اتحاد المغرب العربي بين الإحياء والتأجيل ـــ توفيق المديني

دراسة تاريخية سياسية ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2006

Updated: Sunday, July 01, 2007 04:42 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

ـ الفصل السادس الاختراق الصهيوني الكبير للمغرب العربي

إذا كانت مثل هزيمة حزيران / يونيو 1967، وتوقيع اتفاقيات كمب ديفيد عام 1978، ومعاهدة السلام المصرية مع الكيان الصهيوني عام 1979، قد شكلت اتجاها ً تاريخيا ًبالغ التعقيد نحو التسوية للصراع العربي – الصهيوني، فإن اتفاقيات أوسلو عام 1993، ومعاهدة وادي عربة الأردنية –الصهيونية عام 1994، قد دفعت الدول العربية إلى الترويج لمقولة مفادها أن التطبيع والسلام مع الكيان الصهيوني أصبحا وشيكين للغاية وتاليا يتعين على الدول العربية، ولا سيما منها المغاربية، الإسراع في الرهان على " الكعكة الصهيونية " قبل فوات الأوان. ومنذ توقيع اتفاق أوسلو بين الحكومة الصهيونية وقيادة منظمة التحرير الفلسطينية، قدمت الحكومات في دول المغرب العربي، ذلك الإتفاق وكأنه النصر الحاسم للقضية الفلسطينية ومفتاح " الدولة الفلسطينية المستقلة " الذي كان مفقودا ً وتم العثور عليه، وفقا ً لسياسة " خذ وطالب " التي اعتمدها القادة المغاربيون في عملية الانتقال من مرحلة الاستعمار إلى مرحلة الاستقلال.‏

1 ـ القضية الفلسطينية في وعي الأحزاب المغاربية‏

قبل تحليل التزام الدول المغاربية تطبيع علاقاتها مع الكيان الصهيوني، علينا أن نبحث في نشاط الحركة الصهيونية العالمية داخل البلدان المغاربية التي تعيش بين ظهرانيها جاليات يهودية، وفي وعي القضية الفلسطينية في العقل الجماعي المغاربي.‏

على صعيد تونس، انتقل عدد اليهود في هذا البلد العربي من نحو 50 ألف نسمة أواخر القرن الماضي إلى أكثر بقليل من 100 ألف نسمة مطلع الخمسينيات من القرن العشرين. وينقسم اليهود في تونس إلى طائفتين: الأولى " الغرانة " ويعود أصلها إلى مدينة " الغرنة " الإيطالية(1)، بحيث يحمل يهود هذه الطائفة الجنسية الإيطالية، أما الثانية فهي طائفة " التوانسة " التي ينتسب أعضاؤها إلى سلالة قديمة سكنت البلاد منذ القدم أو وفدت إليها من بلدان إسلامية أخرى، ويحمل اليهود " التوانسة " الجنسية التونسية.‏

وكان نشاط الحركة الصهيونية العالمية في تونس ملموسا ً، ويكشف عن ذلك العدد الكبير للجرائد التي أصدرها القياديون الصهاينة مثل الفرد فالنزي أو فيليكس علوش أو ريني كوهين في الفترة الممتدة من مؤتمر بال 1897 حتى اوائل الخمسينيات، وهو عدد يفوق الثلاثين جريدة، ومعظمها ناطقة باللغة الفرنسية. لقد تقلصت " جماهيرية " الحركة الصهيونية في تونس أواخر الثلاثينيات. ويرجع ذلك إلى سببين أساسيين: الانتفاضة العربية الكبرى في فلسطين. ووصول " الجبهة الشعبية " إلى السلطة السياسية في فرنسا. وقد انقسم من جراء وصول اليساريين الفرنسيين إلى الحكم عدد كبير من الصهاينة إلى فريقين: فريق ضرب بقناعته الصهيونية عرض الحائط وانتهج سبيل الاشتراكية: وفريق انكفأ عن صهيونيته باليمينية واختار " أهون الشرين " أي " الصهيونية الاشتراكية " ناسجا ً بذلك على منوال اليهودي الصهيوني ليون بلوم زعيم " الجبهة الشعبية " الفرنسية والعضو في " الوكالة اليهودية العالمية".‏

في مواجهة النشاط والتغلغل الصهيونيين، لم يكن للأحزاب الشيوعية المغاربية عامة، والحزب الشيوعي التونسي خاصة، تحليلات نظرية معمقة حول طبيعة الحركة الصهيونية العالمية ومشروعها لإقامة الكيان الصهيوني، وارتباطها العضوي بالمراكز الرأسمالية المتقدمة في الغرب، على الرغم من رفعها شعارات صحيحة مثل عروبة فلسطين اعتبار الصهيونية أداة في أيدي الإمبريالية البريطانية، وانتفاء الطابع القومي عن الحركة الصهيونية. ولهذا السبب، وبحكم نشأة الأحزاب الشيوعية المغاربية التي اضطلع فيها اليهود بدور رئيس، وتبعيتها المطلقة للاتحاد السوفييتي، أيد الشيوعيون في منطقة المغرب العربي قرار تقسيم فلسطين، وبالتالي اعترفوا بشرعية اغتصاب فلسطين من جانب الكيان الصهيوني وتشريد شعبها. وقد اعتبر الحزب الشيوعي التونسي قرار التقسيم ضربة قاصمة للإمبريالية البريطانية وحلفائها العرب المنضوين تحت لواء منظمة " الجامعة العربية ". ويقول في تبريره لهذا لموقف: ". .. إن الإمبريالية الأنغلو ـ سكسونية لم تنجح في السيطرة على فلسطين وفي إجهاض انعتاقها التام إلا التفرقة بين العرب واليهود في فلسطين "(2). إن الحزب الشيوعي، وبعد أن كان ينفي نفيا ً قاطعا ً " أمة يهودية " مجاراة لموقف ماركس ولينين في هذه المسألة، أصبح يرى في المجموعات التراكمية من المستوطنين الصهاينة الذين يحملون صفات بلدانهم الأصلية وميزانها، " قومية يهودية في طريق النشوء والتطور "(3). وهذا الموقف يعكس إلى حد كبير مواقف الحزبين الشيوعيين في كل من الجزائر والمغرب.‏

وانطلاقا ً من قاعدة الاعتراف بقرارات الشرعية الدولية التي أملاها النظام الدولي الثنائي القطبية ( الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفييتي سابقا ) عقب نهاية الحرب العالمية الثانية، كان موقف الأحزاب الشيوعية المغاربية من القضية الفلسطينية يتطابق كليا مع موقف القيادة المتنفذة داخل منظمة التحرير الفلسطينية، باعتبارها المرجعية الفلسطينية المعترف بها في العواصم المغاربية، وإن كانت هذه المرجعية لا تتجاوز حركة " فتح " والنهج السياسي الذي يكرسه ياسر عرفات في داخلها وعلى مستوى المنظمة ككل.‏

وكان مبدأ " القبول بما يقبله الفلسطينيون " هو التبرير الذي تسوقه الأحزاب الشيوعية المغاربية وغيرها من الأحزاب الأخرى الحاكمة وغير الحاكمة في المغرب العربي لمباركتها اتفاق أوسلو الذي أبرم في 13 أيلول / سبتمبر1993 بين الحكومة الصهيونية السابقة برئاسة اسحق رابين وقيادة عرفات، وبالتالي لتأييدها " التطبيع " بين الكيان الصهيوني والأنظمة المغاربية. وقد أصدر الحزب الشيوعي التونسي بيانا مطلع سنة 1996ساند فيه موقف الحكومة التونسية الخاص بإقامة علاقات دبلوماسية بين تونس والكيان الصهيوني.‏

أما موقف الحزب الحاكم في تونس من القضية الفلسطينية، فيمكن النظر إليه من زاوية الأيديولوجيا التي حكمت مسيرة هذا الحزب منذ تأسيسه عام 1934 إثر الانشقاق الذي حصل في الدستوري ( القديم )، وحتى قيادته للحركة الوطنية التونسية من الثلاثينيات وحتى حصول تونس على الاستقلال السياسي (1955 ـ 1956 ). فالحزب الحر الدستوري الجديد بزعامة الحبيب بورقيبة كان يدافع عن فكرة " الأمة التونسية "نظرا ً لعدائه الشديد لفكرة الأمة العربية، ولم يكن ينطلق في تعامله مع ما يجري في فلسطين من القانون العام الذي يقرر أن مصير تونس ارتبط منذ القرن السابع للميلاد بمصير الأمة العربية ككل، وانطلاقا ً من إيمانه أن ما تتميز به تونس من خصوصية في الإطار العربي هو دليل على وجود " أمة تونسية " قائمة بذاتها، فإنه يعتبر القضية الفلسطينية وقضايا العروبة إجمالا ً قضايا غير رئيسة(4)، ولذلك فإن مساندة الحزب للقضية الفلسطينية كانت من باب التضامن وليس من باب الانتماء إلى أمة عربية واحدة. وهو يعتبر أن القضية الفلسطينية هي قضية الشعب الفلسطيني أساسا ً، وبصفة ثانوية قضية بقية العرب. وهو يرى أن عرب المشرق، أي عرب دول المواجهة مع الكيان الصهيوني، مطالبون أكثر من غيرهم من العرب بالوقوف إلى جانب الفلسطينيين.‏

و كان التطبيع التونسي – الصهيوني يعود إلى بواكير الخمسينيات، عندما دشن الحبيب بورقيبة وهادي نويرة ومحمد مصمودي وقياديون آخرون في "الحزب الحر الدستوري الجديد" اتصالات مع الدولة الصهيونية من خلال سفرائها في باريس. وحاول التونسيون إقناع الكيان الصهيوني والحركة الصهيونية بدعم معركتهم من أجل الاستقلال، إلا أن الصهاينة كانوا يدركون أن مصالحهم مع فرنسا لا يمكن التضحية بها من أجل كسب ود الحكام المقبلين في تونس.‏

و بنت الدولة التونسية موقفها من القضية الفلسطينية على أساس قرار تقسيم فلسطين الصادر عن الأمم المتحدة والمعروف بالقرار الرقم 181. وانتهج الرئيس التونسي السابق الحبيب بورقيبة سياسة خارجية معادية للقومية العربية والعروبة، بحكم الخلاف المستحكم بينه وبين الزعيم المصري الراحل جمال عبد الناصر، حتى أن الرئيس التونسي أعلن في خطاب لـه في أريحا عام 1965 اعترافه بقرار التقسيم وطالب الفلسطينيين بالاعتراف بالأمر الواقع والقبول بـ" دولة فلسطينية " في الضفة الغربية وقطاع غزة ضمن سياسة " خذ وطالب ".‏

وقد اتهم بورقيبة في حينه من قبل الأنظمة الوطنية والتقدمية والأحزاب اليسارية والقومية العربية بـ" خيانة " قضايا الأمة العربية، خصوصا ً عندما أكد مقولته الشهيرة " إننا مع ما يختاره الفلسطينيون لأنفسهم " في إشارة واضحة إلى رفع وصاية الأنظمة العربية على الفلسطينيين، وهي المقولة التي طورتها قيادة عرفات لاحقا في إطار استغلال التناقضات العربية الرسمية، وأطلقت عليها مصطلح " القرار الفلسطيني المستقل ".‏

ويمكن أن نجد في مؤتمر المغرب العربي الذي انعقد في القاهرة في شباط/ فبراير 1947، وفي الوثائق التي أعدتها الأحزاب المغاربية لمؤتمر الاشتراكيين العرب في الجزائر عام 1967، وفي مواقف العاهل المغربي الملك محمد الخامس ومن بعده الملك الحسن الثاني، توجهات سياسية بشأن الاعتراف بالقرار الرقم 181، وبالتالي إيجاد تسوية للصراع العربي ـ الصهيوني وفق قرارات الشرعية الدولية.‏

2 ـ المغرب والتطبيع مع الكيان الصهيوني‏

منذ أن بدأ العمل على إسقاط الحاجز النفسي والسياسي بين العرب والكيان الصهيوني، أدى العاهل المغربي الراحل الحسن الثاني كعادته دورا ً فاعلا ً في المبادرة باتجاه "اسرائيل" على الصعيد العربي. ونظرا للعلاقات التاريخية المتميزة، علاقات " الحماية والولاء" المتبادلة بين العرش المغربي واليهود، والتي ظلت قائمة منذ سقوط الأندلس وحتى اليوم، إذ يوجد 700 ألف "إسرائيلي" من أصل مغربي ويحتفظون بجنسيتهم المغربية ويكنون للملك الحسن الثاني المحبة والاحترام، فإن العرش المغربي يشكل ربما مباشرة بعد الخزانة الأميركية، اللوبي الانتخابي الأكثر تأثيرا داخل الكيان الصهيوني.‏

وقد استغل الحسن الثاني هذا " المخزون التاريخي " المشترك بين العرش المغربي واليهود، لإقامة علاقات وثيقة بين المغرب و"إسرائيل" منذ الستينيات، وهو كلف جهاز الاستخبارات الصهيونية " الموساد " بإعادة بناء جهاز الاستخبارات المغربية. كما اضطلع "الموساد " بدور مهم في عملية اختطاف المهدي بن بركة من باريس عام 1965. وتعود قنوات الاتصال المباشرة بين الملك الحسن الثاني والدولة العبرية إلى ما قبل اعتلائه العرش، إذ أقنعه الصهاينة بكونهم كشفوا مؤامرة ضده بوصفه وليا ً للعهد في كانون الأول/ديسمبر 1959، وهذا ما يفسر إقباله على تطوير التعاون معهم بعد توليه مقاليد الحكم عام 1961، خاصة في المجال الأمني، أسوة بالعلاقات التي كانت تقيمها إسرائيل آنذاك مع شاه إيران.‏

واعتبر محللون أن المكتب الذي افتتحه "الموساد" في المغرب منذ تلك الفترة شكّل تمهيدا لمكتب التمثيل الدبلوماسي الذي فُتح في أواسط التسعينيات، علما أنه كان يدير أيضا ً مكتباً سريا ًفي تونس في الفترة نفسها لتنظيم تهجير اليهود التونسيين إلى فلسطين.وكلف الملك الراحل المخابرات الصهيونية "الموساد"بتكوين كوادر استخباراته، لا سيما حراسه الشخصيين، وكان ضابطا الاتصال مع "الموساد" هما الجنرال محمد أوفقير، الذي تولى لاحقا منصب وزير الداخلية قبل أن "يعدمه" الملك في أعقاب محاولة انقلابية فاشلة، والجنرال أحمد الدليمي، قائد المنطقة العسكرية الجنوبية لاحقا ً والذي قضى أيضا ً في حادث غامض.‏

وتمثلت أهم حلقة للتعاون بين الجانبين في ترتيب اختطاف المعارض المغربي البارز مهدي بن بركة من باريس يوم 29 تشرين الأول/أكتوبر 1965 واغتياله بتنسيق مباشر بين الملك الراحل ورئيس الحكومة الصهيونية آنذاك ليفي أشكول، وبواسطة خلية ضمّـت كلا من أوفقير والدليمي (اللذين نفذا العملية) مع رئيس "الموساد" مائير أميت.لم يكن هذا التعاون سريا ً، إذ أماطت صحيفة "بول" الصهيونية اللثام عن تورط "الموساد" في اغتيال بن بركة في عددها الصادر في 11 كانون الأول /ديسمبر 1966 (مع أنها متخصصة في الصور الخليعة)، لكنها تحفظت عن إعطاء التفاصيل متعللة بأن "هناك تحقيقا ً جاريا ً في الموضوع، يمكن أن يؤدي إلى إسقاط حكومة أشكول". واللافت أن ثلاثين ألف نسخة من العدد جُمعت من الأسواق باتفاق بين الموساد والحكومة، وأحيل كاتبا المقال على المحكمة بتهمة إفشاء أسرار الدولة، فقضت بسجنهما سنة واحدة، مما برهن على شدة ضيق الرسميين الصهاينة من إفشاء سر بذلك الحجم.‏

غير أن الأهم من التعاون الاستخباراتي الذي كُشفت تفاصيله في الأيام الأخيرة، هي الموافقة الرسمية المغربية على التعاون في مسألة الهجرة، إذ كان الهدف الرئيس للصهاينة هو تهجير 250 ألف يهودي مغربي إلى فلسطين للسيطرة على الأراضي المنتزعة من سكان البلد، وانطلقت الهجرة بوتيرة كثيفة اعتبارا ً من سنة 1948، واستمرت إلى 1975، لكنها كانت سرية في المرحلة الأولى قبل أن تصبح علنية ورسمية لاحقا ً.‏

ولعبت الاتصالات بين الحكومة المغربية والمؤتمر اليهودي العالمي دورا ً أساسيا ً في تنظيم تلك الهجرة، لكنها اتخذت بُـعدا ً سياسيا ً أكبر مع الدور الذي لعبه الملك الحسن الثاني في الصراع العربي ـ الصهيوني من خلال التقريب بين أنور السادات وميناحيم بيغن، ثم من خلال إقناع الدول العربية بالاعتراف بالكيان الصهيوني في مؤتمري فاس الأول والثاني (1981 و1982) من خلال القبول بتسوية على قاعدة القرار الأممي رقم 242.‏

وفي المغرب، كما في تونس، لعب رموز الطائفة اليهودية دور الجسر بين الحكومتين بواسطة الصداقات المتينة التي حافظوا عليها في الكيان الصهيوني. وفي هذا السياق، تبنى الملك الحسن الثاني ومن بعده الملك محمد السادس، الأمين العام لمجلس الجماعات اليهودية في المغرب سيرج بيرديغو، الذي تولى منصب وزير السياحة (1993 ـ 1995)، وأندري أزولاي الذي كان مستشارا ً خاصا ً للملك الحسن، والذي يحتفظ بعلاقات حميمة مع كبار الزعماء الإسرائيليين، وقد استقبل في مناسبات عدة مجموعات من رجال الأعمال الإسرائيليين في المغرب ممن وُجهت لهم الدعوات بصفتهم تلك.‏

و كان الملك المغربي من أكثر الحكام العرب إلحاحا ً على التطبيع العربي ـ الصهيوني، ولذلك عمل النظام المغربي على إقناع قيادة منظمة التحرير بلعب الورقة الفلسطينية منفردة، وسهل تنظيم لقاءات أميركية ـ فلسطينية، وفلسطينية – صهيونية، بحيث استخدمت قيادة عرفات " السنترال " المغربي في اتصالاتها بالقيادات" الإسرائيلية".‏

كذلك كان ملك المغرب "عراب" الاتصالات التي سبقت زيارة الرئيس أنور السادات، وكان في صلب اتفاقيتي كمب ديفيد مهيئا ً ومتصلا ً ومؤيدا ً. وحفل تاريخ الملك الحسن الثاني باللقاءات مع زعماء الصهيونية العالمية والكيان الصهيوني، ألم يستقبل رئيس الوزراء الصهيوني اسحق رابين في المغرب (1986 )، ووزير الخارجية السابق موشي دايان (1968)و زعيم حزب العمل شمعون بيريز في 1979 و1981 ؟ ألم يستضف المؤتمر اليهودي الذي حضره الكثير من الصهاينة " الإسرائيليين " عام 1984 ؟‏

واستفاد حزب العمل "الإسرائيلي" من علاقاته الوطيدة بالملك الحسن الثاني لاستخدام الورقة المغربية للتخفيف من تأثير الناخبين اليهود من أصل مغربي الذين يصوتون لمصلحة تكتل "ليكود".‏

وقد أعلن في الأول من أيلول / سبتمبر 1994 عن فتح مكتب اتصال في تل أبيب وغزة (سلطة الحكم الذاتي الفلسطينية ) وفي الرباط ,في محاولة مدروسة ومتفق عليها بين الحسن الثاني وسلطة عرفات لجر المزيد من الأنظمة العربية إلى انتهاج سياسة " التطبيع "مع الكيان الصهيوني.‏

وكان الملك محمد السادس تبنى يهودا من معسكر آخر، أبرزهم المعارض السابق أبراهام سرفاتي الذي اختاره مستشارا لـه بعدما أمضى سنوات طويلة في سجون والده. هذه الرسائل الموجهة إلى الكيان الصهيوني تدعمها رسائل خطية نقلها في مناسبات عدة وزير الخارجية محمد بن عيسى في لقاءاته المتكررة مع نظرائه الصهاينة. وأثمرت تلك الاتصالات الدائمة تكثيفا ً للعلاقات الرسمية على جميع الصعد، التجارية والسياحية والأكاديمية، وصولا ً إلى مجالات صغيرة ودقيقة مثل الزيارات المنتظمة التي يقوم بها عناصر من اليهود السلفيين المتشددين المنتمين إلى حركة "لوبافيتش" إلى الميناء الصغير في مدينة "أسفي" على المحيط الأطلسي جنوب الدار البيضاء، للتأكد من مدى مطابقة المنشآت المعدة لحفظ السمك "الكاشير" للتعاليم التلمودية، قبل تصديره للجاليات اليهودية في أمريكا.والأرجح أن شالوم لن يزور المغرب للسياحة، وإنما ستكون محادثاته، على ما أكدت مصادر مغربية، لبنة أساسية في استئناف العلاقات الدبلوماسية بين الحكومتين."العلاقة مع إسرائيل ستستمر" والظاهر، أن العلاقات الموريتانية ـ الإسرائيلية تُعتبر لدى الجانب الإسرائيلي نموذجا ً للمستوى الذي ينبغي أن يصل إليه التطبيع مع العواصم المغاربية الأخرى.‏

وعلى الرغم أن المغرب أغلق مكتب الاتصال "الإسرائيلي" في الرباط في 23 تشرين الأول /أكتوبر عام 2000، والمكتب المغربي في تل أبيب عقب إندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية، تطبيقا لأحد قرارات القمة العربية التي عقدت في القاهرة، إلا أن الإتصالات لم تنقطع بين البلدين. فقد التقى وزير الخارجية الصهيوني سيلفان شالوم في الدار البيضاء في 2 أيلول /سبتمبر 2003 نظيره المغربي محمد بن عيسى، إذ قال شالوم للصحفيين:"إ ن المغرب يمكن أن يشكل جسرا ً بين الإسرائيليين والفلسطينيين. .. وإنني على ثقة بأن المغرب على استعداد للقيام بدور مركزي في عملية السلام وأن الجانبين سيقبلان ذلك". واعتبر شالوم أنّ " الوقت قدحان لأن يقيم المغرب وإسرائيل علاقات أوثق".‏

و كانت أطراف سياسية مغربية ربطت بين التقارب الأخير بين المغرب الكيان الصهيوني، وبين المأزق السياسي، الذي وضعت فيه الولايات المتحدة الأمريكية المملكة المغربية في مجلس الأمن الدولي، فيما يخص قضية الصحراء الغربية؛ حيث تزامن ضغط الولايات المتحدة من داخل المجلس، للدفع باتجاه إرغام المغرب على قبول مخطط التسوية، الذي اقترحه جيمس بيكر، والذي يرفضه المغرب، لأنه يبذر بذور انفصال الأقاليم الصحراوية، وبين الإغراءات بتطوير العلاقات المغربية "الإسرائيلية"، مقابل تليين الموقف الأمريكي من موضوع الصحراء. ويرى مراقبون وناشطون سياسيون مغاربة أن التزامن بين التوتر المغربي الأمريكي، على خلفية موقف واشنطن في مجلس الأمن الدولي من قضية الصحراء، والحركة الدبلوماسية بين الرباط وتل أبيب، في الفترة الأخيرة، ليس تزامنا ًعرضيا ً، وأنه يأتي في سياق استغلال الطرفين المغربي و"الإسرائيلي "لما حدث كل بما يخدم مصالحه الخاصة.‏

وفي هذا الظرف السياسي العصيب، التقى وزير الخارجية المغربي محمد بن عيسى، بنظيره "الإسرائيلي" سيلفان شالوم، في لندن في بداية آب 2004، في إقامة سفير المغرب بالمملكة المتحدة. وفي حين لم تسلط وسائل الإعلام والمواقف الرسمية المغربية الكثير من الضوء على هذا اللقاء، إلا أنه يعكس في حد ذاته وجود ضغوط تمارس على المغرب، للدفع بعلاقته أكثر في اتجاه الدولة العبرية. وقد تجلى ذلك من خلال استقبال العاهل المغربي محمد السادس للحاخام الأكبر لليهود الشرقيين ذي الأصول المغربية على هامش احتفالات عيد العرش. وأشار الحاخام "الإسرائيلي" في تصريح لـه للقناة المغربية الأولى إلى أن عنوان لقائه بالعاهل المغربي كان تقوية العلاقات بين المغرب و"إسرائيل".‏

وأمام الصمت المغربي الرسمي يترقب الرأي العام خطوات عملية، تدعم هذه المؤشرات في الشهور المقبلة؛ وما سيكون لها من تأثير على ملف الصحراء الغربية، وعلى المواقف الأمريكية المستقبلية؛ خصوصا ً وأن الولايات المتحدة الأمريكية تمتلك مفاتيح الصحراء، وتبدي تقاربا ًكبيرا ً مع الجار الجزائري، الذي يعتبر الخصم الحقيقي للمغرب في هذه القضية الشائكة، التي رهنت المنطقة طيلة العقود الماضية، وقوضت حلم إنشاء وتفعيل وتقوية مشروع المغرب العربي الموحد. ‏

3 ـ تونس والتطبيع مع الكيان الصهيوني‏

تعود علاقات تونس الرسمية مع الكيان الصهيوني إلى فترة بعيدة. وتجد هذه العلاقات سندا ً قويا ً في موقف الرئيس بورقيبة الذي كشف عنه في خطابه الشهير في أريحا سنة 1965 والذي دعى فيه إلى الاعتراف بالكيان الغاصب وتقاسم الأرض معه، وكان ذلك في ذروة المد القومي العربي، وبالرغم من أجواء الحرب المخيمة على المنطقة. وأما أول لقاء مباشر وعلني لسياسي تونسي مع صهاينة، فقد كان في الثالث من تشرين الأول / أكتوبر 1985 عندما لم ينسحب وزير الخارجية التونسي الباجي قائد السبسي، كما تعودت الوفود العربية في الأمم المتحدة أن تفعل، وبقي لمناقشة ممثل الكيان الصهيوني حول مبالغ مالية يسددها الكيان الصهيوني لتونس تعويضاً عن الأضرار التي تسببت فيها الغارة الصهيونية على الحي السكني الذي يقطنه مناضلو منظمة التحرير الفلسطينية في حمام الشط ( ضواحي العاصمة تونس ).‏

و شهدت العاصمة الأميركية واشنطن بعد بضع سنوات من ذلك، لقاءً مدويا ً ومصافحة حارة بين وزير الخارجية التونسي السابق الحبيب بن يحيى ونظيره الصهيوني شمعون بيريز في أيلول / سبتمبر 1993. ولم يكن هذا اللقاء للمطالبة بتعويضات مالية أو ما يشبه ذلك، بل جاء ليدشن رحلة ساخنة من العلاقات الودية بين الدولتين. ثم جاءت سنة 1994 لتكون سنة الاعتراف المتبادل بين الدولتين، وسنة إقرار مبدأ تبادل التمثيل الدبلوماسي بين العاصمة تونس وتل أبيب. وقد علق شمعون بيريز على هذه الخطوة بالقول " أعتبر هذا إنجازا ً من الدرجة الأولى وأعزو أهميته إلى الإعلان عنه.. إذ ليس هناك أسرار ".. وأضاف أنه يعتبر " تونس موطئ قدم مهم جدا ً للدبلوماسية الإسرائيلية في شمال أفريقيا ".‏

بعد هذا الحدث شهدت العلاقات التونسية الصهيونية طوال سنوات ثلاث متتابعة تناميا ً سريعا ً فاق كل التوقعات، فقد غدت تونس قبلة مفضلة للصهاينة، من دبلوماسيين ورجال أعمال وسواح ومصطافين. وقد شهدت سنوات 1994 و1995 وبداية 1996 قمة المد في العلاقات التونسية الصهيونية ويظل البعد الخفي من العلاقات بين الدولتين أهم بكثير مما هو علني منه، فنظام تونس المتخوف من ردود فعل المعارضة المتنامية داخليا ً ومن الرفض العربي للهرولة نحو الكيان الصهيوني جعله يحرص كثيرا ً على أن يبقى أكبر قدر من علاقاته الصهيونية سريا.‏

بداية البرود وعودة الجليد للعلاقات‏

مثل سقوط حزب العمل الصهيوني في الانتخابات النيابية التي جرت في أيار / مايو 1996 صدمة حقيقية للمراهنين على الحصان الصهيوني في تونس. وبعد المراهنة على علاقات استراتيجية وأبدية كان لابد من التراجع والمراجعة. لقد اتجهت الدبلوماسية التونسية خلال السنوات الثلاث الماضية لنسج خيوط علاقات استراتيجية مع الكيان الصهيوني مولية وجهها شطر الكيان الصهيوني وعازفة عن كل ما هو عربي وإسلامي. وكان المبرر الخارجي لهذا التحالف الاستراتيجي الاندراج في مسار السلام باعتباره خيارا ً دوليا ً. إلا أن سقوط بيريز وحزبه وصعود المتطرف اليميني بنيامين نتنياهو قلب المعادلة ووضع السياسة التونسية في ركن زاوية ضيق.. لقد لفظ السلام أنفاسه ولم يبق منه سوى هيكل عظمي نخر، تحرص أميركا على كسائه أجمل الحلل. وعادت أجواء الحرب والتهديد بها تخيم على المنطقة ولم يجن نظام تونس من تحالفه مع الصهيونية الدولية ما كان يحلم به من دعم مالي خيالي، وهنا مربط الفرس بالنسبة له. فقد غلب الشح اليهودي الوعود والأحلام. وأكلت أرصدة الحسابات الصهيونية الخاصة ومجيء صهيوني متطرف إلى الحكم خيوط علاقات ظن جهلا ً أنها لن تبيد.‏

استقبلت تونس شالوم كوهين يوم العدوان على جنوب لبنان مساندة لبيريز حتى لا يخسر الانتخابات. وأعلن في أجواء الانتخابات عن تنظيم زيارة لرئيس الحكومة الصهيوني لتونس دون أن يكذب قصر قرطاج ذلك حتى يطمئن الصهاينة إلى انفتاح أبواب العالم العربي في وجوههم.. ولكن بيريز بالرغم من ذلك سقط سقوطا ً مدويا ً.. وجاء نتنياهو وطلبت أميركا من العرب أن يعطوه فرصة ليكون رجل سلام. وتحمس نظام تونس لذلك كثيرا ً. واستقرت العلاقات التونسية الصهيونية في المستوى الذي تركها عليه بيريز، إلا أن أولويات حاكم تل أبيب الجديد ليست السلام ولا فتح علاقات جديدة مع الدول العربية أو تغذية وتطوير العلاقات السابقة وإنما الأمن وتوسيع الاستيطان. فلم تجد تونس ما تستفيده من هذا الرجل ووجدت نفسها تنفق كل يوم من رصيدها العربي والإسلامي الأمر الذي دفع العلاقات التونسية الصهيونية إلى طور جديد.. إنه طور البرود وعودة الضباب ليغطي سماء العلاقة بين البلدين.‏

لقد بدأ ذلك منذ أشهر وتدعم بتغيير طرأ على رأس الدبلوماسية التونسية، فبعد بن يحيى ذي الميول والثقافة الأميركية جاء الزواري ليتولى وزارة الخارجية والمعروف عن الزواري ثقافته الفرنسية، وهناك حديث عن ميولات عربية تميز الوزير الجديد.‏

فمنذ شهر حزيران / يونيو 1996 وقع تعليق المؤتمر التأسيسي للمنظمة السياحية المتوسطة وكان مقررا ً أن تستضيفه تونس بمشاركة صهيونية. وفي نهاية سنة 1996صرح وزير الخارجية التونسي أن العلاقات التونسية الصهيونية مجمدة أو في حكم المجمدة بسبب السياسة الاستيطانية الإسرائيلية. وفي بداية السنة الجديدة 1997 رفضت تونس استقبال الملتقى المتوسطي المنبثق عن ندوة برشلونة، وكان ذلك بعد صراع شديد بينها وبين المغرب على استضافة هذا الملتقى، إلا أن تونس أخيرا قررت الامتناع عن استضافته استجابة لضغوط سورية بعدم استقبال أي ملتقى أو ندوة أو مؤتمر في أي دولة عربية يشارك فيها الكيان الصهيوني.. ثم جاء قرار تونس بعدم استقبال حقوق الطفل في منطقة الشرق الأوسط لمشاركة الكيان الصهيوني فيه. وأما ما هو أخطر من ذلك وأهم منه عزل الملحق الدبلوماسي الصهيوني في تونس شالوم كوهين من قبل وزارة الخارجية التونسية حتى اضطر إلى الرحيل عن تونس هو ومرافقوه بعد طول مكوث في نزل "الهلتن" في العاصمة تونس.‏

عودة البرود للعلاقات التونسية الصهيونية وحدوث حركة غير عادية في علاقات تونس العربية في الأشهر الأخيرة في مقابل ذلك، سواء على الصعيد المغاربي من خلال التحسن في علاقات تونس بالمغرب وتطور العلاقات مع ليبيا وزيارة ولد الطايع الرئيس الموريتاني إلى تونس أو في العلاقة مع مصر من خلال زيارة الرئيس مبارك إلى تونس أو زيارة الجنزوري الوزير الأول المصري وعقد اتفاقيات اقتصادية وسياسية وأمنية مع تونس اعتبرها بعض المحللين اتفاقيات استراتيجية، يعبر عن وجهة جديدة للدبلوماسية التونسية.‏

هذه الوجهة قد تكون مرتبطة بمزاج وزير الخارجية الجديد وهذا مستبعد.. أو قد تكون نتيجة لضغوط عربية مكثفة في ظل انشغال الكيان الصهيوني بقضاياها الداخلية وتراجع أولوية السلام في ظل مناخات الاستيطان والاستعداد للحرب مع العرب. بيد أن هذا التراجع عن أحضان الكيان الصهيوني لم يكن خيارا ً استراتيجيا ً، بل هو مجرد تراجع تكتيكي لا غير اقتضته الظروف. فمتانة العلاقات التونسية مع اللوبيات الصهيونية في الغرب حتى الآن، ومواصلة النظام لسياسة الأرض المحروقة في علاقته بالمعارضة عامة والإسلامية منها خاصة والاستقواء في ذلك باللوبي اليهودي في الخارج.. أمور تشكل قليلا ً أو كثيرا ً في جدية التوجه العربي للنظام التونسي ومراجعته لسياسة الهرولة.‏

والنظام يراجع خيار الهرولة، سواء كان هذا التراجع استراتيجيا ً، وذلك مستبعد، أو كان تكتيكيا ً، وهو الأرجح. يجب أن يكف عن سياسة تخوين المعارضة واتهامها بالمزايدة. فقد أثبتت الأيام صحة خيارها في تدعيم التوجه العربي في تونس وتثبيته كحقيقة لا تقبل الجدال. كما أثبتت خطأ سياسة النظام وتذبذبها ولا مبدئيتها. فتونس عربية ولا يجب أن تكون إلا نصيرا ً للقضايا العربية العادلة. وسياسة الهرولة والارتماء في أحضان الكيان الصهيوني خطأ لا يغتفر ولا يجب أن يتكرر تحت أي علة.‏

المعلوماتية طريق عودة التطبيع بين تونس والكيان الصهيوني‏

مع أن العلاقات التجارية والأكاديمية تطورت في نسق سريع خلال السنوات العشر الماضية، إلا أن التونسيين قرروا إقفال مكتبهم في تل أبيب في أعقاب اندلاع الانتفاضة الثانية عام 2000 استجابة لقرارات القمة العربية. وعبر مسؤولون صهاينة عدة عن رغبة حكومتهم بمعاودة تنشيط العلاقات الثنائية مع تونس إلى أن وجهت الحكومة التونسية دعوة رسمية لرئيس الوزراء الصهيوني أرييل شارون لحضور افتتاح قمة مجتمع المعلومات التي تقام في الخريف المقبل ما أثار ردود فعل قوية في أوساط مختلفة ولا سيما النقابات العمالية المحامين وأحزاب المعارضة. والأرجح أن واشنطن نصحت شارون بعدم تلبية الدعوة مخافة أن تؤدي زيارته الى تسميم الوضع الداخلي أيام قمة المعلومات فكلف وزيري الخارجية والاتصالات قيادة الوفد الصهيوني إلى القمة(5).‏

وتقبل العالم العربي إعلان الزيارة الذي كشفت عنه صحيفة "يديعوت أحرونوت" الصهيونية، والذي مفاده أن رئيس الوزراء الصهيوني سيلبي الدعوة الشخصية التي تلقاها من الرئيس التونسي زين العابدين بن علي للمشاركة في مؤتمر "المعلوماتية والتعاون الدولي" الذي نظمته تونس في تشرين الثاني / نوفمبر 2005، بمزيد من الذهول والدهشة والاستنكار.. وكانت تونس استضافت أوساط شهر تشرين الثاني/نوفمبر مؤتمرًا يعنى بالمعلوماتية والتعاون الدولي في قضايا مختلفة بينها إدارة الإنترنت، حقوق الإنسان، الأمن، حماية المعلومات وغير ذلك. ووجهت دعوات إلى قادة من جميع أنحاء العالم للمشاركة في أعمال المؤتمر. وقرر عدم توجيه دعوة لشارون من قبل الرئيس التونسي في أعقاب المستجدات الأخيرة على الحلبة الشرق أوسطية من العدم. فقد كان وزير الخارجية الصهيوني يدير في الأشهر الأخيرة اتصالات سرية مع نظيره التونسي عبد الباقي هرماسي بهدف تجديد العلاقات الدبلوماسية بين البلدين والتي انقطعت مع اندلاع انتفاضة الأقصى. واجتمع الوزيران قبل ثلاثة أشهر في لاهاي وناقشا هذا الموضوع.و في سياق الإشارات العربية لتدفئة العلاقات العربية مع الكيان الصهيوني التي لم تعد مقتصرة على القيادة المصرية، أجرت تونس اتصالات في الفترة الأخيرة لدعوة وزير الخارجية الصهيوني سيلفان شالوم لتونس لزيارتها. وقد أعد التونسيون لـه جولة في مسقط رأسه قابس على البحر الأبيض المتوسط. وكان شالوم قد أبدى مرارا ً رغبته في زيارة هذه المدينة. وكان شالوم يأمل من خلال الاتصالات إعادة فتح الممثلية "الإسرائيلية "في تونس واستئناف العلاقات بين الدولتين.‏

و كانت صحيفة "هآرتس" "الإسرائيلية "(6) ذكرت، أن الرئيس التونسي زين العابدين بن علي، أمر بتسهيل إجراءات دخول "الإسرائيليين" الراغبين بزيارة بلاده إلى الأراضي التونسية. وقالت أن هذا القرار اتخذ بناء على طلب من الحاخام الأكبر لفرنسا يوسف سيتروك ورجل الأعمال اليهودي الفرنسي بيير بيسنانو. وأشارت "هآرتس" إلى أن الرجلين زارا تونس مؤخرا ً واجتمعا إلى الرئيس بن علي. ونقلت الصحيفة عن بيسنانو قوله أن الرئيس بن علي استجاب لطلبهما وأبلغهما أنه منذ الآن لن يطلب من حملة جوازات السفر "الإسرائيلية" إيداع جوازاتهم عند دخول البلاد، كما كان معهودا ً حتى اليوم، وإنما الدخول كباقي المواطنين الأجانب.‏

وأوضحت "هآرتس" أنه ليست هناك الآن علاقات دبلوماسية بين "إسرائيل" وتونس كما ليست هناك رحلات جوية مباشرة. ويمكن ل"لإسرائيليين" الراغبين في زيارة تونس طلب تأشيرات دخول من السفارات التونسية في أرجاء العالم. وقالت الصحيفة أنه بعد لقاء بن علي بكل من سيتروك وبيسنانو أصدر أوامره بترميم المقبرة اليهودية العتيقة في تونس العاصمة. وبحسب "يديعوت أحرونوت" فإنه سيسبق زيارة شارون إلى تونس حدث تاريخي آخر، إذ ستقلع في 24 مايو 2005 أول رحلة جوية من مطار "بن جوريون" الدولي في تل أبيب إلى مطار جزيرة جربة التونسية. وسوف يكون على متن الرحلة التابعة لشركة "كرتجو" التونسية حجاج يهود سيزورون الكنيس الشهير في الجزيرة وسيعودون إلى إسرائيل بعد أسبوع. ولن يحتاج المسافرون إلى تأشيرات دخول إلى تونس.‏

وقال جوزيف سيتروك كبير حاخامات فرنسا في كلمته في الملتقى الدولي الذي عقد بتونس بشأن حوار الأديان التوحيدية الرئيسية يومي 8و9 كانون الأول / ديسمبر 2004، أنه يأمل في إحلال سلام حقيقي بين الحضارات والأديان من خلال حوار فعلي لأنه السبيل الوحيد لوقف هذا الاختلال السياسي والحضاري الذي يشهدة العالم. وأضاف أن الانفتاح يبدأ بالتعرف على الآخر واحترام عقيدته وقبوله بخصوصياته الثقافية دون تعصب.و أشاد بالحكومة التونسية قائلا ً:" نعلم أن الحكومة التونسية عملت الكثير للمساهمة في إيجاد حل للخلاف الإسرائيلي ـ الفلسطيني" وأضاف "أن الوقت قد حان للخروج بموقف علني واتخاذ مبادرات جريئة" ونسب لمخاطبيه من التونسيين ترحيبهم بهذه الدعوة وتأكيدهم لـه بأن" برنامجا ً في هذا المضمار قد وضع بعد".‏

لا شك أن مثل هذه المواقف للحكومة التونسية تستفز مشاعر الشعب التونسي الذي كان ولا يزال متمسكا ً بهويته العربية الإسلامية، وبمواقفه الوطنية والقومية المناهضة لخط التطبيع مع الكيان الصهيوني.. فزيارة شار ون التي تم إلغاؤها تفاديا لإحراج الحكومة، تتعارض والمواقف المبدئية الثابتة لجميع التونسيين من منظمات وأحزاب وحكومة ومختلف الهيئات الوطنية والشعبية دون استثناء، التي ترفض أي شكل من أشكال التطبيع، ولم تتوان يوما ً عن دعم نضال شعبنا الفلسطيني من أجل إنهاء احتلال أراضيه وإقامة دولته الوطنية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.كما تعتبر هذه الزيارة مسا ً بمشاعر شعبنا الذي يذكر العدوان الهمجي على حمام الشط سنة 1985 والجرائم التي ارتكبها شارون في حق شعب وعمال فلسطين من اغتيالات وقصف للمدنيين وتهديم للبيوت واعتقال لآلاف من الفلسطينيين.‏

وإذا كانت الدبلوماسية التونسية نشيطة جدا ً على صعيد قبولها وتعاطيها مع سياسة التطبيع مستغلة الضعف الرسمي العربي، والضعف الراهن للحركة الشعبية العربية، فإن السياسة الخارجية للحكومة التونسية كان من الأجدر بها أن تعبر والحال هذه عن المواقف الوطنية والقومية للشعب التونسي من القضية الفلسطينية وقضايا التحرر العربي عامة، لا أن تكرس سياسة الانشقاق في "الجسم العربي" إلى شظايا غير متآخية، أي تكريس سياسة افتراق العرب عن العرب المتناقضة كليا ً مع سياسة التضامن العربي التي كانت تراعي الحد الأدنى من صون الحق العربي.‏

و من الجدير بالذكر أن الميثاق الوطني التونسي الذي التزم به الحكم إزاء الشعب نص على أن السياسة الخارجية لتونس يجب أن تكون محل وفاق وطني وأن تعبر عن هوية الشعب ومصالحه. بيد أن هذه الدعوة تعد دوسا ً جديدا ً لهذا الميثاق وخروجا ً عن الوفاق الوطني الذي قام في المجتمع التونسي منذ إنشاء دولة "إسرائيل" والمتمثل في نصرة كفاح الشعب الفلسطيني العادل من أجل التحرر والانعتاق ورفض كل علاقة مع الكيان الصهيوني.‏

كما أن الحكم التونسي قد أقدم بهذه الدعوة الانفرادية على قطع كل القواسم المشتركة التي كانت تربطه بالمجتمع في ميدان حساس كميدان العلاقة بالكيان الصهيوني، وأنه تنكر بهذه الخطوة لتضحيات الشهداء من أجل استقلال تونس وتمسكها بانتمائها العربي والإسلامي. فالحكم فضل بهذه الدعوة الاستنجاد باللوبيات الصهيونية بوصفها قلب رضا الإمبراطور الأمريكي امتصاص الضغط الداخلي والخارجي المتزايد من أجل الإصلاح عن الانفتاح على قوى المعارضة في الداخل، وشراء بقائه في السلطة مقابل التنازل عن القضايا الوطنية والقومية.‏

الكيان الصهيوني يستغل قمة المعلوماتية لتعزيز علاقاته مع الأنظمة العربية‏

شكلت زيارة شالوم إلى تونس الذي كان مرفوقا ً بوالدته التي تلقت دعوة خاصة من الحكومة التونسية، نقلة نوعية في مسار التطبيع يُرجح أن تؤدي إلى توسعة العلاقات في مجالات مختلفة طبقا ً لما أكده رئيس الطائفة اليهودية عضو مجلس المستشارين التونسي روجي بيسموث، إلا أن شالوم أعلن سلفا ً أن التونسيين اعتذروا عن عدم استئناف العلاقات الديبلوماسية في الأمد المنظور بسبب المعارضة الشديدة التي تلقاها خطوات التطبيع لدى الرأي العام.‏

فمع تونس، تكثفت المبادلات التجارية وتطور تبادل الزيارات بين رجال الأعمال، وتوسع التعاون الأمني، ولا سيما لتبادل الخبرات في مجال مكافحة الإرهاب، وبات شبه مألوف تنظيم مؤتمرات دولية في منتجعات سياحية مقفلة بمشاركة وفود صهيونية، وآخرها مشاركة وفد صهيوني في المؤتمر الدولي للكشافة في منتجع الحمامات، والمشاركة المرتقبة لوفد صهيوني آخر في مؤتمر نوادي "الليونز"، الذي تستضيفه تونس أواخر الشهر الجاري.‏

غير أن مقياس توسع العلاقات التونسية – الصهيونية هو من دون شك طقس "الزيارة" السنوية لكنيس "الغريبة" في جزيرة جربة، الذي يعتبر أقدم معلم يهودي خارج فلسطين.. والحال هذه، قام الوزيران سلفان شالوم وداليا ايتسيك في زيارة لتونس، عشية انعقاد القمة العالمية حول مجتمع المعلومات. وكتب يوآف شتيرن ـ في صحيفة (هآرتس) الصهيونية الصادرة يوم 16/11/2005، ما يلي :قافلة السيارات الفارهة التي تحمل الوفد "الإسرائيلي" لتونس شوشت الهدوء السائد في جزيرة جربة الوادعة. القافلة شقت طريقها من المطار عبر الطريق الذي يجتاز أرضا ً رملية وعلى جانبها صفوف من أشجار النخيل، مباشرة نحو قلب الحي اليهودي في الجزيرة، حيث كان المئات من أبناء الجالية اليهودية العريقة بالانتظار.‏

بعد أن وصلوا إلي جربة وجدوا اكتشافا ً محليا ً: أحد أبناء الجالية من أقارب المستشار القضائي للحكومة، ميني مزوز، واسمه حاي مزوز (40 عاما ً)، سمع بمكانة قريبه الرفيعة في البلاد، إلا أن ذلك لم يقنعه بالهجرة إلى "إسرائيل" حسب قوله. أنا أفضَل مواصلة عملي هنا، وإذا هاجرت إلى "إسرائيل" فسأضطر للتخلي عنه.‏

الناس في جربة يدَعون أنهم الجالية اليهودية الأقدم في العالم خارج أرض "إسرائيل"، وتعدادها اليوم 1000 نسمة. وزير الخارجية سلفان شالوم دخل إلى الكنيس المحلي مصحوبا ً بأنشودة المزامير مديح القدس. كهول الجالية قدموا مع طرابيشهم الحمراء وسراويلهم الطويلة الواسعة التي كانت لها أيام زاهرة في الماضي. المصلون أمسكوا بأكياس تحمل كتب التوراة.‏

الجالية اليهودية في جربة مقسمة إلى مجموعتين كما يحدث في كل مكان في العالم: الحي الكبير حيث تقطن الأغلبية، والحي الصغير حيث يوجد الكنيس القديم الذي أقيم حسب التقاليد المتعارف عليها فور تدمير الهيكل الأول. المعتقدات تقول أن في هذا الكنيس حجراً من الهيكل المقدس. الحاخام الأكبر ليهود تونس، حاييم بيتان، من سكان جربة حصل بالأمس على بوق مفتخر كهدية من سلفان شالوم وقام على الفور بالعزف فيه.‏

عملية التحضير للزيارة استمرت أياما طويلة، الإجراءات كانت مشددة بما فيها حظر دخول المسلمين إلي الحي اليهودي حتى وإن كانوا من سكان المكان. قوات الأمن التونسية لم ترغب بالمخاطرة متذكرة العملية التي تمت في جربة من قبل تنظيم القاعدة حيث تضررت السياحة في تونس لمدة طويلة، والطريق المجاور للكنيس أُغلق منذئذ وهناك حراسة دائمة حوله.‏

جالية تونس هي آخر جالية يهودية في العالم العربي تعيش كجالية فعالة ومتنامية.والناس هناك لا يهاجرون إلى "إسرائيل" لأنهم يربحون بصورة جيدة وأفضل مما سيكون فيما لو هاجروا.وتحتفل الجالية بالأعياد اليهودية وتأكل الطعام الحلال، وجهاز التربية اليهودي تقليدي ومن خلال الصفوف التعليمية الخاصة بالجالية، ولكن التعليم يبقي محدودا ً ودينيا ً، أما من يرغب بالتعليم الأكاديمي العلمي فعليه أن يدرس في مدارس المسلمين العامة.‏

وبعدما تراجع عدد "الزوار" الصهاينة إلى بضع عشرات في مطلع العقد الحالي بسبب المخاوف الأمنية التي رافقت الانتفاضة الثانية، والانفجار الذي تعرض لـه كنيس جربة يوم 11 نيسان / أبريل 2003، والحرب التي شنها التحالف على العراق، لوحظ أن أعداد السياح قفزت إلى أكثر من أربعة آلاف في السنتين الأخيرتين، من ضمنها قسم كبير أتى مباشرة من الكيان الصهيوني. وفي صيف عام 2005، حلت أعداد كبيرة من السَياح الصهاينة في جنوب تونس لتمضية الإجازات في جربة، وأقيمت لهم جولات سياحية في مناطق عدة وسط رقابة أمنية مشددة.‏

وعبّـر مسؤولون صهاينة عن رغبة حكومتهم بمعاودة تنشيط العلاقات السياسية مع تونس، ولعب "اللوبي" التونسي القوي في وزارة الخارجية "الإسرائيلية" دورا ً بارزا ً في تسريع خطى التطبيع، وفي المقدمة الوزير شالوم نفسه والسفير الصهيوني في باريس نسيم زفيلي، الذي زار تونس في أواخر التسعينيات لما كان أمينا ً عاما ً لحزب العمل في ظل رئاسة بيريز، وكذلك السفير الإسرائيلي الحالي في القاهرة شالوم كوهين المولود في مدينة نابل، والذي عمل رئيسا ً للمكتب الإسرائيلي في تونس منذ فتحه إلى إقفاله (المؤقت).‏

وكان لافتا ً أن شالوم وقف أمام عدسات المصورين مستهلا ً مؤتمرا ً صحفيا ً عقده في شهر أيلول / سبتمبر 2005 في مقر الأمم المتحدة بعد الاجتماع مع نظيره التونسي عبد الوهاب عبد الله، متباهيا ً بكونهما ينحدران من بلد واحد. وكان شالوم المولود في مدينة قابس التونسية يرتبط أيضا ً بعلاقات صداقة متينة مع الوزير السابق حبيب بن يحيى، المنحدر من بلدة المطوية التي لا تبعد عن قابس سوى عشرة كيلومترات. أما زفيلي، فأقام نشاطات مشتركة في باريس مع نظيره التونسي، من أهمها ندوات للاحتفال بشخصيات ثقافية يهودية تونسية.‏

و انتهزت الحكومة الصهيونية فرصة انعقاد القمة العالمية حول مجتمع المعلومات لتدفع بتونس نحو تطبيع العلاقات مع الدولة العبرية على خلفية الانسحاب الصهيوني من قطاع غزة في أيلول (سبتمبر) الماضي.وقد أعرب وزير الخارجية الصهيوني سيلفان شالوم عن أمله الكبير في أن تساهم زيارته الحالية لتونس للمشاركة في القمة العالمية حول مجتمع المعلومات في تحسين علاقات بلاده مع بقية الدول العربية.‏

ويمكن القول أن الخشية من رد فعل الرأي العام الذي يعارض بشدة أي تطبيع مع الكيان الصهيوني، يشكل أهم عقبة أمام تطوير علاقات كاملة على الطريقة الموريتانية، خصوصا ً منذ أن وجدت تونس نفسها في خط المواجهة بعد انتقال مقرات القيادة الفلسطينية إليها من بيروت اعتبارا ً من سنة 1982، ولم يتوان الصهاينة عن شن غارة على تلك المقرات في ضاحية حمام الشط مطلع شهر تشرين الأول / أكتوبر 1985 قادها رئيس الأركان الجنرال ايهود باراك شخصيا ً من الجو، مما أسفر عن استشهاد عشرات التونسيين والفلسطينيين. وأصدر مجلس الأمن للمرة الأولى في تاريخه قرارا ً بإدانة الغارة الإسرائيلية، وطلب دفع تعويضات لتونس، لكن القرار لم يُنفذ حتى اليوم.‏

وكذلك، تلعب الطائفة اليهودية في تونس، وفي مقدمتها رئيسها رجل الأعمال روجي بيسموث، الذي عُين أخيرا ً عضوا ً في مجلس المستشارين (الغرفة الثانية للبرلمان)، دورا ً مهماً في دفع مسار التطبيع الثنائي واستئناف التبادل الدبلوماسي، إلا أن شالوم أعلن سلفا ً أن التونسيين اعتذروا عن معاودة العلاقات الدبلوماسية في الأمد المنظور بسبب المعارضة الشديدة التي تلقاها خطوات التطبيع لدى الرأي العام.‏

4 ـ موريتانيا والتطبيع مع الكيان الصهيوني‏

أقامت موريتانيا علاقات دبلوماسية كاملة مع الكيان الصهيوني في عام 1999.وشكلت زيارة وزير خارجية موريتانيا ولد عبدي إلى الكيان الصهيوني منذ بدء الانتفاضة الفلسطينية الباسلة أول استجابة عربية للحرب العدوانية التي يخوضها شارون ضد الشعب الفلسطيني، وأول خرق عربي لقرار وقف الاتصالات السياسية مع تل أبيب الذي اتخذته لجنة المتابعة العربية في اجتماع عملها في القاهرة. كما أن تلك الزيارة تعكس في حد ذاتها عمق التغلغل الصهيوني في قلب موريتانيا، وتكشف عن خطأ الحكم في موريتانيا الذي بلغ استفزازه لمشاعر الأمة العربية ذروة التحدي، لكنه لم يكن إلا كذلك دائماً.‏

وقد صدرت انتقادات شديدة لتلك الزيارة من قبل معارضين في نواكشوط، فوصفها الناشط الإسلامي محمد جميل ولد منصور بأنه " تشريع للأعمال الهمجية وأعمال الإبادة التي يتعرض لها الفلسطينيون". كما أثارت زيارة ولد عبدي ردود فعل سلبية في صفوف المعارضين خصوصاً " اللجان الشعبية " مثل " اللجنة الموريتانية ضد التسلل الصهيوني في موريتانيا " و" اللجنة الشعبية المعارضة لتطبيع العلاقات بإسرائيل "، واعتبرت "اللجان" أن زيارة الوزير الموريتاني تشكل " خيانة للقضية العربية المسلمة" وقرارات القمم والمنظمات العربية.‏

ورغم أن عدة أوساط عربية انتقدت زيارة وزير خارجية موريتانيا " لإسرائيل "، باعتبارها حسب مصدر مسؤول في الجامعة العربية " جاءت في توقيت غير مناسب على الإطلاق وغير مرغوب فيها عربياً "، إلا أن الذين سكتوا عن خطأ الحكم في موريتانيا في بداياته يصعب عليهم أن يعترضوا على تفاقمه الآن.‏

فبالرغم من نأيها جغرافياً، وابتعادها سياسياً، وصمتها إعلامياً، وتجاهلها قومياً، إلا أن موريتانيا أرادت أن تتهافت مع المتهافتين على مائدة العدو فتثبت جدارتها، لا في انضمامها الفعال إلى الأمة العربية ولا وقوفها الصلب – ولو إعلامياً – مع الشعب الفلسطيني الذي يتعرض للمذابح والتشريد والاقتلاع ومحو الهوية والتآمر على قضيته بهدف تصفيتها كلياً، ولا في تطوير صناعتها أو تحسين زراعتها أو تنمية خدماتها، أو انتهاج سياستها على آفاق الحرية، الخ، ليس في كل ذلك، بل في تهافتها على التطبيع مع الكيان الصهيوني حصراً.‏

وباركت الحكومة الموريتانية اتفاق أوسلو، مثلها في ذلك مثل باقي الدولة المغاربية الأخرى، التي أصبحت تروج لفكرة مفادها أن خط التطبيع مع العدو الصهيوني هو الخط السالك الوحيد بالنسبة للعرب. وجاءت الاتصالات الموريتانية – الصهيونية ضمن هذا السياق السياسي حيث جرى أول اتصال رسمي بين وزير الخارجية الموريتاني السابق محمد سالم ولد لكحل ونظيره الصهيوني آنذاك شمعون بيريز في 18 حزيران 1995 في مدريد، برعاية وزير الخارجية الإسباني السابق خافيير سولانا. كما التقى الوزير الموريتاني نفسه مع نائب وزير الخارجية الصهيوني السابق موسى بيلين في عمان، في الاتصال الثاني من نوعه بعد ثلاثة أسابيع من لقاء مدريد، وشارك وزير الخارجية الأردني السابق عبد الكريم الكباريتي في اللقاء الذي تم بناء على طلب الوزير الموريتاني السابق ولد لكحل.‏

زيارة شالوم إلى موريتانيا‏

أولت وسائل الإعلام الموريتانية والعالمية أهمية كبيرة لموضوع زيارة وزير الخارجية الصهيوني سيلفان شالوم إلى موريتانيا، إذ استقبل بالتظاهرات المنددة بدولة" إسرائيل" والداعية إلى قطع العلاقات الدبلوماسية معها، حيث استخدمت الشرطة الغاز المسيل للدموع لتفريق مئات من الطلبة الذين تظاهروا في جامعة نواكشوط واعتصم مئة شخص أمام السفارة الفلسطينية، بينما كان وزير خارجية موريتانيا محمد فال ولد بلال يستقبل سيلفان شالوم في المطار.‏

وقد تمت الزيارة تحت دخان المواجهات بين الطلاب والشرطة العميق. ونظمت القوى المعارضة للتطبيع أمام السفارة الفلسطينية شارك فيه عدد من زعماء أحزاب المعارضة منهم أحمد ولد داداه الأمين العام لتكتل القوى الديمقراطية، أبرز أحزاب المعارضة وعدد من الإسلاميين. واعتبرت المعارضة الموريتانية أن زيارة شالوم لنواكشوط حققت نتيجة إيجابية واحدة هي أنها أيقظت الشارع الموريتاني من سباته وجعلته يتململ محتجا ً على ما تسميه تدنيس أرض موريتانيا الطاهرة. يقول أحد أقطاب المعارضة رب ضارة نافعة.. فشالوم حرك الخنجر في الجراح وأيقظ شعبا ً عشعش اليأس في شغاف روحه.‏

واعتبر شالوم أن موريتانيا قد تشكل "جسراً" بين "إسرائيل" والعالم العربي. وقال "إن لموريتانيا دوراً رئيساً تلعبه في الشرق الأوسط ونعتمد على علاقاتها لتحسين الأمور بيننا وبين العرب"، وأضاف "لا مشاكل لدينا مع الدول العربية في الخليج وشمال أفريقيا ولا نرى لماذا لا نبدأ علاقات مع هذه الدول".وأضاف شالوم: إن زيارته لموريتانيا، الأولى التي يقوم بها والثانية على مستوى وزراء الخارجية الإسرائيليين،"مهمة لبلد رفض أن يقطع علاقاته مع "إسرائيل "في بداية الانتفاضة (أيلول/ سبتمبر 2000) على عكس مصر والأردن والمغرب وقطر وتونس فجميع هذه الدول استعدت ممثليها حينها".‏

ومنذ انطلاق قطار التطبيع بين موريتانيا و"إسرائيل"مع بداية سنة 1994 وحتى اليوم. يتساءل المحللون :أين وصل التنسيق الأمني والسياسي والاقتصادي بين نواكشوط وتل أبيب؟ وهل أن السفارة الصهيونية في نواكشوط التي لا يزورها زائر، دخلت هي بأساليبها إلى البيوت الموريتانية؟ والأخطر: هل أصبحت موريتانيا نقطة انطلاق للمشروع الصهيوني في غرب إفريقيا؟‏

إن ازدياد حدة توتر العلاقة بين الشعب الموريتاني ونظامه هو الذي جعله يخلق الذرائع للبحث عما يجنبه الضغوط الدولية. وقد بات من المتعارف عليه أن النظام يتذرع بهذا التطبيع لتخفيف حدة الضغوط الدولية التي يواجهها في مجال حقوق الإنسان والتي نجم عنها التوتر بينه وبين المنظومة الدولية بشكل عام والتي تحمل لواءها الولايات المتحدة إلى حد بعيد. فبدلا أن يطبع النظام الموريتاني علاقاته مع الكيان الصهيوني، كان من الأجدر به أن يقوم بمصالحة وطنية مع شعبه، ويخفف من حدة وطأته وضغطه على المواطنين، ويخفف من إحكام قبضته، ومن تكميم الأفواه، ومصادرته الآراء، وتجريد المواطنين من حقوقهم التي تكفل بها الدستور، كحق التجمع وحق التظاهر وحق التعبير.‏

وكان رجال الأعمال الموريتانيين من أهم الأطراف التي دفعت ولد الطايع لربط العلاقات مع الكيان الصهيوني وللتطبيع بهذا الشكل الذي يرفضه الشعب الموريتاني بكل أطيافه العربية والإفريقية. وقد تجلت أولى مظاهر هذه العلاقات في المشاريع الزراعية، إذ وصل مستشارون وخبراء صهاينة للعمل في المشاريع الزراعية التي أقامها رجال أعمال في ضواحي روصو (عاصمة الجنوب الموريتاني).. وطبعا كان هؤلاء الخبراء والمستشارون ينامون في السنغال بعد مداومتهم في الضفة الموريتانية لأنهم يخافون من الشعب الموريتاني الذي يمقتهم.‏

إن مسألة التبادل بين موريتانيا و"إسرائيل" هي بالتأكيد على أشدها دون أن يعلم عنها الشعب الموريتاني شيئا ً‘ بحكم طبيعة أجهزة الأمن الاستخبارية التي تعمل خارج القانون والدستور. وتكلف زيارات الصهاينة لموريتانيا الميزانية الموريتانية أكثر مما تكلفه زيارات رؤساء الدول، لما يبذل فيها من تدابير وتحضيرات ترهق ميزانية الدولة لاستقبال المستشارين الصهاينة، وعلى كل حال فهي زيارات تعكس عمق التبادل والتواصل. وعلى المستوى الإفريقي شهدت علاقة النظام مع بلدان القارة الإفريقية نوعا ً من الفتور والتذبذب، فقد تقلص الدور الموريتاني في إفريقيا ومنظمتها الإقليمية. وفي هذه العزلة التامة بدأ النظام يفكر في مخرج من أزماته القاتلة، (ملفات ساخنة في مجال حقوق الإنسان، مساعدات اقتصادية مشلولة، ضغط من البنك الدولي، فساد إداري وسياسي، حالة اجتماعية مزرية).. أما دواعي النظام لقرار التطبيع، فدوافعها مرتبطة بملفات حقوق الإنسان والوضع الاقتصادي، وسياسة الاستسلام العربية التي شجعته على إقدامه على التطبيع، إذ لم يعد هناك من ضمير جمعي عربي حيال الموقف من الكيان الصهيوني،ولم تعد توجد زعامات عربية قوية تفرض رأيها، فتولد نوعا ً من الإحساس والاعتزاز الزائد بالذات عند بعض الدول الهامشية أو بعض الدول الصغيرة بمفهوم المعطيات والإمكانات كما الحال بالنسبة لموريتانيا في المغرب العربي وغيرها.‏

ولعل بعض أهداف النظام تم تحقيقه حين امتدت اليد الأمريكية لتشطب اسم موريتانيا مؤقتا ً ـ من قائمة الظنينة بملف حقوق الإنسان، وتلغي بعض الديون المستحقة، وتثني على نموذجها الديمقراطي، والسلمي.. إلخ.‏

من النادر جدا ً أن يكون الموريتانيون مجمعين على موقف ما في شؤون حياتهم السياسية الداخلية، كما هم عليه الآن في حالة العلاقات الدبلوماسية المقامة مع الكيان الصهيوني..فتلك العلاقات تشكل قطيعة نفسية فظيعة في مخيلة الموريتاني مهما كانت أصوله العرقية أو مشاربه الثقافية. فالعداء الفطري للكيان الصهيوني يشكل إحدى السمات المميزة للموريتاني بغض النظر عن موقفه الشخصي من النظام السياسي الحاكم أو غيره، فتأثير الواقع اليومي للقضية الفلسطينية وتطورات الساحة الدبلوماسية في الشرق الأوسط خصوصا ً على الموريتاني أمر مباشر يملي عليه مواقف تزيده تشبثا ًبالمساندة الطبيعية والتعاطف التلقائي مع الأشقاء. فالمهادنة مع الكيان الصهيوني في نظره خيانة والتحالف مع أمريكا تقاعس أو استقالة من واجب المساندة الفعلية للقضية الفلسطينية التي تغذي رموزها، مسميات الأحياء والقرى الموريتانية.‏

إن موريتانيا يمكن أن تصبح بسهولة نقطة انطلاقة الأخطبوط الصهيوني في إفريقيا فهي من خلال أرضها الشاسعة ومن خلال اندفاع وانغماس نظامها وضعفه، ومن خلال وجود لوبي حاكم، يمكن أن تكون نقطة ومددا ً للصهاينة بدلا ً من أن تكون انطلاقة ومددا ً للثقافة العربية الإسلامية. فأصبحت موريتانيا تلعب دورا ً معاكسا ً وخطيرا ً يضر ببعض الدول المجاورة أو البعيدة على حد السواء، وهذا الدور هو تنمية خطر صهيوني خارج إطار المراقبة.‏

5 ـ الجزائر والتطبيع مع الكيان الصهيوني‏

شكلت المصافحة التاريخية بين الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة ورئيس الوزراء الصهيوني إيهود باراك على هامش جنازة الملك الراحل الحسن الثاني في تموز/يوليو 1999، انطلاقة قوية لمسار التطبيع بين الجزائر و"إسرائيل". ففي ربيع عام 2002 تأسست" جمعية جزائرية للصداقة مع إسرائيل"، وأعرب السيد محمد برطالي رئيس "الجمعية الوطنية للصداقة الجزائرية – الإسرائيلية" عن الأمل أن توافق الحكومة على طلب الاعتماد الذي أرسل إلى وزارة الداخلية.و أضاف :"إننا نعتقد بأن للرئيس بوتفليقة مواقف إيجابية من إسرائيل. ولمسنا هذا في تثمينه للدور الثقافي الذي لعبه اليهود في قسنطينة واستقباله لوفود يهودية خلال زيارته لكل من أوروبا وأمريكا ودعوته للفنان( المغني الفرنسي اليهودي الجزائري الأصل) "أنريكو ماسياس"إلى زيارة الجزائر.‏

و يعتقد مراقبون أن ظهور أشخاص يدعون إلى إقامة علاقات صادقة مع الكيان الصهيوني قد يكون محاولة "إسرائيلية" جديدة لاختراق المشهد السياسي الجزائري، علما ً أن عددا ً من كبار المسؤولين في الدولة الجزائرية سبق لهم أن زاروا الكيان الصهيوني، كوزيرة الاتصال والثقافة خليدة تومي في 1995 و1996، ووفد الإعلاميين في عام 2000.‏

و في هذا السياق ذاته شكل حضور الجزائر في الندوة الأولى لرؤساء أركان الدفاع بلدان حلف شمال الأطلسي ورؤساء أركان بلدان الحوار المتوسطي التي انعقدت في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر 2004 في بروكسيل في بلجيكا بمشاركة ست دول عربية هي إلى جانب الجزائر كل من مصر والأردن والمغرب وتونس وموريتانيا, فضلا عن الكيان الصهيوني، خروجا عن تعهد الرئيس عبد العزيز بوتفليقة في حملته الرئاسية بعدم التطبيع مع الكيان الصهيوني.و الندوة التي حضرها رئيس أركان الجيش أحمد قايد صالح، هي الثانية التي تشارك فيها الجزائر على الرغم من الوجود الصهيوني، حيث كان رئيس الأركان السابق محمد العماري شارك في لقاء مماثل ضم "إسرائيل" أيضاً.‏

وفي أعقاب انتهاء الحرب الباردة بدأ حلف الأطلسي السعي لتعزيز وجوده في الشرق الأوسط لكن هذه المساعي لم تلق نجاحا ً يذكر لاسيما أن كثيرين في العالم العربي يرون الحلف منظمة تهيمن عليها الولايات المتحدة وتريد التدخل في شؤونهم.وكانت المحادثات على العشاء جزءا ً من حملة جديدة للحلف المكون من 26 دولة للتغلب على هذه الشكوك وتزامن مع تحركات أوسع تقودها واشنطن لتعزيز الاصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في الشرق الأوسط وافريقيا.‏

وقال الأمين العام لحلف شمال الاطلسي ياب دي هوب شيفر للصحفيين بعد المأدبة التي استمرت ساعتين في وسط بروكسل "هذا طريق لـه حارتان. انه ليس فرض موقف على الآخرين."واضاف قوله "انه عن السبل السياسية للعمل معا وتبادل معلومات الاستخبارات والأهم هو بناء الثقة. .. ولا شك أننا يجب أن نعمل لتحسين صورة حلف الأطلسي في المنطقة." ولم يتفق على صفقات معينة لكن دي هوب شيفر قال إن السبعة سيكون لهم الحرية للمساعدة في البعثات القائمة لحلف الأطلسي مثل عملية مكافحة الإرهاب التي تراقب السفن في شرق البحر المتوسط.‏

وتمخض عن تلك الندوة اعتزام قوات أربعة بلدان مغاربية إجراء مناورات في مطلع العام الحالي مع قوات من الحلف الأطلسي وقوات "إسرائيلية" والتي تردّد أنها كانت السبب الرئيس وراء غضب القذافي وتنازله عن رئاسة الاتحاد المغاربي. وهذا الأمر ليس جديداً تماما.ً فالبلدان المعنية وهي الجزائر وتونس والمغرب وموريتانيا تقوم بمناورات عسكرية دورية مع جيوش بلدان أعضاء في الحلف منذ زمن بعيد. لكن الجديد هو أن تتم هذه المناورات تحت خيمة "الأطلسي" تنفيذاً للشراكة التي بنيت في قمة اسطنبول الأخيرة وأتت تتويجاً لما سمي بـ "الحوار المتوسطي" الذي انطلق قبل عشر سنوات وشمل، إلى جانب البلدان المغاربية، كلاً من "إسرائيل" ومصر والأردن.‏

لكن الجديد في المناورات المغاربية ـ الأطلسية المقبلة هو إدخال "إسرائيل" على خط "الشراكة" بوصفها أحد أركان "الحوار المتوسطي" مع الحلف منذ انطلاقه، وكانت مشاركتها في اجتماعي وزراء الخارجية ورؤساء الأركان الأخيرين إلى جانب ممثلي البلدان المغاربية ظاهرة أمام عدسات المصورين بل كادت تعتبر أمراً مألوفاً. إلا أن ذلك الانعطاف يشكل بلا ريب نقلة في العلاقات المغاربية – "الإسرائيلية" التي لم تصل بعد إلى مستوى إجراء مناورات مشتركة على رغم كل أنواع التطبيع التي كرست على الصعد السياسية والاقتصادية والرياضية والثقافية. وتبدو البلدان المغاربية كما لو أنها تتنافس على التقارب مع الدولة العبرية للتقرّب من واشنطن ونيل حظوة لديها مع أننا بعيدون جداً عن التسوية العادلة والشاملة للملف الفلسطيني التي كانت تقدّم على أنها شرط مسبق للتطبيع.‏

إن الهاجس الأول من وراء هذه "الشراكة" أمني بالدرجة الأولى، أي يصب في خدمة الأمن الأمريكي بالتلازم مع الأمن الصهيوني. فالشراكة التي تريدها الولايات المتحدة الأمريكية وكذلك الإتحاد الأوروبي مع البلدان المغاربية، سواء تعلق الأمر بالمشاريع الأمريكية التي كان آخرها "الشرق الأوسط الكبير" أو لدى الاتحاد الأوروبي أيضاً الذي أحلّ "سياسة الجوار " محل مسار برشلونة الأورومتوسطي منذ قمته السنوية العام الماضي في بروكسيل، تحتوي على كلمة سر واحدة هي الأمن: أي مكافحة الإرهاب والهجرة غير المشروعة في علاقات الأميركيين والأوروبيين على السواء مع الضفة الجنوبية للمتوسط.‏

6 ـ ليبيا والتطبيع مع الكيان الصهيوني‏

يرتدي التطبيع بين ليبيا والكيان الصهيوني شكلا ً مختلفا ً عن البلدان المغاربية الأخرى. فهو، وإن كان وقودا ً للتقارب مع واشنطن، إلا أن العقيد معمر القذافي يتعاطى معه بحذر شديد مخافة أن يقضي على شعبيته في أوساط عودها على الخطابات القومية الملتهبة.‏

على الرغم أن ليبيا اعترضت رسمياً على المناورات المشتركة مع الصهاينة، إلا أن المؤشرات تشير إلى حدوث تقارب بين ليبيا والكيان الصهيوني، بعد تعهد الزعيم الليبي معمر القذافي في نهاية العام 2003، التخلي عن الأسلحة غير التقليدية في خطوة رحبت بها الولايات المتحدة الأمريكية. وكان وفد من اليهود الإيطاليين من أصل ليبي زار طرابلس في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، والتقى مسؤولين ليبيين. وكانت صحيفة "معاريف"(7) ذكرت، أن الرئيس الليبي استقبل مجموعة من اليهود الإيطاليين. وفي السياق عينه، قال نجل الرئيس الليبي سيف الإسلام، إن طرابلس " ماضية في التغيير والإصلاح ولا رجعة إلى الوراء من أجل الاندماج في المجتمع الدولي" مؤكدا ً أن "ليبيا اليوم ليست ليبيا الأمس". وكان سيف الإسلام معمر القذافي وعد "الإسرائيليين" الذين هاجروا من ليبيا بمنحهم تعويضات على العقارات والأموال التي تركوها في ليبيا.‏

ومنذ تجسيد السياسة الخارجية الليبية القطيعة مع ماضيها الثوري الملتزم بقضايا الأمة العربية، وقضايا التحرر الوطني في العالم الثالث، تسارعت وتيرة التطبيع بينها وبين الكيان الصهيوني سريعا ً. ومن المؤشرات على هذه السياسة الجديدة: بعد زيارة وفد اليهود من أصول ليبية، سربت أوساط إعلامية حصول لقاء في وقت سابق من هذا العام بين العقيد القذافي ورافايلو فلاح رئيس "جمعية يهود ليبيا"، وبداية الاتصال بين وزير خارجية "إسرائيل" سيلفان شالوم و"مسؤولين ليبيين"، وتصريح سيف الاسلام القذافي إلى جريدة "الأهرام" المصرية حول "عودة اليهود الليبيين المرحّب بهم في بلدهم"، ودعوة نائب رئيس الكنيست موشي كحلون من حزب الليكود للقيام بزيارة طرابلس يرافقه وفد من اليهود الليبيين، بعد اللقاء العام الذي يعقده يهود ليبيا في روما قبل نهاية العام المنصرم، ولو أن نائب أمين الخارجية الليبي حسونة الشاوش أوضح أن كحلون "إذا وجهت الدعوة إليه فإن ذلك قد يكون باعتباره من أصل ليبي أو من ممثلي اليهود الليبيين، وليس بصفته الرسمية"... هذه كلها مؤشرات توحي بأن طرابلس عاقدة العزم على المضي قدما ً في ركبها قطار التطبيع كي لا يفوتها.. ومن المعروف أن رافايلو فلاح هو الذي استقبل "الحجاج" الليبيين الذين زاروا القدس قبل سنوات. ويبلغ عدد اليهود الليبيين نحو 140 ألفاً، بينهم 130 ألفاً في الكيان الصهيوني، والباقي موزّع على دول أوروبية، وفي إيطاليا بشكل خاص. وكان نحو 38 ألفاً من بينهم قد غادروا البلاد بعد حرب 1967.‏

ويتولى الموقع الخاص بيهود ليبيا على الانترنت نشر التقارير حول أهمية تنظيم الليبيين اليهود في الكيان الصهيوني تحت سقف واحد في طلب التعويضات. وخصص الموقع مساحة واسعة للشرح عن وضع اليهود في ليبيا ومن ثم السماح لهم في الوصول إلى الكيان الصهيوني وذلك في قرار صدر في 19 كانون الثاني (يناير) 1949. وكما يذكر الموقع فإن اليهود باعوا ممتلكاتهم قبل الوصول إلى الكيان الصهيوني في أول دفعة في نيسان (إبريل) 1949 وخلال ثلاث سنوات وصل إلى الكيان 32 ألف يهودي ثم توالت الهجرة إلى "إسرائيل "بمعدل 600 يهودي كل شهر. وقد حرص الكثيرون، بحسب ما نشر الموقع، على بيع ممتلكاتهم. ويخصص الموقع زوايا نشرت فيها مقالات عن طبيعة العلاقة التي كانت سائدة بين مسلمي ليبيا واليهود. وبحسب أحد كتاب الموقع، فإن اليهود كانوا يسيطرون على الاقتصاد في ليبيا. وأشار كاتب آخر إلى أن "العرب فرحوا جداً لهجرة اليهود لأن ذلك أتاح للكثيرين السيطرة على الاقتصاد".‏

وصدر قانون ليبي بتاريخ 27 تموز 1970 يقضي بتعويض ليبيين من يهود وغيرهم صودرت أملاكهم. أما في ما يتعلق بالعلاقات مع "إسرائيل"، فقد سرَّبت أوساط إعلامية أن اللقاء الذي تم في وقت سابق من هذا العام بين العقيد القذافي ورافايلو فلاح رئيس "جمعية يهود ليبيا"، وبداية الاتصال بين وزير خارجية إسرائيل سيلفان شالوم و"مسؤولين ليبيين"، وتصريح سيف الإسلام القذافي إلى جريدة "الأهرام" المصرية حول "عودة اليهود الليبيين المرحّب بهم في بلدهم"، ودعوة نائب رئيس الكنيست موشي كحلون من حزب الليكود للقيام بزيارة طرابلس يرافقه وفد من اليهود الليبيين، بعد اللقاء العام الذي يعقده يهود ليبيا في روما قبل نهاية العام الجاري، ولو أن نائب أمين الخارجية الليبي حسونة الشاوش أوضح أن كحلون "إذا وجهت الدعوة إليه فإن ذلك قد يكون باعتباره من أصل ليبي أو من ممثلي اليهود الليبيين، وليس بصفته الرسمية"...‏

ويلعب رئيس المنظمة العالمية لليهود الليبيين رامي كحلون دورا ً مهما ً في إنضاج التطبيع، وكشفت صحيفة "جيروزاليم بوست" في عددها الصادر يوم 3 آذار/مارس 2005 أنه حاول الحصول على دعوة من السلطات الليبية لزيارة ليبيا بدعوى الاطلاع على بيت أهله ومناقشة مسألة "تعويض اليهود عن ممتلكاتهم".لكن السلطات فضلت إرجاء الزيارة، ربما خوفا من ردود الفعل في الداخل، خصوصا ًأن ليبيا تطالب "إسرائيل" منذ سنوات بدفع تعويضات لأسر ضحايا الطائرة المدنية التابعة للخطوط الليبية التي أسقطها سلاح الجو الصهيوني فوق صحراء سيناء عام 1973.‏

وعلى رغم ان التصريحات التي أطلقها القذافي حول التعويضات لليهود الذين طردوا من بيوتهم في ليبيا، ما زالت مجرد تصريحات ويرى بعضهم أنها ليست أكثر من ترويج إعلامي، فإن الليبيين في الكيان الصهيوني يتناولون الموضوع بمنتهى الجدية ويكثفون هذه الأيام من نشاطهم لضمان طرح قضيتهم في شكل قانوني. ولدى مجموعة كبيرة من اليهود الليبيين في الكيان الصهيوني مستندات ووثائق رسمية تثبت ملكياتهم، وفي هذه الأيام تنشغل مجموعة منهم، معظمهم من رجال القانون، بتجميع الوثائق التي تثبت حقهم في الممتلكات في ليبيا لتكون وثائق معتمدة في الملف الذي يعده "التنظيم من اجل يهود ليبيا" لرفعه إلى السلطات الليبية والمطالبة بدفع التعويضات عن ممتلكات وبيوت ومؤسسات تربوية واجتماعية وكنس وأراض. ويقول وجهاء الجالية أن ممتلكاتهم في ليبيا تقدر بنحو 500 مليون دولار إضافة إلى مئة مليون دولار أخرى للمنشآت العامة اليهودية كالمعابد والمقابر.‏

وفاتح مسؤولون أمريكيون نظراءهم الليبيين في شأن ضرورة التطبيع مع الدولة العبرية، وبناء على تلك "النصائح" توجه مسؤول ليبي، لم يتسن التعرف على هويته، إلى الكيان الصهيوني سرا ً لإجراء مفاوضات حول التعويضات لليهود. وكانت "جيروزاليم بوست" أكدت في العدد المذكور أن مسؤولا ليبيا ً زار الكيان الصهيوني "للإعداد لأمر دبلوماسي ما". وطبقا للرواية الصهيونية، فإن ثلاثين ألف يهودي غادروا ليبيا منذ استقلال البلد عام 1952، وتركوا وراءهم "عقارات وممتلكات"، مما يدل على ضخامة المطالب المالية الصهيونية. ويقول يهود ليبيون ان الحكومة الليبية "كانت الحكومة العربية الوحيدة التي أتاحت نشاطات للإسرائيليين على أراضيها لتنظيم هجرة اليهود وحددت فترة لذلك هي فترة ما قبل كانون الأول (ديسمبر) 1952 عندما صدر قرار في منع دخول السفن الإسرائيلية إلى ليبيا".‏

وأكدت المصادر أن المسألة أثيرت في لقاء ثلاثي جمع في جزيرة جربة التونسية القريبة من ليبيا في أواسط التسعينيات أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية آنذاك محمود عباس (أبو مازن) مع وفدين، أمريكي وليبي، كانا يدرسان احتمالات رفع العقوبات الدولية التي كانت مفروضة على ليبيا. لكن أبو مازن كذب تلك المعلومات في حينه، مؤكدا ً أنه لا يعقل أن يتوسط بين الكيان الصهيوني وليبيا، بينما هو محتاج كفلسطيني لمن يتوسط بينه وبين الكيان الصهيوني.وهذه كلها مؤشرات توحي بأن طرابلس غير مقصّرة في هذا المضمار.‏

و كان الزعيم الليبي معمر القذافي فاجأ العرب واليهود عندما أعلن استعداده، في خطاب ألقاه بمناسبة الذكرى الخامسة والثلاثين لثورة الفاتح، دفع تعويضات لليهود الليبيين الذين أجبروا على ترك منازلهم. وإذا كان صحيحا ً أن دخل ليبيا السنوي من النفط بات يقترب من العشرين مليار دولار بعد ارتفاع أسعار النفط، إلا أن هذا لا يعني توزيع هذا الدخل في مسلسل للتعويضات بدأ بصندوق ضحايا لوكربي ويوتا ولابيل (الملهي الألماني) وصولا ً إلى اليهود الليبيين وأملاكهم. فالليبيون أولى بهذه الأموال، وأحق بالتعويضات عن سنوات الحرمان الأخيرة. الأرجح أن الزعيم الليبي يريد شيئا ما، لعله تحييد اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة وأوروبا واستمالة الغرب، مما يعني انتصار الجناح الليبي الذي يطالب بالاتجاه شمالا ً، والاندماج في الاقتصاد الأوروبي وإدارة الظهر للعرب والأفارقة معاً، باعتبار الطرفين مستودعا للتخلف والأمراض السياسية والاجتماعية.‏

قصارى القول، أن ليبيا ستبقى على ما يبدو "الحلقة الأضعف" في التطبيع المغاربي – الصهيوني بالنظر لانهماك الليبيين في ورشة الإصلاحات الداخلية التي تحث عليها واشنطن للقبول بعودة الحكم الليبي إلى المجتمع الدولي، لكن لا أحد يضمن ألا يفاجئ العقيد القذافي المراقبين بخطوة غير متوقعة. .. على طريقته المعتادة.‏

7 ـ " التطبيع " للاندماج في الاقتصاد الدولي‏

يشهد المغرب العربي تهافت الحكام المغاربيين على إسماع زوارهم ووزرائهم انه لا بد من التوصل إلى اتفاقات ثنائية مع "إسرائيل"، وأن " التبادل الحر " معها صار شرطا ً أساسيا ً لتكريس العلاقات مع أوروبا الغربية والولايات المتحدة الأمريكية، والتنعم بحسنات " التبادل الحر " مع أوروبا التي تستأثر بالأساس بمعظم تجارة دول المغرب العربي، والالتحاق جزئيا ً بالقطار الأمريكي كانت دول المغرب العربي تنظر إلى النظام الشرق أوسطي الجديد كفرصة للتطبيع مع الكيان الصهيوني وانتزاع بعض المكاسب والاستثمارات الاقتصادية من الدول الصناعية الغربية والغنية باسم عملية السلام وفي سياقها(8).‏

وكانت نتيجة الحرب الباردة بين القوتين العظمتين قد حسمت بانتقال العالم من القطبية الثنائية إلى نظام القطب الواحد بزعامة الولايات المتحدة، وتوجت بانتقال حالة الصراع من المنافسة السياسية والعسكرية إلى الاقتصاد، مما عزز التوجه نحو إنشاء التكتلات الاقتصادية العملاقة. وبادرت الولايات المتحدة الى انشاء منطقة تجارة حرة مع المكسيك وكندا " نافتا "، وتوجهت الدول الأوروبية الغربية لتطوير منطقة تجارة حرة بينها للارتقاء بمستوى الاتحاد الأوروبي طبقا لاتفاقية " ماستريخت " للوحدة السياسية والاقتصادية. وكمحصلة لانتهاء الحرب الباردة، انتهت فعليا ً مرحلة منح المساعدات السهلة لدول الجنوب. ومنها دول المغرب العربي (تونس، الجزائر، المغرب وموريتانيا )، إذ أنفقت مليارات الدولارات خلال الأربعين عاما الماضية بهدف استقطاب الأطراف لأحد القطبين، وقد انتهت الحاجة إلى ذلك، وأصبح الاستمرار بالاعتماد على المصادر المالية الخارجية الرسمية والحصول عليها واستقطاب رؤوس الأموال الأجنبية وزيادة القدرة على كسب العملات الأجنبية، مرتبطة ارتباطا وثيقا ًً بإقامة العلاقات الديبلوماسية مع الكيان الصهيوني، باعتباره يقوم بدور الوسيط المالي بين المنطقة العربية والعالم الرأسمالي. وتصر الحكومات الغربية والمؤسسات الدولية ( مثل صندوق النقد الدولي) على أن الشرط الرئيس لحصول الدول المغاربية على المساعدات والاستثمارات يتطلب منها " التطبيع " مع الكيان الصهيوني.‏

ويعتبر " البعد الاقتصادي " للتسوية مداعبة لحلم صهيوني قديم تحدث عنه تيدور هرتزل في روايته السياسية اليوتوبية، إذ أشار إلى أهمية قيام " كومنولث " عربي ـ يهودي بين "إسرائيل" والاقتصاديات العربية، بحيث يجري خلق مصالح اقتصادية متبادلة تسمح بدخول "إسرائيل" في النسيج الاقتصادي العربي لتصبح "إسرائيل" مثابة " سنغافورة الشرق الأوسط ". وتأتي خطط أوروبا القديمة ـ الجديدة لمنطقة المغرب العربي في هذا السياق، إذ تطمح أسبانيا لأن تضطلع بالدور القيادي في المنطقة بالنيابة عن الاتحاد الأوروبي. وأصبح الاتحاد الأوروبي أقسى بكثير خلال السنوات الأخيرة على صعيد الشروط التي يضعها للتعاون الاقتصادي، مشددا ً الربط بين شروطه، وهي التطبيع مع الكيان الصهيوني، وشروط صندوق النقد الدولي.‏

ويأتي تطبيع علاقات تونس والمغرب وموريتانيا مع الكيان الصهيوني وإقامة العلاقات الديبلوماسية معه في إطار انخراط هذه الأطراف، كل من جانبه، في علاقات دونية مع "إسرائيل"، وتكريس الاتجاه التنافري القائم بين الدول العربية، وما ولده من رد فعل معاد لفكرة القومية العربية وللقضية الفلسطينية، خصوصا ً أن سياسة " التطبيع " هذه التي تصدرها كل من تونس والمغرب، تعمل على التأسيس لتداعيات سياسية وثقافية تسرع تآكل فكرة الهوية العربية/ الإسلامية، وتروج لفكرة الانخراط في النظام الشرق أوسطي قيد التشكيل، إذ إن دخول الدول العربية فرادى فيه يساهم في بلورة هذا النظام الشرق أوسطي على الأقل في مجال " التطبيع " الاقتصادي والسياسي.‏

ويبرر المسؤولون التونسيون والمغربيون والموريتانيون إفساحهم في المجال أمام الكيان الصهيوني لكي يخترق ويغزو الأسواق المغاربية، بأنهم يعلقون آمالا كبيرة على الوفود السياحية الصهيونية لزيارة المناطق السياحية التونسية والمغربية. وعلى الصهاينة الأثرياء من أصل مغاربي لجلب أموالهم الوفيرة واستثمارها في بلدهم الأم والاستفادة من خبرتهم والتجارية، وكذلك توفير إمكانات لتدفق الاستثمارات " الإسرائيلية " إلى كل من تونس المغرب، وعلى الانخراط في الاستقطاب الاقتصادي الصهيوني الذي يسعى إلى قيام " السوق الشرق أوسطية " باعتبار قيامها احتمالا ً تاريخيا ً قائما ً في ظل غياب البديل القوي المؤسسي لقيام سوق عربية مشتركة.‏

واكتشفت دول المغرب العربي، ولا سيما تونس والمغرب، شراسة المنافسة الصهيونية التي لا حدود لها. فقد بادر الكيان الصهيوني إلى ترتيب علاقاته التجارية والاقتصادية مع الاتحاد الأوروبي الذي استجاب لكل مطالب "إسرائيل"، في حين لا تزال أقطار المغرب في وضع تفاوضي غير متكافئ مع الأوروبيين وهي مفاوضات ستفضي في أفضل الحالات إلى اتفاقات مجحفة بحق البلدان المغاربية. كما أن دول المغرب العربي أصبحت تعاني من تداعيات المنافسة "الإسرائيلية" المدمرة على اقتصاداتها في مجالات السياحة والزراعة والخدمات التجارية والمالية وغيرها، والتي بدأت تلحق أضرارا ً بالغة بالمجالات الاقتصادية في أقطار المغرب العربي.‏

وهكذا فإن الازدهار الاقتصادي الذي بشر به الحكام المغاربيون وخبراء صندوق النقد الدولي، لجلب أموال الصهاينة الأثرياء لاستثمارها في أقطار المغرب العربي، قد تبخر في فضاء الرهانات الخاسرة بسبب " التطبيع " مع "إسرائيل". وأصبح خط التطبيع من وجهة نظر الدول المغاربية المتناقضة جذريا ً مع مفهوم الدولة الوطنية هو الخط الذي يشرع تكثيف العلاقات العربية مع الكيان الصهيوني، باعتباره " الخط الواقعي " المنسجم مع السياسة الأميركية/ الصهيونية التي تريد فرض السلام الأميركي ـ الصهيوني على الأمة العربية، لتكون إسرائيل نواة النظام الشرق أوسطي الذي لا يزال في بداية تشكله والذي يبنى حاليا بالاستناد إلى المعادلات الدولية والإقليمية التالية :‏

أولا: القبول بالهيمنة الأميركية على وظيفة القيادة في " النظام الدولي الجديد " وفي مختلف المجالات، من السياسة إلى الاقتصاد مرورا ً بالثقافة والعلوم والتكنولوجيا.‏

ثانيا: القبول بالدور القائد "لإسرائيل" للنظام الشرق أوسطي، باعتباره دورا ً ضروريا ً لتطوير " تجارة حرة " إقليمية تكون محركتها "إسرائيل" نفسها، لدفع صادراتها إلى المنطقة العربية، واقتحام أسواق الخليج وأسواق المغرب العربي وتحولها قبلة اقتصادية لعموم النشاط الاقتصادي الإقليمي بالنظر إلى حجم اقتصادها الكبير وحجم صادراتها ومستوى " التكنولوجيا المتقدمة فيها " وتفوقها النووي والمعلوماتي، وشراكتها الاستراتيجية الاقتصادية والسياسية والعسكرية والحضارية مع المراكز الرأسمالية المغربية عامة، والولايات المتحدة الأميركية خاصة.‏

ثالثا: إعادة هيكلة الاقتصادات العربية وإعادة قولبتها في إطار جديد للتقسيم الإمبريالي للعمل، إذ إن عمليات الخلخلة وكذلك عملية الخضوع للتقسيم الإقليمي والدولي للعمل، تشكل مدخلا ضروريا ً لإقامة السوق الشرق أوسطية في ظل ضعف البنية الصناعية والتنظيمية للرأسمالية العربية التابعة والهامشية، وتطور الرأسمالية الصناعية والمالية الإسرائيلية والرأسمالية الصهيونية العالمية، الأمر الذي يجعل " الرأسمالية العربية مرشحة في أحسن الأحوال لدور junior partner ) في إطار السوق الشرق أوسطية والترتيبات الاقتصادية الشرق أوسطية الجديدة، على حد قول الدكتور محمود عبد الفضيل.‏

من هنا، وعلى الرغم من الضجيج الذي يثيره إعلام الدول المغاربية حول المشاريع الكثيرة المزمع تنفيذها بفضل التطبيع مع "إسرائيل"، فإن هذه الأخيرة لن تحمل أي أمل في التقدم الاقتصادي والاجتماعي للدول العربية، بل إنها معدة لتامين وجود "إسرائيل" قوية ومتفوقة، لأن الإبقاء على "إسرائيل" قوية وقادرة على التدخل والتأثير يمثل في نظر الولايات المتحدة أعظم ضمانة ضد الانقلابات والتغيرات غير المرغوب فيها، والتي يمكن أن تطرأ وتهدد الأوضاع السياسية والاجتماعية في دول المغرب العربي والمشرق العربي على حد سواء.‏

الخاتمة‏

على الرغم من التجميد الرسمي للمكاتب التمثيلية في الدولة العبرية في أعقاب القمة العربية في القاهرة عام 2000، إضافة لإغلاق المكتبين الصهيونيين في كل من الرباط وتونس، تكثفت العلاقات التجارية والسياحية والثقافية والأمنية المغاربية –الصهيونية بشكل غير مسبوق خلال السنوات الأخيرة، حتى أن أحد المصادر، الذي رفض الكشف عن هويته، اعتبر أن العلاقات لا ينقصها سوى رفع العلم فوق المكاتب التمثيلية التي عادت لتعمل بوتيرة أعلى مما كانت عليه في العقد الماضي، أسوة بنشاط السفارة الإسرائيلية في موريتانيا، ولم يكن هذا الجزء الخافي من جبل الجليد غائبا ً عن المراقبين.‏

فعندما أعلن شالوم منذ أشهر أن عشرة بلدان عربية ستطور علاقاتها مع إسرائيل قريبا، اتجهت الأنظار إلى العواصم المغاربية لأن كثيرين كانوا يُدركون أن ثمرة التطبيع "أينعت وحان قطافها".و تعتبر جولة شالوم المغاربية استكمالا ً للقاءات التي عقدها وزير الخارجية الصهيوني مع وزراء خارجية كل من تونس والمغرب وموريتانيا على هامش الاجتماعات السنوية للجمعية العامة للأمم المتحدة التي نُظّمت في نيويورك في شهر أيلول/سبتمبر الماضي، إلا أنها المرة الأولى التي يقوم فيها وزير صهيوني بجولة علنية من هذا النوع منذ اندلاع الانتفاضة الثانية في سبتمبر 2000، مما يؤكد أن طريق التطبيع الصهيوني مع عواصم مغاربية باتت شبه سالكة.‏

ويخطئ من يعتقد أن التطبيع مع الكيان الصهيوني كفيل بتحسين أوضاع الحكومات المغاربية داخليا ً وخارجيا ً بل أن المبادرات التي تقوم بها الدبلوماسيات المغاربية في قضية الشرق الأوسط لا يمكن أن تكون سوى دور ظرفي سرعان ما يفقد جذوته بمجرد أن تفتح أبواب منطقة الخليج والمغرب العربيين في وجه الوجود الصهيوني. . لذلك لا يمكن أن يكون التطبيع مع الكيان الصهيوني بديلا عن الإصلاح السياسي في منطقة المغرب العربي، بل أن الصلح مع الداخل هو ملاذ الأنظمة العربية الوحيد في وجه أخطار التهاوي والسقوط بعد أن أضحى إصلاحها على رأس أجندة الولايات المتحدة الأمريكية.‏

والحال هذه، فإن الهرولة المغاربية باتجاه الكيان الصهيوني تصبح غير مبررة، ولن تجني منها البلدان المعنية شيئاً لأن الصهاينة لا يقدّمون هدايا لأحد.وتدل هذه العلاقات المغاربية – الصهيونية النشطة إلى أن الكلام الذي يقال في القمم العربية والاجتماعات الوزارية في وادٍ والسياسات الفعلية في وادٍ آخر. وهي سياسات خفية تصاغ وتنفذ في ظل التكتم والتستّر الشديدين لأنها مقطوعة عن الداخل ولا تعكس سوى الاستجابة للضغوط الأميركية والابتزاز الصهيوني. واستطراداً فالدول المغاربية لم تعد ترى أن أي من درجات الخلاف يفصل بينها وبين الكيان الصهيوني، ماداما يعملان كليهما لمصلحة الولايات المتحدة الأمريكية، ومادامت أهدافهما موحدة على صعيد مكافحة ما يسمى الإرهاب، لتحقيق أهداف السياسة الأمريكية. ـ الصهيونية الشرق أوسطية، التي تنص على تفتيت الدول العربية القائمة إلى دويلات طائفية وعرقية وإثنية الخ...و استهلاك قواها في حروب داخلية وتدمير قواها المنتجة، وإنهاكها في صراعات أليمة تحول دون الدفاع عن حقوقها ووجودها، وتجعلها تنشد الأمان في أحضان السياسة الأمريكية – الصهيونية.‏

و في مثل هذا التطبيع يصبح الكيان الصهيوني حكما ً في النزاعات المغاربية، وبذلك لا يكون طرفا ً مقبولا ً من العرب فحسب،بل يصبح أيضا ً طرفا ًمرغوبا ً بالصداقة معه والتحالف بحيث يتم الاستقواء به ضد أي طرف عربي آخر من خلال إدماجه الضمني أو المعلن في صلب الخلافات العربية، وضمن ميزان القوى الداخلي في المنظومة العربية.‏

(1) الهادي التيمومي – دور القضية الفلسطينية في تعميق الوعي القومي العربي في المغرب العربي: مثال تونس – بحث منشور في كتاب تطور الوعي القومي في المغرب العربي لمجموعة من الباحثين، صادر عن مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الأولى نيسان /أبريل 1986.‏

(2) L avenir de la Tunisie ـ 13decembre1947‏

(3) L avenir de la Tunisie ـ 14Aout 1948‏

(4) حول المصادر والمراجع المتعلقة بمواقف الحزب من القضية الفلسطينية والحركة الصهيونية انظر: الهادي التيمومي، النشاط الصهيوني بتونس بين 1897 و1948، تقديم محمود درويش (تونس 1982).‏

(5) رشيد خشانة ـ التطبيع التونسي الإسرائيلي يعود إلى الخمسينيات ـ صحيفة الحياة الصادرة يوم 6 تشرين الأول/أكتوبر 2005.‏

(6) صحيفة هارتس في عددها الصادر يوم 28 كانون الأول/ديسمبر. 2004.‏

(7) معاريف، في عددها الصادر يوم 12تشرين الأول/ أكتوبر 2003‏

(8) انظر مقال توفيق المديني: المغرب العربي والتطبيع، دراسة منشورة في مجلة شؤون الأوسط تاريخ أيلول 1996.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244