الأجنبية غير موجودة، باستثناء تلك المستثمرة في استغلال حقول النفط والغاز.‏

ولقد تزايدت البطالة، خاصة عند الشباب وانخفضت القدرة الشرائية عند الجزائريين، وعرفت الجزائر مظاهر غريبة لم تعرفها طيلة تاريخها القديم والحديث، تمثلت في انتشار المخدرات والدعارة وظواهر الانتحار، والارتداد عن الإسلام لصالح المسيحية التي يدخلها 6 جزائريين كل يوم بحسب ما ذكرته مؤخراً صحف جزائرية. وأصبحت المحسوبية والرشوة والفساد الاقتصادي ومركزة الثروة في يد أقلية ما فتئت تصغر وتضيق في مواجهة جبهة الفقر والحاجة التي ما فتئت تتوسع.‏

هذه المؤامرة الحقيقية التي تستهدف الجزائر، لا " نظرية المؤامرة التي أفنى الرئيس بوتفليقة في تبيان أطوارها الخفية وخيوطها وهوية الضالعين فيها وأهدافهم في معرض تحليله لانفجار الغضب في منطقة القبائل وباقي المدن الجزائرية الأخرى التي تقع في شرق البلاد، وتحديدا ً في تلك المناطق التي يقطنها الشاوية، وهم أيضا ً من الأمازيغ المستعربين،وكانوا يعدون حتى وقت قريب الدعامة الأساسية في النظام العسكري القائم حيث تتأتى معظم قيادات الجيش الجزائري من صفوفهم. وقد وجه بوتفليقة في هذا الصدد نداء إلى الشباب الجزائري من أجل المزيد من اليقظة والوعي بالمؤامرة التي تشنها القوى الأجنبية، ملمحا ً إلى فرنسا بالتحديد، التي لن تتمكن من فرض هيمنتها نهائيا على الجزائر بعد قرن ونيف، وهي ما زالت في حالة المتألم على الفردوس المفقود.‏

2 ـ التمرد البربري يستمر مع الزمن‏

يكاد لا يمر يوم واحد منذ اندلاع العنف المتفجر بمنطقة القبائل التي اندفع شبابها في لحظة مجنونة لم تأبه لحديث الجزائر الواحدة والمصير المشترك والوحدة الوطنية الصماء، من دون أن تنطلق مظاهرات احتجاجية في منطقة القبائل ومدن الشرق الجزائري خاصة في صيف 2001، إذ كان المتظاهرون يخوضون مواجهات يومية تقريبا ً، مع قوات الأمن والدرك الوطني، يرفعون في الغالب، ما عدا أقلية منهم شعارات تحظى بإجماع وطني، ويفترض أن تضع الدولة الجزائرية أمام مسؤولياتها. واللافت أن هبة العنف التي تفجرت بعد مقتل شاب أمازيغي برصاص رجال الدرك خلال احتجازه في إحدى القرى القبائلية البائسة، بني دويلا التي تبعد 15كم عن مدينة تيزي أوزو، لم تندلع هذه المرة بسبب المطالب الثقافية: الهوية واللغة الأمازيغية، وهي المطالب المرفوعة والمتواصلة منذ الربيع البربري في نيسان/أبريل 1999. ويتمثل الموقف النوعي هذه المرة، في أن نماذج الانتفاضات العديدة والواسعة التي عمت منطقة القبائل، والجزائر العاصمة وامتد حريقها لا حقا إلى مناطق الشرق الجزائري تختلط فيها المطالبة احترام الهوية البربرية للمنطقة القبائلية، وتقليد لغتها الأمازيغية واعتبارها لغة رسمية مثلها في ذلك مثل اللغة العربية، وهي أشكال الاحتجاجات القبائلية السابقة، لكنها اليوم أحجبتها مطالب احتجاجية واجتماعية ومعيشية.‏

ويجمع بعض من المحللين السياسيين في الجزائر أن التمرد البربري الذي أصبح مستمرا ً مع الزمن، إنما يعبر في الواقع عن آمال ومطالب الجزائريين كافة، خصوصا ً أن الاضطرابات اندلعت على أساس مطلبي، نتيجة تدهور الوضع المعيشي وتفاقم البطالة، واشتعلت بنتيجة ممارسات رجال الدرك التي أدت إلى مقتل أكثر من 50 مواطنا ً وجرح ما يزيد على 1700 مواطن آخر. إذاً، الشعور بالغبن الاجتماعي والحيف الطبقي والتهميش الاقتصادي المرسوم بثقل البطالة الجاثمة على صدور الشبيبة القبائلية، وانسداد الأفق أمامها هي الشرارات الأولى التي أطلقت مارد العنف والتمرد قوياً، هادراً في أحياء الفقر والحاجة والفاقه والتهميش في منطقة القبائل والمدن الجزائرية الأخرى.‏

إن " الكوكتيل القبائلي المتفجر " لـه دينامياته وآلياته الخاصة، وفي الأساس هناك الغبن الثقافي والغبن الاجتماعي اللذان إذا ما ألقاهما النسق إلى الاحتكاك يولدان انفجارا ً قويا ً ليس ما بعده سوى الطوفان. ويقول هنا أحد الأطباء في مستشفى تيزي أوزو إن " مطالب البربر لا علاقة لها هذه المرة بالأهداف الثقافية. إنها ردّة فعل على الظلم ووحشية الشرطة والقمع " ومن المعروف أن منطقة القبائل هي جبلية قاحلة، لا تمتلك مقومات اقتصادية مهمة، وتعيش فيها أكبر نسبة من السكان في الجزائر العاصمة، ومنذ عقود تشهد المنطقة حركة هجرة كبيرة إلى الخارج. وسلط المتظاهرون الأضواء على توزيع المنازل في شكل جائر لأنها تمنح على أساس المحسوبيات، خصوصا أنها مطلوبة جدا في هذه المنطقة التي تشهد كثافة سكانية غير عادية.‏

وعلى الرغم من إن المتظاهرين أظهروا على مدى الشهرين الماضيين تمسكا بثقافتهم المحلية، واللغة الأمازيغية، عبر ترديد شعارات وكتابة اليافطات بالأمازيغية وارتداء الأزياء المحلية، إلا أن بؤرة النار تركزت هذه المرة على الأبعاد المطلبية الاجتماعية والاقتصادية، على حساب الاحتجاجات التقليدية التي ظلت مشدودة عامة، إلى الاعتراف باللغة الأمازيغية وثقافة البربر. ولم تكن مصادفة أن ينخرط الشباب بكثافة في " كرنفال التمرد " لأنهم الضحايا الأولى لسياسة الحكم وأزمات السلطة. ومن هنا يتضح خلفيات انقضاضهم على المباني الحكومية، رمز الدولة، وإحراق منازل المسؤولين المحللين، وتهديدهم بالفساد والظلم والمحاباة.‏

ومنطقة القبائل كبقية المناطق في البلاد منقسمة بين أغنياء وفقراء. ومن نزلوا إلى الشارع وعبروا عن رأيهم من المهمشين كما حصل في انتفاضة تشرين أول /أكتوبر 1988. ومن الممكن أن نعود إلى جزء من التحليل الذي قدمه عالم الاجتماع سعيد شيخي بعد انتفاضة تشرين أول /أكتوبر 1988(3)،‏

إذ يقول:إن تفسير ما حصل في منطقة القبائل، وفي باقي المناطق الأخرى من الجزائر التي شملها التمرد مثل خنشالا وعنابة وبطنا، يعود في جزء أساسي منه إلى البطالة ومشكلة السكن. إنه مزج الأسباب بالنتائج واختزال تعقيدات العلاقات الاجتماعية من خلال التغاضي عما يشكل اليوم العقدة المركزية في الجزائر أي التهميش الاجتماعي.وقد أصبح حقل التهميش هذا قارة فعلية يعيش فيها حوالي 12 مليون جزائري في حالة ضياع.‏

و يجب أن نضيف إلى مشكلة البطالة مشكلة التهميش المدرسي. ويقول سعيد شيخي أن المدرسة لم تعد أداة للانصهار الاجتماعي من خلال تقديمها إلى أبناء الشعب فرص الارتقاء الاجتماعي.و تعتبر في الوقت الحالي أنها أداة فرز وتزيد فيها نسب الفشل عن النجاح، فيتمكن طلاب فقط من أصل 100 طالب يسجلون في السنة الدراسية الأولى من الوصول إلى الجامعة. ويرمي الآخرون في مدن تشبه المنامات لا روح ولا معالم ولا رموز فيها.و تعيش هذه الشريحة من المجتمع التي أضحت تشكل أغلبية في القطاع غير الرسمي للاقتصاد وتشكل قاعدتها الوحيدة المهارة في تدبير الأمور والحيل والجنوح.فهم يتصرفون على أساس قاعدة الشرف ويمتحنون بعضهم في أفعال تنم عن الشجاعة والعدوانية الجسدية... ولديهم أيضا منطق عمل آخر كالتعرض للضرب عادة في مراكز الشرطة والشعور أنهم يعيشون في ظل نظام فاسد، وأنهم موجودون كجمع لا كجماعة وتطغى عليهم مشاعر التمرد والرفض. ولكن لا يملكون مجالا للتعبير ولا إطارا للاحتجاج، غير الشارع.‏

إن اللافت للنظر في هذا الانفجار الشعبي الكبير الذي ضرب منطقة القبائل والشرق الجزائري والعاصمة، هو هذا الهدير الهائل المتدفق من الشباب، التي تتراوح أعمارهم بين 15 و20 سنة،والذين شاركوا بقوة في المسيرة الضخمة التي جرت في الجزائر يوم 14حزيران. وكل تحليل علمي وموضوعي للأوضاع السياسية في الجزائر يجب أن ينطلق اليوم من هنا: الجزائر تتفجر بشبابها.‏

فالبلد يعد الآن 31مليون نسمة، وسوف يرتفع هذا التعدد إلى 44 مليون في عام 2020، إذ إن 36 في المئة من السكان هم دون الـ 15 عاماً، فهؤلاء الشباب الذين تظاهروا في المسيرة الضخمة، كانوا في الحضانة خلال الانتفاضة الشعبية في أكتوبر عام 1988. هذا يعني أن كتلة الشباب هذه نمت وترعرعت في بلد يعيش أزمة بنيوية مستمرة، وفي ظل عدم الاستقرار واستمرار الحرب الأهلية المدمرة. وهذه الكتلة من السكان ذهبت ضحية نظام ليس لديه من زاد سياسي سوى خطاب الدياماغوجيا السياسية المجانية، والاكتفاء بعين الطمأنينة والارتياح إلى القناعات السياسية حول المؤامرة الأجنبية الصادرة عن قوة استبطانية أجنبية كالعادة، لا عن الاعتراف بحقيقية الأزمة وضرورة البحث عن حل سياسي ديمقراطي لها.‏

الشباب في الجزائر يريد أن يعمل ويدرس ويستهلك. فهو يعيش على الضفة الجنوبية من المتوسط , ويشاهد عبر مئات الفضائيات الغربية نمط حياة الشباب في مرسيليا، وباريس، ومدريد، وبرشلونة، وميلانو، وفرانكفورت. والحال هذه فهو ينظر إلى أوروبا مثل الحلم، لأنه في جزائر اليوم لا مخرج لـه سوى باب الهجرة، بسبب ما أصيب من إحباط ويأس وتهميش كنتيجة لشيخوخة الحكم الجزائري، الناجمة عن أمراضه المزمنة المعروفة التي يعاني منها، وهي الغطرسة، وعم الفاعلية، والقمع، والفساد.‏

في الواقع تكشف لنا ظاهرة الغضب البربري عن راديكالية الشباب الشعبي الساعي إلى استخدام العنف ضد كل رموز دولة مقترنة بـ " الحقرة "، ومصطلح خاص بالجزائريين يستخدمونه للتعبير عن الغبن الاجتماعي المضاعف بالاحتقار.‏

فالأزمة المعيشية لا توفر منطقة، ولا بيتاً، ولا عائلة، ولم يكن للانفجار أن يتجلى بهذه الراديكالية التي وصلت إلى حد القيام بعمليات الانتحار التي باتت أكثر استشراءاً وحدة من ظاهرة الإرهاب. ولذلك يتحدث جزائريون في عنابة وجيجل وبجاية وتيزي أوزو عن ظاهرة الانتحار. ويتحدث أحدهم في مدينة القل الساحلية عن " آلة موت جديدة " اسمها الانتحار بين صفوف الشباب. وتحمل الصحف يومياً أنباء عن شباب آثروا الموت على حياة البؤس واليأس. وقد وصل عدد المنتحرين في مدينة الجزائر وحدها خلال النصف الثاني من عام 2000 إلى 8 من أصل 22 محاولة انتحار، كان جسر تيليملي مسرحاً لغالبتها، فانتزع بذلك اسم "جسر الموت ". وتحتل منطقة القبائل بأكبر مدينتين فيها، أي تيزي أوزو وبجاية المرتبة الأولى في عدد حالات الانتحار، وسجلت فيها 50 حالة انتحار في العام 1999. وبدورها النخب والطبقات الوسطى التي اندمجت في ديمقراطية البلاد من خلال النقابات والبرلمان ومؤسسات الدولة تتعرض بدورها للرفض. وللمرة الأولى تعرضت مقار أحزاب البربر في منطقة القبائل للتخريب. وهل يجب أن نعتبر البربرية كحل تخسر تاريخيا ً الرهان كما خسره الإسلام عندما طرح كبديل للنظام لأنه يؤدي إلى تضليل حركة المجتمع في توجهات أيديولوجية على أساس الهوية والمناطقية كما يعتبر داهو جربال؟(4).‏

ومرة أخرى لم تكن المطالب المتعلقة بالهوية الأمازيغية هي التي غلبت في تمرد الربيع البربري، بل إن الذي طغى عليه هو مناهضة نظاماً موسوما بالفساد والدكتاتورية بالدرجة الأولى، وكذلك تجاوز الأحزاب السياسية المعارضة , بل حتى تلك التي تعد ذات وجود ورسوخ تاريخيين في منطقة القبائل. ولعل ذلك ما يفسر أن الشباب المتمرد في منطقة القبائل قام بتشكيل لجان القرى، وهي ظاهرة سياسية جديدة , ولكنها تندرج في إطار أشكال قديمة من الصراع. فلجان القرى تمثل منذ قرون الترجمة الملموسة للنسيج والروابط الاجتماعية المكثفة جدا ً بين سكان البربر. وتحدث هذه اللجان دينامية خاصة بالتعبئة، وتجمع في صفوفها العقلاء، من بينهم العديد من الشباب.‏

فحركة العروش بالأساس ولدت بمنطقة القبائل شرق الجزائر العاصمة إثر اغتيال شاب يدعى ماسينيسا قرماح بمخفر الدرك في بني دوالة من قبل دركي بتاريخ 18 نيسان 2001 اكتشف أن ابنته كانت ضحية اعتداء لا أخلاقي من طرف ذلك الشخص ـ هذا الحادث الذي ألب القبائليين ضد قوى الأمن مما أدى إلى سقوط 126 قتيلاً.‏

و يقول أحد المناضلين في صفوف جبهة القوى الاشتراكية حسين صلاح (5)، الذي أصبح لا حقا ً ممثلا ً معينا ً بالتوافق في إحدى مجالس القرى: أنه منذ وفاة ماسينيسا قرماح تعاوننا مع بعضنا ونظمنا أنفسنا لكي نتمكن من تخطي الانقسامات الحزبية والإدارية. من هنا جاءت فكرة العودة إلى نظام مجالس القرى والعروش، التي تمثل سلطة معنوية ديمقراطية منذ الأزل... وتعين كل قرية ممثلين عنها بالتوافق لا بالاقتراع ويجتمع هذان الممثلان في مجلس العرش الذي يضم 114 عضوا يتم اختيار ستة منهم ليمثلوا هذا المجلس على صعيد ولاية تيزي أوزو. وقدتشكلت جميع العروش على هذا النحو في جميع الولايات الكبيرة الناطقة بالأمازيغية لتمثل المناطق الريفية.أما في المدن الجديدة فتحل مجالس الأحياء أو مجالس المقاطعات محل هذا النوع من التمثيل..‏

ويعبر هذا النوع من التنظيم المبني على أساس التوافق عن قلق من الانقسام وعن رغبة في إعادة تأسيس أسطورة وحدة القبائليين في وجه السلطة المركزية.ويعتبر معظم أعضاء العروش أن الحزبين البربريين أي جبهة القوى الاشتراكية والتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية الذي شهد انخفاضا في نسبة مؤيديه كنتيجة لاشتراكه في الحكومة، لم يؤديا إلا إلى مزيد من الانقسام.و يؤكد صلاح أن الشباب ليسوا بحاجة إلى الأحزاب فهم يرون أنفسهم في مجالس القرية. وقد توصلت المنطقة التي طالما عرفت عن نفسها أنها في طليعة الجزائر الجمهورية أو الديمقراطية إلى نتيجة محيرة هي رفض الأحزاب والاقتراع والنساء(6).‏

إذا كانت لجان القرى تعبر عن المجتمع الأمازيغي الحقيقي، وتقتبس أشكالا تقليدية من التنظيم الخاصة به، فإنها تتمايز عنه بمضمون مطالبها، مطالب المواطنية والديمقراطية. وبذلك أصبحت هذه اللجان تشكل قوة سياسية اجتماعية منغرسة في نسيج المجتمع المدني ومنظماته، من محامين وأطباء وصحفيين ونساء وما إلى ذلك، وتنتهج سياسة حذرة إزاء الأحزاب السياسية التقليدية، سواء تلك التي تشارك في الحكم، شأن " التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية "، أو تلك التي بقيت في منأى عنه شأن " جبهة القوى الاشتراكية".‏

هذا وقد صيغت مطالب العروش في خمسة عشر مطلباً من بينها إحلال الديموقراطية والعدالة في كل التراب الجزائري والمطلب الذي يحمل الرقم 14 وهو الأكثر تمييزاً الداعي للاعتراف باللغة الأمازيغية كلغة وطنية ورسمية في الجزائر والذي بالرغم من أهميته بالنسبة للقبائليين فقد أخذ هذا الترتيب وكما يبدو تيمناً بمبدأ ولسون الرابع عشر. واحتواء أرضية القصر ـ نسبة لبلدة القصر ـ على مطالب مثل عدم دفع مواطني منطقة القبائل مستحقات الكهرباء والغاز وتولي الدولة دفعها للشركة المعنية نيابة عنهم وإعفاء التجار من الضرائب نتيجة للأضرار التي لحقت بهم بسبب الأحداث يثبت الحالة الاقتصادية والاجتماعية المتدهورة ليس للقبائليين فقط بل لباقي الجزائريين المتسترة وراء القناع اللغوي في تلك المنطقة بالذات.وعلى العموم فقد اعترفت رئاسة الجمهورية بالأمازيغية كلغة وطنية استجابة لحاجة جماهير القبائل الصغرى والكبرى مما مثّل الخيار الأفضل في التعامل مع هذه القضية بالمقارنة مع خيارات سابقة اتخذت إزاء المسألة البربرية(7).‏

خلاصة القول إن تمرد الشباب في الجزائر عامة، وفي منطقة القبائل خاصة، يندرج في إطار المعركة الشاملة من أجل الظفر بالحريات والديمقراطية. فهو إذاً تحرك شعبي شديد الانخراط في السياسة بالمعنى التأسيسي، لأنه يعطي لهذا التحرك بعد المواطنية. وهو هنا نابع في الوقت عينه من المجتمع الجزائري برمته. ولا تريد مناطق القبائل والشرق الجزائري أن تكون متمايزة في هذا الجانب، إنما تريد بالأحرى أن تكون في طليعة المعركة من أجل الديمقراطية المواطنية، التي تعيد تأسيس الكيان الجزائري على أساس الحقوق المدنية والسياسية والثقافية. علماً أن الكيان الجزائري القائم الآن على أساس تراث الايديولوجية الاسطورية لجبهة التحرير الوطني قد استنفذ، وتهتك، وانتهى إلى ما نراه اليوم من ضعف، وتشرذم، وتبعية للخارج، وغربة عن المجتمع الجزائري الحقيقي.‏

وبرغم التحريض اليومي من قوى معادية تتحرك في الداخل والخارج، سعيا ً لافتعال صراعات مع الدولة والمجتمع على أسس عنصرية مفتعلة، فإن المتظاهرين في منطقة القبائل، سعوا إلى التأكيد على وحدة البلاد , وطالبوا بما يمكن أن يطالب به أي جزائري آخر في مناطق مختلفة من البلاد، بوقف العنف، المبالغ فيه من جانب جهاز " الدرك الوطني "، إضافة إلى المطالب الأساسية لتحسين الظروف المعيشية ومكافحة البطالة. وهكذا فإن التظاهرات الجزائرية الجارية حالياً تمثل تعطشا شعبيا للديمقراطية بمكوناتها الثلاثة: السياسية، والاجتماعية، والثقافية، وهي تحركات سياسية ذات طابع شعبي تجاوزت بما لا يقاس واقع الأحزاب السياسية القائمة، قولا ً وفعلا ًوقد تستولد بدائلها.‏

3 ـ الخيار القومي الديمقراطي والنزعة الأمازيغية.‏

إن المجتمع الجزائري إذا نظر إليه من زاوية المسألة القومية العربية، والوعي القومي الديمقراطي، فإنه يبدو جليا ً إلى أي حد هو في حاجة إلى إلقاء الأضواء على الأسباب الموضوعية والعوامل التاريخية التي شكلت عائقا ً دون تبلور وانتشار الوعي القومي العربي، لكي يصبح منغرسا ً في صلب المجتمع الجزائري بكل فئاته الاجتماعية، وليشكل جزءا ً من كيان الدولة، كما هو شأن الدين الإسلامي، الذي يتجاوز الوعي القومي.‏

إن غياب الوعي القومي مرتبط تاريخيا ً بطبيعة تشكل الدولة السياسية القائمة في الجزائر. فمن المعروف أن مناطق الأوراس والشرق والقبائل كانت مراكز ثقل الحرب التحريرية ضد المستعمر الفرنسي، وعندما تأسست الدولة الوطنية المستقلة تم إدارتها من قبل الأقلية الشاوية، وهي الأمازيغية المتعربة التي تحكم الجزائر منذ لحظة استقلالها. فعلى مستوى الرؤساء نجد كلاً من هواري بومدين والشاذلي بن جديد وعلي كافي واليمين زروال هم من أصول شاوية (البربر المستعربين)، وعلى مستوى رؤساء الحكومات نجد قاصدي مرباح وعبد السلام بلعيد ومقداد سيفي وأحمد أويحيى وعلي بن فليس وغيرهم، هم كذلك من أصول شاوية أيضا ً..‏

أما على مستوى ساحة العمل السياسي، فإن حزب جبهة التحري الوطني الذي حكم البلاد طيلة ثلاثة عقود تنتمي معظم قياداته التي عمرت طويلا ً إلى أصول بربرية مثل محمد الشريف مساعدية ومحمد الصالح يحياوي. ولعل مراجعة للملاحق التي أوردها المؤرخ الجزائري اليساري محمد حربي في كتابه الشهير " جبهة التحرير الوطني بين الأسطورة والواقع " نجد أن معظم الإطار البشري القيادي في هذا الحزب هم من هؤلاء البربر.‏

وتوجد في الجزائر أحزاب تمثل البربر تحديداً، والواقع أن هناك قطبين سياسيين يتنازعان الخريطة الأمازيغية، الأول هو " جبهة القوى الاشتراكية " التي يتزعمها حسين أيت أحمد، والثاني " التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية " الذي يقوده الدكتور سعيد سعدي. والقطبان متنافران ومتخاصمان، فإلى جانب المنافسة على النفوذ هناك الخلاف الأيديولوجي، فإشتراكيوا حسين أيت أحمد يدعون إلى إشراك " الجبهة الإسلامية للإنقاذ " المحظورة في الحوار الوطني، ويطالبون بإعطاء البربر الحقوق الثقافية بما في ذلك الأمازيغية واعتبارها لغة رسمية في البلاد، وهم يعتبرون أن نيل هذه الحقوق يندرج في إطار تحقيق مستوى عال من التنوع الثقافي الذي يساهم في تعزيز الوحدة الوطنية للجزائر , ويعبد طريق نهضتها والتحول الديمقراطي فيها.‏

أما " التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية " فهو حزب فرانكفوني يدعو إلى " إعادة الاعتبار إلى اللغة الفرنسية لأسباب فنية وعلمية "، لأنه يعتبر ذلك مدخلا ً إلى إنهاء دور اللغة العربية. وهو يرفض مشروع التعريب في الجزائر، ويدعو إلى وقفه، ويطالب بإقرار اللغة الأمازيغية لغة وطنية رسمية ثانية بصورة متكافئة مع اللغة العربية. وهو حزب علماني مفرط في تطرفه الفرانكوفوني إذ يعتبر الحركة الإسلامية الأصولية نوعا ً من الكوليرا والطاعون التاريخي، ويرتبط بعلاقة قوية مع جنرالات الجيش الذين لهم ميول كبيرة للفرانكوفونية، وهو أقرب ما يكون إلى فرنسا منها إلى الجزائر العربية المسلمة. وقد شارك سعيد سعدي في الائتلاف الحكومي ولم ينسحب منه إلا بعد الانفجار القبائلي، وعلى خلفية عدم خسارة شعبيته التي انعطف قسم منها في اتجاه خصمه اللدود حسين آيت أحمد، الزعيم التاريخي والمعارض الدائم للحكم منذ 1990، ولعله الأكثر تجسيدا ً للتطلعات القبائلية.‏

ويلتقي حزب" التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية " موضوعيا ً وسياسيا ً مع الأقلية الثقافية البربرية الأكثر تطرفاً التي تطالب بانفصال البربر، والتي لها منظرون، وتجمع الأموال في الخارج، وتشتري أسلحة ترسلها إلى تيزي أوزو وبجاية، إذ يقيم صقور هذه الحركة البربرية في فرنسا وبلجيكا وايطاليا واسبانيا، ويعقدون مؤتمرات دورية. ويعتقد المحللون السياسيون للشؤون الجزائرية أن هذه الأقلية المتطرفة من صفوف البربر قد تكون وراء البيان الذي أعلن ولادة الجناح المسلح باسم " الحركة البربرية المسلحة ". وهكذا تتحول اللغة الأمازيغية في الجزائر إلى برميل بارود جاهزة فتائله للانفجار في أي لحظة.‏

ومن المعروف تاريخيا ً أن كبار الجنرالات الأكثر نفوذا ً في الجيش الجزائري هم من البربر. وفيما يسيطر الشاويون على الجيش الجزائري، فإن المخابرات الجزائرية التي أسسها العقيد عبد الحفيظ بوصوف في عام 1960 " وهو بربري "، ـ وتتكون من الأجهزة التالية: جهاز الأمن العسكري، وجهاز مكافحة التجسس، وجهاز الأمن الخاص، وجهاز الأمن الخارجي – يسيطر عليها الأمازيغ من القبائل. وبالفعل فإن استعراضاً لأسماء قيادات المخابرات يؤكد ذلك، فقاصدي مرباح، والجنرال محمد بتشين، والجنرال محمد مدين الملقب بـ " سي توفيق " الذي يعتبر المسؤول الآن عن أمن رجال المؤسسة العسكرية كما عن أمن ثكنة " بني مسوس " التي تخرج كوادر الأمن الاستخباري والعسكري، هؤلاء كلهم من البربر، إضافة إلى معظم السفراء ومديري البنوك والمؤسسات، وأصحاب الفنادق، ومديري الإدارات. وفضلا ً عن ذلك فإن الفساد كآلية من آليات الحكم إنما ركزتها في الجزائر الأقلية الشاوية ومعها من القبائلية، فتغلغلت في مختلف أجهزة الدولة، وكل من هدد مصالح الأقلية الشاوية والقبائلية كان مصيره النفي عن مجالات التحرك الحيوي للشاويين، لا سيما في مجال الفضاء السياسي.‏

إن هذه الحقيقة التي قلما يلتفت إليها المحللون السياسيون في العالم العربي تجعل السؤال الموجه إلى الحركة البربرية السياسية قاسيا ً جداً، هل تعارضون دولة أنتم عمادها وأصحاب القرار فيها، أم أنكم تخوضون صراعا ً داخل العشيرة بين القبائل والشاوية، أم أن تعريفكم للبربري فذلك إعلامية، أم أن هذه المعارضة تخوضون لغير حسابكم ؟‏

العرب في الجزائر هم المهمشون الحقيقيون، وحظهم في هذا الحديث قد يكون أوفر من حظ البربر. فمن يشتكي من الآخر، ومن يحكم فعليا في الجزائر ؟ وهل يعيش العرب في "بحبوحة " بينما يتخبط البربر في الفقر والبطالة ؟ ثم أليست المشكلات التي تعاني منها الجزائر تشمل كل مكونات وفئات المجتمع الجزائري، مثل البطالة وأزمة السكن والأزمة الاقتصادية والاجتماعية ؟‏

هناك اتجاه سياسي تاريخي عرف منذ نشأته بتبنيه للنزعة الأمازيغية في الجزائر مدعوم من فرنسا، التي دعمت الدعوة البربرية 1949، من أجل التصدي للثورة الوطنية التحررية الجزائرية، وأنشأت الأكاديمية البربرية في باريس عام 1967، أي سنة الهزيمة التي منيت بها الحركة القومية العربية بكل ما يعنيه هذا التاريخ من دلالات. وتساند فرنسا اليوم هذا الاتجاه في إطار اللعب بجدية بورقة البربر في نطاق مواجهة سياسة الهيمنة الأمريكية في منطقة المغرب العربي، بعد التحسن الواضح في العلاقات الجزائرية – الأمريكية، وبعد إشادة واشنطن بالرئيس بوتفليقة أيضا، والكلام عن موقع الجزائر في السياسات الأمريكية اتجاه قيادة المغرب العربي، والتحسن في العلاقات العسكرية بين الجزائر وأمريكا وحلف شمال الأطلسي.‏

وهذا الاتجاه يقف باستمرار إلى جانب التشديد على العنصر الأثني البربري، وكذلك إلى جانب التشديد على ازدواجية اللغة ( الفرنسية ) ضد التعريب. ويعادي هذا الاتجاه في الوقت الحاضر المسألة القومية (العربية)، ويعتبرها حركة شوفينية عنصرية، ويشدد على طرح " المسألة " الأمازيغية التي يهدد بتحويلها إلى اشكالية سياسية ( أي قومية انفصالية ) في نهاية المطاف، ويطرحها حالياً ضمن نطاق الاهتمام بالثقافة والهوية الأمازيغية، أو ضمن العناية بالثقافة الشعبية. وهذا الاتجاه يستند إلى بعض الجوانب المعطاة في الواقع الموضوعي المستندعليها لتبرير دعواه، هذه الجوانب التي تعود في جوهرها إلى سبب اجتماعي اقتصادي، وبشكل ثانوي " لغوي ثقافي "، تضفي نوعاً من " الشرعية " الواقعية.‏

إن العروش القبائلية ـ العروش تعني وجهاء القبائل الذين ينتمون إلى مختلف المناطق البربرية ـ انقسمت على نفسها إلى تيارين: تيار ما زال يراهن على جدوى الحوار مع الحكومة الجزائرية ونهج السبيل السلمي لتحقيق المطالب القبائلية، وتيار بات يؤمن بالعنف والحتمية الثورية لتحقيق كل الأهداف البربرية، وهذا التيار لا يتبنى المطلب الثقافي فقط، بل يطالب بالسماح للبربر بإقامة دولتهم والانفصال الكامل عن الدولة الجزائرية التي تسببت في نظرهم في أزمات البربر وغيرهم، وضمن هذا التيار تنشط حركة القبائل الحرة التي تطالب بالانفصال عن الدولة المركزية وصممت علماً أصفر، وراحت تقيم المهرجانات في كبريات المدن القبائلية لنشر خطابها التجزيئي الانفصالي.‏

وتؤكد العديد من المؤشرات في مناطق القبائل أن احتمال التصعيد في المرحلة القادمة وارد، وخصوصاً بعد تعرض زعيم التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية البربري سعيد سعدي إلى محاولة اغتيال، ولو حدث أن عملية اغتياله نجحت لكان ذلك كفيلاً بإضرام نار الفتنة في منطقة القبائل، تماماً كما أدى اغتيال المطرب البربري معطوب الوناس إلى تفجير فتيل الأزمة في المناطق القبائلية؛ حيث تتهم القوى البربرية المخابرات الجزائرية باغتيال معطوب الوناس لحمل المناطق القبائلية على حمل السلاح ومحاربة الجماعات الإسلامية المسلحة التي تتواجد في مناطق كالأخضرية والبويرة ومشدالة وكلها مناطق قبائلية.‏

وفي المؤتمر الصحفي الذي عقده سعيد سعدي في فندق لالاَّ خديجة ـ لالاَّ بمعنى سيدة ـ في منطقة تيزي أوزو اتهم سعيد سعدي المخابرات الجزائرية بطريقة غير مباشرة، وصرح بأن دوائر في السلطة الجزائرية أصدرت أوامرها بتجميد التحقيق في محاولة اغتياله، وهو الأمر الذي دعا سعدي إلى رفع قضية محاولة اغتياله إلى لجنة حقوق الإنسان الأممية في جنيف، والبرلمانات الأوروبية كما اجتمع مع مسؤولي 17 سفارة عاملة في الجزائر، وحمل سعدي الأجهزة باللجوء الدائم والفوري إلى التصفية الجسدية. وقد رأى المراقبون في محاولة اغتيال سعيد سعدي، وتوقف لجنة التحقيق في أحداث القبائل الأخيرة عن مواصلة عملها وعودة العروش إلى تكثيف التظاهرات والمواجهات والإضرابات بأنه مؤشر على قرب عودة التصدع إلى المناطق القبائلية. والسلطة الجزائرية التي قدمت للعروش القبائلية وعوداً بتصحيح الأوضاع في مناطق القبائل ومنح البربر حقوقهم الثقافية إنما تخشى أن ينتقل البربر وفور حصولهم على حقوقهم الثقافية إلى المطالبة بتنفيذ مشروعهم السياسي وخصوصاً أن بعض المحاور الدولية والإقليمية مع الاعتراف بحق البربر في إقامة دولتهم في الجزائر(8).‏

من هنا ينبغي إعطاء هذه القضية أيضا ً كل ما تستحقه من اهتمام، لما تشكله من خطر حقيقي على تفجير الصراع بين العرب والبربر، وعلى علاقة الشعب الجزائري بالشعب العربي، والمصير العربي المشترك، وبحركة القومية العربية، من خلال توضيح الأسباب التي جعلت المجتمع الجزائري يظل متخلفاً على هذا الصعيد ( القومي )، وتوضيح الثقافة الوطنية الديمقراطية القومية، وموقع وحدود الثقافة الشعبية ضمنها، ثم موقع وحدود اللغة الأمازيغية كجزء من تراث الشعب الجزائري التاريخي.‏

وتتحمل الدولة القطرية الجزائرية، أي دولة الجنرالات الفرانكوفونيين – المدعومة من قبل لوبي فرنسي صهيوني متكون من عناصر الحركة البربرية المتطرفين أو من المتغربين المحنطين في دغمائيتهم – مسؤولية تاريخية في الأزمة الحالية التي تعيشها الجزائر. لأن الدولة التي تلغي حرية الأفراد والجماعات والفئات والطبقات والأحزاب والنقابات واستقلالهم وذاتيتهم، إنما تلغي حريتها واستقلالها وذاتيتها، وهو إلغاء للمجتمع، ونكوص إلى ضرب من سديمية قطيعية تقيمان الاستبداد.‏

فمن دون ديمقراطية ليست ثمة دولة جزائرية حديثة مستقلة، ولا وحدة وطنية يتعايش فيها العرب والبربر على قدم المساواة. وما أشكال الاستبداد العسكري القائم الآن في الجزائر، وصور الشوفينية والتعصب والنزعات العرقية عند الأقلية البربرية التي تقول أن المجتمع الجزائري ليس متجانسا ً في الأصل العرقي، وأنه خليط من عنصرين من البشر، العنصر العربي والعنصر البربري، إضافة إلى وجود اللغة الأمازيغية، وغيرها من التشوهات والانحرافات في المسألة الوطنية الجزائرية، سوى نتاج ضمور الديمقراطية أو غيابها.‏

ويندرج ضرب الرصيد الروحي واللغوي للشعب الجزائري في سياق الإجهاز على الهوية الوطنية الجزائرية، لكي تقدمها هذه الأقلية البربرية التي ترفض الاندماج القومي إلى فرنسا والولايات المتحدة والكيان الصهيوني على طبق من ذهب، حين أجمعت هذه الأقلية على ضرب ثوابت ومقدسات الهوية الجزائرية دون حياء أو خجل من الإسلام واللغة العربية، خصوصا ً أن الوعي القومي في بلدان المغرب العربي، وعي مركب من الإسلام والعروبة. ويعد هذا المزج بينهم إلى خلو بلدان المغرب العربي من دين غير الإسلام على عكس بلدان المشرق العربي.‏

في ضوء ذلك نستطيع أن نميز بين رؤيتين للهوية، إحداهما تتمثلها الأقلية البربرية وتحصرها في مجال الثقافة واللغة الأمازيغية بل في التراث الأمازيغي و" الثقافة الشعبية "، فيتحول لديها مفهوم الهوية إلى مفهوم الجوهر الثابت والسرمدي. والثانية القومية الديمقراطية العربية التي تضع الهوية في مجال التاريخ والصيرورة الاجتماعية، ولا ترى من جواب منطقي وتاريخي لحل إشكالية الهوية القومية في الجزائر إلا في المجتمع المدني الحديث – مجتمع التعدد والاختلاف والتعارض – ودولة الحق والقانون، المبنيين على أسس ديمقراطية وإنسانية.‏

المصلحة الوطنية والقومية في الجزائر تقتضي ضرورة تفادي ضرب البربر والعرب ببعضهما. ويظل خيار الديمقراطية على الرغم من صعوبته هو الحل النوعي والواقعي لتحقيق الاندماج القومي، وحل مسألة الأكثرية والأقلية السياسيتين، وإخراج الجزائر من أزماتها المستعصية التي تتغذى من معادلة الرعب القائم بين العسكر ومعارضيه الإسلاميين. علما أن لا وحدة وطنية في الجزائر من دون الجبهة الوطنية للإنقاذ، التي ما زالت تمثل الرقم الصعب في معادلة التأزيم والحل.‏

وفي غير ذلك سوف يستمر التناقض التاريخي قائماً بين جزائر الدولة وجزائر المجتمع وتستمر معه أزمة الهوية أو عقدة الهوية في الجزائر بصيغها التقليدية والماضوية.‏

(1) أبو بكر زمال ـ هل الهوية مسألة ثقافية؟صحيفة المستقبل اللبنانية، 24 أيار/ مايو2000، رأي وفكر، (ص17).‏

(2) وليم كوانت William QUANDTغزل دونه عقبات بين واشنطن والجزائر ـ صحيفة لوموند ديبلوماتيك، النسخة العربية، تموز/ يوليو 2002.‏

(3) سعيد شيخي ـ في الحركة الاجتماعية والحداثة – نقد شارب NAQD ـ SHARPالجزائر العاصمة، آذار/مارس 2001.‏

(4) غانيا موفوق ـ الجزائر: صراع عشائر أم صراع طبقات – لوموند ديبلوماتيك النسخة العربية الصادرة عن صحيفة الرأي الأردنية – تموز/ يوليو 2001.‏

(5) المرجع السابق عينه.‏

(6) المرجع السابق عينه.‏

(7) ميلود بن غربي ـ الأمازيغية النزعة القبائلية والبعد الوطني ـ صحيفة المستقبل اللبنانية، 29 أيلول 2005 ـ العدد 2054 ـ رأي وفكر – (ص 19).‏

(8) يحيى أبو زكريا ـ البربر هل يحققون حلم فرنسا القديم ؟صحيفة اللواء اللبنانية، 23 أيلول2005.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244